Archive for février, 2009

المقاربة بالكفايات

Jeudi, février 5th, 2009

المقاربة بالكفايات

17/06/2007

المقاربة بالكفايات

window.google_render_ad();

تــــــــوطــــــــــــئــــــــــة: إن الحديث عن الكفايات لا بد له من مناولة في الإطار العام. والمقصود هنا بالإطار العام، هو استحضار مختلف الجوانب والحيثيات. وذلك حتى يخرج هذا المفهوم ـ وما يدور في فلكه من مفاهيم أخرى ـ من اعتباره مجرد ـ موضة ـ لدى كثير من المدرسين، إلى موقعته ضمن تحول عالمي، وانفلات جذري للمفهوم السابق للمدرسة. ليحل محلها مفهوم المقاولة. ولا غرابة اليوم أن نرى ونلحظ التزامن اللامسبوق لعمليات الإصلاح التربوي هنا وهناك. وأصبحنا نعيش ـ ولو صورياـ نوعا من التوحد العالمي نحو إرساء مفاهيم وأسس جديدة للمدرسة/ المقاولة، وأصبحنا أمام سلعة معروضة، لها عارض وطالب ومنافس وسعر وجودة وربح وخسارة وزمن للإنتاج… ومن تم فمسألة الخوض في الإصلاحات الجارية، لا بد أن تملك هذا الترابط العالمي، وأن تتحسس أبعاده الاقتصادية بالدرجة الأولى وأن تعي تمام الوعي توجهاته الكبرى، والتي هي في مجملها اجتماعية. يرى العديد من المهتمين والباحثين في المجال، أن التيار الليبرالي الجديد وما تضفيه العولمة على النسيج الجغرافي والاقتصادي العالمي، يشكلان حجر الزاوية في مسلسل الانخراط في الإصلاح. ولا يسمح لنا موضوعنا هذا بالانغماس في هذه الخلفيات والمرجعيات.بل إن هذه النظرة المبتسرة، بمثابة القبس الذي ينير خطى الباحث دونما شكليات…ولعل المتأمل ليرى بأم عينيه ظهور أشكال جديدة طفت على السطح واحتلت مكانتها، من قبيل الإقبال على التعليم الخصوصي ـ الذي يضاعف من “زبنائه”ومريديه ـ وإعادة هيكلة واختصاصات الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وإرساء نظام دراسي جامعي جديد ثم تعميق اللامركزية واللاتمركز في السلط وتعميق ثقافة المنافسة والجودة والزمن والجهد واعتماد الوسائل التكنولوجية في التعليم والتنافس في التأليف وإشراك الجماعات المحلية والجمعيات في التسيير والتمويل واعتماد المجزوءات الموحدة بين تخصصات مختلفة، وكلها آليات ومظاهر ما كانت لتأتي صدفة، بل هي نتيجة تحول عالمي شمولي، ونتيجة وجهة جديدة عابرة لكل الحدود الجغرافية. من هذا المنطلق تصبح المؤسسة التعليمية أشبه ما تكون بالمقاولة، ويصبح التعليم كائنا عالميا مطالبا بالاستجابة لمتطلبات سوق الشغل. ولهذا أصبحنا أمام مشهد يجسده التعليم الثانوي التأهيلي في عدد الناجحين! وأصبحت هذه النخبة من المتأهلين، أوفر حظا لولوج هذه السوق وللتناغم مع متطلبات الشركات والمدارس والمعاهد الكبرى. من هنا يبدو أن التعليم أصبح سوقا للتنافس، وسوقا مفتوحة على الآخر وعلى آلياته وشهاداته وجامعاته وممثليه ومشاريعه… ولم تعد قاعدة التوظيف تأخذ بالمعايير السابقة، بل أصبح التعاقد مظهرا جديدا يفرض نفسه.ويحقق كل هذا، خفض النفقات الموجهة للتعليم بمساعدة من القطاع الخاص. وإذا كان الفعل ” أصبح” يفرض نفسه بقوة ضمن هذه التوطئة، فلأن وظيفة المؤسسة التعليمية تحولت بشكل كبير. وأصبحت المدرسة موجهة لخدمة الاقتصاد بالدرجة الأولى، مع إعطاء الأحقية للمتفوقين ودعمهم ورعايتهم لتأهيلهم للبحث والتسيير وبالتالي إدماجهم في سوق الشغل. من هذا كله تبدو الحاجة ملحة لموقعة المقاربة بالكفايات ضمن هذا المسار الجديد ـ الذي شرع في تبنيه من طرف دول أوروبا تباعا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ـ وفي بلادنا مع بزوغ الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وهو ما سنحاول الحديث عنه من خلال هذه الصفحات، راجين من الله تعالى التوفيق والسداد، وأن تكون هذه الوثيقة عونا للمدرسين الراغبين في تعميق ثقافتهم التربوية. 1ـ المفهوم والمفاهيم المجاورة: أـ الكفاية: ـ يعرف ابن منظور الكفاية بأنها مشتقة من ” كفى يكفي كفاية إذا قام بالأمر، والكفؤ النظير لغة : الكفء،وقد يجوز أن يريدوا به الكفؤ ثم يسكنوا “[1] ـ الكفاية هي استعداد لقوة القيام ببعض الأفعال Actes، مثل كفاية إدارة ما، والتي تمارس في حدود القانون[2] والجدير بالذكر هنا، القول بأن مفهوم الكفاية لا يأخذ مفهوما واحدا بل إنه وكما وصفه LEBOTERF[3] مفهوم حربائي مما يدل على تنوع وتعدد دلالاته. ويرى ذات الكاتب في مرجع آخر، أن الكفاية هي معرفة حسن التصرف. ـ في مجال التربية والتكوين يعرفها محمد الدريج على أساس أنها ” قدرات مكتسبة تسمح بالسلوك والعمل في سياق معين، ويتكون محتواها من معارف ومهارات وقدرات واتجاهات مندمجة بشكل مركب. كما يقوم الفرد الذي اكتسبها بتوظيفها قصد مواجهة مشكلة ما وحلها في وضعية محددة.” ـ تعريف PERRENOUD: ” الكفاية هي قدرة الشخص على تفعيل موارد معرفية مختلفة لمواجهة نوع محدد من الوضعيات”[4] ب ـ القدرة والاستعداد: يرتبط مفهوم القدرة لدى كثيرين بمفهوم الاستعداد للقيام بفعل معين. لكن الاختلاف يكمن في كون الأولى مكتسبة من المحيط الخارجي ومرتبطة بإمكانية النجاح في عمل أو مهارة أي قابلة للملاحظة، في الوقت الذي يكون فيه الثاني داخليا أي فطريا، كما يكون مرتبطا بالظروف التي يخضع لها الفرد. الاستعداد هو بمثابة قدرة في حالة كمون. وعند انتقال القدرة من حالة الكمون إلى حالة الظهور تسمى مهارة. ـ المهارة قدرة إجرائية تبرهن على إتقان الفعل المعرفي. ـ يعرف لسان العرب القدرة ويربطها ب” بالقدرـ بتسكين الدال ـ والقدرة، والمقدار: القوة والاقتدار على الشيء”[5] بيداغوجيا، تعتبر القدرة بمثابة أهداف قريبة أو متوسطة المدى، تقترب في مستوى عموميتها من الأهداف الصنافية في المجالات الثلاثة : المجال المعرفي، والمجال الحس حركي، والمجال الوجداني. ” القدرة هي تنمية نوع معين من السلوك وبلورة مواقف فكرية ووجدانية معينة وهي مفهوم افتراضي غير قابل للملاحظة يدل على تنظيم داخلي لدى الفرد( التلميذ) ينمو عبر عملية التكوين. ومن خلال التفاعل بين العمليات العقلية وأساليب السلوك، الذي تخلقه الأنشطة التكوينية، انطلاقا من توظيف معارف ومضامين معينة”Devil نعرض،على سبيل التذكير، صنافة الأهداف العقلية لبلوم. والتي ترتكز على تنمية المعارف والمهارات العقلية. وقد وضعت على أساس متدرج، وهي تضم ستة مراق أو مقولات. مع العلم أن كل مقولة تنحل بدورها إلى رتب جزئية. نجملها في الجدول التالي :

الــــــمـــــــراقــــــــي الــــفــعــــل الـمــســنـــد للـمـتـعـلم طـــبــيــعـة الــمــكــونــات الــتــــي يــنـــصــــب عــلــيــــها الــفــعــــل
اكـــتــســــاب الــمــعـــرفــــــة يتذكر. يميز. يسترجع . يتعرف. يكتسب. مصطلحات.عبارات.رموز.أخبار.عناصر تعاريف.مراجع.أسماء.تواريخ.أمثلة…
الــــــــــــفـــــــــــــهـــــــــــــم يترجم.يحول.يصوغ بكلماته.يوضح يمثل.ينظم.يشرح.يفــسر. يـغــيــــر الصياغة معاني.تعار يف. خصائص. علاقات عناصر أساسية.نظريات.تصورات
الــــتــــــــطـــــــبــــيــــــــق يطبق.ينقل من مستوى لآخر.يوسع ينظم.يبوب مبادئ. قوانين.آفاق.خلاصات.عوامـــل عمليات.ظواهر
ا الــــــتـــحــــــلـــــــــيــــــــــل يميز.يكشف.يستنبط.يحلل.يقارب. فرضيات.عناصر.تعابير.خصوصيات. علاقة الأسباب بالنتائج.
الـتـــألــيـــف والـتـــركــيـــــب يقص.يحكي.يغير.ينشئ.ينتج.يشتق يطور.يصنف تصاميم.حلول.وسائل.ظواهر.علاقات. تعميمات
الــــــــتـــــــــــقـــــــــويــــــــم يحكم.يجمع البراهين.يقارن .يقدر . يقنن.يقوم غايات.خيارات.نظريات.وسائل.تقنيات. تصميمات.أساليب التداول.تعميمات.

ـ إن اعتماد التدريس بالكفايات يمر عبر أجرأة الكفايات إلى مهارات وقدرات عليا. تترجم إلى أفعال قابلة للملاحظة والقياس، شريطة عدم الوقوع في البنية التجزيئية والمعقدة للأهداف الإجرائية المتبناة في بيداغوجيا الأهداف الصنافية. وترتبط القدرات بسلوك محدد يطال مختلف جوانب الشخصية الثلاث ( أنظر المراقي أعلاه ـ كمثال عن المجال المعرفي ـ) ولهذا فإن البرامج التعليمية تضم مجموع القدرات المستهدفة، والتي ستصبح كفايات. يتضح من هذا أن الكفاية تتطلب عملا ذا جدوى، وبالتالي يمكن الحديث عن وظيفتها العملية والتطبيقية. ” إن الكفاية غير منسجمة من حيث العناصر التي تتألف منها ولكنها منسجمة من حيث النتيجة المستهدفة”[7] ـ الكفاية مقتبسة من ” مجال التكوين المهني “Music ج ـ المهارة: ” هدف من أهداف التعليم يشمل كفاءات المتعلمين وقدراتهم على أداء مهام معينة بكيفية دقيقة أو متناسقة أو ناجعة… ويترجم هذا الأداء درجة التحكم في أهداف مهارية …savoir- faire مثل مهارات القراءة ومهارات قرائية”[9] ويدخل الإنجاز والسلوك بدورهما في فلك المفاهيم المجاورة للكفاية. وقبل الاسترسال في الحديث عن نسقية المقاربة بالكفايات. نقترح على القارئ الكريم هذه الخطاطة التي توضح ارتباط الكفايات بمجموعة من المفاهيم التربوية والآليات الإجرائية:

الــكـــفـــايــــــات

أنشطة الاكتساب…التدريب…أنشطة الإنتاج
الإنجاز العمل في مجموعات التكيف في الحياة الاجتماعية تدبير الجهد والوقت
التجديد مؤشرات دمج المعارف ـــــــ الانتقاء والتنظيم والتحويل استراتيجيات التعلم والتعليم ــــــــــ التوظيف ــ تعلم المعارف savoir ـ قدرة معرفية ـ الذكاء ــ تعلم العمل savoir-faire ـ قدرة مهارية ـ ــ الاتجاهات والسلوكات والمواقف Savoir- être ـ قدرة وجدانية ـ التنشيط التربوي ( كفايات إدماجية) المنهاج المتضافر ( تقاطع المواد) الجودة التكنولوجيات الجديدة حل المشكلات الوضعيات ( التعليمية ــــ المسألة) نوعية ومستعرضة الإيقاعات المدرسية واستعمال الزمن التقويم / التقويم المستمر القدرة ـ المهارة ـ الاستعداد مجالات الشخصية ( معرفية ـ سيكوحركية ـ وجدانية.) الموارد البشرية العقد البيداغوجي المجزوءات ـ الحلقات ـ المقاطع التركيز على التعلم بدلا من محتوى التعليم
المشروع التربوي التكوين والتكوين المستمر بيداغوجيا نشيطة ـ وظيفية ــــــ البيداغوجيا الفارقية ـــــــ بيداغوجيا الخطأ الصراع المعرفي…المرحلة المعرفية… …المرحلة الترابطية…الاستقلالية والتلقائية القيم وحاجات المجتمع مدخلات ـــــــــ سيرورة ـــــــــ مخرجات 2ـ نسقية الكفايات: تترجم الخطاطة السابقة البعد العلائقي للكفاية في شقيها النظري والتطبيقي. إن الكفاية لدى كثيرين مفهوم متسم بالليونة. وهي بالتالي كل مندمج ووظيفي للمعارف والمهارات، ومعرفة جيدة للتصرف أمام مجموعة من الوضعيات. إنها تميل إلى حل المشكلات والتكيف مع أية وضعية جديدة أو معقدة. ثم إنجاز وتحقيق مختلف المشاريع. إنها بالتالي تلغي تلقين المعارف وتحصرها في جانب واحد وهو المدرس. بل إنها تكتسب بجعل المتعلم في قلب الاهتمام، وتمكينه من استغلال فاعليته في مختلف الوضعيات الملموسة. وتأتي مرجعية الكفاية، المقتبسة من المجال الاقتصادي، لتمد المتعلم بآليات لمواجهة كل طارئ خارج أسوار المدرسة. وتسعى لتأهيله لمجابهة الغد بمختلف تحدياته. المقاربة بالكفاية تسعى إلى الإجابة عن جدوى عقلنة التعليم وقدرته، ومدى نجاعة المدرسة في مواءمة وضعيات الحياة في العمل وخارجه. ويمر هذا عبر حاجات سوق الشغل. ومن هنا يتحول التركيز على المعارف إلى التركيز على المهارات، أو لنقل بتحفظ بأقل قدر من المعارف. نحن الآن هنا أمام مطالبة المتعلم بحضور قوي وملموس فيزيائيا وذهنيا وعاطفيا. وهو ما ينبغي توفره فعلا في مجال المؤسسات التعليمية العمومية وبخاصة القروية منها. من زاوية أخرى، تكون المضامين التعليمية مطالبة بمراعاة قيم المجتمع الدينية والوطنية والخلقية. فالمنهاج مطالب بإلغاء غرابة المتعلم داخل المجال المدرسي. وأن يتفادى الصراعات الضيقة, وينصب في اتجاه خدمة هوية دينية ووطنية صلبة وحقيقية، لا تركن إلى الماضي ركون الجامدين، ولا تنزع إلى الآخر نزوع السلبي والمتلقي. المطلوب إذن، هو أن يكون الخطاب الموجه للمتعلم خطابا تربويا بيداغوجيا إجرائيا, يحمل هوية وقيم المجتمع ومكوناته المادية والبشرية وتطلعاته وإمكاناته الحقيقية. ” لقد أصبحت الأفكار هي القوى التي تدفع الإنسان إلى أن يتخيل صورا لحالة أفضل من التي يعيشها. وعلى أساس هذه الأفكار يستطيع أن يرسم ويخطط لهذه الحياة الأفضل حتى يكون الرسم والتخطيط صالحين للعمل. وبذلك أصبحت المثل العليا التي يدين بها الإنسان في الوقت الحاضر طرقا ومناهج ترتبط بعالمه الذي يعيش فيه لترتفع به وتحسن منه، بعد أن كانت هذه المثل العليا أهدافا وغايات منفصلة منعزلة” [10] ويتزامن الحديث عن الكفايات مع الحديث عن الجودة ومقاييسها. بل يمتد الأمر لأن تصبح للجودة وكالات ومكاتب مختصة، لتنزح من المجال التقني والتكنولوجي ومن التكوين المهني لتحط رحالها بالميدان التربوي راجية تحسين النتائج باستمرار، وساعية لنجاعة أكثر. ويترتب عن هذا كله تنافسية تلغي حدود البلدان بين المؤسسات التعليمية والجامعات ومؤسسات التكوين عموما. وفي نفس الصدد يمكن الحديث عن تقويم المردودية ووضع مؤشرات تساعد على اتخاذ القرار. وهذه المؤشرات ترتبط بإنتاجية أنظمة التكوين وبنجاعتها في تحقيق أهدافه الداخلية والخارجية من جهة. وبتكاليف التكوين وفعاليته وكلفته من جهة أخرى. إن هذه النظرة للتعليم تنشطر إلى عدة رؤى تأخذ أشكالا مختلفة من التحليل. فالبعض يرى في التعليم مقاولة، والبعض يراه قطاعا غير منتج، في حين يكون نوع ثالث بصدد الحديث عن فصل المؤشرات إلى صغرى تهم الممارسة بالمدرسة والمقاولة. وكبرى وطنية ودولية… وإذا كان نظام التكوين عموما يهدف إلى تنمية كفايات أساسية لدى المتعلم، فإن مختلف هذه الأنشطة تشمل الأبعاد الثلاثة المشار إليها سابقا: المجال المعرفي والمجال الحس حركي والمجال الوجداني العاطفي. والمطلوب أن تنصهر بعضها داخل بعض حتى يتحقق التوازن المرجو. نرجو مما سبق ذكره أن يستنتج أن الكفاية مفهوم متشعب. وأنه من الصعب الاتفاق حول تعريف دقيق ومحدد له. إلا أنه يمكن الحديث عن خصائص مشتركة للكفاية، من قبيل القدرة على دمج المعارف والمهارات المختلفة وتنظيمها وتحويلها في سياق محدد إلى عناصر توظف لحل المشاكل وإنجاز المشاريع والأنشطة. وهي بالتالي عملية متميزة بالتجديد والحركية ومطالبة بالتطور ومسايرة الظروف المتغيرة. ويظهر في هذا الإطار، الجانب الوظيفي والإبداعي للكفاية من خلال الإنجازات والسلوكات والمؤشرات التي تدل على تحققها. إنها بهذا كله نسق يمكن من التصرف الجيد في الوقت والمكان والوضعيات المختلفة. أ ـ أنواع الكفايات: إذا كانت الكفايات هي ترجمة لقيم وغايات المجتمع, فإنها تستمد مقوماتها من المشروع المجتمعي, ومن أبعاده الإستراتيجية و التواصلية والسياسية والثقافية والاجتماعية والعلمية… وعلى سبيل المثال ” يتم في التعليم الابتدائي التركيز، وبالترتيب، على الكفايات التواصلية والكفايات الإستراتيجية والكفايات المنهجية، والكفايات الثقافية أكثر من التركيز على الكفايات التكنولوجية… والتمكن على مستوى الكفايات الثقافية من رصيد معرفي وثقافي يمكن المتعلم من الاندماج في بيئته…”[11] وبهذا تهتم الكفاية الإستراتيجية بتنمية الذات والمواقف الفردية، وتكوين الشخصية، وتعديل منهجية العمل ونتائجه في التنمية. أما الكفايات التواصلية فتهتم بتنمية التواصل والتمكن من اللغات واستعمالها. ونشير عموما إلى أن الكفايات اللغوية تهدف إلى التحكم في اللغة، من خلال الاستعمال الصحيح للقواعد اللغوية. أما الكفايات التواصلية فهي التوظيف السليم للغة في وضعيات تواصلية. أما الكفايات الثقافية، فتشمل الهوية الدينية والوطنية والإنسانية والتاريخية. والمساهمة في تطويرها من خلال الإدراك للدور الممكن في المجال الإبداعي والفني. وتأتي الكفايات التكنولوجية، للتحسيس بدور العلم والتكنولوجيات في المجتمع، واكتساب مختلف المفاهيم والمهارات العلمية والتكنولوجية وتوظيفها. ومن جانب آخر، نشير إلى الكفايات الدنيا، أي الدرجة السفلى من المعارف والمهارات الخاصة بفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة كالمعاقين حركيا أو حسيا والمتخلفين ذهنيا. وهذا مطمح لازال لم يجد بعد معالمه الواضحة والنهائية. والسبب في ذلك كون المدرسة الحالية لا تستطيع بآلياتها وتكوين أطرها، إدماج مختلف الشرائح الاجتماعية ضمن مشروعها. في الضفة الأخرى، نتحدث عن كفايات قصوى تهم تعليم الموهوبين والعباقرة. وتتيح بالتالي مجالا للحديث عن التميز والجودة. والملاحظ في مجال مدرستنا المغربية أنها تضم المتخلفين والعباقرة والمتوسطين داخل نفس الحجرة وبنفس الوسائل والتعامل أحيانا. وإذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد أشار إلى فئة المتخلفين في الدعامة الرابعة عشر، وإلى تحفيز المتفوقين وتمييزهم وإمكانية تخطي القسم واختصار سنوات الدراسية. فإن الأجرأة الكاملة للميثاق قد يكون من شأنها مراعاة كثير من الثغرات. وإذا ما انتقلنا إلى المجال الدراسي فتنشطر الكفايات إلى نوعية (عمودية) خاصة بمادة دراسية أو بمجال تربوي معين كالرياضيات مثلا. وإلى ممتدة أو مستعرضة ( أفقية) تنسحب على موارد معرفية ومهارية مشتركة كالقدرة على الإبداع أو التحليل أو النقد … ب ـ نسق الكفاية: تعتبر الكفاية بمثابة نظام دينامي يشمل عناصر مترابطة في شكل بنية مفتوحة. إذا تغير أحد عناصره، استلزم ذلك تكيفا وملاءمة جديدة لعناصر هذا النسق. في هذا الإطار نتحدث عن ثلاثة مستويات: 1ـ المدخلات: وتتمظهر من خلال مختلف الوضعيات المرتبطة بمحيط المتعلم، و المؤثرة على السيرورة التعليمية التعلمية في ارتباط بالأهداف المتوخاة. ـــ ” الوضعية هي مجموعة من الظروف التي يوجد فيها الفرد، وتفرض عليه إقامة علاقات محددة ومضبوطة، مجردة وملموسة مع الجماعة والبيئة التي يعيش فيها. “[12] ـــ الوضعيات التعليمية: وهي كل “مشكلة تمثل تحديا بالنسبة للمتعلم وتمكنه من الدخول في سيرورة تعليمية نشيطة وبناءة واستقبال معلومات وإيجاد قواعد للحل منتظمة ومعقولة تسمو بالمتعلم إلى مستوى معرفي أفضل “[13] ـــ الوضعية المسألة: وهي تشير عموما إلى مختلف المعلومات والمعارف، التي يتعين الربط بينها لحل مشكلة أو وضعية جديدة، أو للقيام بمهمة في إطار محدد. وهي بالتالي، تمتاز بإدماج المعارف وقابليتها للحل بطرق مختلفة من قبل المتعلم. وليست بالضرورة وضعية تعليمية. كما أنها مرتبطة بالمستوى الدراسي وبالسياق الذي وردت فيه وبالأنشطة المرجوة والموظفة. ثم بالمعينات الديداكتيكية وبتوجيهات العمل المعلنة منها والضمنية. 2ـ السيرورة: وهي في عمومها مختلف العمليات والوظائف التي يقوم بها المتعلم، لتفعيل مكتسباته وإمكاناته الشخصية وتصحيح تمثلاته، من أجل بناء معارف جديدة ودمجها في المعارف السابقة وبالتالي اتخاذ القرار وتحديد الإنجاز الملائم. 3ـ المخرجات: وتتمظهر من خلال مختلف الإنجازات الصادرة عن المتعلم. وتكون بمثابة مؤشرات ملاحظة وقابلة للقياس وتتيح بذلك إمكانية تقويم الكفاية ومدى اكتسابها: ــ الإنجاز: وهو” ما يتمكن الفرد من تحقيقه آنيا من سلوك محدد، وما يستطيع الملاحظ الخارجي أن يسجله بأعلى درجة من الوضوح والدقة، وهو مفهوم مختلف عن القدرة التي تشير إلى إمكانات الفرد المتعددة في مقابل الإنجاز الذي يشير إلى ما يحقق آنيا. والمؤشر الأساسي على الإنجاز هو السلوك أي سلسلة من الأفعال والأنشطة والعمليات…”[14] ــ المؤشر: ” المؤشر الذي هو نتيجة لتحليل الكفاية أو مرحلة من مراحل اكتسابها، سلوك قابل للملاحظة يمكن من خلاله التعرف عليها، وبالتالي يسمح بتقويم مدى التقدم في اكتسابها إنه علامة محتملة لحصول التفاعل بين تنمية القدرات وبين المعارف وبذلك يشكل نقطة التقاطع بين القدرات والمضامين المعرفية”[15] لا نريد أن يفهم من هذا التفصيل المنهجي أن الكفاية مجموعة من المراحل المتقطعة والمنعزلة. بل هي نسق شمولي يستجيب للأنشطة المراد إنجازها. ويراعي شخصية المتعلم واستعداداته ومحيطه وطبيعة الوضعيات والمشكلات والمشاريع المختلفة. ومن جهة أخرى، كان لزاما علينا أن نوفر للمتعلم وسطا ملائما يمكنه من الفعالية في مواجهة هذه الوضعيات الجديدة. نقول إذن أن التعليم بالكفايات، هو تعليم متمركز حول المتعلم. وتتحول بذلك وظيفة المدرس من مالك وحيد للمعرفة إلى متدخل نوعي ودقيق يستجيب لحاجات المتعلمين. وكان لزاما عليه أن يمتلك بدوره كفايات مهنية واستراتيجية، من قبيل معرفة متعلميه معرفة جيدة وإلمامه النظري والتطبيقي بمهنته وآلياتها النفسية والبيداغوجية. ولعل هذا التحول الذي طال وظيفة المدرسة، قد حول وظيفة مكونات المدرسة نفسها. وأصبحت أطراف الفعل التعليمي التعلمي أقرب ما تكون إلى التشارك. ج ـ تيار الكفايات: نلخص في الجدول أسفله تحول المسار البيداغوجي من التركيز على المحتويات، مرورا بالأهداف ( الجيل الأول) ووصولا إلى الكفايات ( التي يرى فيها البعض أنها بمثابة الجيل الثاني للأهداف) وتكون بمثابة حركة تصحيحية، انبثقت عن نموذج التدريس الهادف:

بــيـــداغــوجــيــا الـمـحـتـويـات بـيـداغـوجـيــا الأهداف ـ الجيل الأول ـ بـيـــداغــوجـيــا الـكفـايات ـ الجيل الثاني ـ
ـ نقل المعرفة من المعلم إلى المتعلم. ـ اعتماد تام على المقرر. ـ اعتماد الحفظ والتكرار وإعادة الإنتاج كمعيار للتقويم. ـ عزل المدرسة عن المحيط. ـ المناهج متنافرة. ـ تعليم الكم. ـ تكتسب الأهداف عن طريق التجربة والممارسة (عملية). ـ تستشف من سياق النصوص والمعارف ( نظرية). ـ أهداف سلوكية قريبة المدى. ـ تعتمد ثلاثة مبادئ: العقلنة والفعالية و المردودية. ـ تأثرت بنتائج الدراسات السيكولوجية ( نظريات التعلم السلوكية) ـ المثير والاستجابة: المثير صادر عن المحيط الخارجي، أما الاستجابة فصادرة عن المتعلم. ـ قابلة للملاحظة والقياس. ـ مستوياتها: الغايات ـ المرامي ـ الأهداف العامةـ الأهداف الخاصةـ الأهداف الإجرائية. ـ التيار المحافظ: ـ وجوب ترجمة مضامين التعليم كلها إلى مجموعة من السلوكات القابلة للتحقق عند المتعلم (مقياس الإنجاز السلوكي). ـ وجهت لها عدة انتقادات: التذريةـ الآليةـ السطحيةـ قرب المدى. ـ هي بيداغوجيا وظيفية. ـ السعي وراء تكيف المتعلم مع المحيط. ـ عقلنة السيرورة التعلمية/التكوينية. ـ التركيز على تأهيل شخصية المتعلم. ـ المناهج متضافرة. ـ اعتماد الطرق النشيطة في التكوين( حل المشكلات ـ العمل في مجموعات). ـ مسؤولية جماعية. ـ اعتماد النمو المتكامل للشخصية كمعيار عام للتقويم. ـ تعليم الجودة. ـ بيداغوجيا الكفايات هي نموذج الهدف المظهر. إنها بيداغوجيا أهداف تؤطر التدريس الهادف. ـ أهداف بعيدة المدى. ـ التيار المجدد*: ـ يعتمد مقياس القدرة. ـ السلوك ليس موضوعا وحيدا لفعل التعلم/التكون. ـ السعي إلى إبراز أهمية البعد الكيفي. ـ ليست الأهداف الإجرائية وحدها الحاسمة في عملية التقويم الموضوعي، بل هناك الأهداف السيرورية المعروفة بالأهداف الصنافية. ـ الصنافة عابرة من العلوم الطبيعية. ـ ينصب الاهتمام على سيرورة التعلم لدى المتعلم وليس على المحتوى الدراسي. ـ ينصب دور المدرس على البحث عن أنسب وضعيات التعلم. ـ التعليم والتكوين يجب أن يطال مجالات الشخصية الثلاثة: المعرفي والوجداني أو حسن التصرف ثم الحس حركي: ـ المجال المعرفي: صنافة بلوم. ـ المجال الوجداني: صنافة كراثهول. ـ المجال الحس حركي: صنافة هارو. ـ الأهداف تربى أي تقود مجموعة من وضعية أولية إلى وضعية نهائية. ـ على المتعلم أن يكون على علم مسبق بها ـ جلاء الشخصية الموسوعية. ـ كل كفاية هدف، وليس كل هدف كفاية. ـ الهدف أعم من الكفاية.

ـ *: هذا التيار المجدد، اعتبر بمثابة النطفة التي أفرزت تيار الكفايات. إذ بدأت فـــكـــرة الــتـغـــيـيــر بين 1975 و 1980 من خلال أعمال بارطولوتشي في مجال التعلم بالمشكلة. ثم بوردي من خلال مشروع المؤسسة، و بيير جيلي في مجال إعداد تصميم للتكوين. إضافة إلى كانيي، واضع الفرضية المركزية للقدرات الذي اعتبرها حالات ثابتة يؤسسها التعلم في المتعلم، وقد وضعها على أسس سيكوبيداغوجية، أبرز سماتها التكامل والاندماج. كما ميز فيها كانيي بين الإنجاز والقدرة، التي فصلها إلى خمسة أقسام. في إطار الكفايات، يساعد تحديد الهدف على انتقاء الاستراتيجيات والأدوات الكفيلة بتحقيقه. وبهذا يكون التقويم الصحيح مرهونا بالهدف الصحيح. ويتعامل بلغة الكفايات لا بلغة السلوكات المفتتة. يربط كثير من الباحثين الكفاية بالذكاء، ويرون أن الحديث عن الكفايات هو حديث عن الذكاء عموما. ” إذ أن الذكاء أصبح يشتمل على العوامل الرئيسية التي تعمل على إحداث التجديد أي على حل الموقف المشكل من أفعال تحليلية ترد الموقف الكلي لتحديد صفات المعطيات التي تحدد طبيعة المشكلة، وتكوين أفكار أو فروض لتوجيه عمليات أخرى تكشف عن مادة جديدة، واستنباطات وحسابات تنظم المادة القديمة والجديدة معا… وهذا هو منهج البحث العلمي الذي يتخذ الذكاء وسيلة ومنهاجا. وأصبح بذلك العمل الذي نقوم به عملا بصيرا بعد أن كان من قبل عملا لا موجه له، وأصبح الذكاء صفة لبعض الأعمال وهي التي نوجهها. وبذلك انتقلنا بالعقل النظري إلى العقل العملي أو الذكاء.”[16]

3ـ تدبير الكفايات:

أ ـ تدبير التعلمات: الكفايات هي قطب الرحى الذي تدور حوله باقي عناصر النسق. وإذا كانت في أصلها اللاتيني، تعني الاتجاه والذهاب نحو التلاؤم والتوافق مع شيء ما، فإنها كذلك في مجال التربية والتعليم تحيل إلى مفهوم التدبير الجيد والاستعمال الأمثل للموارد والإمكانات لتحقيق المهام المطروحة وهذا ما يحيل إلى تدبير التعلمات. ويوظف مفهوم التدبير” كذلك في سياق البيداغوجيا المفتوحة في إطار ما يقوم به التلاميذ لتدبير نشاطهم الذاتي من مناقشة وتخطيط وتقويم. وينبني التدبـيــر الـبــيداغــوجي على خمس عمليات أساسية ينجزها التلاميذ: 1ـ تحديد الحاجات.2 ـ تحديد أهداف الأنشطة.3 ـ تنظيم العمل وإعداد الأدوات.4 ـ تنفيذ العمليات والأنشطة. 5 ـ تقويم النتائج وسير العمليات وتصحيح الثغرات. “[17] في قراءة للميثاق الوطني للتربية والتكوين، يتجلى الحديث عن تحسين التدبير العام لنظام التربية والتكوين وتقويمه المستمر ـ المجال الخامس: التسيير والتدبير. الدعامة 16.ـ ثم الحديث من خلال المجال الثالث، الخاص بالرفع من جودة التربية والتكوين، عن تدبير الجهد والوقت في إطار استعمالات الزمن والإيقاعات المدرسية والبيداغوجية. ب ـ تدبير الجهد: “الجهد هو تسخير القوى الفيزيائية والفكرية للتغلب على مقاومة ما، وتخطي صعوبة من أجل بلوغ هدف”[18] لن يتأتى للمتعلم أن يسخر هذه القوى إلا إذا كانت له رغبة في التعلم. وتعتبر الرغبة بمثابة الوقود الذي يحفز الاستعدادات ويقويها. وكل تعلم مفروض لا يشارك فيه المتعلم، سيقوض مبادراته الشخصية وسيؤدي إلى النفور والملل. لهذا يرى البعض أن على المدرسين أن يساعدوا متعلميهم على معرفة أهداف الدرس بغية تركيز الجهد وتوجيهه، وتوزيعه وتنظيمه حتى يستثمر ولا يقوم المتعلم بجهد دون جدوى ولا فائدة. وهذا هو مسعى ذاتية التعلم، والاعتماد على النفس قبل الاعتماد على المدرس أو الزملاء. ومن شأن هذه الاستقلالية أن تعد المتعلم إعدادا نفسيا ومنهجيا وتقنيا سليما. بإدراكه أنه طرف من أطراف التعاقد الديداكتيكي. له دوره وفاعليته وزمن تعلمه ومسؤوليته داخل جماعة الفصل. ويتحول بذلك جهد المدرس كذلك، بوضع ممارساته موضع تقويم مستمر يلزمه استحضار فكرة الآخر عنه. كل ذلك سيساعده على التوظيف الأمثل للوضعيات والمفاهيم والمهارات. وفي جميع الحالات، فإن التنظيم يساعد بشكل ملموس في اختزال الجهد الزائد الذي لا يؤدي أي غرض ملموس، بقدر ما يتسبب في الإرهاق والتعب ج ـ تدبير الزمان والمكان: يحتاج كل عمل لمكان وزمان يؤطرانه ويحتضنانه. وفي الإطار المدرسي يتجسد المكان من خلال المحيط المدرسي، وأحيانا خارجه. والزمان في الوقت المحدد للدراسة. وينشطر الزمن إلى فعلي وهو المحدد مسبقا من طرف السلطة المختصة( الوزارة، الأكاديمية، النيابة، الإدارة…) أو المدرس، وهو خارج عن المـتعـلم. و يحتاج المتعلم بدوره إلى زمن ضروري لتعلمه غالبا ما يكون مخالفا للزمن الفعلي. وتقتضي المقاربة الأفيد، خلق توافق بين الزمنين الفعلي والضروري. وبذلك يتحقق التدبير الجيد للزمان. أما المكان، فيجب استغلال مكوناته استغلالا جيدا يتيح للمتعلم الحصول على تعلم جيد. تخضع العملية التربوية إلى تعاقب بين الدراسة والعطل وهو ما يشار إليه بالإيقاع المدرسي. ويشكل الإيقاع” ثنائية اللحظات: لحظات ارتفاع/ قوة ولحظات انخفاض/ ارتخاء “[19] . العملية إذن هي عملية تنفس مدرسي” فالشهيق يحيل على لحظات النشاط والتعلم، والزفير على الاستراحة والاسترخاء. “[20] وتؤدي مختلف الاختلالات في الإيقاع إلى خلق التعب والإجهاد الذي تحدثنا عنه سابقا. والذي يشير إليه استعمال الزمن ـ ولو ضمنيا ـ بتخصيص فترات للاستراحة، إما داخل أسوار المدرسة أو خارجها. ونشير عموما إلى تأثير التنقل من وإلى المدرسة، إضافة إلى النوم، على مسايرة المتعلم لمختلف الأنشطة. ويظهر من هذا نوع العلاقة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع. حيث تنفلت الإيقاعات المدرسية لتؤثر في المجتمع بأكمله من خلال فترات الدراسة والعطل. دـ اكتساب الكفايات: يقترح فيتس و بوسنر[21] نموذجا يقترحان من خلاله أربع مراحل أساسية لاكتساب الكفاية: ـ 1ـ الصراع المعرفي: تتميز تجابه التمثلات القبلية للمتعلم مع الوضعيات المقترحة. ويؤدي هذا الوضع إلى حالة من اختلال التوازن نتيجة عدم التحكم في الوضعية. ـ 2ـ المرحلة المعرفية: وهي مرحلة محاولة فهم الإشكالية. ـ 3ـ المرحلة الترابطية: يتم فيها تنظيم المعلومات ومعالجتها وأجرأتها. ـ 4ـ مرحلة الاستقلالية: تتمظهر من خلال إنجازات المتعلمين. وبتفاوت طبعا. 4ـ الجودة: نزحت الجودة من المجال الاقتصادي إلى المجال التربوي. وأدى نزوحها هذا إلى بزوغ فكرة مناوئة لها. تتلخص في اعتبارها مسألة تجعل تبضيع التعليم في الواجهة. وأنها تجعل المعرفة سلعة مفتوحة على سوق التنافس، يكون الجيد فيها أوفر حظا للإقبال على منتوجه! تأتي الجودة لغويا نقيضا للرداءة واصطلاحا قدرتها على استجابة العارض( المدرسة) لحاجات الطالب (المتعلم) المعبر عنها أو المحتملة والمحددة في الزمان والمكان. وبرغم هذين التعريفين المبسطين، فإن تعريف الجودة تعريفا دقيقا يبقى أملا مرجوا . ودون الخوض المعمق في مسألة الجودة، نشير ببساطة إلى ارتباطها بالتجديد ورفض التقوقع والسكون. في قراءة إحصائية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، ينجلي إفراد المجال الثالث كاملا للحديث عن الجودة. وأنها إلى جانب التجديد احتلا من الذكر نصيبا وافرا في عدة مواضع. وحتى لا يمس التغيير الجانب الشكلي فقط. ولتفادي استمرار الممارسات القديمة تحت غطاء مسميات جديدة، يتم السعي إلى تبني الجودة وتدقيقها كخيار استراتيجي. وإلى تقديم ـ منتوج ـ مدرسي جيد. يعزز صورتها داخل المجتمع. لقد أصبح ينظر للجودة على أنها ضرورة تنموية، وحتى ولم تؤد إلى التفوق، فهي تسعى إلى احترام مواصفات يلتقي عندها الطرفان: المنتج والمستهلك. وتعتبر الجودة في هذا النطاق بذرة ينشأ عنها شراكات متعددة مع مختلف مكونات المجتمع، فتسعى بذلك لخفض التكلفة من جهة، ولأن تكون وضعية جديدة أفضل من وضعية المدرسة السابقة من جهة أخرى. تطرح الجودة من بين ما تطرحه كذلك مسألة الاستقبالية والتواصل والفعالية في المحيط. وتهدف بهذا وذاك، لأن تغير من الصور والأدوار وأنماط الفعل وصيغ العمل.وسنشير بعجالة إلى أهم هذه التطلعات: أـ مجال الموارد البشرية: يثار الجدل حاليا حول إمكانية تعويض مصطلح الموارد البشرية بمصطلح آخر، يكون أكثر ـ احتراماـ لآدمية الإنسان واستقلاليته الفكرية والإنتاجية. فلا يمكن حسب هذا الطرح، أن يكون الإنسان موردا لإنسان آخر!! وبقطع النظر عن جدلية التسميات، فالمطلوب هو توفير تأطير لازم، وكفيل بتحقيق تكوين جيد ومستمر. كما ينبغي التعامل المنهجي مع الخصاص الحاصل في مجموع أسلاك التعليم ببعض المناطق، في الوقت الذي تعرف فيه مناطق أخرى فائضا في عدد الأطر. ب ـ التكوين الأساس والتكوين المستمر: يستلزم التسارع الحاصل في مجال المعرفة عموما، أن يكون أطر التربية والتكوين على علم بمختلف المستجدات. وأن يطوروا من أدائهم المعرفي والميداني. ويتم الحديث عن التكوين من خلال مقاربتين أوروبية وأنجلو سكسونية، لإفراز مفاهيم التكوين التكميلي أو التأهيلي. ـ يعني التكوين” التعليم المخصص لإكساب شخص أو مجموعة، معارف نظرية وعملية ضرورية لمزاولة مهنة أو نشاط.”[22] ـ يحيل مفهوم التكوين المستمر على الاستمرارية والامتداد وليس على التكوين المناسبتي. إنه بمثابة لحظة للتأمل تتوخى إعادة النظر في المفاهيم والتجربة. إنه التكوين المرافق للممارسة من أجل عطاء مستقبلي أفضل. وهو رفض للجمود الفكري والمهني. فهو ترتيب جديد وتصفيف للبنية السابقة. ويمكن أن نموقعه بين لحظتي ماقبل التكوين وبعده. وهذه العملية تحتاج إلى تعامل منهجي وإجرائي وتقويمي، بغية التمكن من الآليات القمينة بتتبع مسار التحسن والتطور. ج ـ التقويم: الحديث عن التقويم حديث متشعب ويتميز بتنوع وتقارب المفاهيم المجاورة له. التقويم هو”إجراء يمكن من الحصول على معلومات حول تعلم التلاميذ تساعد على اتخاذ قرارات لترشيد عملية التعليم والتعلم. “[23] . من هذا التعريف نستخلص ثلاث مراحل أساسية للتقويم: 1ـ القياس: ويتم بواسطة روائز، اختبارات، استبيانات… 2ـ قراءة وتحليل المعطيات: بعد جمعها وتنظيمها. 3ـ اتخاذ القرار: ويتم فيه اختيار أنسب البدائل والحلول. في مجال الكفايات تتيح المؤشرات إمكانية تقويم العملية التربوية من خلال قابليتها للملاحظة والقياس. د ـ مجال تنفيذ الكفايات: ينبثق عن المشروع المجتمعي غايات كبرى تحمل قيم المجتمع وتطلعاته. وينتج عن المشروع المجتمعي مشاريع تربوية ( مجال الكفايات الممتدة) ثُم بيداغوجية، ويتمفصل المشروع التربوي إلى برامج تعليمية خاصة بكل مادة دراسية( مجال الكفايات النوعية النهائية). ويتفرع البرنامج بدوره إلى عدة مجزوءات( مجال الكفايات: قدرات معرفية/ مهارية/ وجدانية.) وتنحل كل مجزوءة بدورها إلى عدة مقاطع ( مجال الإنجازات: مؤشرات/ أهداف إجرائية.) ويتطلب هذا الانتقال العمودي بالكفايات، تحديد المصطلحات الضرورية: ـ المشروع التربوي: يجب تناول مفهوم المشروع التربوي ضمن منظومة القيم والمثل الروحية للمجتمع. والتي تعتبر بمثابة مرجعيات وثوابت أساسية. إنه” خطة تسعى إلى تحقيق أهداف معرفية ومهارية ووجدانية تترجمها حاجات ومشكلات يسعى التلاميذ إلى بلوغها عبر عمليات منظمة. “[24] ـ المشروع البيداغوجي: ينتقل المشروع التربوي من مجال القيم إلى مجال الفعل المباشر، وهو”كل صيغة تحدد مواصفات التخرج بمصطلحات الكفايات والقدرات التي يلتزم بها شركاء الفعل التربوي على مدى تكوين معين أو دورة دراسية محددة. كما يتضمن المشروع التربوي الوسائل المستعملة وخطوات اكتساب المعرفة المقترحة وأنماط التقويم. “[25] ـ البرنامج التعليمي والمنهاج: يشكل البرنامج لائحة المحتويات التي يجب تدريسها، وأنماط التعليم والمواد والحصص المراد تبليغها. أما دولاندشير فيرى في المنهاج الدراسي على أنه “مجموعة من الأنشطة المخططة من أجل تــكــويــن المتعلم، إنه يتضمن الأهداف، والأدوات، والاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمدرسين. “[26] ـ الوحدة أو المجزوءة: هي “وحدة معيارية أو شبه معيارية تدخل في تأليف كل متكامل (منهاج)، قابلة للإدراك والتعديل والتكيف، فهي كفيلة ببناء برنامج دراسي على القياس المطلوب. “[27] ـ المقطع أو الحلقة: ” هي وحدة تكوين صغرى (أو ضمنية) تسمح بتحقق هدف مركب قابل للتحليل إلى مؤشرات أو سلوكات قابلة للملاحظة والقياس تمظهر التحكم في الهدف وتستخدم كمعايير للتقويم. “[28] هـ ـ التنشيط التربوي: يعتبر موضوع التنشيط التربوي موضوعا ذا أهمية بالغة في العملية التربوية. ونكتفي بإجمال أهم مقتضياته في اعتباره” مجموعة من التصرفات والإجراءات التربوية، المنهجية والتطبيقية التي يشارك فيها كل من المدرس والتلميذ قصد العمل على تحقيق الأهداف المسطرة لدرس ما أو جزء من درس. وتدخل هذه التقنيات ضمن الطرائق التعليمية التي هي تجسيد للنظريات المختلفة للتعليم والتعلم “[29] و ـ التكنولوجيات الجديدة: يرتبط هذا المصطلح الحديث، الذي ظهر قي الميدان التربوي بمجال الإعلام والاتصال. ويشير عموما إلى مختلف الوسائط والمعينات التي تساعد على تبادل ونقل المعلومات، صوتا أو صورة أو هما معا. وتتم من خلال الفيديو والحاسوب والمسلاط والكاميرا وشبكات الأنترنيت، في مجالات متنوعة وتشمل مختلف الأطراف( الإدارة، المدرسين، التلاميذ). ولقد تمت الإشارة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى استعمال التكنولوجيات الجديدة في الدعامة العاشرة من المجال الثالث المخصص للحديث عن الجودة. ـ تقديم درس اعتمادا على الكفايات: تتجه المنهجيات المبنية على الكفايات نحو الاتفاق حول مراحل أساسية نجملها في: ـ أنشطة الاكتساب: مرحلة معرفية تمد المتعلم بمفاهيم جديدة. وهي تعتمد الملاحظة والاستنتاج والفهم وتهيئ للمرحلة الموالية. ـ التدريب: تتم تحت إشراف المدرس وتوجيهاته من خلال تمارين هادفة ومحددة. ـ أنشطة الإنتاج: تتم بتوظيف المكتسبات السابقة في وضعيات. تتوج ما سبق وتشير إلى مدى بلوغ الكفاية المنشودة.

خــــــــــاتــــــــمــــــــة: أصبح العنصر البشري ثروة للاستثمار، وأصبح الاقتصاد العالمي تحت إملاءات العولمة، يفرض نوعا من الشروط والمواصفات الخاصة بجودة نظام التربية والتكوين. وإذا كانت المقاربة العامة لهذا التوجه الجديد، تتجه نحو المقاربة السوسيو اقتصادية، فإنه تربويا، مطالب بالإجابة عن أسئلة تهم مدى إقبال المتعلمين طوعيا على المدرسة، ومدى الأثر الذي يبقى في نفس رجل التعليم من مهنته. أيقدمها بحب ومتعة، أم بسخط ومشقة. ومن جهة أخرى مطالب بتوضيح مدى فاعلية المتعلم في تعلماته كلها. و مدى قدرة المؤسسة التربوية ونظامها على الاستجابة لمتطلبات المتعلمين والمجتمع من جهة. ومتطلبات السوق العالمية من جهة أخرى. المقاربة بالكفايات، ليست كما يتصورها البعض صيحة جديدة في عالم التربية. وليست مرادفة للأهداف السلوكية. بل هي توجه نسقي شمولي مترابء أفرزته التحولات العالمية. إن غاية الكفايات هي تأهيل شخصية المتعلم وجعله في قلب الاهتمام. وتمكينه من مواجهة مختلف الصعوبات والمشكلات التي تعترضه، كي يؤهله تعليمه وتكوينه للمواءمة مع احتياجات سوق العمل. وحتى يجد هذا التوجه الجديد مغزاه وأبعاده داخل المحيط التربوي والمدرسي المغربي، ارتأينا من خلال موضوعنا هذا، تسليط الضوء على أهم مقتضياته. راجين أن تكون هذه المصوغة التكوينية بداية فقط لمزيد من التوسع والإلمام والدراسة. وإذا كنا كذلك حريصين على الإيجاز والاختصار، فلأننا في هذا المجال نريد إعطاء صورة عامة، وإبراز أهم ملامح تيار الكفايات. وإلى أي حد يمكن أن يخدم أبناء وطننا العزيز غنيهم وفقيرهم، بدويهم وحضريهم، ذكرهم وأنثاهم. وحتى يستفيد الجميع من تعليم جيد في ظروف جيدة وببنية تحتية جيدة، وأطر جيدة، وأوضاع جيدة ومردودية جيدة. فمطلب التعليم أضحى مطلبا عالميا لا مكان فيه للضعيف والمتهاون. وبرغم الإكراهات المادية والاقتصادية والاجتماعية التي يشتكى منها، فلننظر بأمل للمستقبل ولنعمل على ألا يخجل أبناؤنا وبناتنا من تعليمهم وتكوينهم وتربيتهم يوما ما.

لائـــحـــــة الـــمـــــراجـــــع: المراجع العربية: ـ عــبــد الــكــريـــم غــريــب ” بـيــداغــوجــيــا الكفايات “, منـشـورات عـالـم الـتـربـيـة, ط 5 ــ 2004 . ـ ابـــــــــن مــنــظـــور ” لــســــــان الــــــعــــــــرب ” دار صـــــــــادر, بــيـــــروت, ط 1410هـــ ـ 1990م. ـ نــشـــرة الاتـــصـــــال الـــخــــــاص بـالـــبـــرنـــامــــج الــوطـــنـــي للــتــربـيــة عــلــى حــقـوق الإنــسـان خـــاص بـــمــنـــهــــاج الــتـــربـيـة عـلى حقوق الإنـســان, العدد 1ـ2, مطابع ميثاق المغرب, مارس, يونيو 1998. ـ مـــحـــمــــد الـــدريــــج ـ الــكـــفــايـــات فــــي الـتـــعـــلـــيـــم ـ سـلـســلة المعرفة للجميع, عدد 16 .ط. 2000 ـ حـسـن شـكـيـر ـ مـدخـل للـكـفـايـات والـمـجزوءات : مقارنة نظرية ومنهجية ـ مطبعة الملتقى . ط نونبر 2002 ـ عــبـــد الــكـــريـــم غـــريـــب وآخـــرون. مــعــجـــم عــلـــوم الــتـــربــيـــة ـ ســلــســلـــة عـــلــوم الــتربية عـــدد 9 ـ 10 مـــنــشـــــورات عـــالـــم الــتـــربـــيــــة. ط 3 2001. ـ مــحمـد لـبــيــب الـنـجـيـــحـي ـ مقدمة في فلسفة التربية ـ دار النهضة العربية للطباعة والنشر.بيروت. 1992 ـ وزارة الــتــربــيـــة الـــوطــنــيــة, الـكـــتاب الأبـيـــض, الــوثــيـــقــة الإطار لـــمـــراجــعـــة الــمـناهــج الــتـــربــويــــة وبـــــرنــــامــــج تـــكـــــويــــــن الأطــــــــر, مـــــارس 2001 . ـ عــبــــد الـــرحــمـن الـتــومـي ، الـكـفايـات: مـقـاربـة نـسـقـيـة. مـطـبـوعـات الـهـلال. ط: 3 ـ وجدة 2004 ـ جــون ديــوي: الـبــحـث عـن الـيـقين. ترجمة أحمد فؤاد الأهواني. مكتبة عيسى البابي الحلبي. القاهرة 1960 ـ عـبـد اللـطـيـف الـفـارابــي وآخـــرون، مـعـجــــم عــلـوم الـــتــربيـة، مــصـطـلــحات الـبيداغوجيا والديداكتيك. مــطـــبــعــــة الــنــجاح الـــجــديــــدة، 1994. ـ وزارة الـتــربــيــة الـــوطــنــيـة، اللـجـنـــة الـمـــركـــزيــة للـدعـــم الـتــربــوي، كــتــاب مــرجــعـــي في الـدعـــم الــتـــربـــوي. مـطـــبـــعــــة النـجـــاح الــجـــديـــدة. ـ مـــيـــلود الــتــــوري، مـــن درس الأهــداف إلـــى درس الــكـــفـــأيــات، مـطبعة آنفو ـ برانت. ط 1 ، 2004. ـ وزارة الـتـــربــيـــة الــوطــنــيـــة، قـــســـم الــبــــرامــــج. وثــائــــق تـــربـــويــــــة عـــــــامـــــــــة، 1991. المراجع الفرنسية: - Leboterf, Construire les compétences individuelles et collectives - PERRENOUD, Dix nouvelles compétences pour enseigner, éditions ESF, Paris 1999. - Leif (Josel) philosophie de l’éducation. Tome4 éd. De la grave; paris- 1974. - Dictionnaire encyclopédique 2000, Claude Kannas et autres, édit. Larousse Bordas / Her Paris 1999 - Bachelard (Gaston), La Didactique De La Durée, PUF 1950. - Magnin P. des rythmes de vie aux rythmes scolaires, PUF 1993 - Fitts et Posner, La compétence, sa nature et son développement, Education permanente 1999-4. - De Landsheere(G). Définir Les Objectifs De L’éducation. Ed. PUF, Paris 1980

- De Landsheere(V) L’éducation et la Formation. Ed. PUF, Paris 1978.
رشيد الكنبور

http://www.oujdacity.net/oujda-article-5727-ar.html

التعاريف والمصطلحات

Jeudi, février 5th, 2009

التعاريف والمصطلحات

 

1-كفايــــة :Compétence
لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من خلال تقديم نماذج من التعاريف المتكاملة، قصد استشفاف ما يجمع بينها جوهريا، لنبني من خلال ذلك تعريفا جامعا مانعا كما يقول المناطقة، خاصة إذا ما استحضرنا تطور مفهوم الكفاية في مختلف مجلات العمل(المقاولة، المدرسة، مختلف الحقول المعرفية…)
ومن أهم ما عرفت به الكفاية ما يلي:
1. أنها ترتبط بالاعتماد الفعال للمعارف والمهارات من أجل إنجاز معين، وتكون نتيجة للخبرة المهنية، ويستدل على حدوثها من خلال مستوى الأداء المتعلق بها، كما أنها تكون قابلة للملاحظة انطلاقا من سلوكات فعالة ضمن النشاط الذي ترتبط به.
2. إنها مجموعة من المعارف نظرية وعلمية، يكتسبها الشخص في مجال مهني معين، أما في المجال التربوي، فيحيل مفهوم الكفاية إلى مجموعة من المهارات المكتسبة عن طريق استيعاب المعارف الملائمة، إضافة إلى الخبرات والتجارب التي تمكن الفرد من الإحاطة بمشكل يعرض له ويعمل على حله.
3. إنها نظام من المعارف المفاهيمية والإجرائية المنتظمة بكيفية تجعل الفرد حين وجوده في وضعية معينة، فاعلا فينجز مهمة من المهام، أو يحل مشكلة من المشاكل.
4. إن الحديث عنها يعتبر حديثا عن الذكاء بشكل عام.
5. إنها تمكن الفرد من إدماج وتوظيف ونقل مجموعة من الموارد (المعلومات، معارف، استعدادات،استدلالات…) في سياق معين لمواجهة مشكلات تصادفه أو لتحقيق عمل معين.

وباستجماع هذه التعاريف والتوليف بينها يتم استنتاج أن الكفاية :
· أشمل من الهدف الإجرائي في صورته السلوكية الميكانيكية، وأشمل من القدرة أيضا لأنها مجموعة من المعارف والمهارات والآداءات.
· نظام نسقي منسجم، فلا ترتبط بمعرفة خاصة لأنها ذات طابع شمولي.
· يلعب فيها إنجاز المتعلم-الذي يكون قابلا للملاحظة –دورا مركزيا.
· تنظيم لمكتسبات سابقة في إطار خطاطات، يتحكم فيها الفرد ليوظفها بفعالية، توظيفا مبدعا في وضعيات معينة، وذلك بانتقاء المعارف والمهارات والأداءات التي تتناسب مع الموقف الذي يوجد فيه.
· إنتاج أفعال أو سلوكات قصد حل مشكلة أو التكيف مع وضعية جديدة.
· ميكانيزمات تعمل على إحداث التعلم وتنظيمه وترسيخه.
وانطلاقا من هذه الاستنتاجات يمكن اعتماد تعريف للكفاية باعتبارها:
- استعداد الفرد لإدماج وتوظيف مكتسباته السابقة من معلومات ومعارف ومهارات، في بناء جديد قصد حل وضعية-مشكلة أو التكيف مع وضعية طارئة.

يفيد هذا التعريف التوليفي لمفهوم الكفاية ما يلي:

الكفاية منظومة مدمجة من المعا ريف المفاهيمية والمنهجية والعلمية التي تعتمد بنجاح، في حل مشكلة قائمة.
الكفاية هدف ختامي مدمج(objectif terminal d’intégration) أي أنها النتيجة المتوقعة في نهاية مرحلة تعليمية، ومثل ذلك الهدف الختامي المدمج لكافة التعلمات في مستوى دراسي معين أو مرحلة تعليمية محددة، أي مجموع القدرات التي اكتسبها المتعلم بنجاح، والتي يمكنه توظيفها مدمجة لحل مشكلات قد تعرض لـه مستقبلا خاصة تلك الوضعيات الشبيهة بالوضعيات التي تمرس عليها في برنامج دراسي محدد.

2-مهارة (Habilité) :
يقصد بالمهارة، التمكن من أداء مهمة محددة بشكل دقيق يتسم بالتناسق والنجاعة والثبات النسبي، ولذلك يتم الحديث عن التمهير، أي إعداد الفرد لأداء مهام تتسم بدقة متناهية.
أما الكفاية فهي مجموعة مدمجة من المهارات.
* ومن أمثلة المهارات ما يلي:
مهارات التقليد والمحاكاة : التي تكتسب بواسطة تقنيات المحاكاة والتكرار ومنها:
- رسم أشكال هندسية.
- والتعبير الشفوي .
- وإنجاز تجربة…
* مهارات الإتقان والدقة:
وأساس بناءها :
- التدريب المتواصل والمحكم.
- ومثالها في مادة النشاط العملي مثلا:
ترجمة صياغة لغوية إلى إنجاز أو عدة تجريبية.

3-قدرة (ِCapacité):

يفيد لفظ القدرة عدة معان منها:
ا)- التمكن.
ب)- الاستعداد
ج)- الأهلية للفعل…

- ويتم الحديث عن القدرة في الحالة التي يكون فيها الفرد متمكنا من النجاح في إنجاز معين، ولذلك تعتبر لفظة ” الاستعداد ” قريبة من لفظة “القدرة “.
- أما من حيث العلاقة بين المهارة والقدرة، فالمهارة أكثر تخصيصا من ” القدرة ” وذلك لأن ” المهارة ” تتمحور حول فعل ، أي ” أداء ” تسهل ملاحظته لأنها ترتبط بالممارسة والتطبيق، أما القدرة فترتبط بامتداد المعارف والمهارات.
وتتميز القدرة بمجموعة من الخاصيات: إذ أن القدرة عامة لا ترتبط بموضوع معين، كالقدرة على الحفظ التي تشمل كل ما يمكن حفظه ولا تقتصر على حفظ الشعر والأمثال أو القواعد والصيغ…
يتطلب تحصيلها واكتسابها وقتا طويلا، ولذلك فهي لا ترادف الهدف الإجرائي، بل تتعداه إلى مفهوم الهدف العام، وهذا ما يفيد قابليتها للتطور.
* تعتبر قاعدة أساسية وضرورية لحدوث تعلمات أعقد، توضيحا لذلك: لا يمكن التعلم أن يقوم عملا ما، ما لم تكن لـه قدرات أخرى كالتحليل والتركيب والنقد.
· غير قابلة للتقويم بخلاف الكفاية.

4-الأداء أو الإنجاز:(Performence)
يعتبر الأداء والإنجاز ركنا أساسيا لوجود الكفاية، ويقصد به إنجاز مهام في شكل أنشطة أو سلوكات آنية ومحددة وقابلة للملاحظة والقياس، وعلى مستوى عال من الدقة والوضوح. ومن أمثلة ذلك، الأنشطة التي تقترح لحل وضعية-مشكلة.

5- الاستعداد(َََََAptitude):

يقصد بالاستعداد مجموعة الصفات الداخلية التي تجعل الفرد قابلا الاستجابة بطريقة معينة وقصدية،أي أن الاستعداد هو تأهيل الفرد لأداء معين، بناء على مكتسبات سابقة منها القدرة على الإنجاز والمهارة في الأداء.
ولذلك يعتبر الاستعداد دافعا للإنجاز لأنه الوجه الخفي لـه. وتضاف إلى الشروط المعرفية والمهارية شروط أخرى سيكولوجية، فالميل والرغبة أساسيان لحدوث الاستعداد.

6- الأهداف الإجرائية : Objectifs opérationnels

عبارة عن أهداف دقيقة صيغت صياغة إجرائية وترتبط بما سينجزه المتعلم من سلوك بعد ممارسته لنشاط تعليمي معين.

7- المشروع التربوي :Projet Educatif
خطة تسعى إلى تحقيق أهداف معرفية مهارية ووجدانية تترجمها حاجات ومشكلات يسعى التلاميذ إلى بلوغها عبر عمليات منظمة.


8- برنامج تعليمي : Programme Scolaire
مجموعة من الدروس المتناسقة أو مجموعة منظمة من الدروس ونماذج التعليم والمواد الديداكتيكية والحصص يكون هدفها هو تبليغ المعارف والمهارات.

9- الوحدة المجزوء Module
الوحدة عبارة عن تنظيم متكامل للمنهج المقرر والطريقة التدريسية، إنها موقف تعليمي يحتوي على المادة العلمية والأنشطة العملية المرتبطة بها وخطوات تدريسها.

10- المقطع : Séquence
مجموعة من الوحدات الصغرى المترابطة بينها برابط هو المهمة أو الهدف المتوخى والتي تشكل جزءا من الدرس.

11- المؤشر : Indicateur
المؤشر الذي هو نتيجة لتحليل الكفاية أو مرحلة من مراحل اكتسابها، سلوك قابل للملاحظة يمكن من خلاله التعرف عليها، وبالتالي يسمح بتقويم مدى التقدم في اكتسابها. إنه علامة محتملة لحصول التفاعل بين تنمية القدرات وبين المعارف وبذلك يشكل نقطة التقاطع بين القدرات والمضامين المعرفية.

12- السيرورة :
وهي في عمومها مختلف العمليات والوظائف التي يقوم بها المتعلم، لتفعيل مكتسباته وإمكاناته الشخصية وتصحيح تمثلاته، من أجل بناء معارف جديدة ودمجها في المعارف السابقة وبالتالي اتخاذ القرار وتحديد الإنجاز الملائم.

13- التدبيـــــر:
نشاط يعنى بالحصول على الموارد المالية والبشرية والمادية وتنميتها وتنسيق استعمالها قصد تحقيق هدف أو أهداف معينة.(وهو عكس التسيير،ذلك أن التدبير إشراك كافة الفاعلين وبث روح المبادرة والعمل الجماعي).

14- التدبير التربوي:
ينظر إلى المدرسة باعتبارها منظومة إنتاجية أي تعتبر فضاء للعطاء والإنتاج والمردودية، وبالتالي فالتدبير التربوي يقتضي التخطيط والتنسيق والترشيد.

15- التواصـــل:
التواصل بصفة عامة يفيد الإخبار أو الإعلام أو الإطلاع،وهو نقل المعلومات من مرسل إلى متلق بواسطة قناة.

16- التواصل التربوي:
التواصل التربوي يحدث في خضم العمليات التربوية لكونها عملية تواصلية،بحكم أنها ترتكز على شبكة علاقات إنسانية:تلميذ/محيط-مدرسة/أسرة-مدرسة/محيط…

17- التفاعــــل:
علاقة بين متفاعلين،علاقة تأثير وتأثر،علاقة تتخذ شكل تبادل ومشاركة وتواصل،تقتضي فعلا وتأثيرا متبادلين بين شخصين أو أكثر.

18- العلاقــــة:
صلة ورابطة بين موضوعين أو أكثر (علاقة المدرس/تلاميذ – علاقة تلاميذ تلاميذ – علاقة مدرسة/أسرة…..).

19- مراقبة مستمرة:
إجراء بيداغوجي يهدف إلى تقييم أداءات المتعلمين بكيفية مستمرة تمكنهم من تعرف إمكانياتهم ومردودهم والعمل على تطويره.

20- الحـــــاجة:
نقص موضوعي قد يؤدي إلى المرض أو الموت أو…(الكفاية تلبي الحاجة).

21- الرغـــبة:
نقص ذاتي يشعر به الفرد.

22- التخطيط التربوي العام:
تخطيط عام للعملية التعليمية في شموليتها(المؤسسات/المدرسين/المتعلمين/ميزانية التسيير/وضع المناهج والتوجهات الكبرى..) ويضعه المقررون انطلاقا من اعتبارات سياسية واقتصادية و…

23- التخطيط الإداري:
تنفيذ ما تم تقريره في التخطيط التربوي العام، وتهيئة الظروف وتتبع العمليات المنجزة وتقويمها.

24- التخطيط البيداغوجي:
يرتبط بتنفيذ المنهاج التعليمي(ما يقوم به المدرس من عمليات وهو يستعد لهذا التنفيذ).

25- المنهـــاج:
وثيقة تربوية مكتوبة تضم مجموع المعارف والخبرات التي يستعملها التلاميذ، وتتكون من عناصر أربعة:الأهداف-المعرفة-أنشطة التعلم-التقويم.

26- جماعة القسم:
مجموعة من التلاميذ ومدرس تؤطرهم علاقة عمل نظامية أو مؤسسية، وتجمعهم أهداف مشتركة للتعليم والتعلم وتحدد العلاقات بينهم معايير وأدوار محددة.

27- العائق البيداغوجي:
صعوبة يصادفها المتعلم خلال مساره يمكن أن تعوق تعلمه أو تسهله.وللعائق البيداغوجي مظهران: قد يكون إيجابيا ويساعد المتعلم على تحقيق تعلمه، وقد يكون سلبيا يمكن أن يعطل تعلم المتعلم.

28- المشروع البيداغوجي :
ينتقل المشروع التربوي من مجال القيم إلى مجال الفعل المباشر، وهوكل صيغة تحدد مواصفات التخرج بمصطلحات الكفايات والقدرات التي يلتزمها شركاء الفعل التربوي على مدى تكوين معين أو دورة دراسية محددة . كما يتضمن المشروع التربوي الوسائل المستعملة وخطوات اكتساب المعرفة المقترحة وأنماط التقويم.

29- البرنامج التعليمي والمنهاج :
يشكل البرنامج لائحة المحتويات التي يجب تدريسها، وأنماط التعليم والمواد والحصص المراد تبليغها. أما دولاندشير فيرى في المنهاج الدراسي على أنه مجموعة من الأنشطة المخططة من أجل تكوين المتعلم، إنه يتضمن الأهداف، والأدوات، والاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمدرسين.

30- التنشيط التربوي:
يعتبر موضوع التنشيط التربوي موضوعا ذا أهمية بالغة في العملية التربوية. ونكتفي بإجمال أهم مقتضياته في اعتباره مجموعة من التصرفات والإجراءات التربوية، المنهجية والتطبيقية التي يشارك فيها كل من المدرس والتلميذ قصد العمل على تحقيق الأهداف المسطرة لدرس ما أو جزء من درس. وتدخل هذه التقنيات ضمن الطرائق التعليمية التي هي تجسيد للنظريات المختلفة للتعليم والتعلم.

31- التكنولوجيات الجديدة:
يرتبط هذا المصطلح الحديث، الذي ظهر قي الميدان التربوي بمجال الإعلام والاتصال . ويشير عموما إلى مختلف الوسائط والمعينات التي تساعد على تبادل ونقل المعلومات، صوتا أو صورة أو هما معا . وتتم من خلال الفيديو والحاسوب والمسلاط والكاميرا وشبكات الأنترنيت، في مجالات متنوعة وتشمل مختلف الأطراف( الإدارة، المدرسين، التلاميذ).
ولقد تمت الإشارة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى استعمال التكنولوجيات الجديدة في الدعامة العاشرة من الباب الثالث المخصص للحديث عن الجودة.

32- التربية البدنية والرياضية:
التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية تعتمد الأنشطة البدنية والرياضية باعتبارها ممارسات اجتماعية وثقافية تساهم في بلوغ الغايات التربوية.
تعد مادة التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية أساسية لدى المتعلم وهي تتفاعل تفاعلا منسجما مع باقي المواد الدراسية الأخرى،لأن البرامج التعليمية تسعى في مجملها إلى الوحدة المتكاملة،آخذة بعين الاعتبار التكوين الشامل لشخصية المتعلم من جميع جوانبها.
إن ما يكتسبه المتعلم من أرصدة في مجال المعرفة والمهارات سواء تعلق الأمر بالكتابة أو القراءة أو الحساب أو الحركة له تفاعل في تكوين شخصيته تكوينا متكاملا ومتزنا، ومن ثم كان للرصيد الحركي دلالته تأثيرا وتأثرا. ولهذا فالنشاط الحركي بمدلوله ورصيده له تأثير خاص على المواد الأخرى من حيث الإنتاج والتفاعل أخذا وعطاءا. لذا وجب تطويعه وفق أسس علمية تستجيب لمتطلبات المتعلم ورغباته حسب مراحل نموه وإمكانياته والمحيط الذي يعيش فيه.

33- الرياضة المدرسية :
الرياضة المدرسية هي مجموع الأنشطة الرياضية المزاولة داخل المؤسسات التعليمية في إطار الجمعية الرياضية المدرسية، والتي تتوج ببطولات محلية وجهوية ووطنية ودولية، يبدع فيها التلاميذ ويبرزون من خلالها كفاءاتهم ومواهبهم.
وينبغي التمييز بين التربية البدنية كمادة تعليمية أساسية وإجبارية والرياضة المدرسية التي تعد نشاطا تكوينيا تكميليا اختياريا يزاول في إطار الجمعية الرياضية المدرسية.

34- مرصد القيم:
يتولى مرصد القيم إدماج المبادئ والقيم من خلال المناهج التربوية والتكوينية عبر فضاء المؤسسة التعليمية وجعل القيم أحد مرتكزات المنظومة التربوية. ويضم ميثاق مرصد القيم أبعادا دينية ووطنية وإنسانية وعلمية وأخلاقية وجمالية يكون المتعلم مدعوا للتشبع بها. وللمرصد مكتب مركزي ومنسقيات جهوية وإقليمية ومؤسسية.

35- الهدر المدرسي:
أحيانا نتحدث عن الهدر المدرسي و نعني به التسرب الذي يحصل في مسيرة الطفل الدراسية التي تتوقف في مرحلة معينة دون أن يستكمل دراسته. لكن نفس الظاهرة يرد الحديث عنها في كتابات بعض التربويين بالفشل الدراسي الذي يرتبط لدى أغلبهم بالتعثر الدراسي الموازي إجرائيا للتأخر. كما تتحدث مصادر أخرى عن التخلف و اللاتكيف الدراسي و كثير من المفاهيم التي تعمل في سبيل جعل سوسيولوجيا التربية أداة لوضع الملمس على الأسباب الداخلية للمؤسسة التربوية من خلال إنتاجها اللامساواة إلا أننا بشكل عام نتحدث عن الهدر المدرسي باعتباره انقطاع التلاميذ عن الدراسة كلية قبل إتمام المرحلة الدراسية أو ترك الدراسة قبل إنهاء مرحلة معينة.

36- مجلس التدبير:
يعتبر مجلس التدبير من أهم مجالس المؤسسة، يتولى مجلس التدبير المهام التالية:
- اقتراح النظام الداخلي للمؤسسة في إطار احترام النصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل و عرضه على مصادقة مجلس الأكاديمية الجهوية للتربية و التكوين المعنية.
- دراسة برامج عمل المجلس التربوي و المجالس التعليمية و المصادقة عليها و إدراجها ضمن برنامج عمل المؤسسة المقترح من قبله.
- دراسة برنامج العمل السنوي الخاص بأنشطة المؤسسة و تتبع مراحل إنجازه.
- الإطلاع على القرارات الصادرة عن المجالس الأخرى و نتائج أعمالها و استغلال معطياتها للرفع من مستوى التدبير التربوي و الإداري و المالي للمؤسسة.
- دراسة التدابير الملائمة لضمان صيانة المؤسسة و المحافظة على ممتلكاها. - إبداء الرأي بشأن مشاريع اتفاقيات الشراكة التي تعتزم المؤسسة إبرامها.
- دراسة حاجيات المؤسسة للسنة الدراسية الموالية.
- المصادقة على التقرير السنوي العام المتعلق بنشاط و سير المؤسسة، و الذي يتعين أن يتضمن لزوما المعطيات المتعلقة بالتدبير الإداري و المالي و المحاسبي للمؤسسة.

37- الإدمـــــــــاج:
وهو إقدار المتعلم على توظيف عدة تعلمات سابقة منفصلة في بناء جديد متكامل وذي معنى، وغالبا ما يتم هذا التعلم الجديد نتيجة التقاطعات آلتي تحدث بين مختلف المواد والوحدات الدراسية.

38- جمعية آباء وأولياء التلاميذ:
تتكون من الآباء والأمهات والأولياء تتولى المساهمة في حملات رفع التمدرس والحد من الانقطاعات وتتبع عمل التلاميذ والإسهام في مختلف أنشطة المؤسسة التربوية والثقافية والفنية وغيرها والمساعدة في الترميمات والاصلاحات المستعجلة.

39- الوضعيات التعليمية:
وهي كل “مشكلة تمثل تحديا بالنسبة للمتعلم وتمكنه من الدخول في سيرورة تعليمية نشيطة وبناءة واستقبال معلومات وإيجاد قواعد للحل منتظمة ومعقولة تسمو بالمتعلم إلى مستوى معرفي أفضل.

40- الوضعية المسألة:
وهي تشير عموما إلى مختلف المعلومات والمعارف، التي يتعين الربط بينها لحل مشكلة أو وضعية جديدة، أو للقيام بمهمة في إطار محدد. وهي بالتالي، تمتاز بإدماج المعارف وقابليتها للحل بطرق مختلفة من قبل المتعلم. وليست بالضرورة وضعية تعليمية. كما أنها مرتبطة بالمستوى الدراسي وبالسياق الذي وردت فيه وبالأنشطة المرجوة والموظفة. ثم بالمعينات الديداكتيكية وبتوجيهات العمل المعلنة منها والضمنية.

41- التكوين الأساس والتكوين المستمر:
يستلزم التسارع الحاصل في مجال المعرفة عموما، أن يكون أطر التربية والتكوين على علم بمختلف المستجدات. وأن يطوروا من أدائهم المعرفي والميداني. ويتم الحديث عن التكوين من خلال مقاربتين أوروبية وأنجلو سكسونية، لإفراز مفاهيم التكوين التكميلي أو التأهيلي. ـ يعني التكوين” التعليم المخصص لإكساب شخص أو مجموعة، معارف نظرية وعملية ضرورية لمزاولة مهنة أو نشاط.”[22] ـ يحيل مفهوم التكوين المستمر على الاستمرارية والامتداد وليس على التكوين المناسباتي. إنه بمثابة لحظة للتأمل تتوخى إعادة النظر في المفاهيم والتجربة. إنه التكوين المرافق للممارسة من أجل عطاء مستقبلي أفضل. وهو رفض للجمود الفكري والمهني. فهو ترتيب جديد وتصفيف للبنية السابقة. ويمكن أن نموقعه بين لحظتي ماقبل التكوين وبعده. وهذه العملية تحتاج إلى تعامل منهجي وإجرائي وتقويمي، بغية التمكن من الآليات القمينة بتتبع مسار التحسن والتطور الايقاعات الزمنية.

تلخيص وجمع: إدريس الناصري / فاس في أكتوبر2004

الكاتب: إدريس الناصري

http://tarbaouiyate.blogspot.com/2007_02_01_archive.html

تدريس التربية البدنية والرياضية

Jeudi, février 5th, 2009

 

 site.voila.fr/cfikhemisset/edu.sportive.doc

 

المملكة المغربية

وزارة التربية الوطنية

الكتابة العامة

 

 

 

 

مصوغة موجهة إلى المعلمين

 

 

 

تدريس التربية البدنية والرياضية

بالسلك الأول من التعليم الأساسي
 
 
 
 
 
سلسلة تكوين أطر وزارة التربية الوطنية
مديرية الموارد البشرية ( قسم استراتيجيات التكوين )
العدد : 14 

 

 

نوفمبر 2001

 

 

 

المملكة المغربية

وزارة التربية الوطنية

الكتابة العامة

 

 

مصوغة موجهة إلى المعلمين

 

تدريس التربية البدنية والرياضية

بالسلك الأول من التعليم الأساسي
 
 
أعدها تحت إشراف مديرية المناهج 
سمير البردعي – عبد المجيد بوراس

مصطفى عقول – محسين موساوي – سعيد مندريس

شارك في الإنجاز

أحمد بن شكري – محمد أرخي عبد القادر نجي

موسى برحو – عبد القادر زوكاغ – أحمد أكرم أبوزيد

لحسن رزاق – عبد القادر موساوي – محمد لطفي

امحمد كوزار – فؤاد زكرياء – عبد المالك عناب  

 

 

 

نوفمبر 2001

 

 

فهرس المواد

 

 

 

 

- مقدمة.

- تعاريف لبعض المصطلحات.

- التعلم الحركي.

- خصائص الطفل بطور التعليم الابتدائي.

- مواصفات الطفل عند نهاية التعليم الابتدائي.

- أهداف سلكي التعليم الابتدائي.

- مضامين التعليم الابتدائي.

- استراتيجيات التدخل المقترحة للمدرس.

- التحليل والمعالجة الديداكتيكية للعبة النط فوق الحبل.

- نماذج لتهيئ جذاذات بعض الدروس.

- شبكة لتقويم حصص التربية البدنية والرياضية.

الإطار العام

 

 أنجزت هذه المصوغة بغية تمكين المعلمين من أداة للتكوين عن بعد في مادة التربية البدنية والرياضية. وقد طرحت عدة إشكاليات عند بلورة هذه الوحدة التكوينية يمكن تلخيصها في النقط التالية:

 

 

I-               الفئة المستهدفة :

من المعلوم أن مراكز تكوين المعلمين لم تبدأ في تطبيق برنامج للتكوين في بيداغوجية وديداكتيك التربية البدنية والرياضية إلا مع بداية عقد الثمانينيات، ومن تم برزت ضرورة بلورة مصوغة تؤمن تكوينا أوليا وآخر مستمرا في نفس الوقت.

 

 

II-           الأهــداف :

 نظرا لطبيعة العينة المستهدفة (تباين المستويات، من انعدام كلي للتكوين  إلى توفره وفق البرامج الحديثة). وباعتبار غياب المادة الفعلي في المدرسة الابتدائية المغربية الناجم عن عدول أغلب المعلمين عن تأمين حصصها، طرح إشكال طبيعة الأهداف بحدة . ووقع الاختيار على إفادة مدرسي التعليم الابتدائي من تكوين  يمكنهم من الكفايات الضرورية لبلورة أدوات عمل، عوض تقديم هذه الأدوات جاهزة للاستهلاك.

 

 

III-        استراتيجية التكوين :

 

1-  الشقان النظري والعلمي :

يمكن اعتبار طرح إشكالية الأسبقية طرحا مغلوطا، والتكوين المستمر يعني فئة تدرس فعليا،  وهي محتاجة إذن للتنظير وللتطبيق في آن واحد، لذا وجب التوجه نحو بناء مصوغة  يسخر شقها العملي لاستيعاب الجانب النظري، كما أن هذا الأخير يصاغ بشكل يجعله في خدمة اكتساب الكفايات العملية الضرورية لتأمين حصص فعلية في المادة.

 

2-  مرجعيات بناء المصوغة :

من أهم هذه المرجعيات ميثاق التربية والتعليم، باعتباره الوثيقة الإطار التي تحدد فلسفة ومرامي التربية والتعليم بالمغرب في مختلف الأسلاك والمستويات. هناك كذلك أعمال اللجن التي انكبت على تفعيل الميثاق وخاصة منها تلك التي اهتمت ببناء برنامج مادة التربية البدنية والرياضية (لجنة التوجيهات والاختيارات واللجنة البسلكية). وقد تم التركيز طبعا على برنامج المادة بالتعليم الابتدائي والذي يحدد الكفايات المستهدفة في المرحلتين الأولى والثانية من خلال حصص التربية البدنية. بالإضافة إلى البرنامج التفصيلي المنجز من طرف اللجنة المتخصصة (ماي2001).

3-  منهجية بناء المصوغة :

نظرا للصعوبات الموضوعية التي تحول دون بلورة مرجعية مهنية لمدرس التربية البدنية والرياضية بالتعليم الابتدائي (عامل الوقت، غياب دروس المادة بهذا الطور، تباين مستوى تكوين المعلمين في بيداغوجية وديداكتيك المادة…) بدا من الأنسب الاعتماد على مرجعية مهنية جاهزة. وبما أن الكفايات المفترض توفرها في المدرس الذي يؤمن حصص المادة هي هي، سواء أكان يشتغل في التعليم الابتدائي أو الاعدادي، تم تبني المرجعية التي وضعت على أساسها برامج المراكز التربوية الجهوية للتربية البدنية والرياضية، والتي صدرت عن وزارة التربية الوطنية في يونيو سنة 1996. وباعتمادها يبدو جليا وجوب اهتمام كل تكوين شمولي في بيداغوجية وديداكتيك التربية البدنية والرياضية باكتساب الكفايات التالية:

o       معرفة بعض الأسس الديداكتيكية في مادة التربية البدنية والرياضية.

·        استيعاب بعض المصطلحات والتعاريف الخاصة بالمادة.

·        فهم مختلف مجالات التدخل.

o       معرفة أهداف المادة في سلك التعليم الابتدائي.

·        التمييز بين مختلف أنواع الأهداف.

·        أجرأة الأهداف.

o       معرفة الحلقة التعلمية والدرس.

·        تخطيط الحلقة في إطار منطق تعلمي.

·        تخطيط الدرس في إطار حلقة تعليمية.

o       معرفة بعض تقنيات الملاحظة والتقويم.

·        استيعاب ومعرفة أنواع الملاحظة والتقويم.

·        اختيار وسائل ناجعة للملاحظة وللتقويم حسب طبيعة الدرس.

o       معرفة أسس التحويل والمعالجة.

·        استيعاب نموذج  للتحويل والمعالجة لجعل نشاط بدني في متناول الأطفال.

o       معرفة خصائص مراحل نمو الطفل :

·        استيعاب الخصائص البيولوجية.

·        استيعاب الخصائص السيكولوجية.

·        استيعاب الخصائص الاجتماعية والثقافية.

 

 

 

 

IV-       الكفايات المستهدفة في هذه المصوغة التكوينية :

يمكن اعتبار الكفاية الأولى – أي مايتعلق بمعرفة بعض الأسس الديداكتيكية وكذا البيداغوجية للتربية البدنية والرياضية- حدا أدنى يستحيل دونه تأطير حصص في المادة قد ترقى إلى مستوى تأمين تعلم مبرمج. ومن أهم القدرات المكونة لهذه الكفاية:

1-   التمكن من بعض المصطلحات المتداولة في مجالي ديداكتيك وبيداغوجية التربية البدنية.

2-   تمثل خصائص وحاجيات المتعلم بمرحلتي التعليم  الابتدائي.

3-   إدراك مواصفات المتعلم عند نهاية التعليم الابتدائي خاصة فيما يتعلق بالمجال الحركي.

4-   مطابقة الكفايات المستهدفة للأنشطة التعلمية المختارة.

5-   تخطيط وتنظيم عملية التعلم بشكل يخدم اكتساب وتطوير الكفايات المبرمجة.

6-   تسيير أنشطة التعلم من خلال إشراف ناجع وفعال.

7-   ملاحظة وتقويم إنجازات المتعلمين خلال مسار بلورتها  خدمة للتعلم.

 

 

V-           محتويات المصوغة:

تشمل محتويات المصوغة التكوينية أربع مجالات متداخلة بطريقة تجعلها تكمل بعضها البعض، لتشكل وحدة من شأنها تمكين المكونين من مقاربة لدرس التربية البدنية والرياضية تتوخى الحداثة ومراعاة خصوصيات الطفل المغربي وحاجياته.

1-      المجال النظري: وهو أساسا دراسة لمجموعة من النصوص تتضمن على التوالي:

-                          تعاريف لبعض المصطلحات المتداولة في حقل الأنشطة البدنية والرياضية.

-                          دراسة في موضوع التعلم الحركي  لكونه المضمون المحوري والهدف الأساس لكل درس رياضي.

-                          خصائص وحاجيات الطفل عند كل مرحلة من مراحل التعليم الابتدائي.

-                          مواصفات المتعلم المنشودة في نهاية هذا الطور.

-                          الأهداف المحددة لمرحلتيه.

-                          مضامين التعلم بالنسبة للمرحلتين.

-                          مقترح استراتيجية لإعداد وإنجاز حصص هادفة للتربية البدنية والرياضية.

2-   أنشطة ذات طابع منهجي: وتتضمن دراسة نموذج مبسط لتحليل ومعالجة لعبة القفز فوق الحبل مع ستة دروس مقترحة في هذه اللعبة (ثلاثة لكل من مرحلتي التعليم الابتدائي). والمطلوب هنا هو العمل على تتميم حلقة من ست حصص، أي تحضير الثلاثة المتبقية حسب المرحلة التي ينتمي لها تلاميذ المعلم. وذلك تمشيا مع تدرج المستويات المهارية الوارد في تحليل اللعبة من جهة، ومع الأهداف المحددة لهذا الطور من جهة ثانية.

3-    أنشطة تطبيقية: من المفروض أن تنجز بموازاة مع سابقتها، وهي عبارة عن التأمين الفعلي لدروس الحلقة التعلمية الكاملة، بمعدل حصتين في الأسبوع.

4-    التقويم: أدرجت في آخر المصوغة شبكة لتقويم دروس التربية البدنية والرياضية من خلال ملاحظة الكفايات البيداغوجية والديداكتيكية. بمقدور المعلم الاستعانة بها مباشرة بعد الانتهاء من إنجاز كل درس، حتى يتمكن من القيام بالتعديلات المناسبة لتكون مقاربته للنشاط الحركي شمولية تعنى بمختلف مجالات الفعل التربوي.

 

VI-       مدة التنفيد:

يبدو أن مدة شهرين كافية لتنفيد المصوغة. على أساس أن تتم دراسة الجانبين النظري والمنهجي بإمعان وترو في غضون شهر، فيما يخصص الشهر الموالي للتطبيق المباشر مع التلاميذ.

 

تعاريف لبعض المصطلحات

 

التربية البدنية والرياضية:

   التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية تعتمد الأنشطة البدنية والرياضية باعتبارها ممارسات اجتماعية وثقافية تساهم في بلوغ الغايات التربوية.

   تعد مادة التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية أساسية لدى المتعلم وهي تتفاعل تفاعلا منسجما مع باقي المواد الدراسية الأخرى،لأن البرامج التعليمية تسعى في مجملها إلى الوحدة المتكاملة،آخذة بعين الاعتبار التكوين الشامل لشخصية المتعلم من جميع جوانبها.

   إن ما يكتسبه المتعلم من أرصدة في مجال المعرفة والمهارات سواء تعلق الأمر بالكتابة أو القراءة أو الحساب أو الحركة له تفاعل في تكوين شخصيته تكوينا متكاملا ومتزنا، ومن ثم كان للرصيد الحركي دلالته تأثيرا وتأثرا. ولهذا فالنشاط الحركي بمدلوله ورصيده له تأثير خاص على المواد الأخرى من حيث الإنتاج والتفاعل أخذا وعطاءا. لذا وجب تطويعه وفق أسس علمية تستجيب لمتطلبات المتعلم ورغباته حسب مراحل نموه وإمكانياته والمحيط الذي يعيش فيه.

 

الرياضة المدرسية :الرياضة المدرسية هي مجموع الأنشطة الرياضية المزاولة داخل المؤسسات التعليمية في إطار الجمعية الرياضية المدرسية، والتي تتوج ببطولات محلية وجهوية ووطنية ودولية، يبدع فيها التلاميذ ويبرزون من خلالها كفاءاتهم ومواهبهم.

 وينبغي التمييز بين التربية البدنية كمادة تعليمية أساسية وإجبارية  والرياضة المدرسية  التي تعد نشاطا تكوينيا تكميليا اختياريا يزاول في إطار الجمعية الرياضية المدرسية.

 

 

الألعاب العتيقة، التقليدية أو الشعبية:

   أنشطة بدنية غير نظامية تتوارثها الأجيال المتعاقبة،وهي تعبر بشكل ما عن ثقافة المجتمع وطبيعة العلاقات السائدة فيه .

 

التحليل الديداكتيكي  Analyse didactique :

عملية تتلخص في فهم وتحديد جميع المعطيات المؤثرة في العملية التعلمية عند التلميذ والعملية التعليمية عند الأستاذ.

 

المنطق الداخلي للنشاط البدني والرياضي

منطق التلميذ

رهانات التكوين

المشكل الأساس

المبادئ الأساس

 

 

المعالجة الديداكتيكية Traitement didactique :

 مرحلة يختار خلالها المدرس طرائق ومحتويات التعلم الموافقة لخصائص المتعلم، مع تحديد أساليب تقويم التعلم. 

 

مستويات التعلم

موضوع الدراسة

معايير النجاح

الوضعية المرجعية

التحويل الديداكتيكيTransposition didactique :

   الانتقال بالأنشطة الحركية من أنشطة بدنية متداولة في المجتمع إلى مضامين يتعلمها الطفل فعليا.

 

الحلقة التعلمية :Cycle d’apprentissage  

  هي مجموعة حصص من نفس النشاط البدني والرياضي والتي تتسلسل تدريجيا وفق الأهداف التي يحددها المشروع البيداغوجي للمادة. وتتكون الحلقة من:

-                           حصة واحدة للملاحظة أو التقويم التشخيصي ، عبارة عن جس النبض لما لدى التلاميذ من رصيد معرفي حول النشاط المستهدف .

-                           حصص للتعلم والتعليم: وهي دروس في النشاط المستهدف تقدم للتلاميذ بغية الاستيعاب.

-                           حصة التقويم الإجمالي : حصة تقويمية لما تم استيعابه من طرف التلاميذ.

 

درس التربية البدنية والرياضية :

   هو بناء تربوي يعنى بتطوير مهارات المتعلمين وكفاياتهم الحركية. هذا البناء يندرج في إطار وحدة زمنية تسمى الحصة .

 

البنية البيداغوجية للفصل:

   هي عملية تشكيل مجموعتين أو أكثر من التلاميذ على أساس أن كل مجموعة بدورها تنقسم إلى فريقين اثنين مع إمكانية انتقال العناصر من فريق إلى آخر داخل كل مجموعة حسب ما تمليه قدراتهم ومؤهلاتهم التي تتجلى خلال الممارسة للأنشطة المبرمجة.

 

السلوك الحركي Comportement moteur :

    هو مجموعة من الظواهر الحركية التي تمكن ملاحظتها لدى شخص فاعل . السلوك الحركي يعرف بما تراه العين المجردة عند مشاهدتها لحركة هذا الشخص.

 

التصرف الحركي Conduite motrice :

هو المنظومة الدالة لكل سلوك حركي، بمعنى أننا لما نظيف البعد الدلالي (ماذا يقصد الشخص من سلوكه) يصبح السلوك تصرفا.

 

الاستعداد الحركي motrice Apptitude :

   يعني قابلية التعلم بسهولة والوصول إلى مستوى من المهارة في مجال حركي معين. إن الاستعداد يشير إلى إمكانية إنجاز كامنة وليس إلى إنجاز فعلي، وللاستعداد علاقة مباشرة بالوراثة حيث يمكن اعتباره مجموعة موارد وإمكانات فردية فطرية.

 

القدرة الحركية  Capacité motrice:

  هي التمكن من القيام بفعل أو إنجاز تصرف أو مجموعة تصرفات مناسبة لوضعية حركية معينة. لذا تعتبر القدرة تفعيلا للاستعداد.

 

المهارة الحركية  Habileté motrice :

المهارة بطبيعتها متعلقة بوضعية محددة، وهي بصفة عامة منتوج مباشر للتعلم، كما ان مستواها رهين بالقدرات التي يتوفر عليها الشخص حين معايشته لهذه الوضعية.

 

الكفاية Compétence :

يمكن اعتبار الكفاية بمجال التعلم الحركي مجموعة معارف ومهارات إجرائية وعملية تمكن في إطار فئة من الوضعيات من حل مشكلة بنجاعة وفعالية. فهي بذلك صفة مكتسبة عن طريق التمرين والتعلم كما أنها تتميز باعتبارها نشاطا وظيفيا، ليس فقط بحضور الذات العارفة بل أيضا بحضور الذات الشخصية.                                                                        

 

المشروع البيداغوجي لمادة التربية البدنية والرياضية:

هو أداة لتفعيل برنامج مادة التربية البدنية والرياضية على صعيد كل مؤسسة من خلال تخطيط يراعي ظروفها المادية من حيث التجهيزات والأدوات الديداكتيكية المتوفرة مثلا، كما يأخذ بعين الاعتبار طبيعة محيطها الجغرافي والبشري. وعادة ما  ينجز المشروع حسب المراحل الآتية:

1-    تشخيص الحالة الراهنة ماديا وبشريا.

2-     تحديد الجدولةالسنوية لدروس مادة التربية البدنية والرياضية تحديدا معقلنا يتيح ترشيد استثمار الإمكانات المتوفرة.

3-    تقويم إجمالي في نهاية كل سنة للرفع من مستوى الأداء في السنوات التي تليها.

التعلم الحركي

 

تمهيد :

التعلم نشاط ضروري للإنسان، فهو يعتمد عليه في حياته واستمرارها وفي تكيفه مع البيئة. ويتخذ مفهوم التعلم دلالات متعددة، ومن ثم يختلف تعريفه من نظرية إلى أخرى ومن بين التعاريف نذكر :

 التعلم “ما هو إلا تغيير في السلوك ناتج عن إثارة ما، وهذا التغيير قد يكون نتيجة لأثر منبهات بسيطة وقد يكون نتيجة لمواقف معقدة” « Guilford »

التعلم “عملية تغير شبه دائم في سلوك الفرد ينشأ نتيجة الممارسة ويظهر في تغيير الأداء (Performance) لدى الكائن الحي” « J.F le NY ».

التعلم “عملية اكتساب “Acquisition” لسلوك أو تصرف (معارف، مواقف، حركات، مهارات…)، ويتم هذا الاكتساب في وضعية محددة، ومن خلال تفاعل ما بين الفرد المتعلم والموضوع الخاص بالتعلم”.

من خلال التعريف الأخير يمكن القول إن التعلم هو حصيلة التفاعلات القائمة بين عناصر أساسية هي الفرد المتعلم وموضوع التعلم ثم وضعية التعلم.

أ‌-      العنصر الأول أو الفـرد المتعلم :

كل فرد يوجد في وضعية تعلم معينة، يخضع لشروط محددة منها ما يتعلق به كذات، فالفرد المتعلم كذات عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والاستعدادات النفسية والذهنية والاجتماعية…

ب- العنصر الثاني أو موضوع التعلم :

ويشير إلى كل ما يمكن أن يكتسبه الفرد في وضعية وشروط معينة ويتخذ هذا الموضوع أشكالا وأنواعا مختلفة، كالأفكار والتصورات أو المواقف والحركات والمهارات.

ج- العنصر الثالث أو الوضعية التعليمية :

تشكل هذه الوضعية الإطار أو السياق العام « Contexte » الذي يتم فيه فعل التعلم، وقد تكون هذه الوضعية تلقائية (أثناء اللعب أو أنشطة أخرى) أو وضعية موجهة وقصدية « Intentionnelle » كما هو الشأن بالنسبة للتعلم المنظم داخل القسم.

د- العنصر الرابع نتاج التعلـم :

وهو عبارة عن سلوكات أو تصرفات ظاهرة أو باطنة تأتي على شكل إنجازات « Performances »، تختلف من فرد إلى آخر، وتعكس درجة التعلم التي توصل إليها الفرد. ومن خصائص ناتج التعلم اقتصاد الزمن، والاتسام بدرجة قصوى من الإتقان (عدد أقل من الأخطاء والمحاولات الزائدة).

 

I-               تعريف التعلـم الحركـي :  

يقصد بالتعلم الحركي اكتساب أو تطوير حركة أو مركب من الحركات. ويتوقف نجاح هذا التعلم على شروط معينة كالاستعداد الخاص بالتلميذ. ومنها ما يرتبط بالعمليات العقلية، ودرجة التعلم، وتأثير الانفعالات وكمية انتقال أثر التعلم.

لم يهتم السيكولوجيون قديما إلا بما هو ظاهر، حيث أنهم لم يدرسوا غير الجزء المرئي من الحركة بمعنى التنظيم الحركي الخارجي.       فوجب انتظار العقود الاخيرة لينصب الاهتمام أكثر على الميكانيزمات المسؤولة عن فعالية الحركة التي تعتبر نتيجة لسلسلة من العمليات الذهنية المتثالية، والتي ستحدد نجاحها وصلاحيتها. لذا يتضح أن الاهتمام فقط بالإنجاز الحركي قد يحجب ماهو أهم من الانجاز في حد ذاته. وتنقسم المهارات الحركية موضوع التعلم إلى نوعين:

§                    مهارات مفتوحة: مجال ممارستها متغير وليس بقار كاستقبال الكرة خلال اللعب في مقابلة للكرة الطائرة (موقع الأصدقاء متغير، كذلك الحال بالنسبة للخصوم والكرة). حيث تكون الاستجابة الحركية المنتظرة بعد التعلم هي استقبال الكرة وإرجاعها إلى منطقة الخصم (التنظيم الحركي الخارجي). بمجرد أن يقذف الخصم الكرة، يستجمع اللاعب المستقبل معلومات حول مسار الكرة واتجاهها وسرعتها ودورانها… هذه المعلومات الملتقطة والمحللة بسرعة ستمكنه من التقدم نحو مسار الكرة (إلى أين سأتجه ؟) وتنفيذ الضربة في الوقت الأمثل (متى سأضرب ؟). وفي وقت وجيز سيختار من بين الضربات الممكنة تلك التي سيكون خلالها في تموضع جيد (كيف سأضرب؟) يسمح له بإرجاع الكرة إلى منطقة الخصم وجعله –إذا كان ممكنا- في وضعية صعبة ( متى وكيف سأهاجم ؟). كل هذه القرارات يجب أن تؤخذ بسرعة. دون إغفال الإجراءات الأخرى التي ستنظم الحركة من الناحية العضلية مثل اختيار القوة والسرعة والدقة. اللاعب هنا يجب أن يتصرف وأن يتكيف بصفة دائمة مع التغيرات التي تحدث في وسط متقلب (milieu fluctuant). كما يجب أن يقرر استراتيجيات ويتخذ قرارات وينفذها ويفيد منها. وهذا يعني أن نجاح الحركة مشروط بالعمليات العقلية المصاحبة لها.

§                    مهارات مغلقة: تزاول في وسط ثابت كمثل الوقوف على اليدين والرأس في حركات الجمباز الأرضية (لا شيء يتحرك عدا المتعلم نفسه). في هذه الحالة تكون الاستجابة الحركية المنتظرة هي وقوف المتعلم متزنا على اليدين والرأس. يركز اللاعب نشاطه الذهني على المعلومات الصادرة من جسمه في علاقته مع الفضاء والأشياء المحسوسة كعدة الرياضة والإيقاع… هذه الأحاسيس الداخلية « Rétroactions proprioceptives» تقدم للممارس معلومات حول وضعية الجسم في الفضاء وقوة الحركة وسرعتها واتجاهها… وتمكنه أيضا من مقارنة النتيجة بالمشروع الأولي (النموذج الذهني والحركة المثالية المنشودة)وتصحيح الحركة الخاطئة وكذا ربط الحركة بالحلقة الحركية الموالية.

بدون هذا النشاط الذهني لن يكون بمقدور الممارس ضبط الحركة وتأويل المعلومات واتخاذ القرارات. فالنشاط الذهني أساسي لنجاح الحركة. وخلاصة القول إن الجزء المرئي من الحركة وكذا إنجازها مرتبطين بالعمليات العقلية التي تسبقها أو ترافقها. ومن ثم يمكن اعتبار التعلم الحركي كمجموعة من الأنشطة الداخلية التي تؤدي إلى تغيير في الأداء.

خلاصة :

التعلم الحركي هو نشاط سيكولوجي يمكن الممارس من تغيير سلوكه الحركي بصفة مستديمة، إنه سيرورة تحدث أساسا في دماغ الممارس تمكنه من اكتساب القدرة على إنتاج أفعال حركية فعالة وصحيحة أكثر فأكثر.

 

التعلم فعل غير ملحوظ مباشرة : بما أن التعلم يحدث بداخل الفرد، تتعذر ملاحظته مباشرة في كل الأحوال. كما أن السيرورات التي ترافقه والتي تمكنه من التحقق توجد بداخل الجهاز العصبي المركزي (الدماغ). إذن ما يمكن ملاحظته هو أداء أو مجموعة من الأداءات لممارس ما، قد تفضي بعد فترة معينة إلى تحول أو تقدم في الإنجاز. وبالتالي فإن الأداء هو مقياس التعلم ونتيجته النهائية، وغيابه لا يعني بتاتا إقصاء التعلم أو غيابه لأن الأداء مرتبط بمجموعة من العوامل كالتحفز والتعب والانفعال…

التعلم الحركي ثابت نسبيا ودائم. لأنه يؤدي إلى اكتساب قدرات. والقدرة  “Capacité”  هي الحالات النسبية الثابتة التي تجعل الممارس قادرا على إنجاز مجموعة من الأداءات. إذن فمصطلح قدرة يعني هذه الحالة الدائمة نسبيا بداخل الجهاز العصبي المركزي. ويعتبر هدف المربي الأساس هو إنماء وإغناء هذه القدرة.

بقيت الإشارة إلى أن التيقن من حدوث تعلم حركي فعلي لا يتم إلا بتوفر مجموعة من الشروط:

أن يحصل تغير في الأداءات الحركية للممارس.

أن يكون هذا التغيير مستقرا نسبيا.

أن يكون هذا التغيير وهذا التحسن في الأداء نتاجا لتعديل في السيرورات الذهنية والأنشطة السيكولوجية التي تسبق أو ترافق الحركة.

 

II-            نظريـات التعلـم الحركـي :

 

نظرية معالجة المعلومات :

المعلومات الصادرة عن المحيط تلتقط من قبل الحواس. إنها تكون مضمون مدخل الجهاز العصبي المركزي (Input). ولما تلج هذا الجهاز تتم معالجتها قبل ظهور الاستجابة التي تؤلف المخرج (Output). لا حاجة للتذكير هنا بأن الكائن البشري هو معالج المعلومة. إنه يستقبلها من المثيرات بواسطة حواسه المختلفة ثم ينسقها ويستجيب لمعناها بواسطة الحركة.

القدرة على المعالجة

 

نموذج مختصر لمعالجة المعلومة

 

وفيما بين المدخل والمخرج يمكن أن نميز بين خمس مراحل لمعالجة المعلومات:

1-         كشف المثير “Détection du stimulus” (المرحلة الأولى). فلكي يلعب المثير دورا ما في السلوك يجب أن يكشفه وأن يدركه الجسم.

2-         التحقق من المثير والتعرف عليه “Identification” (المرحلة الثانية). مثلا حين سماع رنين (S)، هل يتعلق الأمر برنين الهاتف، بقرع جرس الباب أو بناقوس الإنذار..

3-          انتقاء الاستجابة المناسبة “Sélection de la réponse” عند التحقق من هوية المثير (المرحلة الثالثة). ويعتمد الفرد في هذه المرحلة على تجاربه السابقة وخاصة منها ما يشابه وضعيته الراهنة.

4-         البرمجة “Programmation” (المرحلة الرابعة). وهي عمليات تلي انتقاء الاستجابة التي يراها الفرد مناسبة حيث يعمل على تنظيمها و تحديد حيثيات إنجازها.

5-         التحويل “Transmission” (المرحلة الخامسة). تترجم خلالها الاستجابة إلى حركة تنجز فعليا بعد انتقال البرامج المحددة من الأجهزة العصبية المركزية إلى الأجهزة الحركية المباشرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

تصميم يوجز المراحل النظرية لمعالجة المعلومات

إن معالجة المعلومات مهمة تستدعي الانتباه المركز. فلا يستطيع الإنسان معالجة معلومتين أو أكثر في آن واحد وبشكل صحيح. حيث تدل معظم القرائن المخبرية على أن قناة المعالجة واحدة ووحيدة. ويمكن تمييز ثـلاث مراحـل إذا انطلقنـا من بدايـة الوضعية إلى تحقيق وإنجاز الحركة. خلال هذه المراحل يعالج الممارس مجموعة من المعلومات:

أ‌-      الممارس يدرك ذاته والفضاء الذي يمارس فيه. إنها المرحلة الإدراكية (Stade perceptif).

ب‌- الممارس ينتقي الجواب المناسب. إنها مرحلة اتخاذ القرار (Stade de décision).

ت‌- الممارس يبرمج إنجـاز الحركـة، إنها مرحلـة التنفيـذ والإنجـاز (Stade d’exécution).

حارس المرمى مثلا يستطيع أن يقدر مسبقا من أين ستمر الكرة. وذلك اعتمادا على المسافة التي تفصله عن اللاعب حامل الكرة واستنادا على سرعة الكرة واتجاهها وموضع الشركاء والخصوم… فيستجيب لهذا التقدير المسبق (عملية فكرية معتمدة على الإبصار) بحركة مناسبة من حيث السرعة والمكان الأكثر ملائمة لاعتراض الكرة والحيلولة دون دخولها إلى المرمى. كذلك هو حال شخص يريد أن يعبر الطريق فيلمح سيارة مقبلة، عليه أن يقدر مسبقا بعد السيارة عنه وسرعتها، ثم يقرر العبور مشيا أو جريا أو الانتظار حتى تمر السيارة.

 

 

 

بداية الوضعية

1

التعرف على فضاء الفعل وتطوراته

ماذا يحدث ؟

Que se passe t-il ? 

مرحلة الإدراك

2

انتقاء الفعل الحركي أكثر فعالية

ماذا أفعل ؟

Que faire

مرحلة اتخاذ القرار

 

3

برمجة الفعل الحركي

كيف أتصرف ؟

Comment agir ?

مرحلة الإنجاز

إنجاز

الحركة

 

 

 

إن الشخص يستقبل معلومات متعددة بواسطة حواسه، سواء أثناء أو بعد أداء الفعل الحركي. مصدر هذه المعلومات نوعان.  النوع الأول داخلي حين يوفر نشاط الفرد الذاتي معطيات تصدر عن الجسم ومكوناته الحركية (العضلات، الأوتار…). بواسطة هذه المعطيات يوجه الفرد نفسه ويضبط اتجاهاته في العمل، فيدرك الخطأ ويحس به ويحاول أن يقومه اعتمادا على هذا الإحساس الداخلي المستمد من أجهزته العصبية الحسية والحركية. (Informations proprioceptives). النوع الثاني خارجي متعلق بمعلومات صادرة عن المحيط. يستقبلها الفرد بواسطة حواسه (البصر، السمع…)، فتساعده على إدراك أفضل للأداء وهي تلازم الفعل الحركي خطوة بخطوة (Informations extéroceptives).

 

نظرية “ADAMS” أو نظرية الحلقة المغلقة :

تتمحور هذه النظرية حول فكرة بسيطة مفادها أن التعلم الحركي ينجم عن مقارنة التغذية الراجعة أو المعلومات المرتدة ”Feed Back” بقيمة مرجعية. وكل عدم تطابق للأداء مع هذه القيمة المرجعية يجب إقصاؤه بنظام تصحيحي. كما أعتمد Adams على فكرة  وجود أثرين في الذاكرة أولهما ذاكري « Trace mnésique »      وثانيهما إدراكي « Trace perceptive ».

1-    الأثر الذاكري: هو المسؤول عن انتقاء وانطلاق الاستجابة الحركية، إنه يشكل برنامجا حركيا ضيقا أو محدودا يخص فقط توجيه الحركة. وقد يتكون هذا الأثر تدريجيا انطلاقا من معرفة نتائج المحاولات السابقة « Connaissance des résultats ».

2-         الأثـر الإدراكـي : خلال المحاولات المتتالية للحركة (التكرار)، يتكون أثر مخزون في الذاكرة يتسم بالدقة والثبات ويتقوى تحت تأثير ثلاثة مصادر من المعلومات :

أ‌-     المعلومات الواردة من الجسم (الأحاسيس الداخلية).

ب‌-المعلومات الواردة من المحيط (معلومات بصرية وسمعية لفظية).

ت‌-معرفة النتائج.

هذا الأثر سيكون بمثابة قيمة مرجعية ثابتة أو بالأحرى صورة حركية « Image motrice » تمثـل النمـوذج الداخلـي للأداء الجيـد. هذا الأخير عبارة عن ذكـرى المحـاولات  السابقة التي كللت بالنجاح.  ويؤكد “Adams” أن نجاح القيادة الحركية  يتطلب مقارنة دقيقة بين المعطيات الفعلية والمعطيات المثالية (القيمة المرجعية) بهدف تقليص الفارق بينهما.

 

 

الأثر
الذاكري


 

 

 

 

مركز قيادة الحركة

 

العضو المستجيب

(العضلات)

 

النتائج

 

معرفة النتائج

 

الأثر الذاكري وانطلاق الاستجابة في نظرية الحلقة المغلقة ”  Adams

 

 

وظيفة التكرار « La répétition» - حسب نظرية Adams - هي خلق مرجع ثابت يمثل الأداء الأصح والأمثل والذي يقيس عليه الممارس النتائج المحصل عليها. فيحدد مدى مطابقة هذه النتائج لهذا المرجع (الأثر الإدراكي). إن معالم الاستجابة الحركية الصحيحة موجودة على شكل أثر إدراكي يعتمد عليه الممارس لإنتاج أفعال حركية ناجعة خلال محاولاته المتتالية. مما يفضي إلى إغناء هذا الأثر شيئا فشيئا. ويطلق Adams مصطلح “التعزيز الذاتي” على الصيرورة التي تمكن الشخص من تحديد الصورة الحركية المناسبة ومن تقويم الإنجاز الحركي الجاري مقارنة معها.

يحدث التعلم الحركي بناء على تكرار الأداء لعدد كبير من المرات تحت إشراف المعلم وتوجيهه، لذلك يجب أن يكون التكرار موجها لغرض معين، كما يجب أن يعرف المتعلم نتائج أدائه. إن وظيفة التغذية الراجعة هي إحداث حركة في اتجاه هدف محدد، ومقارنة آثار هذه الحركة بالاتجاه الصحيح للحركة وتعيين الخطأ، واستخدام إشارة الخطأ السابقة لإعادة توجيه الحركة وضبطها.

 

 

 

 

 

الذاكرة

الأثر الذاكري

الأثر الإدراكي


 

قيمة مرجعية

 

 

 

          

 

 

مركز القيادة

 

ß

العضو المستجيب

(العضلات)

ß

النتائـج

ß

معرفة النتائج

 

 

محاولة تمثيل نظرية الحلقة المغلقة ل”  Adams  ”

 

 

 

نظرية “Schmidt” أو نظرية الشيمة الحركية : 

يتبنى “Schmidt” فكرة البرامج الحركية العامة، ويدافع عن استحالة تصور برامج حركية خاصة. فما يمكن تعلمه ليس إلا سلسلة من القواعـد الحركية الهامـة (Schémas). وهي برامج حركية خاصة بمجموعة من الحركات المتقاربة، خاصة تلك التي لها بنية موحدة وتشابه كلي. ويقصد بالشيمة الحركية  ذلك التنظيم المشترك بين الأفعال الحركية المتشابهة كليا والمتطابقة البنية. إن الخاصية الأساس لهذه الشيمة الحركية هي قابلية تعميمها على مجموعة من الوضعيات المتشابهة. كما أنها تتطور أثناء التعلم من خلال أربعة مصادر من المعلومات المخزونة في الذاكرة :

1-     الشروط الأولية (خاصة بجسم الممارس وبوضعيته في الفضاء).

2-     نوعية الاستجابات (البرامج المخزونة هي جد عامة، يجب على الممارس تحديد خاصية الحركة من حيث السرعة والقوة … لكي يتم الإنجاز الحركي).

3-     المعطيات الحسية (عن طريق المعلومات المرتدة).

4-     النتائج المحصلة.

 

 

الشروط الأولية

 

النتيجة المرجوة

 

نوعية الاستجابات

·        شيمة التذكر

·        شيمة التعرف

تعزيز ذاتي

تقويم الخطأ

 

 

 

الذاكـرة

 

برنامج حركي

 

 

 

 

 

 

 

 

العضو المستجيب

تغدية راجعة من الجسم

 

 

 

 

 

المحيط

معلومات خارجية

 

 

 

 

النتائج المحصلة

معرفة النتائج

 

 

نظريــة الشيمــة الحركيــة

 

 

 

” Schmidt ” يميز بين شيمة التذكر أو الاستحضار وشيمة التعرف. تسمح الأولى بإنتاج الحركة، وتتطور خلال التعلم بربط علاقات بين الشروط الأولية ونوعية الاستجابات والنتائج المحصلة. أما الثانية فتمكن من تقويم تطابق الإجابة الحركية وتتطور بنفس الطريقة عبر ربط علاقات بين الشروط الأولية والنتائج المحصلة والآثار الحسية هذه المرة.

إن عملية التعلم تتم على أساس أخذ الخطأ بعين الاعتبار على مستوى تنظيم البرنامج والاستجابة وكل محاولة تتخللها مراجعة الشيمة الحركية عن طريق التغذية الراجعة. هذا العمل يتطلب تخزين مجموعة من المعلومات في الذاكرة من بينها:

-         تحديد الاستجابة والشروط الأولية أثناء انتقاء البرنامج.

-         المعلومات الصادرة عن الجسم والمحيط التي تتزامن مع إنجاز الحركة .

-         النتيجة الآنية المحصلة (معرفة النتائج والتعزيز الذاتي).

الشيمة إذن نسق من المعلومات يختزن تمثلات وتدابير للتجارب السابقة. كما أن المتعلم  يطور بالنسبة     ل”Schmidt” مبادئ وقواعد للتحكم في الحركة ثم يحولها من وضعية إلى أخرى، أي يكررها ويعممها على أوضاع جديدة. وذلك من خلال استعمال بعض التنسيقات الحركية التي سبق أن أدمجت في بنيات من قبل وإعادة تنظيمها وفقا للمعطيات الجديدة. فعند إنجاز الرمية الحرة مثلا في كرة السلة يستعمل المتعلم برنامجا لإنجاز حركة الرمي لإصابة السلة عن بعد معين. وبإمكانه استعمال نفس البرنامج الحركي للوصول إلى السلة عن بعد يساوي ضعف الأول وذلك بالزيادة في سرعة الإنجاز والقوة العامة. يستطيع المتعلم إذن أن يتطرق لسلسلة من المهام المتشابهة باختيار برنامج أو طريقة عامة للرمي، يحدد خصوصيات كل ظرف حتى يتمكن من أخذ  المسافات والأوزان الخ بعين الاعتبار. وعلى أساسها يقوم باختيار حيثيات البرنامج الحركي النهائي.

 

النظريـة المعرفيــة :

تطورت هذه النظرية مع بداية الستينات، لمحاولة فهم ما يجري داخل الجهاز العصبي والنفسي للإنسان. فالمتعلم لا يقتصر على جمع المعطيات الخام، بل ينتقيها ويضعها في شكل من الأشكال.

المجالات التي تعرضت لها النظرية المعرفية عديدة منها :

1-    الإدراك :

يقوم بفرز مجموعة معتبرة من المعطيات الناتجة عن المعلومات وهذا العمل ضروري لأنه يسجل الفرق بين الملاحظة والمشاهدة بين السمع والإصغاء.

2-    الذاكرة :

من أهم مظاهرها الذاكرة الحسية المرتبطة بالسمع والبصر الخ والذاكرة القريبة المدى والذاكرة البعيدة المدى. الأولى تخزن المعلومات لمدة لا تتجاوز الثانيتين،والثانية تصل إلى حدود الثلاثين ثانية. أما الثالثة فهي الأكثر قوة بحيث تمكن من تخزين المعلومات مدى الحياة.كما تجدر الإشارة إلى أن قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بالمعلومات غير محدودة نظريا على الأقل.

3-    التمثــلات :

بعض الباحثين يعتبرون أنه من الواجب على المدرس أن يأخذ بعين الاعتبار تمثلات المتعلم حين يواجه المعلومات الجديدة بغية إحداث تغيير على المستوى الإدراكي.

4-    حل المشكـل :

النظرية المعرفية تبين أن المتعلم ينطلق من الهـدف الذي يريد تحقيقه ليكـون خطـة عمل حركي. ثم يقترب من الحل من خلال تصحيح الأخطاء بشكل متواصل.  وحسب ” Gentille  ” فإن الفعل الإجمالي للتعلم يفترض تشغيل مقطع العمليات المعرفية. هذا المقطع هو على وجه التقريب كالآتي : 1- المتعلم يدرك بصفة شمولية ما يجب تعلمه ويحاول 2- يسجل العناصر الأساسية للمهمة 3- يتصور في محاولته الأولى شكـلا غيـر متقـن للحركـة 4- يدخل في المحاولة 5- ينتبه إلى النتيجة 6- يقرر بعد ذلك كيف سيعمل في المحاولة القادمة 7- يحاول مرة ثانية 8- …الخ.

على المتعلم إذن أن يعطي الأهمية للمعلومات الصادرة عن حركته السابقة ليكون خطة حركية جديدة. والملاحظ أنه يحاول في بداية التعلم إيجاد التنظيمات الحركية العامة التي تسمح له بالتوصل إلى النتيجة المرغوبة، المحاولات الموالية تقوم أساسا على آلية وتثبيت هذا النظام الحركي الذي تم اكتشافه في المرحلة الأولى.

النظريـة الإيكولوجيـة  :

يتوقف -حسب هذه النظرية- التنسيق والتحكم الحركي على درجة تحرر مفاصل الجسم أثناء القيام بالحركة. الممارس هنا ليس بحاجة إلى برنامج حركي لأن الجسم يتوفر على تنسيق تنظيمي ذاتي.

النظريـة الاجتماعية :

هذه النظرية تحدد ثلاثة إجراءات للاكتساب، مصدرها المحيط :

أ‌-      التعلم عبر المحاكاة والتقليد : هذا التعلم يتم عبر الملاحظة.هناك مثلا مجموعة من السلوكات العدوانية يكتسبها الطفل من خلال تقليد نماذج كالآباء وأشخاص آخرين.

ب‌- التسهيـلات الاجتماعية : إن تحسين وتطوير أداء الفرد يتم من خلال تأثير شخص أو عدة أشخاص ملاحظين.

ت‌- التوقع المعرفي : “Anticipation cognitive” وهو تكامل استجابة منطقية من خلال أوضاع متشابهة.

 

 

III-        مراحـل التعلـم الحركــي:

 

حدد فيتس Fitts و بوسنر Posner ثلاث مراحل للتعلم تتميز بعوامل تخص كل مرحلة من مراحل نمو المهارة الحركية : المرحلة الفكرية – المرحلة الارتباطية – المرحلة الأتوماتيكية.

1-         المرحلـة الفكريـة ” Phase Cognitive “:

تحدث المرحلة الفكرية في الخطوات الأولى من التعلم، حينما يؤدي التلميذ محاولاته الأولى لفهم طبيعة النشاط المطلوب، فتدخل عمليات التفكير بثقلها ما دام هناك حاجة إلى التركيز على العمل بإرادة. وعلى التلميذ أن يحول التوجيهات اللفظية والبصرية التي تقدم له إلى سلوك حركي، له معنى ودلالة، وعليه أن يفهم القصد من المهارة، وأن يقوم بتحليل الموقف، ويستنبط الطريقة لتحقيق الغرض. ويسمى هـذا بالخطـة التنفيذيـة (Plan d’exécution) أو بخطـة العمل (Plan d’action). وأوضح مثال للمرحلة الفكرية هو محاولات المتعلم الأولى لإرسال الكرة بالمضرب، حيث تمكن ملاحظته وهو منتبه إراديا لكل التفاصيل أثناء رفع الكرة، والمرجحة الخلفية للمضرب ثم ضرب الكرة بالمضرب والمتابعة بالجسم.

2-   المرحلة الارتباطية “Phase associative ou de stabilisation”:

أما المرحلة الارتباطية فتحدث بين المستوى الأول والمستوى المتقدم للمهارة. وهي تشتمل على التمرين الذي له معنى مع التغذية الراجعة المناسبة. فبينما في المرحلة السابقة يكون التركيز على تسلسل المهارة، نجد بإمكان المتعلم في هذه المرحلة أن يركز على التصميم الزمني للمهارة. وامتدادا للمثل السابق، يعمل المتعلم على تحسين مستوى الإرسال في كرة المضرب.

3-   المرحلة الأتوماتيكية  “Phase automatique”:

وتتميز هذه المرحلة بمزيد من السهولة التي تؤدى بها المهارة، فعن طريق الممارسة الهادفة، يحصل الفرد على التسلسل الحركي المطلوب. وتكون قد قلت نسبة الأخطاء، وأتقن المتعلم العلاقات الزمنية بأسلوب توافقي، يؤدي إلى أداء النموذج الحركي كاملا وبطريقة أتوماتيكية وبشكل ثابت. فالفرد الذي تعلم الإرسال في التنس، يمكن أن يركز بعد ذلك على تغيير قوة الضربة أو إطلاق الضربة.

 

 

 

IV-       عمل الدماغ والجهاز العصبي :

 

الجهاز العصبي هو الجهاز الذي يسيطر على ثلاثة وظائف كبرى : يسيطر على الحواس الخمس: البصر، السمع، الشم، اللمس والذوق. يسيطر على جميع الحركات الإرادية التي يقوم بها الإنسان بتحريك أعضائه المختلفة كالمشي مثلا. كما يسيطر على الوظائف الحيوية التي توجد مراكزها بداخل الجسم مثل نبضات القلب والهضم وحركات التنفس، وإفراز اللعاب…

يقوم الجهاز العصبي بالسيطرة على جميع أعمال الجسم سواء الإرادية منها أو غير الإرادية وذلك بواسطة خلايا خاصة تدعى الخلايا العصبية، وهي ثلاثة أنواع:

* حسية : تقوم بنقل الاحساسات الخارجية إلى المخ.

* حركية : تحمل الأوامر الصادرة من المخ إلى جميع أعضاء الجسم والعضلات لتحريكها.

* رابطة : تجمع أو توصل بين الأعصاب الحسية والأعصاب الحركية.

1-         الحركات اللاإرادية “Mouvements Réflexes”:

تقصد بهذه التسمية كل استجابة لمثير دون إرادة واعية. وهي عبارة عن إحساس لا شعوري بمعنى أن الجهاز العصبي المركزي (المخ) لا يتدخل في هذا النوع من الحركات. حيث أنها لا تخضع لإرادة الفرد لكون النخاع الشوكي هو المركز العصبي المسؤول عنها. كما أن الاستجابة الحركية غالبا ما تظهر قبل وصول الإحساس إلى الدماغ ليعطي الإدراك الواعي بالاستجابة.

2-         الحركـات الإراديـة “Mouvements volontaires”:

وهي مجموع  الحركات القصدية (هناك هدف نريد تحقيقه). هذا النوع يتطلب برنامجا للتنفيذ يحدد مقاطع الحركات الأولية “Programme d’exécution”. الدماغ هو المسؤول عن الحركات الإرادية تحت مراقبة المخيخ المنظم والمنسق العام لمختلف الحركات. التقاط شيء مثلا برنامج يتضمن مجموعة من الحركات الأولية كبسط الذراع وفتح اليد وجمع الأصابع.

 

 

 

 

 

الجهاز العصبي المركزي(الدماغ)

تصحيح

 

العضلات

الحركة

 

المركز العصبي المسؤول عن مراقبة وضبط الحركة وعن تلاؤم الفعل الحركي مع المراد أصلا هو المخيخ. فهو المنسق الحركي العام لمختلف الأفعال الحركية. وهو كذلك المحافظ على توازن الجسم بتأثيره على عضلات الحركة وجعلها باستمرار في حالة يقظة موجهة دائمة.

3-         الحركات الأتوماتيكية “Mouvements automatiques”:

عندما نكرر نفس الحركة عدة مرات، تختار السيالة العصبية مسارا قصيرا “Circuit” يؤدي إلى نفس الاستجابة الحركية دون اللجوء إلى المخ مباشرة. فتصبح الحركة تحت سيطرة المخيخ، في حين يحتفظ الدماغ لنفسه بسلطة المراقبة فقط. وحدوث أي خلل في المحيط تصبح الحركة الأوتوماتيكية معه غير متوافقة، يفرض مراجعة البرنامج الحركي وتغييره وتعديله بالنظر للنتائج المحصلة.

خصائص الطفل بطور التعليم الابتدائي

 

 

1-    تحديد السن حسب المراحل الدراسية :

  

الســـــن

المرحلة الدراسية

 4 ـ 5 (2)*

 

التعليم الأولى (سنتان)

 6 ـ 7 (2)*

 

السنة الأولى والثانية من التعليم الابتدائي ( سنتان)

8-9-10-11 (4)*

السنة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي (4 سنوات)

 

* مجال عمري يشمل عدد السنوات الدراسية بالمرحلة

 

2-   خصائص وحاجات المتعلم بالسلك الأساسي :

       تشمل هذه المرحلة من نمو المتعلم المرحلتين الأوليين من التقسيم أعلاه، وهي تمتد لأربع سنوات. تجب الإشارة هنا إلى أنه قد تم الفصل بين المجالات التربوية الثلاث :الحسي الحركي، المعرفي، والوجداني الاجتماعي وذلك محاولة لتسهيل مهام المتدخلين في تطبيق هذا البرنامج على مستوى الابتدائي.

·        المجال الحسي الحركي :

o       صعوبة تحمل المجهود.

o       عفوية الحركة.

o       صعوبة التنسيق الحركي ولو في وضعيات بسيطة.

o       عدم الوعي بكيفية التنفس.

o       صعوبة التوازن.

o       مشكل الجاذبية الفردية.

·        المجال المعرفي :

o       مشكل تقدير المسافات والأحجام.

o       مشكل التقدير البصري الحركي.

o       صعوبة إدراك وتنظيم الذات في الزمان والمكان.

o       نقص الانتباه والتركيز.

o       صعوبة تحليل ومعالجة المعلومة ولو في وضعيات مبسطة.

o       بطء الاستجابة للمؤثرات الخارجية.

·        المجال الوجداني الاجتماعي :

o       التمركز حول الذات.

o       مزاجي السلوكات.

o       يكون ذا حساسية إزاء نقد الآخرين.

o       لا يقبل الهزيمة ويحاول إلقاء اللوم على غيره.

 

3-   خصائص وحاجات المتعلم في المرحلة الثانية :

        أي بالسلك المتوسط من التعليم الابتدائي وتمتد إلى أربع سنوات (الثالثة، الرابعة، الخامسة، والسادسة).

·        المجال الحسي الحركي :

o       تباطؤ وثيرة النمو الجسدي.

o       إمكانية إتقان المهارات الحركية (فترة مهمة لإتقان المهارات الحركية العامة وكذلك المهارات الرياضية المقننة).

o       تحسن إمكانات المتعلم في إدراك الذات في الزمان والمكان.

o       القدرة على التقويم الذاتي أثناء الحركة.

o       بداية ظهور الفوارق الجسدية بين الإناث والذكور.

·        المجال المعرفي :

o       الميل إلى العمل الواقعي.

o       إمكانية الاستفادة من التكرار.

o       سهولة استيعاب القواعد والقوانين.

o       تقدم في النشاط التمثلي.

o       إدراك المفاهيم المجردة.

o       حب الاستطلاع.

o       القدرة على تمييز المعطيات (الغربلة).

o       القدرة على التفاعل مع الوضعيات المختلفة.

o       تزايد مدة التركيز وحدة الانتباه.

o       النضج التدريجي للقدرة على الابتكار.

·        المجال الوجداني الاجتماعي :

o       الانجذاب نحو الجنس المماثل.

o       الميل إلى الانتماء لمجموعات منتظمة.

o       الميل إلى الزعامة.

o       القدرة على تحمل المسؤولية.

o       حب المواجهة وإبراز المهارات.

o       تزايد التفاعل الاجتماعي مع الأقران.

 

 

مواصفات الطفل عند نهاية التعليم الابتدائي

 

اعتبارا لأهم خصائص ومميزات النمو عند المتعلم في هاتين المرحلتين الدراسيتين، وتبعا كذلك للمواصفات العامة المقترحة لهذا المستوى الدراسي في الوثيقة الإطار. تم حصر مجموعة من المواصفات التي رتبت حسب المجالات التربوية الثلاث : الحسي الحركي، المعرفي، والوجداني الاجتماعي.

وعليه، تمت بلورة هذه المواصفات لتأخذ خصوصيات مادة التربية البدنية والرياضية من جهة، دون أن تخرج عن توافقها مع سائر المواد التعليمية من جهة أخرى.

·المجال الحسي الحركي :

أن يكون المتعلم قادرا على :

o                       إدراك الذات والزمان والمكان.

o                       التحكم في الذات وفق الزمان والمكان.

o                       توظيف المبادئ الأساسية المتعلقة بحفظ الصحة انطلاقا من ممارسة الأنشطة البدنية والرياضية.

o                       توظيف واستغلال رصيده الحركي والرياضي.

o                       الابتكار والإبداع من خلال التعبير الجسدي.

·المجال المعرفي :

أن يكون المتعلم قادرا على :

o                       استيعاب المفاهيم والتقنيات الأساسية ومعرفة القوانين المتعلقة بالأنشطة الرياضية المعتمدة.

o                       تحليل وتمييز وانتقاء أهم المعطيات في وضعيات مختلفة داخل الأنشطة المعتمدة.

o                       استيعاب المفاهيم والمبادئ الأولية المتعلقة بالحفاظ على الصحة والبيئة.

o                       الانتباه والتركيز والملاحظة.

·المجال الوجداني الاجتماعي :

أن يكون المتعلم قادرا على :

o                       التعاون والإنسجام والتفاعل الإيجابي مع الآخرين بناءا على الإلتزام بالمبادىء التالية:

. احترام الآخر، التسامح، التضامن ، النزاهة ، الأمانة … إلخ

. تحمل المسؤولية والتحكم في انفعالاته.

. التكيف مع مختلف الوضعيات

. إثبات استقلاليته من خلال : الإنضباط وتنظيم ذاته ووقته وإبداء رأيه … إلخ.

. التحلي بروح المنافسة الشريفة والمثابرة في بذل الجهد.

 

 

 

أهداف سلكي التعليم الابتدائي

 

 

 

 

أهداف السلــك  الأساســي

أهداف السلك المتوسط

التعليم الأولي (سنتان)

السنة 1 و 2 ( سنتان)

السنة 3-4-5-6 (أربع سنوات)

1-               توظيف وتنمية واستغلال الرصيد النفسي الحركي

 

 

 

 

2- تنمية وتوظيف حواسه في مختلف الوضعيات الحركية.

 

 

 

 

3- مشاركة أقرانه في أنشطة جماعية مختلفة مع احترام قوانينها المبسطة.

 

1-                 تنمية القدرات النفسية الحركية لدى المتعلم بصفة متوازنة وملائمة لنموه الطبيعي.

 

2-               تكييف المتعلم لأدائه الحركي مع مختلف الوضعيات انطلاقا من معرفته لمحيطه المادي.

 

3- الانتماء إلى مجموعة والمساهمة مع أقرانه في أنشطة جماعية.

1-               تحسين مستوى قدرات المتعلم النفسية الحركية واكتساب المهارات الأساسية التي تعده لممارسة الرياضات المقننة.

 

2- تفاعل المتعلم مع مختلف الوضعيات بتوظيف رصيده المعرفي والحركي.

 

 

3- الاندماج في مجموعته من خلال الأنشطة الجماعية وتحسين إمكاناته التواصلية.

 

 

 

        تثمين الموروث الثقافي الوطني من خلال توظيف الأنشطة البدنية التقليدية وذلك بالتركيز على تلقينها أساسا بالطور الأول من السلك الأساسي (التعليم الأولى) واعتمادها أيضا من بين الأنشطة المقترحة للطور الثاني من السلك الأساسي.

 


مضامين التعليم الابتدائي

 

 

·        الإطار العام :

 

 

مجال التدخل

نوعية السلوكات الحركية

مواضيع التدخل

الوعي بالذات والتحكم فيها

. سلوكات حركية مساعدة على إدراك الذات في وضعيات متنوعة.

. وضع الجسم في مواقف مختلفة

. حركات تتعلق بمختلف أطراف الجسم

. حركات ذات الطابع الإيقاعي

. حركات التوازن القار.

الوعي بالذات والتحكم فيها والتأقلم مع المحيط المادي

. سلوكات حركية متناغمة مع المحيط المادي في تنوع أشكاله.

. حركات متناسقة لاستعمال الأدوات في وضعيات مختلفة(قذف،رمي…)

. التوجه في الفضاءات المتنوعة

. حركات التوازن في وضعيات دينامية

. حركات رد الفعل على مؤثرات متنوعة

. حركات التنقل في وضعيات مختلفة.

الوعي بالذات والتحكم فيها والتأقلم مع المحيط الاجتماعي.

. سلوكات تواصلية مساعدة على بناء علاقات إيجابية مع الآخرين.

. حركات تعبيرية جماعية

. حركات متناسقة من أجل التواصل مع الآخر (التعاون أو التعارض أو كلاهما معا).

 

 

·        الكفايات والأنشطة المعتمدة :

إن الجداول التالية تتناول توزيع  الكفايات حسب ثلاث مستويات وهي تكتسي خلالها التدرج والاسترسال، مع اقتراح بعض الأنشطة البدنية والرياضية التي يمكن اعتمادها لتهيئ هذه الكفايات لدى  المتعلم. علما أن توزيع الأنشطة البدنية والرياضية بمجالات التدخل الثلاث لا يعني بتاتا انفرادها بمجال دون الآخر، فكل الأنشطة البدنية والرياضية  بإمكانها أن توظف في كل المجالات حسب استعمالها من لدن المتدخل.

تجب الإشارة أيضا إلى أن الكفايات المقترحة هي عامة وتجمع مواصفات التلميذ عند إنهائه للفترة الزمنية المخصصة للمستوى. بحيث تتضمن مجموعة من القدرات والمهارات وكذلك المعارف بشتى أنواعها في تناسق  وتناغم فيما بينها.

 

التعليم الأولي

 

المجـــال

الكفايات

الأنشطــة  المقترحـــة

الوعي بالذات

و التحكم فيها

القدرة على :

- القيام بحركات تتعلق بمختلف أطراف الجسم.

- التوازن في وضعيات قارة.

·                      مطافات  جمبازية

·        أنشطة الجري – القفز- الرمي- الجذب- التسلق- الدفع- المشي-

·                      أنشطة  تزاوج بين الحركة والإيقاع.

 

التأقلم مع المحيط المادي

القدرة على:

- التوازن في وضعيات مختلفة.

- القيام بحركات مع استعمال أدوات مختلفة.

- القيام  بتنقلات في وضعيات مختلفة.

·        الجري والمشي في مسالك ومطافات مختلفة.

·                      الرمي بطرق مختلفة وأدوات متنوعة.

·                      سباحة.

·                      أنشطة التنقل بآلة ( دراجة …)

 

التأقلم مع المحيط الاجتماعي

القدرة على :

- المشاركة في أنشطة جماعية بسيطة

- التعبير الحركي الميمي ( المحاكاة )

 

·                  ألعاب جماعية تقليدية

·                  حركات تعبيرية جسدية ميمية

·                  أنشطة جماعية بمجال مائي

·                  أنشطة المبارزة.

·      ألعاب جماعية.

 

 

 

 

السنة الأولى والثانية ابتدائي

 

المجـــال

الكفايات

الأنشطة  المقترحـــة

 

 

 

التأقلم مع المحيط المادي

القدرة على:

·                      التوازن في وضعيات دينامية ومختلفة.

·                      القيام بحركات متناسقة مع استعمال الأدوات.

 

·                      الجري- المشي- القفز- الرمي في فضاءات ومحيطات مختلفة ومتغيرة.

·                      قذف_استقبال باستعمال أداة أو بدون

·                      الجمباز البهلواني

·                      ألعاب الملاحظة والتركيز والانتباه.

·                      أنشطة في فضاءات وأوساط مختلفة (ماء، ثلج، جبال، رمال..)

 

 

التأقلم مع المحيط الاجتماعي

القدرة على :

·        التعاون مع الأفراد في أنشطة جماعية

·                      التعبير الجسدي الجماعي

·        تنسيق حركاته مع حركات الآخرين.

·        ألعاب جماعية ورياضية

·        ألعاب مقننة أو غير مقننة

·        ألعاب المطاردة

·        جري بالتناوب

·        ألعاب جماعية تقليدية

·        أنشطة المبارزة.

 

 


 

 

السنوات الثالثة- الرابعة- الخامسة والسادسة ابتدائي

 

 

المجـــال

 

الكفايــات

الأنشطـة  المقترحة

الوعي بالذات و التحكم فيها

القدرة على :

·  التوازن في وضعيات غير اعتيادية

·  التنسيق بين الحركة والإيقاع

·  بذل مجهود بدني منتظم ومتواصل مع الحفاظ على التوازن التنفسي.

 

·      جري سريع

·      جري لمدة طويلة

·      قفز متنوع

·      رمي متنوع

·    جمباز( حركات أرضية …)

 

التأقلم  مع المحيط المادي

القدرة على:

·                      الحفاظ على التوازن في وضعيات دينامية مختلفة

·                      التنقل بسرعة  تصاعدية أو تنازلية في وضعيات مختلفة

·                      القيام بحركات متناسقة مع استعمال أدوات في وضعيات وإيقاعات مختلفة

 

·                             جري عبر الحواجز

·                     مطافات ومسالك مهيأة

·                     سباحة

·                     تسلق

·                     الجمباز البهلواني

·                     الجمباز بآليات

·                     الجمباز الإيقاعي

التأقلم مع المحيط الاجتماعي

القدرة على :

·                      الاندماج مع الأفراد في أنشطة جماعية

·                      التعبير الجسدي وإنجاز عمل جماعي منسق

·                      تحمل المسؤولية ،تقلد مهام وأدوار ثم احترام القوانين

·                     ألعاب جماعية متنوعة

·                     ألعاب رياضية جماعية

·                     جري بالتناوب

·                     حركات تعبيرية جماعية

·                     جمباز إيقاعي جماعي

·                     ألعاب جماعية تقليدية

·                     أنشطة المبارزة.

 

 


استراتيجيات التدخل المقترحة للمدرس

 

1-     التصور :

·        استحضار القيم والغايات والأهداف العامة.

·        اعتبار الكفايات كمدخل والأنشطة البدنية والرياضية كوسيلة لبلوغ الأهداف.

·        اعتماد خصائص وحاجات المتعلم في كل مرحلة دراسية ( الانطلاق من المتعلم)

·        اعتبار المتعلم وحدة  متجانسة.

 

 

 

 2- التخطيط والتنظيم :

   *برمجة عملية التعليم والتعلم ( المشروع- الحلقة الدراسية والحصة)

·        توظيف الإمكانات والوسائل المتوفرة بطريقة معقلنة.

·        انتقاء الطرائق البيداغوجية الملائمة للتصور العام المقترح.

 

 

 

3- التسيير :

الإشراف الناجع والفعال على حصص التعلم من خلال :

·        شرح وتفسير الوضعيات

·        البرهنة والتلقين عن طريق الحركة

·        تشجيع وتحفيز المتعلم

·        إشراك المتعلم في جميع مراحل التعلم

·        توعية المتعلم بأخطائه والعمل على تصحيحها.

 

4 التقويم :

·        اعتماد التقويم  التشخيصي لتحديد وضعيات الانطلاق.

·        التركيز على سيرورة  التعلم بدل النتائج.

·   تقويم الكفاية  يجب أن يكون بأنشطة بدنية ورياضية مختلفة تتجلى فيها إمكانية توظيف المتعلم لقدراته.

 

 

 

 

التحليل والمعالجة الديداكتيكية للعبة

النط فوق الحبل

 

 

المنطق الداخلي للعبة:

لعبة يهدف ممارسها إلى القفز فوق حبل يدور إلى الأمام أو العكس بطريقة مسترسلة وبدون انقطاع لأطول وقت ممكن. فضاء اللعبةغير محدود، وتمكن مزاولتها فرديا أو جماعيا، كما تتم إدارة الحبل من طرف الممارس بنفسه أو من  لدن لاعبين آخرين . ويمكن اللعب دون الحاجة إلى منافس أو اللجوء إلى  تباري شخصين أو أكثر. بقيت الإشارة إلى أن اختيارطول الحبل مخول للمشارك الذي يحدد الطول المناسب لقامته عادة.

 

المشكل الأساس:

هو بحث الممارس عن مطابقة إيقاع دوران الحبل مع إقاع نطاته.

 

رهان التكوين:    

التمكن عبر التحكم في الأداة وفي الجسم – من مفهوم الإيقاع، ومن الاسترسال في بذل مجهود لمدة تطول نسبيا دون عياء.

 

مبادئ وقواعد الفعل الحركي:

1-  المبادئ

-       تحديد إيقاع دوران معين ومحاولة المحافظة عليه.

-       القفز بطريقة غير مكلفة من ناحية المجهود.

-       القفز بشكل يحافظ على توازن الجسم العام.

2-  القواعد :

-       القفز على رؤوس الأصابع ( تفادي نزول القدم على الأرض)

-       النط مع المحافظة على استرخاء مناسب للجسم.

-       الاعتماد أساسا في النط على مفصل الكوع وتجنب استعمال الركبة قدر الإمكان.

-       القفز بجسم مستقيم مع تجنب النظرإلى الأسفل.

-       إدارة الحبل بحركات صغيرة لليدين.

 

مستويات التعلم:

  1- يتمكن الطفل من القفز قفزة واحدة فقط، وفي بعض الحالات قفزتين  متتاليتين، عدم القدرة على الاستمرا ر في القفز دون مس الحبل راجع أساسا إلى طبيعة النط الذي يتسم بعلو مبالغ فيه، مع استعمال قدم الرجل بالإضافة إلى الإكثار من الحركات الزائدة التي تخل بالتوازن.

2-يقدر الممارس على إنجاز خمس إلى عشر قفزات متتالية دون مس الحبل، كما يعرف  طول الحبل  المناسب لقامته. يقلل من الحركات الزائدة والاعتماد علىحركات الذراعين واليدين لإدارة الحبل.

3- بإمكان الممارس أن يقوم بقفزات متتالية لمدة تفوق الدقيقة الواحدة. حركات قليلة وناجحة على جميع المستويات.وتضاف القدرةهناعلى إدارة الحبل  إلى الأمام أوإلى الخلف دون مس بمستوى المنتوج الحركي. 

4-الممارس ينوع اتجاه دوران الحبل (إلى الأمام ، إلى الخلف، مع تقاطع الذراعين..) كما أنه يقدرعلى تغيير إيقاع الدوران، حيث يمرر الحبل تحته مرتين أو أكثر خلال قفزة واحدة.

5- يتمكن من الدخول والخروج في مجال يدير فيه لاعبان آخران الحبل دون أن يمسه . كما يستطيع القفز مع صديق آخر أمامه ( أحدهما يدير الحبل ) أوبجانبه يدير كل واحد منهما طرفا للحبل.

 

 

نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

المستوى :السلكالأول ابتدائي                     النشـاط المعتمد  :لعبة الحبل

الحصـة :الأولى                                 الكفاية المستهدفة :القدرة على القيام بحركات متناسقة باستعمال الحبل

المــدة :45 د                    

الأدوات :حبال

 

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

 

 

5 د

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

-ضبط تنظيم القسم ومراقبة الغياب والملابس والحالة الصحية

-تقديم النشاط وتحديد الوسائل

-تسخين عام:جري متنوع(خفيف-تغيير الاتجاه عند إعطاء الإشارة)

-تسخين خاص:بين اثنين القيام بقفزات محلية-تحريك الذراعين بتشابك الأيدي من الأسفل إلى الأعلى على شكل دائري

 

اكتساب الحرارة الكافية للجسم

نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

المستوى : السلك الأول ابتدائي                           النشـاط المعتمد : لعبة الحبل

الحصـة :  الثانية                                       الكفاية المستهدفة : القدرة على القيام بحركات متناسقة ومسترسلة بإستعمال الحبل

المــدة :   45د                   

الأدوات : حبال

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

 

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

- ضبط تنظيم القسم ، ومراقبة الغياب واللاعبين والحالة الصحية

-                             تقديم النشاط وتحديد الوسائل

-                             تسخين عام : جري متنوع(خفيف إلى الأمام- إلىالوراء)تغيير الإيقاع

-                             تسخين خاص :بين اثنين القيام  بقفزات إلىالأعلى مع التدافع باليدين

-                             الوثب على رجل واحدة (اليمنى ثم اليسرى) مع إدارة الذراعين على شكل دائري من الأمام إلى الخلف و العكس.

 

 

 

اكتساب الحرارة الكافية للجسم

 


 نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

 

المستوى : السلك الأول ابتدائي        النشـاط المعتمد  : لعبة الحبل

الحصـة :   الثالثة                   الكفاية المستهدفة : القدرة على القيام بنطات حبل خلفية متناسقة ومسترسلة

المــدة :   45 د           

الأدوات :   حـبال

 

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

 

 

 

5 د

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

- ضبط تنظيم القسم ، ومراقبة الغياب والملابس والحالة الصحية

-         تقديم النشاط وتحديد الوسائل المستعملة

-         تسخين عام : جري  خفيف- رفع الركبتين باتجاه الصدر- رفع القدمين  إلىالوراء

-         تسخين خاص: تحريك الذراعين في اتجاهات مختلفة من الأمام إلى الخلف ثم العكس- من الأسفل إلى الأعلى – حركات جماعية.

 

 

 

اكتساب الحرارة الكافية للجسم

 

نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

المستوى : السلك2 ابتدائي                    النشـاط المعتمد  :النط فوق الحبل

الحصـة :الأولى                              الكفاية المستهدفة :القدرة على التنسيق بين الحركة والإيقاع بالاستعمال الفردي والجماعي للحبل(تنسيق حركي بمكان قار)    

المــدة : 45د                   

الأدوات : حبال

 

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

 

 

 

 

نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

المستوى : السلك2 ابتدائي                    النشـاط المعتمد  :النط فوق الحبل

الحصـة :الثانية                              الكفاية المستهدفة :القدرة على التنقل بسرعة تصاعدية أو تنازلية بالاستعمال الفردي أو الجماعي للحبل(التنقل في الميدان)

المــدة :45د                    

الأدوات : حبال

 

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

 

 

 

 

 

 

نموذج لتهيئ جذاذة الدرس

المستوى :السلك2 ابتدائي                  النشـاط المعتمد  :النط فوق الحبل

الحصـة :الثالثة                           الكفاية المستهدفة :التنقل الفردي أو مع الجماعة بواسطة الحبل مع الحفاظ على مجهود بدني منتظم ومتواصل(بذل المجهود البدني)    

المــدة :45د                    

الأدوات : حبال

 

المدة الزمنية

المراحل

القدرات المستهدفة

الأنشطة المقترحة

الرسوم التوضيحية:التنظيم              المادي والبشري

المعايير المحددة للنجاح

المرحلة التمهيدية:

الاستعداد النفسي والبدني

 

 

 

 

 


شبكة لتقويم حصص التربية البدنية والرياضية

 

الكفايات البيداغوجية:

 

نعم

لا

 

الكفايات الديداكتيكية:

 

نعم

لا

التعيير

§        يغير المعلم حيثيات وضعيات التعلم(1).

 

 

 

(1)    يبسط وضعيات التعلم أو يعقدها حتى تناسب مستوى مهارات التلاميذ .

(2)   - يشكل مجموعات عمل تضم تلاميذ ذوي  مستويات متقاربة.

-       يعنى بكل متعلم بشكل فردي.

(3)    تنظيم الدرس يمكن من تفادي طوابير الانتظار ويتحاشى الإكثار من وضعيات التعلم الذي يحول دون توفر  التكرار المنشود.

 

البرامج والتوجيهات التربوية لمادة التاريخ والجغرافيا للسنة الأولى من سلك البكالوريا

Jeudi, février 5th, 2009

 

 

 

***

 

 

 

البرامج والتوجيهات التربوية

 لمادة التاريخ والجغرافيا

 

 للسنة الأولى من سلك البكالوريا

 

 

 

***

 

 

 

 

 

الصيغة النهائية

أبريل 2006

 

 

 

منهاج مادتي التاريخ والجغرافيا في

السنة الأولى من سلك الباكالوريا(جميع المسالك)

 

1. مقدمة عامة

يندرج منهاج مادتي التاريخ والجغرافيا في سياق المقاربة الجديدة التي اعتمدها إصلاح نظام التربية والتكوين والتي تم بمقتضاها إعادة تحديد مهام المدرسة، ومكانة المتعلم، ووظيفة المواد اجتماعيا وتربويا.

إن الإصلاح الجاري الذي يؤطره في العالية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والوثيقة الإطار الصادرة عن لجنة الاختيارات والتوجهات واللجنة البيسلكية متعددة التخصصات يستحضر في عمقه الحاجيات الفردية والجماعية لجيل جديد من المغاربة والمغربيات، ومتطلبات التنمية المستدامة لبلادنا لتحتل مكانتها في عالم سريع التطور. لكن هذا الإصلاح لا يكتمل بمجرد رسم توجهاته الكبرى، ذلك لأن المحك الحقيقي لمدى تفعيل الاختيارات التربوية الجديدة هو ما سيجري في كل لحظة بمدارسنا، بالمدن والأرياف، على امتداد التراب المغربي.

في هذا السياق يكتسي منهاج مادتي التاريخ والجغرافيا أهمية مزدوجة :

§        من جهة لأن وضع / إصلاح المناهج بصفة عامة يشكل الأداة الاستراتيجية لجعل أنشطة التعلم كما سيعيشها التلاميذ والتلميذات بمساعدة مدرسيهم وبمساهمة فاعلين آخرين تتناسب مع الغايات المرصودة.

§        من جهة ثانية لأن تلك المواد تلعب دورا حاسما في التكوين الفكري والمدني للمتعلمين بجعلهم يطورون من خلال هيكلة تمثلهم للزمن والمجال وإدراكهم للحقوق والمسؤوليات، ذكاء اجتماعيا يساعدهم في حياتهم اليومية، الشخصية، المهنية والاجتماعية.

 

1.1. طبيعة المنهاج المقترح.

بذلت في العقود الأخيرة عدة جهود في مجال تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا وذلك بالرغم من عدة معيقات. وقد مكنت مختلف التقويمات التي طالت البرامج والكتب المدرسية واستثمار تقارير المجالس التعليمية من الوقوف عند العديد من المكتسبات الإيجابية التي تم استحضارها في بناء هذا المنهاج. واعتبارا للتوجه الجديد، الذي أتى به الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فقد تم الانتقال من اختيار ” البرامج “  إلى اختيار” المناهج” كخطط عمل بيداغوجية متكاملة. في هذا الإطار، وبالإضافة إلى مدخل الكفايات والقيم المعتمد، نعتبر أن أهم ما يمكن أن ينهض بتدريس مادتي التاريخ والجغرافيا يتمثل في توظيف عطاء ديداكتيك كل مادة، وفي جعل الموضوعات البرنامجية وكيفية معالجتها من خلال الدعامات البيداغوجية المختلفة، ودور المدرسين، إلخ. كلها عناصر تتظافر في جهدها لتنمية استقلالية المتعلمين من خلال جعلهم في وضعيات بناء معرفة واكتساب خبرات وتشبع بقيم وممارستها.

 

2.1. المبادئ العامة المعتمدة

§        استحضار الوثائق المرجعية المتمثلة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين والوثيقة الإطار الصادرة عن لجنة الاختيارات والتوجهات واللجنة البيسلكية بما في ذلك مدخل الكفايات والقيم وكافة التوصيات المتعلقة بمبادئ وضع المنهاج.

§         استحضار الوظائف والمقومات والأسس الديداكتيكية لكل من التاريخ والجغرافيا سواء في وضع الكفايات الخاصة بكل مادة على حدة، أوفي اقتراح الموضوعات وعناصر المضامين.

§        استحضار حد أدنى من الترابط والتكامل والتداخل بين المادتين وبينهما وبين المواد المجاورة من حقول معرفية قريبة، الأمر الذي تجلى في وضع الكفايات العرضانية المراد تنميتها لدى التمعلمين.

§        استحضارمفهوم الكفاية باعتبارها: مجموعة قدرات / نتاج مسار تكويني تتمفصل في إطارها معارف ومهارات فكرية ومنهجية واتجاهات، وتقوم على عنصرين: أولهما القدرة على الفعل بنجاعة في وضعية معينة وثانيهما القدرة على توظيف المكتسبات في وضعيات جديدة، وكذا تصنيفها إلى كفايات خاصة وكفايات عرضانية مع ما يتخذانه من طابع استراتيجي أو تواصلي أو منهجي أو ثقافي معرفي أو تكنولوجي، ( يمكن الرجوع إلى الكتاب الأبيض الجزء الأول لتعرف تفاصيل ذلك ).

§        استحضار ترجمة كل الكفايات الخاصة والعرضانية، بما في ذلك الكفايات المنهجية، ضمن برامج كل مادة وبشكل مباشر مما يتيح تخصيص حيز من زمن التعلم لتلك الكفايات في حد ذاتها.

§        استحضار مستويين من التدرج : الأول عبر المراحل والأسلاك بحيث يراعي المستوى النفسي والثقافي والإدراكي للمتعلم. والثاني داخل كل مرحلة بحيث يشكل كل منها وحدة يخضع بناء برنامجها لمنطق معين. هذا مع اعتبار الطابع التصاعدي، والتراكمي للتدرج في اكتساب الكفايات.

 

الكفايات النهائية

تأهيلي

إعدادي

ابتدائي

 

§        استحضار الغلاف الزمني لكل مادة.

 

السنة الأولى من سلك الباكالوريا

عدد الحصص الأسبوعية

مسلك الآداب والإنسانيات- مسلك التعليم الأصيل(لغة عربية)

4

م.ع. تجربية- م.ع.رياضية – م.علوم اقتصادية وتدبير- م.تعليم أصيل ( علوم شرعية )

 

2

 

3.1. توصيات أساسية بالنسبة للأجرأة

§        إستشراف المستقبل في تصور أجرأة المنهاج الأمر الذي يقتضي الانخراط في ثقافة التجديد التربوي بصفة عامة، وفي تصور وظيفي لمادتي التاريخ والجغرافيا.

§        الارتكاز على الخلفية التي تحكمت في اختيار البرامج وخاصة من ذلك ديداكتيكية كل مادة والكفايات المسطرة لها كما سيتم التذكير بذلك بصدد منهاج كل مادة، وذلك أثناء انتقاء المضامين ومعالجتها. وبهذا الصدد، يتعين الاهتمام:

-       بالكفايات الخاصة بكل مادة، بما في ذلك الكفايات المنهجية، كأهداف يتعين تنميتها وكأسلوب لتناول الموضوعات في الدعامات البيداغوجية التي سيتم اعتمادها ( كتب، ملفات…)

-       بالكفايات العرضانية على مستوى المادتين حتى تلعب تلك الكفايات دورها التكويني في إطار التراكمات. ولضمان ذلك يتعين القيام بعمل تنسيقي عند تدقيق المضامين.

§        اعتبار التلاميذ والتلميذات فاعلين نشيطين في مسار تعلمهم وذلك بتعبئة المشروع التربوي لكل مادة ، والطرق النشيطة والاستراتيجيات البيداغوجية المحفزة والدعامات المناسبة وتنظيم الحياة المدرسية، وتكوين واستكمال تكوين الأطر التربوية على كافة المستويات.

§        إدماج المستجدات التي تعتبر مادتا التاريخ والجغرافيا حاملة لها ومن ذلك التربية السكانية والتربية البيئية والشأن المحلي والتربية على حقوق الإنسان. وبهذا الصدد يتعين العمل بالمادة 11 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين والقائلة: “باحترام جميع مرافق التربية والتكوين والحقوق المصرح بها للطفل والمرأة والإنسان بوجه عام، كما تنص على ذلك المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية المصادق عليها من لدن المملكة المغربية، وتخصيص يرامح وحصص تربوية ملائمة للتعريف بها والتمرن على ممارستها وتطبيقها واحترامها”.

§        اعتبار وسائل التدريس مكونا رئيسيا في مسار وضع المناهج الجديدة مما يتطلب توفير شروط منها:

-       تخصيص قاعات لتدريس هذه المواد تتوفر على التجهيزات الضرورية تساير التطورات التقنية الحديثة والعمل على تجديدها باستمرار.

-       تخصيص مستودع لحفظ الأجهزة والخرائط بشكل يساعد المدرس على توظيفها عند الحاجة دون أي عناء. مع تعيين قيمين على مستودعات هذه الوسائل على غرار محضري مختبرات المواد العلمية.

-       توفير التقنيات التربوية الحديثة.

-       تبسيط مساطر تنظيم الرحلات الدراسية وتقديم المساعدات اللازمة للقيام بمثل هذه الأنشطة.

-       تحيين ووضع مذكرات وزارية تتعلق بالنقط السابقة الذكر.

 

2. منهاج مادة التاريخ

1.2. المنطلقات العامة:

يعتبر التاريخ المدرسي مادة أساسية في التكوين الفكري والمعرفي للمتعلم، و ذلك بتنمية ذكائه الاجتماعي وحسه النقدي، وتزويده بالأدوات المعرفية والمنهـجية لإدراك أهـمية الماضي في فهـم الحاضر و التطلع إلى المستقبل، وتأهيله لحل المشاكل التي تواجهه.

على مستوى التصور العام لهـذا المنهاج  تم استحضار:

o       المرتكزات الأساسية الواردة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والوثيقة الإطار لمراجعة المناهج التربوية.

o       ما راكمته مادة التاريخ من تطور في حقلها العلمي، المعرفي والمنهـجي…

o       هوية المتعلم، وتعدد انتماءاته، مع التفتح على الآخر.

o       المستوى السيكولوجي للمتعلم في بناء المناهج : التدرج من الزمن المعيش إلى الزمن المبني.

 

1.1.2. السياق الاجتماعي

يستمد التاريخ وظيفته المجتمعية من مساهمته، مع العلوم الاجتماعية الأخرى في تكوين إنسان يفهم مجتمعه ( الوطني والدولي)، ويتموضع فيه، حتى يصبح فيه مشاركا وفاعلا.

فالتاريخ يساهم في التكوين الشخصي للإنسان بتلقينه ذاكرة جماعية تتسع من المجموعة المحلية إلى الأمة ثم إلى الكون, كما يمده بالمعالم الأساسية لفهم العالم, والتنظيم المعقلن للماضي والحاضر.

يساهم التاريخ كذلك في التكوين الفكري للإنسان بتنمية الحس النقدي بالنسبة  للأحداث الاجتماعية, وتكوين العقل لتحليل الوضعيات, وتكوين الرأي.

 

2.1.2. السياق التربوي.

إن المنهاج الجديد لمادة التاريخ يسير في سياق التوجه الذي جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي ينص على جعل المدرسة “مفعمة  بالحياة بفضل منهاج تربوي نشيط يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي”. وتنص المادتان 104 و105 ( من الميثاق) على أن الرفع من جودة التعليم من حيث المحتوى والمناهج، يستجيب لأهداف التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف. كما أن مراجعة جميع  المكونات البيداغوجية والديداكتيكية لسيرورة التربية والتكوين، تتم قصد إدخال تحسينات جوهرية ترفع من جودة التعليم في جميع مكوناته.

وتؤكد الوثيقة الإطار، حول الاختيارات والتوجهات التربوية، على مجموعة من القيم والكفايات يمكن تحقيقها من خلال مادة التاريخ:

o       قيم الهوية ومبادئها الأخلاقية والثقافية وقيم المواطنة والتي تعد مادة التاريخ حاملة لها.

o       كفايات ثقافية ومنهجية وإستراتيجية وتواصلية يساهم التاريخ كمادة في اكتسابها.

o       التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته.

o       إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي.

o       الوعي بالزمن و الوقت كقيمة في المدرسة و الحياة،

o       احترام البيئة الطبيعية والتعامل الإيجابي مع الثقافة الشعبية و التراث الثقافي والحضاري المغربي.

كما أن الإصلاح يهدف كذلك إلى:

o       اعتماد الكفايات كمدخل لبناء المناهج  عوض المضامين.

o       اعتماد مبدإ الاستمرارية والتكامل والتدرج في الكفايات.

o       تنمية مشاركة المتعلم الإيجابية في الشأن المحلي والوطني

o       إحداث توازن بين المعرفة والمعرفة الوظيفية

o       تجاوز التراكم الكمي للمعلومات واستحضار البعد المنهجي

o       تنويع المقاربات في التعامل مع المادة : موضوعاتية، إشكالية، كرونولوجية…

وانسجاما مع هـذه المنطلقات، تم استحضار عدد من المبادئ، في بناء هـذا المنهـاج :

o       وظيفية مادة التاريخ:الفكر النقدي/الماضي لفهم الحاضر/التكوين المنهجي.

o       الانطلاق من مقومات التاريخ كمادة دراسية في وضع الكفايات والبرنامج بكيفية صريحة.

o       إستحضار تعقد الكفايات من البسيط إلى المركب.

o       تنويع المجالات والفترات، وطنيا وعالميا، مع إعطاء الأولوية للتاريخ الوطني والتاريخ المعاصر.

o       استحضار الامتداد التاريخي للمغرب من بدايته إلى الآن.

o       إعطاء مكانة داخل البرنامج لوحدات تكوينية/مهارية.

 

3.1.2. المرجعية الديدكتيكية

لتأطير هذا التوجه الهادف إلى جعل مادة التاريخ تؤدي وظيفتها المجتمعية ومراعاة للمبادئ العامة التي تنص عليها الوثيقة الإطار، كان لا بد من استحضار ديداكتيك المادة الذي يبلور التجديد الإبستيمولوجي الذي يعرفه التاريخ كمادة عالمة في موضوعه وأدواته ومفاهيمه المهيكلة، مما يستدعي التعامل مع معرفة منظمة يستطيع المتعلم فهمها وامتلاكها وتوظيفها في وضعيات جديدة.

تتطلب هذه المعرفة إعمال العقل وشحذ القدرة على التحكم في آليات التفكير التاريخي وذلك بالتأكيد على مسار إنتاج المعرفة التاريخية أكثر من التركيز على منتوجها، توخيا لاستقلالية المتعلم بجعله يكتسب الأدوات المنهجية لمساءلة التاريخ بفكر نقدي يستدمج  نسبيته ويعرف معناه ويثمن الثقل التاريخي لجملة مفرداته، فيصبح مؤهلا للتموضع في الماضي الذي ما زال حاضرا حولنا  وفي المجال الذي نعيش فيه.


مـقومات مادة التاريخ

مجالات التاريخ

موضوع التاريخ :دراسة الماضي البشري بأبعاده المختلفة باستحضار التفاعلات بين الإقتصادي والإجتماعي والسياسي و”الذهني” والديموغرافي… قصد إعطاء معنى للحاضر وربما أيضا للمستقبل.

المستويات الأساسية التي تكون مقطع المادة التاريخية هي:

- التاريخ السياسي الحدثي

- الديموغرافيا التاريخية

- التاريخ الاقتصادي والاجتماعي

- تاريخ العقليات أو “الذهنيات”


 

2.2. الأهداف العامة لمادة التاريخ:

أهداف مرتبطة بالمعرفة:

- فهم منظم للعالم ومشاكله المعاصرة بالرجوع إلى الجذور التاريخية.

- فهم السيرورة التاريخية بهدف التموضع في سجل مستقبلي.

- اكتساب المقاربة التاريخية لمعالجة القضايا البشرية المرتبطة بالماضي بأبعاده المختلفة.

- اكتساب مجموعة من المفاهيم التاريخية والقدرة على توظيفها في وضعيات جديدة.

- معرفة أصول الهوية وترسيخ مفهومها.

أهداف مرتبطة بأدوات اكتساب المعرفة:

- تنمية مهارات التفكير النقدي

- الدقة في ملاحظة واستغلال الوثائق عن طريق منهجية صارمة.

- اكتساب الأدوات المنهجية لمساءلة التاريخ.

- القدرة على التحليل والاختيار وتنظيم المعطيات التاريخية.

 

أهداف مرتبطة بالمواقف:

- فهم واحترام الاختلافات.

- اتخاذ مواقف واعية من القضايا التاريخية.

 

3.2.الكفايات/ القدرات

Ø     اكتساب مفاهيم تاريخية:

§       ترسيخ اكتساب مفاهيم الحداثة، البورجوازية، ، الدولة الأمة، الإصلاح… انطلاقا من أوضاع تاريخية تهم القرن19 .

§       ترسيخ  مفهوم الثورة انطلاقا من تحولات الفترة المدروسة سياسية/اقتصادية/علمية فكرية/تقنية…

§       اكتساب المفاهيم واستعمالها في وضعيات جديدة.(الرأسمالية- الاشتراكية- الليبرالية- القومية- الامبريالية- اليقظة الفكرية- الإصلاح- الحركة الوطنية- الاستقلال- الديمقراطية – حقوق الإنسان- العولمة…)

Ø     اكتساب الأدوات المنهجية المعتمدة في التاريخ:

§        ترسيخ اكتساب منهجية معالجة نصوص/ وثائق تاريخية.

§       ترسيخ منهجية بناء لوحة كرونولوجية/ جدول زمني مركب.

§       تعميق اكتساب منهجية قراءة الصورة وتحليلها وتأويل معانيها.

§       التدريب على منهجية كتابة مقالة تاريخية بعمق أكبر.

 

4.2. الكفايات النهائية:

o       اكتساب مفاهيم تاريخية.

o       التمكن من طرح إشكالية للمعالجة انطلاقا من وضعية تاريخية معينة وانتقاء المعلومات  المناسبة لذلك.

o       التمكن من وضع مجموعة محددة من المصادر في سياقها التاريخي وتحليلها وانتقادها من خلال تساؤل معين.

o       التمكن من إعمال النهج التاريخي في دراسة أحداث تاريخية من زاوية المفاهيم المهيكلة للمادة.

 

 

 

 

 

2-5  كفايات / قدرات مادة التاريخ في السنة الأولى من سلك الباكالوريا

 

الكفايــــــــــــات

القـــــــدرات

 

 

 

 

 

 

 

3-  منهاج مادة الجغرافيا

1. المنطلقات

تشكل الجغرافيا ركنا أساسيا في التكوين الفكري  والمدني والاجتماعي للناشئة،  لتكون على بينة من ميكانيزمات المجال الجغرافي ودور الإنسان كفاعل فيه،  ولتتحقق لديها تربية مجالية مسؤولة. إن السير في خطى هذا البرنامج الإصلاحي لمنهاج مادة الجغرافيا يجعلنا ننطلق من منصوص وثيقتين :

الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أكد على السير بالمدرسة نحو وضع جديد “تكون مفعمة بالحياة،  بفضل نهج تربوي نشيط،  يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي،  والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي…”[1] ومن الشروط اللازمة لتحقيق هذا الوضع “الرفع من جودة التعليم من حيث المحتوى والمناهج،  لأهداف التخفيف والتبسيط والمرونة والتكيف”[2].

الوثيقة الإطار لمراجعة المناهج التربوية التي تنص على عدد من الاختيارات والتوجهات نذكر منها “استحضار أهم خلاصات البحث التربوي الحديث في مراجعة مناهج التربية والتكوين باعتماد مقاربة شمولية ومتكاملة تراعي التوازن بين البعد الاجتماعي الوجداني،  والبعد المهاراتي،  والبعد المعرفي والعلاقة البيداغوجية المتفاعلة…” [3]

إن منهاج مادة الجغرافيا حاول الانطلاق من ما راكمه تدريسها من مكتسبات، والسير بها نحو منظور جديد  يساير ما عرفه حقلها العلمي من تطورات معرفية ومنهجية، وبالتالي الرقي بتدريسها إلى مستوى هذه التوجهات والطموحات التي تنص عليها الوثيقتين السابقتين.

ولتحقيق هذه الغاية،  فقد استحضر هذا المنهاج إبستمولوجية الجغرافيا وأسسها الديداكتيكية والمتطلبات البيداغوجية التي تيسر تعلمها،  وهي منطلقات يتعين مراعاتها عند أجرأة المنهاج.

 

يتسم هـدا المنهاج على مستوى التصور العام، بثلاث محددات:

الأول : توظيف مقومات المادة المعرفية والمنهجية كمعطى أساسي في بناء منهاج المادة، والربط بين أبعاد التكوين المعرفية والمهارية والوجدانية والحرص على وظيفية المادة وتعزيز دورها في بناء استقلالية المتعلم في إدراكه وتعامله مع المجال.

الثاني : انتقاء وتنظيم عناصر البرنامج بحيث يتم تنويع الإشكاليات المجالية وربطها بالمجال الجغرافي القريب والبعيد من المتعلم في مختلف المراحل الدراسية كمجال مدروس أومجال للأنشطة التطبيقية. حيث تخصص حصص للجانب المنهجي والتطبيقي حتى تكون الجغرفيا مادة للتفتح الفكري ومجالا للتعلم الذاتي.

الثالث : جعل البرامح تستقي موضوعاتها من مجموع القضايا الجغرافية بما في ذلك ما يتعلق  بحصر الموارد، وإعداد المجال وتتبع التوازنات البيئية.

2. السياق الاجتماعي

إن مختلف التطورات التي عرفتها العلوم الإنسانية أكدت على وظيفية المادة العلمية داخل المجتمع كمقياس لإبراز أهميتها. وبالتالي لم تعد المعرفة العلمية هدفا لذاتها،  بل وسيلة لخدمة الإنسان ومتطلباته في محيطه،  لتصبح مهمة العلم تكمن في تحسين نوعية الحياة الإنسانية.

 

ومن خلال هذا التوجه تظهر الجغرافيا رائدة في هذا المجال،  إذ أصبحت تركز على الواقع المعيش للفرد والجماعة لتعالج المكونات المجالية بمختلف المقاييس وتساعد على إعداد المجال والتخطيط واتخاذ القرار في شأن قضاياه،  وبالتالي اعتبار الجغرافيا منهجا للتفكير المجالي « savoir penser l’espace ». وفي هذا السياق تتحتم مساءلة الجغرافيا كمادة مدرسة حول طبيعة العمل التربوي الذي تمارسه على الناشئة, وذلك في سياق ترشيد منظومتنا التربوية وتأهيلها لرفع وتيرة التطور مما يدعم قدرات بلادنا على كسب رهانات العصر.

وإن اندراج الجغرافيا المدرسية في هذا السياق الاجتماعي خيار حتمي لتكريس الهوية والمواطنة والتحكم في آليات التنمية المستدامة والتخطيط لها، وبالتالي تجاوز اعتبار الجغرافيا كمادة إخبارية عن الظواهر المجالية. وهذا

 

 

 

الوضع يفرض استحضار معادلة يقتضي حلها وضع تصور جديد للجغرافيا كمادة مدرسية لتساهم فعليا في تطوير

خبرة المتعلم عن طريق إثرائه بنتاج تكويني متعدد الأبعاد.

 

3. السياق التربوي

إن مراجعة برامج الجغرافيا تستمد مشروعيتها ومرجعيتها التربوية من عدة منطلقات نلخصها في الجدول التالي:

 

“يروم نظام التربية والتكوين الرقي بالبلاد إلى مستوى امتلاك ناصية العلوم … والإسهام في تطويرها،  بما يعزز قدرة المغرب التنافسية،  ونموه الاقتصادي والاجتماعي والإنساني في عهد يطبعه الانفتاح على العالم” ص. 10

المرتكزات الثابتة

الميثاق الوطني للتربية والتكوين

 

4 . المرجعية  الديدكتيكية:

إن كل مشروع تربوي يسعى إلى الفعالية والمصداقية لابد أن يتمحور حول التكوين الفكري والمجتمعي للمتعلم من خلال عدد من الحقول المعرفية. وإن كل حقل معرفي يترجم إلى مادة مدرسة،  إلا ويجب أن يعمل على تكوين هذه الناشئة وفق مقوماته الإبستملوجية لتبرز مصداقيته،  وبالتالي فائدته المجتمعية. فكل حقل معرفي كل متكامل لا يجوز تفكيكه واستبدال عناصره حتى لا يفقد مناعته العلمية وخصوبته التربوية.

إن تجاوز الوضع الحالي للجغرافيا المدرسية معرفة ومنهجا،  يقتضي اعتماد المقومات الإبستملوجية للمادة، ومسايرة مستجدات البحث الأكاديمي والديداكتيكي،  لتتبنى الجغرافيا دورها بشكل فعال في تنمية الفكر وحصر الموارد المجالية والمساهمة في بناء مخططات إعداد التراب وتتبع التوازنات البيئية،  الأمر الذي سيمكن المادة من استرجاع وظيفتها الفكرية والمجتمعية. وفي هذا السياق نقترح اعتماد النموذج التالي :

 


الجغرافيا والتكوين الفكري: مقومات مادة الجغرافيا

مجموع الميادين التي تهتم بها الجغرافيا(الطبيعية،  البشرية،  الإقليمية…) تشكل “سجلات تحمل مميزات المجال على شكل خامات يتم توظيفها في سياق تصور معالم المجال الجغرافي…” وتعرف هذه الميادين تفرعات (جغرافيا بشرية،  جغرافيا حضرية…) كما تعيش تطورا تساير عبره الحاجيات المتجددة للمجتمع بقدر ما تتطور الآليات الفكرية التي توظفها.

يجمع بين الخدمة المجتمعية للجغرافيا والمجالات التي تهتم بدراستها

مجالات الجغرافيا


 

5. الأهداف العامة للمنهاج:

إن منهاج مادة الجغرافيا يهدف إلى تنمية خبرات المتعلم عن طريق إثرائه بنتاج تكويني ذي أبعاد فكرية ووظيفية/منهجية/مهارية وقيمية وفق طموحات منظومتنا التعليمية أولا وحاجيات مجتمعنا ثانيا.

 

مستوى الاتجاهات

المستوى المنهجي/المهاري

المستوى المعرفي

اكتساب تربية مجاليـة تمكنه من الاندماج وتبنـي مواقف وسلوكات إيجابية اتجاه محيطه الجغرافي بمختلف أبعاده.

تقوية القدرات المنهجية والتعبيرية الخاصـــة بالجغرافيا تمكنه مــن توظيف مكتسباته فــي معالجة مكونات المجـال الجغرافــي واستيعاب إشكالاتـه والانخراط في اقتراح الحلول المناسبة.

اكتساب رصيـــد مفاهيمي ومعرفــي حول القضايا المجالية المحلية والوطنيــة والعالمية.

استقلالية المتعلم في تعامله مع المجال

 

6. الكفايات الخاصة بالجغرافيا كفايات التأهيلي ( الكفايات النهائية)

يكتسب التلاميذ والتلميذات الكفايات المقررة في جميع المراحل الدراسية بطريقتين :

الأولى ضمنية : من خلال تفعيل مقومات المادة بما في ذلك نهجها في معالجة الظواهر الجغرافية المدروسة من خلال أجرأة المنهاج وإنجاز الدعامات البيداغوجية.

الثانية مباشرة : من خلال تعلمات تستهدف الكفايات المعنية، مما يستدعي تخصيص الوقت اللازم لها والمثابرة على تمرين التلاميذ عليها.

 

التمكن من إعمال النهج الجغرافي  من وصف، تفسير وتعميم في دراسة ظواهر جغرافية من زاوية المفاهيم المهيكلة للمادة.

كفايات منهجية

مرتبطة  بالمادة

 

 

 

 

 

7- كفايات / قدرات مادة الجغرافيا في السنة الأولى من سلك الباكالوريا

 

الكفايــــــــــــات

القـــــــدرات

 

 

 

 

 

 

تذكير: يراعى في عملية تدقيق الكفايات المتعلقة بالجغرافيا على مستوى كل المراحل 3 عناصر أساسية :

1. المرجعية الديداكتيكية للمادة

2. طبيعة الموضوعات المقترحة بارتباط مع الفروع المعرفية التي تنتمي إليها (جغرافيا حضرية، إقليمية…)

3. ضرورة التدرج من الابتدائي إلى نهاية التأهيلي دون الإخلال بمنطق وسلامة المادة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المضامين وتوزيعها الدوري

 

تقديــم

 

       يقدم المنهاج توصيات أساسية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند الأجرأة منها:

- الانخراط في ثقافة التجديد التربوي بتبني تصور وظيفي لمادة الاجتماعيات باعتبارها مادة يقظة وصقل الذهن.

- استحضار الكفايات العرضانية خلال العمل على تحقيق الكفايات النوعية / الخاصة بالمادة.

- استحضار بعض المبادئ الناظمة في اختيار المضامين كالتناسق والتفضيل والانتقاء والتدرج والتكامل وعدم الفصل بين الجانبين النظري والتطبيقي . . .

- استحضار مبدأ التعلم الذاتي لجعل المتعلمين فاعلين ونشيطين في مسار تعلمهم عند اختيار الدعامات الديداكتيكية المناسبة.

- استحضار مختلف التربيات التي تعتبر مادة الاجتماعيات حاملة لها ( التربية السكانية ــ التربية البيئية ــ التربية على حقوق الإنسان ــ الشأن المحلى ــ مدونة الأسرة . . . )

 - استحضار مبدأ التخفيف تطبيقا لمدخل الكفايات وأشياء أخرى.

 

      انطلاقا من هذا التصور تعمل  المجزوءات على تنمية قدرات المتعلم في إطار استراتيجية اكتساب الكفاية. .فالمضامين بالاضافة الى  كونها هدفا  في حد ذاتها، فهي وسيلة في سبيل هذا الاكتساب ، وكذلك لان  الاستراتيجيات المتبعة لاكتساب المعارف لها نفس اْهمية المعارف التي تم تداولها في المجزوءات. فمن المفروض في الدرس، في التصور الجديد، ألا يعرض معرفة مهيكلة وجاهزة وما على المدرس إلا أن يشرحها ويبسطها ويلخصها للتلميذ، بل عليه أن يوفر / يختار مجموعة من الوثائق لمساعدة المتعلمين في تعلمهم الذاتي. فمدخل الكفايات واعتماد التدريس بالمجزوءات يحتاج إلى أفكار وابتكارات في مجال تصور وضعيات ” إشكالية ” أو وضعيات ” مفتوحة ” توفر للمتعلمين ظروف وأدوات التعلم مصحوبة بتوجيهات منهجية تفسر وتسهل هذه العملية وتترك لهم حرية بناء تعلمهم الذاتي.

 

1 ــ المجزوءة، الدرس، الحصة والعلاقة بينها

 

1 - 1 - المجزوءة:

المجزوءة بكل بساطة، هي وحدة تعليمية / تعلمية ( بكل مقوماتها التربوية ) تخدم موضوعا معينا / تيمة معينة،لها خط ناظم يستشف من عنوانها ولها غلاف زمني مناسب للإنجاز( يكيف حسب الأقطاب والشعب وحسب حاجيات المتعلمين ).وما تفريعها إلى محاور ودروس إلا محاولة لتبسيطها وتحديد أهم عناصرها لتوحيد الرؤيةا بين مختلف المتدخلين التربويين وتسهيل عمل التأليف المدرسي. لذلك ينبغي النظر إلى المجزوءة على أنها وحدة تعليمية متكاملة والتعامل معها على هذا الأساس.

 

2 - 1 - الدرس:

 الدرس هو موضوع مرقم داخل المجزوءة أو داخل أحد محاورها. وهو يعني عنصرا مهما من عناصر المجزوءة أو داخل أحد محاورها، بحيث لا يجوز إهماله أو تخطيه تجنبا لإلحاق أي خلل بالمجزوءة.

 

 

3 - 1 - الحصة:

 

         وتعني ساعة زمنية مدرسية واحدة أي 55 دقيقة. وقد يستغرق إنجاز الدرس من حصة إلى ثلاث حصص في الشعب العلمية ومثيلاتها، ومن حصتين إلى ست حصص في الشعب الأدبية والإنسانيات. وفي حالة إنجاز درس ما في حصتين فما فوق، يجب تقسيم هذا الأخير إلى وحدات تعليمية / تعلمية بعدد الحصص المخصصة للإنجاز تجنبا للسقوط في تكسير هذه  الوحدات.

 

      وفي كل الحالات تترك حرية الإنجاز للأستاذ والمتعلمين عند تنفيذ وحدات كل محور مع مراعاة مجموعة من الضوابط التربوية منها على الخصوص:

 

 

 

- أن يكون هناك تلاؤم بين الوحدة التعليمية ـ التعلمية / الدرس المقرر إنجازه والحصة المخصصة للإنجاز.

- أن تشمل كل حصة مختلف العمليات التربوية من مراجعة وتطبيقات وتقويم وغير ذلك.

- تجنب بداية أي درس أو وحدة تعليمية ـ تعلمية في منتصف الحصة أو في جزئها الأخير، لتلافي الوقوع في سلسلة الدروس أو الوحدات المكسرة كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا.

- حرصا على إنهاء كل مجزوءة وكل محور في الحصص المخصصة له يجب إعداد توزيع دوري لهما بإشراك المتعلمين، والتقيد بهذا التوزيع. ويدخل هذا في إطار التعاقدات التربوية التي يفرضها التدريس بالمجزوءات.

  

       انطلاقا من هذا المنظور يصبح التوزيع الدوري للمضامين لا يخضع للتفتيت الدقيق للدروس / الوحدات التعليمية ـ التعلمية، بقدر ما يتعامل معها بنوع من الشمولية. ونقترح أن يتم التعامل مع محاور المجزوءات أكثر من التعامل مع الدروس المتضمنة في كل محور. وفي حالة إنهاء محور إحدى المادتين قبل الآخر، يمكن استغلال الحصص الفائضة لإنهاء محور المادة الأخرى،قبل إجراء الفرض الكتابي الذي يستحب أن يكون في محوري المادتين معا. على هذا الأساس نقترح التوزيع الدوري على الشكل التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

برنامج الاْسدس الاْول

مسلك الآداب والإنسانيات والتعليم الأصيل(لغةعربية)

الأسابيع

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع الحصص

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

 

تتمة برنامج الأسدس الأول

مسلك الآداب والإنسانيات والتعليم الأصيل(لغةعربية)

 

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع الحصص

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

برنامج الأسدس الثاني

 

مسلك الآداب والإنسانيات والتعليم الأصيل(لغةعربية)

 

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع الحصص

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تتمة برنامج الأسدس الثاني

 

مسلك الآداب والإنسانيات والتعليم الأصيل(لغةعربية)

 

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع الحصص

 

الأسابيع

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

 


 

برنامج السنة الأولى من سلك البكالوريا : * مسلك العلوم التجريبية

                                                   * مسلك العلوم الرياضية

                                                                                               *  مسلك العلوم الاقتصادية والتدبير

                                                                                                * مسلك التعليم الصيل ( العلوم الشرعية )

الأسدس الأول

 

الأسابيع

 

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع

الحصص

 

الأسابيع

 

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

1

التحولات الكبرى للعالم الرأسمالي وانعكاساتها خلال القرنين 19 و20.

1- تقديم عام للبرنامج

 

1

 

 

1

جغرافية المغرب والعالم

1- تقديم عام : مفهوم التنمية، تعدد المقاربات، التقسيمات الكبرى للعالم، خريطة التنمية.

 

2

 

2/8

* المجزوءة الأولى: نزوع أوربا نحو الهيمنة ومحاولات الإصلاح لمواجهة الامبريالية.

2- التحولات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في  العالم في القرن 19

1

 

4

 

 

 

 

2/8

* المجزوءة الأولى : المغرب والعالم العربي: خصائص المجال وإعداد التراب الوطني

 

2- المجال المغربي: الموارد الطبيعية والبشرية.

 

 

 

4

 

3- التنافس الامبريالي واندلاع الحرب العالمية  الأولى.

3

 

 

3- الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني.

2

9

* تقويم ودعم

1

 

9

* تقويم ودعم

1

 

4- اليقظة الفكرية بالمشرق العربي.

3

 

 

4- التهيئة الحضرية والريفية: أزمة المدينة والريف وأشكال التدخل.

4

10/15

5- الضغوط الاستعمارية على المغرب ومحاولات الإصلاح.

4

 

10/16

5- مشكل الماء وظاهرة التصحر في العالم العربي.

3

16 - 17

* تقويم ودعم

1

 

17

* تقويم ودعم

1

 

 

 

 

 

 

الأسدس الثاني

 

الأسابيع

 

عناصر برنامج مادة التاريخ

توزيع

الحصص

 

الأسابيع

 

عناصر برنامج مادة الجغرافيا

توزيع

الحصص

8

* تقويم ودعم

1

 

7

* تقويم ودعم

1

 

3- نظام الحماية بالمغرب والاستغلال الاستعماري.

3

 

 

2- الاتحاد الأوربي نحو اندماج شامل.

4

9/16

4- نضال المغرب من أجل تحقيق الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية.

4

 

8/15

3- الصين: قوة اقتصادية صاعدة.

3

 

* ملف : العولمة والتحديات الراهنة

1

 

 

* ملف حول : الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي

1

17

* تقويم ودعم

1

 

16- 17

* تقويم ودعم

1

 

 

 

 

 

 

 

 


التنظيم التربوي

 

1 - تقديم درس الاجتماعيات

          إن التوجيهات التي قدمت في الفصول السابقة من كفايات وقدرات أو طرائق ووسائل أو تقويم، لابد أن تنعكس على المجهود الذي يبذله الأستاذ من أجل إعداد الدرس وتنفيذه، وعلى العملية التعليمية ـ التعلمية بكافة جوانبها. ومن تم يصبح من الضروري أن تعطى لهذا العمل الأساسي أهميته من حيث التوجيه والتنظيم، ويقتضي ذلك بصورة خاصة الإشارة إلى مرحلة إعداد جذاذة الدرس/ الوحدة التعليمية ــ التعلمية ومرحلة تنفيذه.

 

1 - 1  - إعداد جذاذة الدرس هذا الإعداد أولا إنجاز الخطوات التالية:

- قراءة عنوان الدرس / الوحدة التعليمية ــ التعلمية في ضوء الكفايات العرضانية والكفايات والقدرات

    النوعية

           - صياغة القدرات المستهدفة في ضوء الكفايات النوعية السابقة الذكر.

           - تهييئ وضعية ( الوضعية المساْلة )             

انتقاءالوثائق المناسبة وإعداد استراتيجية وطرائق مقاربتها داخل الفصل.

صياغة اْهداف التعلم الخاصة بالدرس

          - اختيار الوسائل التعليمية المساعدة.

          - إعداد أسئلة التقويم المرحلية و”النهائية/الإجمالية”.

          - وأخيرا تعبئة الجذاذة بشكل منظم ومرتب.

 

       إعداد جذاذة الدرس لا يعني أبدا إعداد ملخص الدرس، بقدر ما يعني تحديد استراتيجية محكمة لكافة الجوانب التربوية للدرس، أي التخطيط المسبق لما سيطلب من المتعلمين أن يقوموا به داخل الفصل في إطار تعلمهم الذاتي. وعليه فينبغي أن تعطى لهذه العملية أهمية خاصة حيث تشكل الجذاذة المرآة الحقيقية التي تعكس عمل الأستاذ وجديته ورغبته في إحاطة عمله بالضمانات الضرورية لإنجاحه. ومن أجل أن تستوفي الجذاذة كافة الشروط يجب أن تتضمن ثلاثة عناصر:

 

1-1-1- لوحة تقديم: وتشمل:

- مقدمة تقنية تحدد: المادة ، المستوى الدراسي، عنوان الدرس، ترتيبه في المجزوءة، المدةالزمنية/ عدد الحصص المخصصة للإنجاز ثم تاريخ الإنجاز ( إذا أمكن ).

- تحديد القدرات المقرر اكتسابها من طرف المتعلمين في إطار بناء كفاية أو كفايات معينة.

- تحديد اْهداف التعلم الخاصة بالدرس والتي تساهم في اكتساب القدرات المحدد

- تحديد الوسائل التعليمية المعتمدة في الدرس.

- إثبات المراجع المعتمدة في تحضير الدرس.

 

2-1-1ــ الدرس:  ويتضمن:

- تمهيدا يشمل أسئلة المراجعة والربط مع تقديم الدرس.

- تصميما بالأنشطة التي سيقوم بها المتعلمون حول الوثائق المتوفرة.

- إثبات الوسائل التعليمية المرتبطة بكل مرحلة من الدرس وتوقيت استغلالها.

- أسئلة الحوار الأساسية، للرجوع إليها عند الضرورة.

- إنهاء كل فقرة بأسئلة تقويم مرحلية للتأكد من مدى تقدم المتعلمين في اكتساب القدرات المستهدفة. وينتهي الدرس بأسئلة التقويم الإجمالي / النهائي.

 

3-1-1- خلاصة التعلمات:

ابتداء من مرحلة الجذع المشترك ينبغي تدريب المتعلمين على اتباع طريقة أخذ النقط، بحيث يقوم هؤلاء بتدوين ما توصوا إليه من خلال أنشطتهم التعلمية بطريقة موازية لإنجاز كل مرحلة في الدرس.

 

2-1-إنجاز الدرس:

          تعتبر مرحلة تقديم/ إنجاز الدرس المرحلـة الحاسمـة في العملية التعليمية ـ التعلمية، لـذلك يرجـى مـن الأستـاذ أن يأخذ الإرشادات التالية بعين الاعتبار:

- قبل الشروع في تقديم / إنجاز الدرس لا بد من مراجعة الجذاذة لاستحضار المعلومات المدونة عليها، ويستحسن أن يتم ذلك قبيل دخول الفصل حتى يكون الأستاذ على بينة مما ينتظر منه من إنجاز.

- خلال مراحل الإنجاز عليه أن لا يظل جامدا في وضع معين أو مقيما في مكتبه، بل يستحب أن يكون على اتصال مستمر بالمتعلمين لمشاركتهم تعلماتهم ومراقبة إنجازاتهم. على أن يركز على المتعثرين منهم، مستعينا بالمتفوقين.

- عليه أن يكون دائما على انتباه إلى عامل الوقت، وأن ينبه المتعلمين لذلك حتى يتقدموا باستمرار في   طريق إنهاء ما هو مبرمج في الحصة.

- عليه أن ينهي كل “متوالية” في الدرس بتقويم مرحلي لمعرفة مدى تحقق الهدف منها، وفي نهاية الحصة إنجاز التقويم النهائي.

- عند إنهاء الحصة يقوم الأستاذ بتعبئة دفتر النصوص و مذكرة الأعمال اليومية الخاصين بالقسم .

2 - الوثائق التربوية والمدرسية

1 - 2 - التوزيع الدوري/ الأسدسي للبرنامج:

          لكي يتمكن الأستاذ ــ بمعية المتعلمين ــ من إنجاز كل مجزوءة خلال كل أسدس بصورة عادية، حرصا على تحقيق التوازن الذي يجب أن يطبع سير الدروس، ينبغي أن يقوم ــ دائما بمعية المتعلمين ــ بتوزيع عناصر كل مجزوءة على الأسدس المذكور، بحيث - في حالة برنامج الجذع المشترك ــ  يخصص:

- النصف الأول من الأسدس للمحور الأول من المجزوءة.

- النصف الثاني من الأسدس للمحور الثاني من المجزوءة.

 

          ويسجل الأستاذ والمتعلمون هذا التوزيع، ويطلب من الجميع الالتزام به في إطار التعاقد التربوي المعمول به في التدريس بالمجزوءات.

 

2 - 2 - مذكرة الأعمال اليومية للأستاذ:

        من الضروري أن يتوفر الأستاذ على مذكرة يومية يسجل فيها الأعمال التي أنجزها في كل قسم. وهي دفتر عادي تستعمل بعض أوراقه كمفكرة خاصة يدون فيها الأستاذ جدول الحصص و لائحة العطل  . . . إلخ. ويقسم باقي الدفتر على عدد الأقسام المسندة إليه . ويتضمن الجزء الخاص بكل قسم:

- التوزيع الدوري / الأسدسي لعناصر كل مجزوءة.

- لائحة بأسماء المتعلمين مقسمة إلى خانات لتقويم أعمالهم وإنجازاتهم.

- ويخصص جزء منه للأحداث والأعمال المميزة بهذا القسم.

 

3 - 2 - دفتر النصوص:

        دفتر النصوص وثيقة مدرسية على جانب كبير من الأهمية فهو مرآة عمل الأستاذ أمام جميع المتدخلين في الحقل التربوي من إدارة وإشراف تربويين ولجن تفتيش وجمعية الآباء . . .

      ولأجل ذلك فإن تعبئته بانتظام أمر ضروري تؤكد عليه المذكرات الوزارية الصادرة في الموضوع. ويجب أن يسجل في هذا الدفتر بالنسبة لكل حصة عنوان الدرس / العنصر أو الوحدة التعليمية ـ التعلمية المنجزة بفقراتها الرئيسية وتطبيقاتها وكذا نص أسئلة الفروض الكتابية وسائر البيانات الأخرى.

 

3 - 2 - ورقة التنقيط:

      ترتبط ورقة التنقيط بالقسم وبنظام التقويم / المراقبة المستمر المطبق في هذا المستوى. وتتيح هذه الورقة لإدارة المؤسسة المراقبة المستمرة لنشاط المتعلمين كما تمكن الآباء وأولياء الأمور من الاطلاع على نتائج أبنائهم..

 

3 ــ توفير الظروف الملائمة لتدريس مادة الاجتماعيات.

1 - 3- القاعات المختصة:

       خصوصية مادة الاجتماعيات، وما يتطلبه تدريها/ تعلمها من أجهزة كهربائية للعرض ووسائل متعددة تكلف الدولة اعتمادات باهضة يفرض توفير قاعات مختصة لتدريسها/تعلمها مجهزة بمآخذ الكهرباء والستور ولوحات النشر. وإن وجود هذه القاعات المختصة يوفر الظروف الملائمة لاستغلال واستثمار الوسائل التعليميــة المتوفــرة،

ويقلل من مخاطر تعرضها للإتلاف بنقلها المستمر عبر قاعات المؤسسة وبالتالي إحجام بعض الأساتذة عن استعمالها.

      هذا وإن تخصيص هذه القاعات لا يحد من إمكانية تشغيلها طيلة ساعات وأيام الأسبوع، كما أن هذه القاعات لا تكتسي شكلا خاصا أو هندسة معينة وإنما هي قاعات عادية تتوفر على بعض اللوازم الضرورية السابق ذكرها.

 

   وعليه فإن السادة رؤساء المؤسسات مطالبون بتوفير هذه القاعات لما فيه مصلحة المادة والمتعلمين والمؤسسة وبالتالي المصلحة الوطنية.( راجع المذكرة الوزارية رقم 139 / 1978  .

 

2 - 3 - مخدع الوسائل التعليمية:

            يرتبط هذا المخدع بالقاعات المختصة لتدريس / تعلم مادة الاجتماعيات،و يستحب أن يوجد بالقرب منها. والغاية منه حفظ وصيانة الوسائل التعليمية من آلات وخرائط وغيرها لسهولة تعرضها للعطب والتلف ولما يكلفه اقتناؤها من اعتمادات هامة.

 

          ففي وجود هذه الوسائل التعليمية بالمخدع الخاص بها صيانة لها وضبط لاستعمالها مع سهولة فهرستها وتنظيمها وتنظيفها وتيسير لمأمورية الأستاذ منسق المادة.

 

3 -3 - مهام الأستاذ منسق المادة:

            يعين الأستاذ المنسق من بين أقدم أساتذة مادة الاجتماعيات و أنشطهم بالمؤسسة حتى يكون على علم تام بالوسائل التعليمية المتوفرة بها  و بكيفية تشغيلها و استثمارها حيث يستفيد من حصتين أسبوعيتين يتمم بها جدول حصصه في حالة عدم استيفائه للحصص الواجبة ، أو يضافان كساعتين إضافيتين في حالة توفره على جدول حصص كامل و تدمج في جدول حصصه كحصتين دراسيتين .

 

و يمكن اجمال مهام الأستاذ المنسق فيما يلي :

- السهر على مخدع الوسائل التعليمية المرتبطة بتدريس مادة الاجتماعيات من حيث إحصاؤها و فهرستها و تنظيمها بتعاون مع زملائه من أساتذة المادة.

- تسلم الوسائل الجديدة التي تقتنيها المؤسسة من طرف السيد المقتصد و إمضاء الوثائق المتعلقة بذلك و الاطلاع على الاعتمادات  المرصدة للمادة ومتابعة صرفها.

-إشعار السيد المدير بكل تغيير أو تلف تتعرض له هذه الوسائل ومقترحات الأساتذة حول ما يجب اقتناؤه من أدوات ضرورية لتدريس المادة ومسايرة ما يوجد في السوق منها.

- إطلاع وإرشاد الأساتذة الجدد على ما يتوفر بالمخدع من وسائل تعليمية وكيفية تشغيلها حتى لا تتعرض للتلف، وكذلك إشعار الأساتذة عن طريق إدارة المؤسسة كلما تبين إهمال أو سوء استعمال الوسائل التعليمية المتوفرة.

- ملاحظة ظروف سير تدريس المادة بالمؤسسة سيما من حيث تنسيق الدراسة وإنجاز البرامج المقررة بين أساتذة الأقسام المتوازية.

- ربط الصلة بين مفتشية الاجتماعيات وبين أساتذة المادة بالمؤسسة من جهة وبين الأساتذة وإدارة المؤسسة من جهة أخرى، فيما يتعلق بشؤون المادة، هذا ويستحسن توزيع ساعتي التنسيق في وقت يمكن الأستاذ المنسق من الاتصال بالفوج الآخر من الأساتذة الذين لا يتمكن من رؤيتهم خلال ساعات عمله .

 

 

4 - 3 - توزيع حصص مادة الاجتماعيات:

 

     حرصا على سير دروس مادة الاجتماعيات في ظروف عادية وتربوية دون إرهاق للمتعلمين والأساتذة أو إثارة مللهم، وسعيا لتحقيق أهدافها المرجوة يجب الالتزام حين توزيع جداول الحصص بما يلي:

- إسناد حصة كاملة من مادتي الاجتماعيات ( تاريخ ــ جغرافيا) للأساتذة دون حشر أية مادة أخرى في جدول حصصهم، ودون فصل  للمادتين بالنسبة لكل أستاذ وكل قسم.

- ألا يكلف نفس الأستاذ بأكثر من أربعة أقسام من نفس المستوى، وأن لا يكلف بأكثر من مستويين إلا عند الضرورة القصوى.

- عدم تكليف الأساتذة المتدربين بالأقسام النهائية .

ألا تعطى ساعات إضافية للأساتذة المتدربين أو العاملين في إطار الخدمة المدنية.

- توزيع حصص مادة الاجتماعيات بكيفية متوازية خلال أيام الأسبوع .ويمكن اسناد حصتين متتاليتين بالنسبة لكل مادة في جذع الاداب والانسانيات   بينما ينبغي فصل ساعتي الاجتماعيات عن بعضهما وتوزيعهما على اْيام الاسبوع في جذع التعليم الاصيل والعلوم والتكنولوجيا.

 

 

منهجية العمل الديدكتيكي

 

         تزخر الأدبيات التربوية بجملة من المفاهيم المرتبطة بالطرق التربوية تحمل دلالات متقاربة بل ومتداخلة مثل: الطريقة، التقنية، النموذج، الأسلوب، البيداغوجيا، الاستراتيجية، المنهجية، المقاربة )، الأمر الذي أدى إلى تعدد التصنيفات المقدمة بشأنها استنادا بصورة أساسية إلى: الخلفيات النظرية التي اعتمدت عليها، وإلى طبيعة المعيار المعتمد في التصنيف.

         وعلى الرغم مما تتسم به هذه التصنيفات من تعدد وتنوع فإنها تتراوح، في واقع الأمر، بين نموذجين تعليميين/ تربويين أساسيين هما:

- النموذج التعليمي الذي يهيمن فيه المدرس على باقي مكونات العملية التعليمية التعلمية.

-   والنموذج الذي يكون فيه المتعلم، فردا أو جماعة، حاضرا وفاعلا أساسيا في العملية التعليمية التعلمية.

ويرجع هذا التراوح بين هذين النموذجين الأساسيين، في نهاية المطاف، إلى نوعية الغايات والأهداف المتوخاة من التربية في المجتمع، وإلى طبيعة النموذج الأكثر حضورا لدى المدرس في الممارسة الصفية.

         ويبدو أن خصائص المنهاج المقترح للمادة، وبخاصة التركيز على التعلم الذاتي للمتعلمين، والعمل على تنمية استقلاليتهم من خلال جعلهم في وضعيات بناء معرفة واكتساب خيرات وتشبع بقيم وممارستها، تجعل هذا المنهاج يتبنى النموذج الثاني ” المتمركز حول المتعلم ” الذي ينبني على فاعلية هذا المتعلم في العملية التعليمية التعلمية، ويأخذ بعين الاعتبار شخصيته الإيجابية وقدراته وميولاته الوجدانية وبنيته النفسية.

·                                      ومن أهم مبادئ وخصائص هذا النموذج:

- اعتماد مبدأ المعرفة المبنية من طرف المتعلم.

- بناء التعلم الذاتي والطبيعي على تفاعل المتعلم مع المحيط، بحيث يكون المتعلم إيجابيا يبادر ويبحث ويكتشف ويستجيب لخصوصياته الذاتية ومتطلبات النشاط الجماعي.

- النظر إلى المتعلم باعتباره كائنا ينمو من الداخل حسب ما يكتسبه من خيرات وما يتفاعل معه من مواقف.

- عكس الحوافز الداخلية لميولات وحاجات المتعلمين.

- الاهتمام بتحقيق النمو المستمر للمتعلم.

- تخطيط التدريس آنيا حسب طبيعة الموقف وحاجات المتعلمين.

- توظيف طريقة بيداغوجية مفتوحة ترتكز على المناقشة وعلى بيداغوجيا الإبداع وحل المشكلات.

-   اقتصار دور المدرس على توفير الشروط النفسية العلائقية والمادية لتمكين المتعلمين من التعلم الذاتي، وتحفيز النشاط البيداغوجي عوض المراقبة والتسيير.

- انتقاء المحتوى وتنظيمه على أساس نفسي يحترم ميولات واستعدادات وقدرات المتعلمين.

- الاهتمام بمدى تحقق النمو في شخصية المتعلم عوض الاهتمام بقياس المعلومات.

 

·                                      وإذا كان منهاج المادة قد اعتمد مدخل الكفايات والقيم فإنه لا ينبغي أن يغرت عن البال أن سيرورة إكساب وتطوير هذه الكفايات تتطلب استراتيجيات للتعليم والتعلم تتأسس على احترام الفروق الفردية بين المتعلمين باعتبارها واقعا يفرض نفسه داخل جماعة القسم، إذ من المسلم به أن بين المتعلمين فروقا على مستوى الاستعدادات والقدرات والأداءات الذهنية والوجدانية والحس حركية، وأنه مرد هذه الفروق في جانب حتها إلى إلى الوراثة وفي جانب آخر إلى ظروف محيط المتعلم. ويقتضي هذا الواقع الذي يفرض نفسه إيلاء هذه الفروق ما تستحقه من عناية وموضوعية.

 

·                                      والواقع أن سيرورة التعليم والتعلم ليست من العمليات البسيطة التي تتم من خلال نمط أو أسلوب أو تقنية محددة، بل إنها دينامية متجددة تستدعي في كل حالة أسلوبا واستراتيجية  خصوصيتها، ولذلك فإن نجاعة المدرس تتوقف بشكل كبير على مدى إلمامه بمختلف الطرق وأساليب واستراتيجيات التعليم والتدريس ( أشكال العمل الديدكتيكي ).

·                                      يقصد بأشكال العمل الديدكتيكي مختلف العمليات التي يقوم بها المدرس في مقاربته للمضامين واختيار التقنيات المناسبة لها بهدف جعل المتعلمين يحققون أهدفا محددة ضمن وضعيات ديدكتيكية معينة.

وتوجد عدة تصنيفات لأشكال العمل الديدكتيكي من بينها التصنيف التالي:

 

1.1- تعليم القائي

 

2.1- البرهنة

 

1.2- الحوار الكلاسيكي

2.2- الحوار الديدكتيكي

1.3- المهمة المغلقة

2.3- المهمة المفتوحة

1) أشكال استعراضية

2) أشكال حوارية

3) أشكال البحث

(المهام)

 

4) عمل المجموعة

الخطاطة توضح لنا أشكال العمل الديداكتيكي

1/- الشكل الاستعراضي:

          وتتمحور العملية التعليمية التعلمية حول المدرس باعتباره مصدر المعرفة في حين يقتصر المتعلم على استقبالها وهي تضم شكلين من التعليم:

·                                      الالقاء: يعتمد فيه المدرس على الأسلوب التلفظي لنقل المعارف إلى المتعلم وبذلك يكون الالقاء والتلقين هو ميزة هذا الشكل.

·                                      البرهنة: وهنا ينضاف عنصر التوضيح البصري بواسطة وسائل تعليمية يستخدمها المدرس في الخرائط والمبيانات والخطاطات والجداول والصور…

2/- الحوار:

ويشمل عدة أشكال أهمها الحوار الحر ثم الحوار الديدكتيكي

·                                      الحوار الحر (الكلاسيكي): هو المفتوح الذي تقتصر فيه مهمة المنشط على حسن إجرائه دون أن يتدخل في تحديده أو توجيهه حيث يكتفي بتوزيع التدخلات.

·                                      الحوار الديدكتيكي: وهو الحوار الذي يتحدد في إطار تحقيق هدف معين، حيث يوجه المنشط كل التدخلات بالاعتماد على طرح الأسئلة وتوزيع التدخلات، واعتماد تقنيات محفزة لدافعية التعلم والمشاركة.

3/- أشكال البحث:

وهي أشكال تضم المهام المنوطة بالمتعلم وهي كما يلي:

·                                      المهام المفتوحة: وهي التي تحتمل أكثر من حل ويستحسن إدراجها في الأنشطة.

·                                      المهام المغلقة: وهي المهام التي تتطلب حلا واحدا سواء على مستوى المضمون أو على مستوى الشكل وهي مهام صالحة للأنشطة.

4/- عمل المجموعة:

ويوظف كل الأشكال السابقة للعمل الديدكتيكي ما عدا الشكل الالقائي، ولهذا الشكل عدة خصائص:

·                                      سهولة استيعاب وتطبيق المكتسبات السابقة.

·                                      إشباع حاجات المتعلمين العاطفية في العمل الفكري.

·                                      سهولة إكساب المتعلم الكفايات الاجتماعية ويمارس هذا الشكل بواسطة عدة أساليب منها:

-         الأسلوب المتوازي: وفيه تكلف المجموعة كلها المهمة.

-         الأسلوب المتكامل: وفيه تقسم مهمة عامة على مجموعة الفصل كلها.

-         الأسلوب التركيبي: وفيه تتقاطع مهام المجموعة جزئيا وتختلف مع باقي الأجزاء.

يمكن الوقوف من بين أشكال العمل الديدكتيكي على النماذج التالية:

-         حلقة النقاش؛

-         منهجية حل المشكلات؛

-         إعداد وتقديم ملف؛

-         إعداد وتنظيم زيارة؛

          وقد تم اختيار هذه النماذج باعتبارها تفتح المجال أمام المشاركة النشيطة للمتعلم في بناء تعلماته، وتيسر له فرص التعلم الذاتي والانفتاح على المحيط.

 

* حلقة النقاش:

o                                                      تعريفها: وضعية تعلمية تفتح المجال للمتعلمين للنقاش من أجل دراسة مشكلة وتقديم اقتراحات حلول بشأنها، أو تبادل الرأي حول موضوع معين واتخاذ مواقف.

o                                                      مراحل تنظيمها:

أ- تحديد الموضوع والأهداف من تناوله ومحاوره الأساس.

ب- اختيار المنشط والمقرر لحلقة النقاش.

     - المنشط مهمته تفعيل النقاش والحرص على احترام الجميع لقواعده وتقريب وجهات النظر وتيسير بلوغ آراء متفق عليها.

     - المقرر وتتمثل مهمته في تسجيل الآراء والمواقف والاقتراحات المقدمة في حلقة النقاش مع استخلاص وتقديم الخلاصات المتوصل إليها.

                   ج- الاتفاق على قواعد النقاش

       - قواعد النقاش هي مختلف المبادئ والضوابط التي يتم الاتفاق عليها بين أعضاء الحلقة من أجل تنظيم النقاش وضمان حق كل عضو في المشاركة وإبداء الرأي مع الالتزام باحترام حق الآخرين.

د- المناقشة وتبادل الآراء وتقديم الاقتراحات مع الالتزام باحترام الموضوع وقواعد النقاش.

هـ- صياغة الخلاصات:

·        جرد آراء واقتراحات الحلول المختلفة.

·        تصنيفها وتركيبها.

·        انتقاء الأنسب منها والأكثر قابلية للتنفيذ.

* منهجية حل المشكلات:

          يعتبر ” حل المشكلات ” من الاستراتيجيات الملائمة لعملية تكوين الكفايات خلاصة وأنه ينبني على فلسفة تسعى إلى تحقيق أعلى درجة من تكيف المتعلم مع محيطه وهو نفس المسعى الذي تنشده الكفايات.

          ويمكن اختزال الخطوات الأساسية لهذه المنهجية في الجذاذة المقترحة التالية مع استحضار كونها منطلقا قابلا للتعديل حسب المتغيرات المرتبطة بالوضعية التعليمية التعلمية.

- المادة :

- الموضوع :

- الأهداف :( محددة من طرف المدرس وغير معلنة للتلاميذ )

- المستوى :                                           عدد التلاميذ :

سيرورة الدرس

المقطع

نشاط المدرس

نشاط المتعلمين

الأدوات والوسائل

1. تحديد المشكل (صياغة المشكل)

 

 

 

2. صياغة الفرضيات

 

 

 

3. اختبار الفرضيات

 

 

 

4. الإعلان عن النتائج واقتراح حلول

 

 

 

تقييم النتائج:

    * تقييم المدرس: - تحديد الفارق بين ما تصوره وخططه للدرس وما آل إليه الدرس فعلا.

                       - تحديد الفارق بين الأهداف والكفايات التي خططها وتلك التي تحققت لدى المتعلمين.

    * تقييم المتعلمين: - تقييم المتعلم لعمله الذاتي بمقارنة قيمته بما توصل إليه زملاؤه.

                        - تقييم الجماعة لنفسها من خلال تبادل الآراء لتصحيح مسارا أعمالها.

 

الملف

·                                      هو مجمع لوثائقه ودعامات تعليمية متنوعة تتضمن معلومات وبيانات تفيد في معالجة موضوع ما والإجابة عن إشكالات. وهو من أدوات العمل الأساس التي تتيح أمام المتعلم فرصة البحث الميداني وإحدى وسائل التعلم والتثقيف الذاتي.

·                                      وتهدف الملفات إلى تحقيق أهداف عديدة من بينها

- تحفيز المتعلم على البحث واكتساب المبادئ الضرورية لذلك خاصة البحث الميداني من خلال الاتصال بالواقع المعيش.

- إكتساب المتعلم القدرة على التخطيط والتنظيم.

- إذكاء روح المبادرة لديه.

- تنمية القدرة على التواصل من خلال الاتصال بالأشخاص الذين يمكن الاستفادة من خيرتهم حول موضوع الملف.

- توفير إطار لتضافر جهود المتعلمين من أجل تحقيق إنجاز معين.

- إتاحة الفرصة للمتعلم للمساهمة في بناء المعرفة.

 

·                                      ويمكن اتباع الخطوات التالية في إعداد الملف

-         الخطوة الأولى: . اختيار موضوع الملف، تحديد أهدافه، وضبط محاوره.

                       . وضع خطة عمل (توزيع المهام بين مجموعات المتعلمين…)

                       . تحديد المدة الزمنية المخصصة لإنجاز الملف.

- الخطوة الثانية:    جمع المعطيات والوثائق المرتبطة بموضوع الملف:

                     . من الميدان من خلال المعاينة المباشرة، إلتقاط صور جمع عينات، الاتصال عن ممكن أن يفيد في الموضوع مع تحضير أسئلة الاستجواب وإعداد آلات التسجيل والتصوير.

                    . من المكتسبات ومراكز التوثيق، عبر شبكة الأنترنيت…

            - الخطوة الثالثة:    . معالجة المعطيات ودراستهـا وانتقاء أكثرهـا صلـة بموضـوع الملف ومساهمـة فـي

                                    تحقيق الأهداف المحددة له.

                                 . استثمار الوثائق وتحليلها وتدوين أبرز خلاصاتها.

                                 . تنظيم المعطيات وتصنيفها وفق محاور الملف.

. مناقشة الخلاصات المتوصل إليها وكتابة تقرير معزز بالوثائق ولائحة المراجع   المعتمدة في إعداده.

- الخطوة الرابعة:   . تقديم الملـف والتعـريف بموضوعـه وعـرض محتوياتـه ومناقشـة أهـم  الأفكار التـي تضمنها.         

                                 . استثمار الملف في السيرورة التعليمية.

 

* الزيارة :

          الزيارة نشاط تعلمي ميداني يقوم على معاينة المتعلم المباشرة لبيئته المحلية (زيارة أماكن طبيعية، مآثر تاريخية، مؤسسات اجتماعية، حقوقية…) وإعداد تقارير أو إنتاج أعمال شخصية حولها.

متطلبات إعداد الزيارة:

-         تحديد موضوعها وأهدافها.

            - تحديد المكان أو المرفق موضوع الزيارة.

            - تحديد تاريخ الزيارة والمدة التي ستستغرقها.

            - برمجة مختلف العمليات التي ستتم خلال الزيارة.

            -  تحديد الفئة المستفيدة منها وتوزيع المهام التي ستنجز خلال الزيارة بين المتعلمين.

            - الاتصال بالجهة المعينة والحصول على موافقتها إذا كان الأمر يتعلق بزيارة مؤسسة أو مرفق.

             - ضبط وسائل التنقل.

             - إعداد أجهزة التصوير والتسجيل.

            - الحصول على الرخصة الإدارية.

            - إعداد ورقة تعريف بالمكان الذي ستتم زيارته.

 

متطلبات تنفيذ الزيارة:

-         احترام موعد ومكان الانطلاق ومدة الزيارة.

-         التزام كل فرد بالمهام المنوطة به.

             - جمع المعلومات بكل الوسائل المتاحة (تدوين، تصوير، تسجيل، تسلم وثائقه جاهزة…)

-         إجراء الاستجوابات المبرمجة مع المسؤولين.

-   احترام أخلاقيات الزيارة والحوار (حسن الإصفاء، احترام الآخر، احترام المواعيد،الانضباط للقوانين…).

 

توثيق الزيارة:

          - وضع تقرير عن الزيارة يتم إغناؤه بمختلف الوثائق التي تم إعدادها أو الحصول عليها.

 

          إن تفعيل منهجية العمل الديدكتيكي لبناء تعلمات نشيطة/ وظيفية ومنفتحة على محيط المتعلمين يقتضي من الأستاذ اختيار ما يناسب من طرائق وأساليب بيداغوجية وتقنيات نشيطة ودمجها في الوضعيات الديدكتيكية مع مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين الأمر الذي يتطلب منه القراءة والاطلاع على مستجدات الأدبيات التربوية في هذا المجال والاستفادة من أشكال التأطير التربوي المقدمة له في هذا المكون.

 

 

 

 

 

الدعامات الديدكتيكية

 

 

          تزايدت أهمية الدعامات الديدكتيكية ومكانتها في تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا بعد دخول المنهاج الجديد حيز التنفيذ. فمداخل الإصلاح المتمثلة في التدريس بالكفايات باعتماد نظام المجزوءات وتحسين جودة التعليم فرضت تطوير أساليب الاستفادة من المعينات المألوفة والعمل على توظيف التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال من أجل تدليل الصعوبات التي يمكن أن تطرحها تنمية بعض الكفايات المتوخاة من المنهاج الجديد لمادتي التاريخ والجغرافيا.

 

1 - الدعامات الديدكتيكية : المبادئ العامة وشروط استخدامها

 1-1المبادئ العامة :

يقتضي الاستعمال المناسب للدعامات الديدكتيكية استحضار جملة من المبادئ العامة أهمها :

*مبدأ التدرج في الاستعمال : من الدعامة المبسطة إلى الدعامة المركبة مسايرة لمسألة التدرج في تنمية الكفايات والقدرات المستهدفة في المنهاج؛

*مبدأ التنويع أي توالي استعمال دعامات مختلفة خلال الحصة الواحدة ومن حصة إلى أخرى تفاديا للملل الذي قد يشعر به المتعلم؛

*مبدأ الادماج أي إدراج الدعامة المستعملة ضمن مكونات الدرس حتى تصبح جزءا لا يتجزأ منه؛

*مبدأ التكامل أي أن يتحقق التفاعل والتكامل بين الحقائق والمعلومات التي تقدمها الدعامات المستعملة واشتراكها في تنمية قدرات وكفايات محددة؛

*مبدأ الوظيفة : ويقتضي إدراجها في اللحظة التربوية المناسبة المنصهرة في سيرورة بناء التعلمات، والمتسقة مع هيكل الدرس.

 

2-1 الشروط المعتمدة لتحضير الدعامات واستثمارها

*استحضار الكفايات والأهداف المخططة للأنشطة التعليمية التي تتوخاها الدعامة؛

*مراعاة تناسب الدعامة مع المستوى الإدراكي للمتعلمين ومدى قدرتها على إثارة دافعيتهم للتعلم؛

*التأكد من صلاحيتها للاستعمال من حيث الجانب التقني والمادة العلمية وارتباطها بموضوع المجزوءة؛

*دراج التخطيط لاستعمال الدعامات ضمن الإعداد الشامل لمختلف مكونات المجزوءة.

*التعامل معها كأسس مادية تساعد المتعلم على إنتاج المعرفة وتنظيمها وذلك من خلال وضعيات تتيح له حرية المبادرة والتعلم الذاتي؛

*تأطير الاستخدام والتحكم في مجرياته بأسئلة مركزة ومصاغة صياغة هادفة؛

التأكد من مدى تحقق الأهداف المتوخاة من استخدام الدعامة عن طريق التتبع والتطبيق؛

تخصيص قاعات لتدريس المادتين، تتوفر على التجهيزات الضرورية المسايرة للتطورات التقنية الحديثة؛ وفسح المجال للاستفادة من القاعة متعددة الوسائط إن هي وجدت بالمؤسسة.

2- تصنيف الدعامات الديدكتيكية

تصنف الدعامات الديدكتيكية عموما إلى :

دعامات ديدكتيكية شائعة الاستخدام؛

دعامات ديدكتيكية مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة.

 

1-1الدعامات الديدكتيكية الشائعة الاستخدام

1-1-2 السبورة : تعتبر دعامة بصرية تمكن من العرض المستمر لعناصر الدرس وأفكاره؛ مما يساعد المتعلم على المسايرة المتدرجة لمراحله.

 

 

 

ويقتضي الاستخدام المناسب للسبورة مراعاة الشروط التالية :

*الاستغلال المنظم لمجالها؛

*الاعتناء بالجوانب التقنية لتقديم المعطيات على السبورة من وضوح في الخط ودقة في الرسم وتنسيق استعمال الألوان؛

*فسح المجال لاستعمالها من طرف التلاميذ.

 

2-1-2 الكتاب المدرسي :

          يمثل دعامة ديدكتيكية أساسية بالنسبة للمتعلم والأستاذ

. فهو بالنسبة للأستاذ أداة تساعده على إعداد الدروس وتنفيذها؛

. وهو بالنسبة للمتعلم دعامة متكاملة ومنظمة حاضرة معه في البيت والمدرسة؛ تعوده على التكوين الذاتي وتعده للدرس واستعمال معلوماته حوله مع إمداده بالوثائق المختلفة.

 

          وحتى يتبوأ الكتاب مكانته في تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا ويؤدي دوره الديدكتيكي على الوجه الأنسب ينبغي :

 

. تفعيل الدور التكويني للكتاب المدرسي سواء داخل الفصل الدراسي أو خارجه من خلال توظيف الوثائق التي يتضمنها توظيفا مناسبا للكفايات والقدرات المستهدفة؛

. إرشاد المتعلمين إلى أنسب الأساليب للاشتغال على وثائقه وتتبع إنجازاتهم انطلاقا من الأسئلة المذيلة لكل دعامة؛ وتكليفهم بمهام لسد الثغرات التي يكشف عنها التقويم المرحلي، ثم القيام بفروض في إطار التقويم الإجمالي للدرس؛

. إثراء الرصيد المعرفي للمتعلمين بإحالتهم على النصوص المخصصة للمطالعة.

 

 

3-1-2 النصــوص : 

تعتبر النصوص من أهم الدعامات الديدكتيكية لكونها تضمن الحضور الذهني للمتعلم أثناء الدرس، وتضعه في مناخ العصر الذي يدرسه حينما يتعلق الأمر بمادة التاريخ، وتوفر له مادة معرفية للاشتغال عليها.

          ولا يرمي توظيف النص في تدريس المادة بالتعليم الثانوي التأهيلي إلى مجرد استخراج مجموعة من المعلومات والأفكار عن حقبة زمنية معينة أو حدث ما، ولكنه يستهدف إكساب المتعلم مهارات وتقنيات تمكنه من إنتاج المعرفة وتنظيمها.

          وبما أن التاريخ يوظف نصوصا متنوعة ( وسائل ، معاهدات، مقالات …) تنتمي إلى مجالات معرفية مختلفة ( قانونية، اجتماعية، سياسية، حضارية…)؛ فمن الصعب الاقتصار على طريقة واحدة نمطية لاستثمار كافة النصوص، ومع ذلك يمكن تحديد مجموعة من التدابير الديدكتيكية لاستثمار النصوص :

 

 *قراءة النص وتحديد المفاهيم والمصطلحات ذات المدلول التاريخي؛

*تحديد نوعية النص وإطاره الزماني والمكاني مع التعريف بصاحبه؛

*استنتاج الأفكار الرئيسية وتفسيرها تم تركيبها في خلاصات عامة؛

*ربط الخلاصات المتوصل إليها بعناصر الدرس؛

*تقييم مضمون النص من خلال تحديد نقط ضعفه أو قوته، مع تعيين الحجج والدلائل على ذلك.

 

أما أهم المواصفات التي ينبغي توفرها في النصوص التاريخية من أجل استغلالها استغلالا ديدكتيكيا مناسبا فهي على الخصوص :

 

*معاصرتها للأحداث - ما أمكن - أو قريبة منها لتكتسب أهميتها العلمية؛

*مناسبتها من حيث الحجج والمضمون، بالتركيز على الفقرات الأساسية ودون الإخلال بمعناها العام أو الوظيفة التي أعدت من أجلها؛

*مناسبتها لمستوى المتعلمين وارتباطها بشكل وثيق مع موضوع الدرس والكفايات والقدرات المستهدفة.

 

 

أما النصوص في مادة الجغرافيا، فيعد استثمارها أمرا ضروريا وذلك حتى يتسنى للأساتذة والمتعلمين على السواء الاستفادة من وفرة الأبحاث والدراسات العلمية المنجزة حول المواضيع المقررة، وتشترك الجغرافيا في استثمار النصوص مع التاريخ في بعض التدابير الملائمة لطبيعة المادة ونهجها.

 

4-1-2 الخرائـــط :

          الخريطة تمثيل هندسي مسطوح ومختزل لسطح الأرض أو لجزء منه، وهي دعامة ديدكتيكية أساسية نوعية بالنسبة لمادة الجغرافيا، وهي كذلك أداة ضرورية لتنمية مجموعة من الكفايات والقدرات، ولتبسيط كثير من المفاهيم الرئيسية المهيكلة للمضامين.

 تصنف الخرائط حسب موضوعاتها ، تاريخية، جغرافية، وطبيعتها (موضوعاتية، تركيبية، ومصادرها جذارية، أطاليس )، ويتوقف توظيفها الديدكتيكي على ضوابط منها :

 

  * التأكد من اكتساب المتعلمين لدلالات العناصر المساعدة على ملاحظة وقراءة وتفسير الخريطة، (العنوان، السلم، الإتجاه، المفتاح …)؛

* تنمية القدرات والمهارات المستهدفة من توظيف الخريطة، (من الخريطة البسيطة – الوحيدة الموضوع – إلى الخريطة المركبة)؛

* الالتزام بالخطوات المنهجية الأساسية بالنسبة لاستخدام الخرائط الجاهزة؛ والمتمثلة في مرحلة الملاحظة والوصف، ثم مرحلة التفسير والكشف عن العلاقات بين الظواهر، وأخيرا مرحلة التعميم، أي وضع الخلاصات واستنتاج العلاقات وصياغة المبادئ؛

* وتعتبر الخريطة التاريخية وسيلة مساعدة على تجسيد المفاهيم المكانية، وتوطين الأحداث في صورة مركزة. ويتطلب استثمارها ديدكتيكيا ما يلي : التقديم – التحليل – التركيب – الحصيلة.

 

 

5-1-2 الجداول الإحصائية والمبيانات

         توفر هذه الدعامات إمكانيات متنوعة للعمل الديدكتيكي لمادة التاريخ والجغرافيا على الخصوص، فإذا كانت الجداول تساعد على ترتيب وتبويب المعطيات الكمية الخام، فإن المبيانات هي تعبير رمزي عن هذه الجداول.

 

توظف الجداول الإحصائية والمبيانات في دروس المادتين لإبراز خاصيات بعض الظواهر الطبيعية والديمغرافية والاقتصادية، سواء من حيث الاستقرار أو التحول من جهة، ولإبراز العلاقات والارتباطات التي قد توجد بين مجموعة من الظواهر عن طريق المقارنة من جهة ثانية.

 

ويقتضي التوظيف الديدكتيكي للجداول والمبيانات مراعاة ما يلي :

 

*انتقاء جداول ومبيانات مناسبة لمستوى المتعلمين، خالية من التعقيدات التي تحول دون تحقيق الأهداف المتوخاة من استخدامها؛

*تدريب المتعلمين على قراءة وتفسير وتأويل الجداول والمبيانات (تاريخ الإحصائيات المقدمة، طبيعتها، أعداد مطلقة، نسب مئوية، أرقام حقيقة أو متوقعة …) وذلك لإضفاء نوع من الواقعية على معطياتها؛

*إكساب المتعلمين تقنيات التمثيل البياني، واحترام قواعده العلمية، واختيار نوع المبيان المناسب لطبيعة الظاهرة الممثلة (منحنى- أشرطة- دوائر …)؛ مع الحرص على تتبع إنجازات المتعلمين أثناء الرسم سواء على السبورة أو الدفاتر.

 

 

6

 

6-1-2 الرسوم التوضيحية والخطاطات :

          *الرسوم التوضيحية : عبارة عن خطوط وأشكال هندسية توظف إما لتبسيط أفكار أو معطيات مركبة، أو لإبراز علاقات خاصة بين ظواهر أو أشياء، … مثل رسوم تتعلق بعناصر تضاريسية أو أشكال جيمورفولوجية.

 

 

*الخطاطات : شكل من أشكال التعبير الكرافيكي المعتمد في بنائه وقراءته على الأسهم أساسا. فالخطاطة تساعد على هيكلة المفاهيم والنظم السياسية والمؤسسات باختلاف أشكالها وأنواعها وتراتيبها، والعلاقات التي تربط بين عناصرها عن طريق الأسهم.

ولتوظيف الرسوم التوضيحية والخطاطات بفعالية في تدريس المادتين يستحسن مراعاة ضوابط وشروط أهمها : مناسبتها لمستوى التلاميذ؛ وتعويدهم على تقنيات رسمها وقراءتها، وملاءمتها للقدرات والكفايات المتوخاة من الدرس.

 

7-1-2 العينات والنماذج :

*العينات : هي أشياء حقيقية متنوعة من بيئتها الأصلية (صخور – معادن – نباتات …)، وتفيد عن طريق الملاحظة في الكشف عن معطيات وخصائص الأصل الذي أخذت منه.

 

*النماذج : تمثيل ذو ثلاثة أبعاد يجسد بعض الظواهر الجغرافية التي تستحيل ملاحظتها مباشرة – وتتميز باختزال الأشياء المعقدة والاحتفاظ بما هو أساسي. ومن المفيد توجيه التلاميذ لكيفية جمع العينات وتصنيفها وإنجاز النماذج في إطار أنشطة جماعية لا صفية .

 

8-1-2 الزيارات الدراسية والبيئة المحلية : ويمكن أن نميز فيها بين :

* الرحلات الدراسية : وهي زيارات هادفة مخططة لمواقع بعيدة عن محيط المؤسسة، قد تستغرق يوما أو يومين؛

    * الخرجات الدراسية ولا تختلف عن الرحلات إلا بقصر مسافتها، إذ تتم داخل   محيط المؤسسة ولا تستغرق أكثر من نصف يوم.

 

+ مراحل  وضوابط تنظيم الزيارات الدراسية :

يمر تنظيم الزيارة الدراسية من ثلاث مراحل أساسية :

* مرحلة الإعداد، وفيها يزور الأستاذ الموقع للتأكد من ملاءمته لتحقيق أهداف الزيارة، ثم يقوم بإعداد المتعلمين، بإطلاعهم على أهداف الزيارة وتصميمها وتقسيمهم إلى مجموعات وتوزيع المسؤوليات بينهم.

* مرحلة التنفيذ، وأثناءها  يساعد الأستاذ تلاميذه على إنجاز مسؤولياتهم، ويلقي بعض العروض عند الاقتضاء.

*مرحلة التقويم، وفيها يقدم التلاميذ التقارير التي أنجزوها، ويتم الوقوف على نقط الضعف ونقط القوة في تخطيط الرحلة وعلى ما تحقق فعلا من أهدافها.

 

أما  الضوابط والإجراءات القانونية التي ينبغي مراعاتها لتنظيم الزيارات، فقد حددتها المذكرات التنظيمية الوزارية الصادرة في الموضوع.

 

* البيئة المحلية : المقصود  بالبيئة المحلية تلك البقعة الطبوغرافية التي يعيش فيها المتعلم، والمتميزة عادة بوحدة ثقافتها وتراثها، ونوع سكانها، ومظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والحياتية العامة،

ومن هنا فالاعتماد على البيئة المحلية يجسد مبدأ انفتاح المدرسة على محيطها الطبيعي والاجتماعي والثقافي، ويتيح للمتعلم فرص معاينة وملاحظة الأشياء والواقع في بيئتها الطبيعية الأصلية.

 

 

 

 

 

2-2 الدعامات الديداكتيكية المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة

          1-2-2- تقنيات الإعلام والتواصل : الأنترنيت

تزايد استخدام التقنيات الجديدة للإعلام والتواصل - الأنترنيت - في مجالات التربية والتكوين، نظرا لما توفره من إمكانات ووسائل تسهل تحقيق الأهداف وتنمية الكفايات المتوخاة من النظام التعليمي .وتعتبر مادتا التاريخ والجغرافيا من بين المواد المؤهلة للاستفادة من هذه التقنيات.

 

1-1-2-2- القيمة المضافة لتدريس التاريخ والجغرافيا من استخدام الانترنيت

 

بالنسبة للأستاذ :

*إمكانية الولوج إلى موارد ومصادر معلومات متعددة ومتنوعة ومحينة تسمح له بتناول المواضيع من وجهات نظر غير تلك التي تقترحها الكتب المدرسية.

*ربط العلاقات وتبادل الخبرات مع زملاء من نفس التخصص أو من اختصاصات أخرى جهويا ووطنيا ودوليا، مما يحقق مطلب تكامل المواد ويفك العزلة عن الأستاذ.

*تجديد المعلومات والتقنيات والطرق بشكل مستمر، أي إمكانية التكوين الذاتي .

 

* بالنسبة للمتعلم :

*الانخراط في عمل تفاعلي يسمح بتبادل التجارب والمعلومات والوثائق، وينسج علاقات بين تلاميذ المؤسسات التعليمية على المستوى الجهوي والوطني والدولي؛

*الاستفادة من وثائق متعددة الوسائط، ليس بإمكان المتعلم الوصول إليها بدون الأنترنيت، واستغلالها في أبحاثه وواجبا ته، واستكمال تكوينه وإنجاز مشاريعه؛

*تنمية كفاياته المنهجية : البحث عن المعلومات والمعطيات وتصنيفها، والبحث عن العلاقات والروابط الناظمة لها، واستخدامها وفق منهجية واضحة ودقيقة؛

*تنمية كفايته المعرفية والنقدية عن طريق التفكير وتمحيص المصادر الوثائقية، ومواجهة بعضها ببعض ومقارنتها، وذلك بفضل التقنيات التي يوفرها الأنترنيت؛

*تنمية كفاياته التواصلية عن طريق العمل الجماعي والانفتاح على المحيط وعلى العالم، والانخراط في مختلف الحوارات التي يثيرها أساتذة المادة وتلامذتهم عالميا، والتي تشكل صلب برامج هذه المواد في التعليم الثانـوي التأهيلي من قبيل : العولمة، عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب، البطالة، مواضيع تاريخية.

 

2-1-2-2- شروط الاستفادة من الأنترنيت في تدريس المادتين  :

 

*تحديد وضعيات التعليم والتعلم التي يشكل فيها استخدام تقنيات الإعلام والتواصل  دعامة أساسية لبناء معارف تنتمي إلى حقل المواد المكونة للمادتين، مع تخطيط الأهداف والقدرات والكفايات التي سيساهم ذلك الاستخدام في  تنميتها بشكل أنجع؛

*التخطيط المسبق، ووضع استراتيجية ومنهجية تسمح بالتحكم في استعمال الأنترنيت قبل إرسال التلاميذ إليه، وذلك بتحديد نوعية العمل المطلوب والعناوين والمواقع التي ينبغي زيارتها؛

*تأطير استخدام التلاميذ لهذه التقنيات بالشكل الذي ينمي لديهم القدرة على الاعتماد على النفس والتعلم الذاتي، وبالتالي تحقيق مجموعة من المبادئ التي تقوم عليها المقاربة بالكفايات في مجال تدريس المادتين، وفي مقدمتهما جعل المتعلم قادرا على إنتاج المعرفة بنفسه؛

*تصميم وتوزيع الأدوار على المتعلمين قبل وأثناء ولوج الأنترنيت بالشكل الذي يتماشى مع منهجية التدريس بالمجزوءات المتبناة في التعليم الثانوي التأهيلي، الشيء الذي يسمح بالتدرج في إنجازها وفق إيقاع ظروف المؤسسة، والغلاف الزمني المخصص لتلك المجزوءات.

 

         2-2-2- أجهزة العرض السمعية والبصرية وأنواع المعروضات :

تركز هذه الدعامات على حاستي السمع والبصر، وهي متعددة وتفتح أمام المدرس آفاقا كبيرة لتجديد تقنيات أدائه التربوي. وباعتبارها تكنولوجيات جديدة في مجال التربية، فإنها تتيح فرصا متعددة أمام المتعلمين لتنمية كفاياتهم، وصقل مواهبهم ومهارتهم بأقل جهد ممكن وفي ظروف ملائمة . ويمكن تصنيف هذه الأجهزة والمعروضات حسب طبيعة الوثائق إلى :

 

1-2-2-2- أجهزة لعرض الوثائق المتحركة :

تتمثل في التلفاز والأجهزة المرتبطة به من فيديو   V C D و  D V D بالإضافة إلى جهاز الكومبيوتر والداتاشاو.

 

ويمكن استخدام هذه الأجهزة للاستفادة من البرامج التلفيزيونية الموازية عن طريق التلفزة المدرسية، أوعن طريق الفضائيات التربوية الوطنية - الرابعة - والدولية  وخاصة  البرامج  المتخصصة في التاريخ والجغرافيا أو التي لها علاقة بها.

 

2-2-2-2- أجهزة لعرض الوثائق الثابتة :

وتتمثل في المسلط العاكس لعرض شفافات تكون في الغالب عبارة عن نصوص أو خرائط أو رسوم، ثم جهاز العرض العادي أو الأوتوماتيكي لعرض الصور الشفافة، وأخيرا المنظار لعرض وثائق  غير شفافة كصور أو نصوص من كتب أو مجلات.

ويقتضي الاستخدام الديداكتيكيي لهذه الدعامات مراعاة  الشروط التالية :

 

*التحكم في تقنيات وظروف استعمالها حتى لا يتحول لدى المتعلمين إلى مجرد فرجة؛

*التخطيط المسبق للاشتغال عليها بشكل مندمج مع بقية مكونات العملية التعليمية؛

*تحضير بيئة العرض قبل ولوج التلاميذ إلى قاعة الدرس : إعداد جهاز العرض والمعروضات ، الربط بالمآخذ الكهربائية ، التأكد من صلاحيته، تعتيم القاعة إذ كان ضروريا؛

*إتباع الخطوات المنهجية  المناسبة لتحقيق الهدف من العرض، مع فسح المجال للأنشطة التعلمية أكثر من الأنشطة التعليمية؛

*وضع شاشة العرض في مكان يسمح بالمشاهدة المريحة لجميع التلاميذ.

 

       3-2-2- الصور :

           تستفيد كل من مادتي التاريخ والجغرافيا بشكل أساسي من نوعين من الصور :

 

1-3-2-2- الصور الفتوغرافية :

تعتبر الصورة الفتوغرافية إحدى الدعامات الضرورية لتدريس الاجتماعيات، وخاصة بعد أن ازدادت أهميتها في كل المجالات بفضل استفادتها من التقنية الرقمية، فهي تضفي على الموضوع واقعية  كبيرة في الحالات التي تكون فيها الملاحظة المباشرة مستحيلة.

 

          ويتطلب التوظيف الديداكتيكي للصورة أن تتوفر فيها مجموعة من المواصفات :

 

*تناسب محتواها مع الهدف التعلمي والوضعية التعليمية – التعلمية التي تستغل فيها، ومع المستوى الفكري والعمري للمتعلمين؛

*احترام الدقة العلمية والخصائص الفنية في التصوير كالألوان والتأطير وغيرها.

*تميز معطياتها بشكل يجعلها معبرة وصالحة لإثارة الأسئلة وتنشيط التفاعلات الفصلية؛

*توفرها على المعلومات المساعدة على التحليل كتاريخ التقاطها ، وعنوانها ، ومكان التقاطها، وزاوية الالتقاط ؛

*قدرتها على إعطاء فكرة واضحة عن أحجام الأشياء وموضوعها، واشتمالها على تفاصيل في حدود كافية لا ينجم عنها تشتيت انتباه المتعلمين؛

*مناسبة حجمها للملاحظة الجماعية، أو توفيرها بالعدد الكافي للملاحظة الفردية أو في إطار جماعات صغيرة؛ وباعتبار الصورة الفتوغرافية وسيلة من وسائل التعبير الجغرافي، فإن استخدامها كدعامة ديداكتييكية يمر من الخطوات المنهجية التالية :

*الإعداد القبلي للصورة ودمجها في التخطيط العام للدرس، ثم تحضير بيئة عرضها أثناء تنفيذ الدرس - نفس التحضير الوارد في فقرة أجهزة العرض السالفة الذكر - وأخيرا تهييئ التلاميذ للتعامل معها ماديا ونفسيا؛

 

 

 

 

*القراءة، وفيها تتم الملاحظة العلمية الدقيقة للصورة ووصف معطياتها، انتهاء بعمليتي التفسير والتأويـل وذلك عن طريق المقارنة والمقابلة وضبط العلاقات والتفاعلات والروابـط القائمـة بين عناصر الصــورة؛

 المتابعة والتطبيق : عند الانتهاء من عرض الصورة يوضع التلاميذ في مواقف تعلمية يطبقـون من خلالهـا

المفاهيم والقيم التي استخلصـوها من الصورة، وذلك عن طـريق أنشطـة  مثـل المناقشـة والتمارين الكتابيـة؛

التقويم، وينصب على مدى تحقق الأهداف المتوخاة من استخدام الصورة بالشكل الذي يراه المدرس مناسبا.

 

 

2-3-2-2- الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية :

          هي صور صادقة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ويمكن توظيفها في تدريس المادتين بهذه الصفة وتخضع في ذلك لنفس خطوات توظيف الصورة الفتوغرافية. (الفقرة السابقة).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التقويم التربوي في الجذوع المشتركة

 

          يحتل  التقويم مكانة خاصة في مدخل الكفايات التربوية بحيث يغطي كل المكونات العملية التعليمية. كما أنه يتنوع حسب الوضعياتوالمراحلفي سيرورة التعلم(تشخيصي، تكويني، أجمالي) لكنه يطرح صعوبات باعتبار أن الكفاية خبرة لا تقاس مباشرة ولا يتم تقويمها انطلاقا من سلوكات،وإنما انطلاقا من نواتج هذه السلوكات. وعندإجراء التقويم ينبغي استحضار نوعية الكفايات والقدرات المراد تقويمها من جهة، ومستوى مقاربة هذه الكفايات (استئناس وتحسيس – اكتساب – ترسيخ وتثبيت.) كما ينبغي وضع لائحة للمؤشرات الدالة على تحقق الكفاية وتحديد الظروف التي سيتم فيها الإنجاز، ثم وضع خطة للدعم والتقوية.

          يعتمد التقويم التربوي في السنةالأولى من سلك الباكالوريا على المراقبة المستمرة كوسيلة أساسية لتقييم

   مردودية المتعلم، وتحديد القرار المناسب لانتقاله إلى القسم اللاحق.كما يجرى في نهاية السنة امتحان موحد جهوي في المادة يغطي المقرر بأكمله.ذلك في المسالك التي تدخل فيها المادة في صنف المواد الثانوية.

1. المراقبة المستمرة:

 

          وتشمل المراقبة المستمرة الفروض الكتابية المحروسة، ومختلف أشكال مشاركة المتعلمين خلال العملية التعليمية التعلمية داخل الفصل أو خارجه.

 

1.1  الفروض الكتابية المحروسة :

          * يتكون الفرض الكتاب المحروس من :

 

                    - موضوع مقالي : تنطلق الإجابة من سؤال محدد، أو من وثائق متنوعة حول  إشكالية أو

                      موضوع معين.

- موضوع الأشغال على الوثائق : تركز في موضوعها على مجموعة من الوثائق يطلب من المتعلم إما أن يقوم بإنجاز بعضها وتحليلها (ملء الخرائط، إنجاز ورسم مبيان…)، أو تحليل وثيقة أو مجموعة وثائق تقدم  جاهزة.

 

          * يتطلب إنجاز هذه الفروض عدة مقتضيات ينبغي اتباعها ومراعاتها :

                - خصوصية كل جذع مشترك والحصة الزمنية المخصصة لإنجازها كما هو موضح في الجدول

                     رفقته.

          - إعداد جذاذة تحضير الفرض الكتابي، تتضمن الكفايات والقدرات والمفاهيم المراد تقويمها، وموضوع الفرض وعناصر الإجابة وسلم التنقيط.

- العمل على إنجاز عملية التصحيح والدعم مع المتعلمين، وذلك بعد تصنيف الأخطاء المتكررة، وتهييئ النتائج وتحديد مواطن القوة والضعف : (تخصص حصة من ساعة واحدة بالجذوع المشتركة للآداب والإنسانيات لتصحيح كل فرض، أما في الجذوع المشتركة للتعليم الأصيل والعلوم والتكنولوجيا فتخصص ساعة واحدة في كل دورة دراسية ).

- العمل على احترام ما ورد في الجدول ص41 عند التخطيط لإجراء فروض المراقبة المستمرة.

 

2.1  باقي أساليب المراقبة المستمرة :

          * تتكون أساليب المراقبة المستمرة من :

 

                    - أسئلة المراقبة الشفهية التي يطرحها المدرس في بداية الحصة الدراسية،

                     على أللاتنصب على الجانب المعرفي فقط وأن تشمل باقي العمليات العقلية.

                    - تقويم مشاركة المتعلمين داخل الفل الدراسي.

                    - تقويم الأنشطة اللاصفية التي يكلف بها المتعلمون بصفة فردية أو جمعية

                      كالبحوث وتقارير الزيارات وإعداد الملفات والأعمال التطبيقية وغيرها.

 

          * ولتحقيق الأهداف التكوينية لهذه الأساليب، يتعين على الأستاذ مراعاة الضوابط التالية :

- مراعاة مبدإ تكافؤ الفرص بين المتعلمين من حيث الأعمال التي يكلفون بها، ومن حيث عدد ونوعية الأسئلة الشفهية المطروحة.

                   - تفادي تحويل الحصة الدراسية بأكملها إلى مجرد حصة للأسئلة الشفهية.

- أن يصاحب تقويم أجوبة المتعلمين وأعمالها اللاصفية بالتوجيهات الكفيلة بتطوير الكفايات القدرات المستهدفة من هذه الأعمال.

 

 

 

3.1 حساب معدلات المراقبة المستمرة :

 

          يتم حساب معدلات الدوري  للمراقبة المستمرة باعتماد نسبة% 75 للفروض الكتابية المحروسة، ونسبة % 25 لباقي لأساليب المراقبة المستمرة.

 

2. الامتحان الموحد الجهوي:

  يجري في نهاية السنة الأولى من سلك الباكالوريا امتحان موحد جهوي للمادة يشمل وحدات المقرر بكامله لا من حيث الكفايات والقدرات ولا من حيث المضامين التي تم الاشتغال عليها طيلة السنة الدراسية. والمسالك المعنية يهذا الامتحان هي:

Ø     مسلك العلوم التجريبية

Ø     مسلك العلوم الرياضية

Ø     مسلك العلوم الاقتصادية والتدبير

Ø     مسلك التعليم الأصيل ( علوم شرعية)

 وتتحدد مدة الامتحان في ساعة ونصف ساعة،يعالج فيها المتعلم موضوعين ينصب الأول على تقويم قدرته على كتابة موضوع مقالي يوظف فيه مكتسباته المعرفية والمنهجيةانطلاقا من سؤال أومجموعة أسئلة أو من وثيقة أوعدة وثائق جاهزة. والثاني يقوم قدرة المتعلم على إنجاز وثيقة وتحليلها أوتحليل وثيقة جاهزة أو أكثر مرفوقة بأسئلة من صميم النهج التاريخي أو الجغرافي.

 

 

 جدول الفروض الكتابية المحروسة للسنة الأولى من سلك الباكلوريا

 

 

المسالك

 

الدورة

عدد الفروض

موقع إجراء كل فرض من المجزوءة

المدة الزمنية

مكونات ومواصفات الفرض

الزمن المخصص لكل فرض

توزيع النقط

حصص التصحيح والدعم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تتمة الجدول

 

المسالك

 

الدورة

عدد الفروض

موقع إجراء كل فرض من المجزوءة

المدة الزمنية

مكونات ومواصفات الفرض

الزمن المخصص لكل فرض

توزيع النقط

حصص التصحيح والدعم

 

  المراجع المعتمدة في إعداد الوثيقة

 

 

-  الميثاق الوطني للتربية والتكوين - وزارة التربية الوطنية.

 

- الكتاب الأبيض : وزارة التربية الوطنية.

 

- الوثائق والتوجيهات الخاصة بتدريس المادة (خاصة 87-94).

 

- المذكرات الوزارية الخاصة بالتقويم.

 

- التقويم التربوي في نظام التعليمي بالمغرب

                                      - عبد الواحد المزكلدي-

 

- الأهداف والاختبارات بين النظرية والتطبيق

                                      - محمد رضا البغدادي-

 

- تدريس المواد الاجتماعية

                                       - أحمد حسن اللقاني-

 

- تطوير كفاءات تدريس الجغرافيا

                                      - فاروق حمدي الفرا-

 

            - البنائية : منظور ابستمولوجي وتربوي

                                      - كمال عبد المجيد زيتون-

 

- قضايا ابستمولوجية وديداكتيكية في مادتي التاريخ والجغرافيا

                                      - مصطفى الحضاضي-

 

- أساليب تدريس الدراسات الاجتماعية

                                      - محمد السكران-

 

- سلسلة التكوين التربوي : العدد الخامس.

 

 

- بيداغوجيا التقييم والدعم : عبد اللطيف الفاربي ومحمد أيت موحى ط:1991

                                                          دار الخطابي للطباعة والنشر- دار النشر

- مناهج القياس وأساليب التقييم : الدكتور محمد فاتحي الطبعة الأولى 1995

                                                          مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء

 

- الأهداف والتقييم في التربية : د. مادي لحسن :ط: 1990

                                                شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع الرباط

 

- التقييم الدراسي؛ أنواعه وتطبيقاته : د. مادي لحسن :ط: 1990

                                                شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع الرباط

 

- تنشيط الجماعات : سلسلة السيكولوجية التربية

                                                          1999

                                      من أجل تقييم نشيط : ص 128 عبد الكريم غريب

 

 

- مجلة علوم التربية : العدد 9 السنة 5 أكتوبر 1995 الأهداف والتقييم في التربية ص 151

 

- معجم علوم التربية : العدد 1. عبد اللطيف الفاربي ومحمد أيت موحى.

          سلسلة علوم التربية 9-10   الطبعة الأولى 1994

                                      من ص: 119 إلى 134

 

- البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس الاجتماعيات بالتعليم  الثانوي

                             المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية مديرية التعليم الثانوي

                                                قسم البرامج  ط. 11994 ص: 94

 

- وثائق تربوية عامة : وزارة التربية الوطنية مديرية التعليم الثانوي قسم البرامج

    ط 1991. خاصة بالأيام التربوي – التقويم التربوي : النظرية والتطبيق ص : 21

   

- بيداغوجيا الكفايات : الفصل الخامس : التقييم الكفايات ص : 380-433.

     عبد الكريم غريب - الطبعة 5 سنة 2004. مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء.

  

- تخطيط الدرس لتنمية الكفايات : ترجمة عبد الكريم غريب. الفصل السابع؛

      تقييم الكفايات من خلال اختيار الاستراتيجيات ص 97-118 . 

                                                       - بييرديشي-

 

- مجلة علوم التربية : العدد 28 - فبراير 2005 ، تقويم الكفايات : تعديل التعلم

                                                                   أم النشاط : ص : 20-27

                                                                           عمر بيشو

 

- ماهي الكفايات؟ لمجموعة من المؤلفين

                             - تقريب الحسن اللحيه وعبد الإلاه شرياط. مطبعة بني ازناسن سنة 2003

                                 الكفاية، اشكالات المعرفة والتقويم ص: 84-9

 

 

- قضايا ابستمولوجيا ديداكتيكية مادتي خ التاريخ والجغرافيا

                   - السلسلة البيداغوجية 18 المصطفى الخصاضي

                             ص: 108 التقويم التربوي خ مادة التاريخ

                             ص: 235 التقويم التربوي خ الجغرافيا مطبعة النجاح الجديدة

                              الدارالبيضاء الطبعة الأولى 2001.

 

            - محمد زياد حمدان : الوسائل التعليمية : وتطبيقاتها، مؤسسة الرسالة، بيروت.

          - اليونسكو : في تعليم الجغرافيا ترجمة زهير الكرمي.

          - حسين حمدي الطوبجي : وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، الكويت.

          - رياض الجبان : فاعلية التدريس برزمة وسائل متكاملة، المجلة العربية للبحوث التربوية

    م7 ع2 س87

          - سلسلة التكوين التربوي العدد 5

          - بسير عبد الرحيم الكلوب الوسائل التعليمية إعدادها وطرق استخدامها دار العلوم بيروت.

 

- De Corte M Les fondements de l’action didactique.

- M.L. Debesse - Arviset : La géographie à l’école, col SUP, PUF.

- Le Roux Annie : Historiens et Géographes N° 319 Juillet/Aout 1988.

- Pierre Giolitto : Enseigner la géographie à l’école, Hachette édu.

- Jarraud. F .Internet, communication et enseignement de l’hist- géot

      in Bulletin de l’E.P.I. N° 80 et 87.

- Naviguer en cours d’hist-géo in Géo-Net.

- Christine Partoune : Internet : Nouvelles perspectives et enjeux     

      pédagogiques pour l’enseignement de la géographie.

- L’image au cours de la géographie in Intergreo Bulettin 1/2001.

- Gerard Hugonie ; IPR-IA- géographie Versailles :

       L’image satellite est bien une image géographique.

 

 

- de Landsheere, viviane faire échouer, faire réussir,

                         la compétence minimale et son évaluation.

                                                            Ed. PUF Paris 1989

 

- Gillet. P : (sous direction de), construire la formation : outils

                  pour les enseignants et les formateurs

                                                          édition. E.S.F, Paris 1991

 

- Jean Freeman : Pour une éducation de base

                      de qualité : Comment développer la compétence

                                                        UNESCO, 1993

 

- De Ketele et chabchoub (Dir) Comment améliorer

                        la qualité de l’enseignement de base,

                                                     publications de l’U.N.C.F, Tunis 1999 

 

- Rey A : Les compétences travers les en question E.S.F 1996

 

- Perrenoud (PH) construire des compétences dès l’école

                             Collection pratique et enjeux pédagogiques

                                                     E.S.F édition 1998

 

 

- Mérieu (Philipe) Apprendre oui mais Comment ?.

E.S.F, édit

 

 

HASSANI  IDRISSI MOSTAFA( 2005) : PENSEE HISTORIENNE ET APPRENTISSAGE DE L’HISTOIRE ;L’Harmattan,paris.

 

 

التحولات العامة في العالم الرأسمالي وانعكاساتهاعلى بقيةالعالم خلال القرن19م. ومطلع القرن20م.

 

 

أولا : مراجع عامة

                                                                                     

* Encyclopédie Universalis.

* Encyclopédie de l’Islam, 2ème édition.

* Fernand Braudel, Grammaire des Civilisations, Arthaud-

   Flammarion, 1987.

 

 

ثانيا : مراجع قطاعية :

 

                   I- أوروبا الغربية خلال القرن19م. ومطلع القرن20م.

* Fernand Braudel, Civilisation matérielle, économie et capitalisme,

   XVe  – XVIIIe siècle, 3 vol, Armand Colin, 1979.

* Fernand Braudel, La dynamique du capitalisme, Champs Flammarion, 1985.

     

                  

                   

II-  باقيالعالمخلال القرن19و20م.

 

*.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

لائحة
         

 




 الميثاق الوطني للتربية والتكوين ص 11 [1]

 الميثاق الوطني للتربية والتكوين ص 47.[2]  

الوثيقة الإطار لمراجعة المناهج التربوية وبرامج تكوين الأطر، ص 2..  [3] 

التعاريف والمصطلحات

Jeudi, février 5th, 2009

التعاريف والمصطلحات

 

1-كفايــــة :Compétence

لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من خلال تقديم نماذج من التعاريف المتكاملة، قصد استشفاف ما يجمع بينها جوهريا، لنبني من خلال ذلك تعريفا جامعا مانعا كما يقول المناطقة، خاصة إذا ما استحضرنا تطور مفهوم الكفاية في مختلف مجلات العمل(المقاولة، المدرسة، مختلف الحقول المعرفية…)  

ومن أهم ما عرفت به الكفاية ما يلي:

1. أنها ترتبط بالاعتماد الفعال للمعارف والمهارات من أجل إنجاز معين، وتكون نتيجة للخبرة المهنية، ويستدل على حدوثها من خلال مستوى الأداء المتعلق بها، كما أنها تكون قابلة للملاحظة انطلاقا من سلوكات فعالة ضمن النشاط الذي ترتبط به.

2. إنها مجموعة من المعارف نظرية وعلمية، يكتسبها الشخص في مجال مهني معين، أما في المجال التربوي، فيحيل مفهوم الكفاية إلى مجموعة من المهارات المكتسبة عن طريق استيعاب المعارف الملائمة، إضافة إلى الخبرات والتجارب التي تمكن الفرد من الإحاطة بمشكل يعرض له ويعمل على حله.

3. إنها نظام من المعارف المفاهيمية والإجرائية المنتظمة بكيفية تجعل الفرد حين وجوده في وضعية معينة، فاعلا فينجز مهمة من المهام، أو يحل مشكلة من المشاكل. 

4. إن الحديث عنها يعتبر حديثا عن الذكاء بشكل عام.

5. إنها تمكن الفرد من إدماج وتوظيف ونقل مجموعة من الموارد (المعلومات، معارف، استعدادات،استدلالات…) في سياق معين لمواجهة مشكلات تصادفه أو لتحقيق عمل معين.

 

وباستجماع هذه التعاريف والتوليف بينها يتم استنتاج أن الكفاية :

·  أشمل من الهدف الإجرائي في صورته السلوكية الميكانيكية، وأشمل من القدرة أيضا لأنها مجموعة من المعارف والمهارات والآداءات.

·    نظام نسقي منسجم، فلا ترتبط بمعرفة خاصة لأنها ذات طابع شمولي.

·    يلعب فيها إنجاز المتعلم-الذي يكون قابلا للملاحظة –دورا مركزيا.

·  تنظيم لمكتسبات سابقة في إطار خطاطات، يتحكم فيها الفرد ليوظفها بفعالية، توظيفا مبدعا  في وضعيات معينة، وذلك بانتقاء المعارف والمهارات والأداءات التي تتناسب مع الموقف الذي يوجد فيه.

·    إنتاج أفعال أو سلوكات قصد حل مشكلة أو التكيف مع وضعية جديدة.

·    ميكانيزمات تعمل على إحداث التعلم وتنظيمه وترسيخه.

وانطلاقا من هذه الاستنتاجات يمكن اعتماد تعريف للكفاية باعتبارها:

- استعداد الفرد لإدماج وتوظيف مكتسباته السابقة من معلومات ومعارف ومهارات، في بناء جديد قصد حل وضعية-مشكلة أو التكيف مع وضعية طارئة.

 

يفيد هذا التعريف التوليفي لمفهوم الكفاية ما يلي:

 

الكفاية منظومة مدمجة من المعا ريف المفاهيمية والمنهجية والعلمية التي تعتمد بنجاح، في حل مشكلة قائمة.

الكفاية هدف ختامي مدمج(objectif terminal d’intégration) أي أنها النتيجة المتوقعة في نهاية مرحلة تعليمية، ومثل ذلك الهدف الختامي المدمج لكافة التعلمات في مستوى دراسي معين أو مرحلة تعليمية محددة، أي مجموع القدرات التي اكتسبها المتعلم بنجاح، والتي يمكنه توظيفها مدمجة لحل مشكلات قد تعرض لـه مستقبلا خاصة تلك الوضعيات الشبيهة بالوضعيات التي تمرس عليها في برنامج دراسي محدد.

2-مهارة (Habilité) :

يقصد بالمهارة، التمكن من أداء مهمة محددة بشكل دقيق يتسم بالتناسق والنجاعة والثبات النسبي، ولذلك يتم الحديث عن التمهير، أي إعداد الفرد لأداء مهام تتسم بدقة متناهية.                      

أما الكفاية فهي مجموعة مدمجة من المهارات.

* ومن أمثلة المهارات ما يلي:

مهارات التقليد والمحاكاة : التي تكتسب بواسطة تقنيات المحاكاة والتكرار ومنها:

-       رسم أشكال هندسية.

-       والتعبير الشفوي .

-       وإنجاز تجربة…

* مهارات الإتقان والدقة:

وأساس بناءها :

-       التدريب المتواصل والمحكم.

-       ومثالها في مادة النشاط العملي مثلا:

ترجمة صياغة لغوية إلى إنجاز أو عدة تجريبية.

 

3-قدرة Capacité):

 

يفيد لفظ القدرة عدة معان منها:

ا)- التمكن.

ب)- الاستعداد

ج)- الأهلية للفعل…

 

- ويتم الحديث عن القدرة في الحالة التي يكون فيها الفرد متمكنا من النجاح في إنجاز معين، ولذلك تعتبر لفظة ” الاستعداد ” قريبة من لفظة  “القدرة “.

- أما من حيث العلاقة بين المهارة والقدرة، فالمهارة أكثر تخصيصا من ” القدرة ” وذلك لأن ” المهارة ” تتمحور حول فعل ، أي ” أداء ” تسهل ملاحظته لأنها ترتبط بالممارسة والتطبيق، أما القدرة فترتبط بامتداد المعارف والمهارات.

وتتميز القدرة بمجموعة من الخاصيات: إذ أن القدرة عامة لا ترتبط بموضوع معين، كالقدرة على الحفظ التي تشمل كل ما يمكن حفظه ولا تقتصر على حفظ الشعر والأمثال أو القواعد والصيغ…

يتطلب تحصيلها واكتسابها وقتا طويلا، ولذلك فهي لا ترادف الهدف الإجرائي، بل تتعداه إلى مفهوم الهدف العام، وهذا ما يفيد قابليتها للتطور.

* تعتبر قاعدة أساسية وضرورية لحدوث تعلمات أعقد، توضيحا لذلك: لا يمكن التعلم أن يقوم عملا ما، ما لم تكن لـه قدرات أخرى كالتحليل والتركيب والنقد.

·        غير قابلة للتقويم بخلاف الكفاية.

 

4-الأداء أو الإنجاز:(Performence)

يعتبر الأداء والإنجاز ركنا أساسيا لوجود الكفاية، ويقصد به إنجاز مهام في شكل أنشطة أو سلوكات آنية ومحددة وقابلة للملاحظة والقياس، وعلى مستوى عال من الدقة والوضوح. ومن أمثلة ذلك، الأنشطة التي تقترح لحل وضعية-مشكلة.

 

5- الاستعداد(َََََAptitude):

 

يقصد بالاستعداد مجموعة الصفات الداخلية التي تجعل الفرد قابلا الاستجابة بطريقة معينة وقصدية،أي أن الاستعداد هو تأهيل الفرد لأداء معين، بناء على مكتسبات سابقة منها القدرة على الإنجاز والمهارة في الأداء.

ولذلك يعتبر الاستعداد دافعا للإنجاز لأنه الوجه الخفي لـه. وتضاف إلى الشروط المعرفية والمهارية شروط أخرى سيكولوجية، فالميل والرغبة أساسيان لحدوث الاستعداد.

 

6- الأهداف الإجرائية : Objectifs opérationnels

 

 عبارة عن أهداف دقيقة صيغت صياغة إجرائية وترتبط بما سينجزه المتعلم من سلوك بعد ممارسته لنشاط تعليمي معين.

 

7- المشروع التربوي :Projet Educatif

خطة تسعى إلى تحقيق أهداف معرفية مهارية ووجدانية تترجمها حاجات ومشكلات يسعى التلاميذ إلى بلوغها عبر عمليات منظمة.


8- برنامج تعليمي : Programme Scolaire

مجموعة من الدروس المتناسقة أو مجموعة منظمة من الدروس ونماذج التعليم والمواد الديداكتيكية والحصص يكون هدفها هو تبليغ المعارف والمهارات.

 

9- الوحدة المجزوء  Module

 

الوحدة عبارة عن تنظيم متكامل للمنهج المقرر والطريقة التدريسية، إنها موقف تعليمي يحتوي على المادة العلمية والأنشطة العملية المرتبطة بها وخطوات تدريسها.

 

10- المقطع : Séquence

مجموعة من الوحدات الصغرى المترابطة بينها برابط هو المهمة أو الهدف المتوخى والتي تشكل جزءا من الدرس.

 

11- المؤشر : Indicateur

المؤشر الذي هو نتيجة لتحليل الكفاية أو مرحلة من مراحل اكتسابها، سلوك قابل للملاحظة يمكن من خلاله التعرف عليها، وبالتالي يسمح بتقويم مدى التقدم في اكتسابها. إنه علامة محتملة لحصول التفاعل بين تنمية القدرات وبين المعارف وبذلك يشكل نقطة التقاطع بين القدرات والمضامين المعرفية.

 

12- السيرورة :

 

 وهي في عمومها مختلف العمليات والوظائف التي يقوم بها المتعلم، لتفعيل مكتسباته وإمكاناته الشخصية وتصحيح تمثلاته، من أجل بناء معارف جديدة ودمجها في المعارف السابقة وبالتالي اتخاذ القرار وتحديد الإنجاز الملائم.

 

13- التدبيـــــر:

 

        نشاط يعنى بالحصول على الموارد المالية والبشرية والمادية وتنميتها وتنسيق استعمالها قصد تحقيق هدف أو أهداف معينة.(وهو عكس التسيير،ذلك أن التدبير إشراك كافة الفاعلين وبث روح المبادرة والعمل الجماعي).

 

14- التدبير التربوي:

 

        ينظر إلى المدرسة باعتبارها منظومة إنتاجية أي تعتبر فضاء للعطاء والإنتاج والمردودية، وبالتالي فالتدبير التربوي يقتضي التخطيط والتنسيق والترشيد.

 

15- التواصـــل:

 

        التواصل بصفة عامة يفيد الإخبار أو الإعلام أو الإطلاع،وهو نقل المعلومات من مرسل إلى متلق بواسطة قناة.

 

16- التواصل التربوي:

 

        التواصل التربوي يحدث في خضم العمليات التربوية لكونها عملية تواصلية،بحكم أنها ترتكز على شبكة علاقات إنسانية:تلميذ/محيط-مدرسة/أسرة-مدرسة/محيط…

 

17- التفاعــــل:

 

        علاقة بين متفاعلين،علاقة تأثير وتأثر،علاقة تتخذ شكل تبادل ومشاركة وتواصل،تقتضي فعلا وتأثيرا متبادلين بين شخصين أو أكثر.

 

18- العلاقــــة:

        صلة ورابطة بين موضوعين أو أكثر (علاقة المدرس/تلاميذ – علاقة تلاميذ تلاميذ – علاقة مدرسة/أسرة…..).

 

19- مراقبة مستمرة:

 

        إجراء بيداغوجي يهدف إلى تقييم أداءات المتعلمين بكيفية مستمرة تمكنهم من تعرف إمكانياتهم ومردودهم والعمل على تطويره.

 

20- الحـــــاجة:

 

        نقص موضوعي قد يؤدي إلى المرض أو الموت أو…(الكفاية تلبي الحاجة).

 

21- الرغـــبة:

 

        نقص ذاتي يشعر به الفرد.

 

22- التخطيط التربوي العام:

 

        تخطيط عام للعملية التعليمية في شموليتها(المؤسسات/المدرسين/المتعلمين/ميزانية التسيير/وضع المناهج والتوجهات الكبرى..) ويضعه المقررون انطلاقا من اعتبارات سياسية واقتصادية و…

 

23- التخطيط الإداري:

 

        تنفيذ ما تم تقريره في التخطيط التربوي العام، وتهيئة الظروف وتتبع العمليات المنجزة وتقويمها.

 

24- التخطيط البيداغوجي:

 

        يرتبط بتنفيذ المنهاج التعليمي(ما يقوم به المدرس من عمليات وهو يستعد لهذا التنفيذ).

 

25- المنهـــاج:

 

        وثيقة تربوية مكتوبة تضم مجموع المعارف والخبرات التي يستعملها التلاميذ، وتتكون من عناصر أربعة:الأهداف-المعرفة-أنشطة التعلم-التقويم.

 

26- جماعة القسم:

 

        مجموعة من التلاميذ ومدرس تؤطرهم علاقة عمل نظامية أو مؤسسية، وتجمعهم أهداف مشتركة للتعليم والتعلم وتحدد العلاقات بينهم معايير وأدوار محددة.

 

27- العائق البيداغوجي:

 

        صعوبة يصادفها المتعلم خلال مساره يمكن أن تعوق تعلمه أو تسهله.وللعائق البيداغوجي مظهران: قد يكون إيجابيا ويساعد المتعلم على تحقيق تعلمه، وقد يكون سلبيا يمكن أن يعطل تعلم المتعلم.

 

28-  المشروع البيداغوجي :

 

ينتقل المشروع التربوي من مجال القيم إلى مجال الفعل المباشر، وهوكل صيغة تحدد مواصفات التخرج بمصطلحات الكفايات والقدرات التي يلتزمها شركاء الفعل التربوي على مدى تكوين معين أو دورة دراسية محددة . كما يتضمن المشروع التربوي الوسائل المستعملة وخطوات اكتساب المعرفة المقترحة وأنماط التقويم.

 

29- البرنامج التعليمي والمنهاج :

 

 يشكل البرنامج لائحة المحتويات التي يجب تدريسها، وأنماط التعليم والمواد والحصص المراد تبليغها. أما دولاندشير فيرى في المنهاج الدراسي على أنه مجموعة من الأنشطة المخططة من أجل تكوين المتعلم، إنه يتضمن الأهداف، والأدوات، والاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمدرسين.

 

30- التنشيط التربوي:

 

يعتبر موضوع التنشيط التربوي موضوعا ذا أهمية بالغة في العملية التربوية. ونكتفي بإجمال أهم مقتضياته في اعتباره مجموعة من التصرفات والإجراءات التربوية، المنهجية والتطبيقية التي يشارك فيها كل من المدرس والتلميذ قصد العمل على تحقيق الأهداف المسطرة لدرس ما أو جزء من درس. وتدخل هذه التقنيات ضمن الطرائق التعليمية التي هي تجسيد للنظريات المختلفة للتعليم والتعلم.

 

31- التكنولوجيات الجديدة:

 

يرتبط هذا المصطلح الحديث، الذي ظهر قي الميدان التربوي بمجال الإعلام والاتصال . ويشير عموما إلى مختلف الوسائط والمعينات التي تساعد على تبادل ونقل المعلومات، صوتا أو صورة أو هما معا . وتتم من خلال الفيديو والحاسوب والمسلاط والكاميرا وشبكات الأنترنيت، في مجالات متنوعة وتشمل مختلف الأطراف( الإدارة، المدرسين، التلاميذ).

ولقد تمت الإشارة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى استعمال التكنولوجيات الجديدة في الدعامة العاشرة من الباب الثالث المخصص للحديث عن الجودة.

 

32- التربية البدنية والرياضية:

 

   التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية تعتمد الأنشطة البدنية والرياضية باعتبارها ممارسات اجتماعية وثقافية تساهم في بلوغ الغايات التربوية.

   تعد مادة التربية البدنية والرياضية مادة تعليمية أساسية لدى المتعلم وهي تتفاعل تفاعلا منسجما مع باقي المواد الدراسية الأخرى،لأن البرامج التعليمية تسعى في مجملها إلى الوحدة المتكاملة،آخذة بعين الاعتبار التكوين الشامل لشخصية المتعلم من جميع جوانبها.

   إن ما يكتسبه المتعلم من أرصدة في مجال المعرفة والمهارات سواء تعلق الأمر بالكتابة أو القراءة أو الحساب أو الحركة له تفاعل في تكوين شخصيته تكوينا متكاملا ومتزنا، ومن ثم كان للرصيد الحركي دلالته تأثيرا وتأثرا. ولهذا فالنشاط الحركي بمدلوله ورصيده له تأثير خاص على المواد الأخرى من حيث الإنتاج والتفاعل أخذا وعطاءا. لذا وجب تطويعه وفق أسس علمية تستجيب لمتطلبات المتعلم ورغباته حسب مراحل نموه وإمكانياته والمحيط الذي يعيش فيه.

 

33- الرياضة المدرسية :

 

الرياضة المدرسية هي مجموع الأنشطة الرياضية المزاولة داخل المؤسسات التعليمية في إطار الجمعية الرياضية المدرسية، والتي تتوج ببطولات محلية وجهوية ووطنية ودولية، يبدع فيها التلاميذ ويبرزون من خلالها كفاءاتهم ومواهبهم.

 وينبغي التمييز بين التربية البدنية كمادة تعليمية أساسية وإجبارية  والرياضة المدرسية  التي تعد نشاطا تكوينيا تكميليا اختياريا يزاول في إطار الجمعية الرياضية المدرسية.

 

 

34- مرصد القيم:

 

يتولى مرصد القيم إدماج المبادئ والقيم من خلال المناهج التربوية والتكوينية عبر فضاء المؤسسة التعليمية وجعل القيم أحد مرتكزات المنظومة التربوية. ويضم ميثاق مرصد القيم أبعادا دينية ووطنية وإنسانية وعلمية وأخلاقية وجمالية يكون المتعلم مدعوا للتشبع بها. وللمرصد مكتب مركزي ومنسقيات جهوية وإقليمية ومؤسسية.

  

35- الهدر المدرسي:

أحيانا نتحدث عن الهدر المدرسي و نعني به التسرب الذي يحصل في مسيرة الطفل الدراسية التي تتوقف في مرحلة معينة دون أن يستكمل دراسته. لكن نفس الظاهرة يرد الحديث عنها في كتابات بعض التربويين بالفشل الدراسي الذي يرتبط لدى أغلبهم بالتعثر الدراسي الموازي إجرائيا للتأخر. كما تتحدث مصادر أخرى عن التخلف و اللاتكيف الدراسي و كثير من المفاهيم التي تعمل في سبيل جعل سوسيولوجيا التربية أداة لوضع الملمس على الأسباب الداخلية للمؤسسة التربوية من خلال إنتاجها اللامساواة إلا أننا بشكل عام نتحدث عن الهدر المدرسي باعتباره انقطاع التلاميذ عن الدراسة كلية قبل إتمام المرحلة الدراسية أو ترك الدراسة قبل إنهاء مرحلة معينة.

 

36- مجلس التدبير:

يعتبر مجلس التدبير من أهم مجالس المؤسسة، يتولى مجلس التدبير المهام التالية:

 - اقتراح النظام الداخلي للمؤسسة في إطار احترام النصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل و عرضه على مصادقة مجلس الأكاديمية الجهوية للتربية و التكوين المعنية.

 -  دراسة برامج عمل المجلس التربوي و المجالس التعليمية و المصادقة عليها و إدراجها ضمن برنامج عمل المؤسسة المقترح من قبله.

- دراسة برنامج العمل السنوي الخاص بأنشطة المؤسسة و تتبع مراحل إنجازه.

- الإطلاع على القرارات الصادرة عن المجالس الأخرى و نتائج أعمالها و استغلال معطياتها للرفع من مستوى التدبير التربوي و الإداري و المالي للمؤسسة.

- دراسة التدابير الملائمة لضمان صيانة المؤسسة و المحافظة على ممتلكاها. - إبداء الرأي بشأن مشاريع اتفاقيات الشراكة التي تعتزم المؤسسة إبرامها.

- دراسة حاجيات المؤسسة للسنة الدراسية الموالية.

 - المصادقة على التقرير السنوي العام المتعلق بنشاط و سير المؤسسة، و الذي يتعين أن يتضمن لزوما المعطيات المتعلقة بالتدبير الإداري و المالي و المحاسبي للمؤسسة.

 

37- الإدمـــــــــاج:

وهو إقدار المتعلم على توظيف عدة تعلمات سابقة منفصلة في بناء جديد متكامل وذي معنى، وغالبا ما يتم هذا التعلم الجديد نتيجة التقاطعات آلتي تحدث بين مختلف المواد والوحدات الدراسية.

 

38- جمعية آباء وأولياء التلاميذ:

تتكون من الآباء والأمهات والأولياء تتولى المساهمة في حملات رفع التمدرس والحد من الانقطاعات وتتبع عمل التلاميذ والإسهام في مختلف أنشطة المؤسسة التربوية والثقافية والفنية وغيرها والمساعدة في الترميمات والاصلاحات المستعجلة.

 

39- الوضعيات التعليمية:

وهي كل “مشكلة تمثل تحديا بالنسبة للمتعلم وتمكنه من الدخول في سيرورة تعليمية نشيطة وبناءة واستقبال معلومات وإيجاد قواعد للحل منتظمة ومعقولة تسمو بالمتعلم إلى مستوى معرفي أفضل.

 

40- الوضعية المسألة:

 وهي تشير عموما إلى مختلف المعلومات والمعارف، التي يتعين الربط بينها لحل مشكلة أو وضعية جديدة، أو للقيام بمهمة في إطار محدد. وهي بالتالي، تمتاز بإدماج المعارف وقابليتها للحل بطرق مختلفة من قبل المتعلم. وليست بالضرورة وضعية تعليمية. كما أنها مرتبطة بالمستوى الدراسي وبالسياق الذي وردت فيه وبالأنشطة المرجوة والموظفة. ثم بالمعينات الديداكتيكية وبتوجيهات العمل المعلنة منها والضمنية.

41- التكوين الأساس والتكوين المستمر:

يستلزم التسارع الحاصل في مجال المعرفة عموما، أن يكون أطر التربية والتكوين على علم بمختلف المستجدات. وأن يطوروا من أدائهم المعرفي والميداني. ويتم الحديث عن التكوين من خلال مقاربتين أوروبية وأنجلو سكسونية، لإفراز مفاهيم التكوين التكميلي أو التأهيلي. ـ يعني التكوين” التعليم المخصص لإكساب شخص أو مجموعة، معارف نظرية وعملية ضرورية لمزاولة مهنة أو نشاط.”[22] ـ يحيل مفهوم التكوين المستمر على الاستمرارية والامتداد وليس على التكوين المناسباتي. إنه بمثابة لحظة للتأمل تتوخى إعادة النظر في المفاهيم والتجربة. إنه التكوين المرافق للممارسة من أجل عطاء مستقبلي أفضل. وهو رفض للجمود الفكري والمهني. فهو ترتيب جديد وتصفيف للبنية السابقة. ويمكن أن نموقعه بين لحظتي ماقبل التكوين وبعده. وهذه العملية تحتاج إلى تعامل منهجي وإجرائي وتقويمي، بغية التمكن من الآليات القمينة بتتبع مسار التحسن والتطور الايقاعات الزمنية.

homman.freehostia.com/projet/taarif.doc

 

هناك ارتباط بين الجانب البيداغوجي والجانب الديداكتيكي في عملية التكوين؛

Jeudi, février 5th, 2009

مدخـل إلى علوم التربية

Jeudi, février 5th, 2009

www.ensb.dz/IMG/doc/—_1_-_2_-_3.doc 

مدخـل إلى علوم التربية

 

مـن إعداد الأسـتاذيــن :

                        - كمـال عبـد اللــه

                        - عبـد اللـه قـلــي

 

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها- السنة الأولى- الإرسال 1

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

المحور الرابع : الأسس الاجتماعية للتربية

         

 

 

 

مدخل إلى علوم التربية

 

الإرسال الأول

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الأول: مفهوم التربية

 

 

معنى التربية لغة واصطلاحا

 

الأهداف العامة والخاصة للتربية

 

تحديد أهم المفاهيم والمصطلحات المتداولة في علوم التربية

 (التربية-التعلم-التعليم-الإستراتيجية-التعليمية-التكوين-المنهاج-بيداغوجيا-الدعم-الدعم البيداغوجي)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التربية: مفهومها- تطورها - أهميتها

 

معنى التربية لغة واصطلاحا:

لغة جاء في لسان العرب لابن منظور: “ربا يربو بمعنى زاد ونما”، وفي القرآن الكريم، قال تعالى: “فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج” (سورة الحج، الآية 5) ، أي نمت وازدادت، ورباه بمعنى أنشأه، ونمّى قواه الجسدية والعقلية والخلقية. و جاء في قوله تعالى: “وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت”.  وفي قوله تعالى: “ألم نربك فينا وليدا ولبث فينا من عمرك سنين”. وأيضا قوله تعالى: “وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرة”. إشارات إلى ذلك المعنى اللغوي للتربية، فهي بمعناها الواسع تعني كل عملية تساعد على تشكيل عقل الفرد وجسمه وخلقه باستثناء ما قد يتدخل فيه من عمليات تكوينية أو وراثية، وبمعناها الضيق تعني غرس المعلومات والمهارات المعرفية من خلال مؤسسات أنشئت لهذا الغرض كالمدارس، كذلك فإن تعريف التربية يختلف باختلاف وجهات النظر ويتعدد حسب الجوانب والمجالات المؤثرة فيها والمتأثرة بها.

والتربية الصحيحة هي التي لا تفرض على الفرد فرضا، بل هي التي تأتي نتيجة تفاعل عفوي بين المعلم والمتعلم، أو بالأحرى بين التلميذ والمربي الماهر.

وقد يشار إلى التربية بالبيداغوجيا Peedagogy  التي ترجع إلى أصلها الإغريقي الذي يعني توجيه الأولاد حيث تتكون هذه الكلمة من مقطعين Pais  وتعني ولد وOgogé  وتعني توجيه والبيداجوج يعني عند الإغريق المربي، أو المشرف على تربية الأولاد، وفي معجم العلوم السلوكية إن التربية تعني التغيرات المتتابعة التي تحدث للفرد، والتي تؤثر في معرفته واتجاهاته وسلوكه، وهي تعني نمو الفرد الناتج عن الخبرة أكثر من كونه ناتجا عن النضج.

وقد جاء تعريف اليونيسكو في مؤتمرها بباريس لكلمة التربية إنها مجموع عملية الحياة الاجتماعية التي عن طريقها يتعلم الأفراد والجماعات داخل مجتمعاتهم الوطنية والدولية ولصالحها أن ينموا وبوعي منهم كافة قدراتهم الشخصية واتجاهاتهم واستعداداتهم ومعارفهم وهذه العملية لا تقتصر على أنشطة بعينها”

اصطلاحا:

ورد في “الصحاح” في اللغة والعلوم أن التربية هي: “تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية كي تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف”.

التربية هي عملية هادفة لها أغراضها وأهدافها وغاياتها، وهي تقتضي خططا ووسائل تنتقل مع الناشئ من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى.

أما التربية بالمعنى الواسع، فهي تتضمن كل عملية تساعد على تشكيل عقل الفرد وخلقه وجسمه باستثناء ما قد يتدخل في هذا التشكيل من عمليات تكوينية أو وراثية. وإذا رجعنا إلى مفكري التربية عبر العصور، فإننا نجد عدة تعريفات للتربية منها:

عرفها أفلاطون بأنها تدريب الفطرة الأولى للطفل على الفضيلة من خلال اكتسابه العادات المناسبة.

أما ميلتون (1608-1674) فإنه يقول، بأن التربية الصحيحة هي التي تساعد الفرد على تأدية واجباته العامة والخاصة في السلم والحرب بصورة مناسبة وماهرة، أما توماس الاكويني، فيقول: “إن الهدف من التربية هو تحقيق السعادة من خلال غرس الفضائل العقلية والخلقية”.

ويرى هيجل: “أن الهدف من التربية هو تحقيق العمل وتشجيع روح الجماعة”، أما بستالوتزي فشبه التربية الصحيحة بالشجرة المثمرة، التي غرست بجانب مياه جارية.

ويرى جون ديوي أن التربية هي: “عملية مستمرة لإعادة بناء الخبرة، بهدف توسيع وتعميق مضمونها الاجتماعي”.

فالتربية عموما تعتبر عملية شاملة، تتناول الإنسان من جميع جوانبه النفسية والعقلية والعاطفية والشخصية والسلوكية وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحياة، وتعامله مع الآخرين، كذلك تناوله في البيت والمدرسة وفي كل مكان يكون فيه، وللتربية مفاهيم فردية، واجتماعية، ومثالية.

التربية بالمعنى الفردي:

هي إعداد الفرد لحياته المستقبلية، وبذلك فهي تعدّه لمواجهة الطبيعة، كما تكشف بذلك عن مواهب الطفل واستعداداته الفطرية، وتعمل على تنميتها وتفتحها وتغذيتها.

 

أما بالمعنى الاجتماعي:

 فهي تعلم الفرد كيف يتعامل مع مجتمعه وتعلمه خبرات مجتمعه السابقة، والحفاظ على تراثه لأن التراث هو أساس بقاء المجتمعات، فالمجتمع الذي لا يحرص على بقاء تراثه مصيره الزوال، وبذلك فالتربية بالمعنى الاجتماعي تحرص على تمكين المجتمع من التقدم وتدفعه نحو التطور والازدهار.

وبالمعنى المثالي:

فهي تعني الحفاظ على المثل العليا للمجتمع، الأخلاقية والاقتصادية والإنسانية النابعة من تاريخ الأمة ومن حضارتها وثقافتها ومن خبراتها الماضية ومن دينها، وعن طريق تعاملها وعلاقتها بالأمم الأخرى، وعلاقات الأفراد فيها وغيرها.

عموما فالتربية ما هي إلا وسيلة للتقدم البشري في كل مكان وللعملية التربوية ثلاثة أطراف هي: المربي والمتربي والوسط الذي تتم فيه العملية التربوي، وهي عملية هادفة لا عشوائية، أي أنها عملية نمو اجتماعي وإنساني لا تقوم على التلقين، وإنما هي مبنية على التفاعل بين طرائقها الخاصة للوصول إلى عقل المتربي ولتوجيهه وتربيته.

أما التربية بمفهومها الحديث فتنظر إلى الطفل كنقطة انطلاق في عملية التربية التي ترتبط بالحياة سواء في بنائها كعملية تربوية أو في نتائجها المعرفية والسلوكية، فالطفل هو مركز العملية التربوية وتنميته هي هدفها.

ولقد أقر مجمع اللغة العربية في مصر تعريف التربية: “بأنها تبليغ الشيء إلى كماله، أو هي كما يقول المحدثون تنمية الوظائف النفسية بالتمرين حتى تبلغ كمالها شيئا فشيئا”.

وهي كذلك عملية تهذيب للسلوك، وتنمية للقدرات حتى يصبح الفرد صالحا للحياة، فهي عملية تغذية، وتنشئة، وتنمية جسدية وخلقية وعاطفية.

وعندما نتكلم عن التربية، فنعني بها تلك التي تعوّد الطفل على التفكير الصحيح والحياة الصحيحة بما تزوده من معارف، وتجارب، تنفع عقله، وتغذي وجدانه، وتنمي ميوله ومواهبه وتعوده العادات الحسنة، وتجنبه العادات السيئة، فينشأ قوي الجسم، حسن الخلق، سليم العقل، متزن الشخصية، قادر على أداء رسالته في الحياة.

خصائص مفهوم التربية:

-إن التربية عملية تكاملية.

-عملية فردية اجتماعية.

-تختلف باختلاف الزمان والمكان.

-عملية إنسانية.

-عملية مستمرة.

 و يرى توفيق حداد أن التربية هي عملية مستمرة لا يحدها زمن معين، وهي تمس كل جوانب حياة الفرد والمجتمع، وهي أساس صلاح البشرية، وهي قوة هائلة يمكنها القضاء على أمراض النفس وعيوبها، وأمراض المجتمع وعيوبه، ولذلك فهي كل مؤسسات المجتمع كالأسرة، والمدرسة، والسجد، ودور الحضانة.

أهمية التربية :

لقد برزت أهمية التربية وقيمتها في تطوير هذه الشعوب وتنميتها الاجتماعية والاقتصادية وفي زيادة قدرتها الذاتية على مواجهة التحديات الحضارية التي تواجهها، كما أنها أصبحت إستراتيجية قومية كبرى لكل شعوب العالم، والتربية هي عامل هام في التنمية الاقتصادية للمجتمعات، وهي عامل هام في التنمية الاجتماعية، وضرورة للتماسك الاجتماعي والوحدة القومية والوطنية، وهي عامل هام في إحداث الحراك الاجتماعي، ويقصد بالحراك الاجتماعي في جانبه الإيجابي، ترقي الأفراد في السلم الاجتماعي. وللتربية دور هام في هذا التقدم والترقي لأنها تزيد من نوعية الفرد وترفع بقيمته ومقدار ما يحصل منها. كما أن التربية ضرورية لبناء الدولة العصرية،وإرساء الديمقراطية الصحيحة والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.كما أنها عامل هام في إحداث التغير الاجتماعي.

 

 

 

 

 

 

الأهداف التربوية

لمحة تاريخية عن تطور حركة الأهداف التربوية:

إن الأهداف التربوية كانت دائما موجودة عبر العصور، لارتباطها بالعمل التربوي ولو في أبسط صوره البدائية كتنشئة الآباء للأبناء من أجل إعدادهم للحياة وما تتطلبه من خصائص مهارية في شتى مجالات البيئة ومعطياتها في كل زمن. ولعل نظرة بسيطة لتطور النظريات التربوية والفكر التربوي عموما كافية لملاحظة تطور وتنوع أهداف التربية، فنظرة الفلاسفة اليونان مثلا لملامح شخصية الرجل المراد تكوينه، محاربا كان، أو فيلسوفا حكيما، وهدف التربية المسيحية لتكوين الراهب المتعبد، وغيرها من الأفكار التربوية. كل ذلك لم يكن وليد زمن محدد بل يمتد امتداد تاريخ الإنسان. غير أن الدراسة العلمية للأهداف، ظهرت في وقت متأخر نسبيا. وخضعت لتطور كان نتيجة تراكم دراسات ومحاولات عديدة، قام بها علماء كثيرون.

لقد تميزت الأهداف التربوية بصفة عامة قبل الحرب العالمية الأولى بالعمومية والتجريد، إلى أن ظهرت الاتجاهات الأولى في التفكير لما يجري داخل القسم مع أعمال بوبيت سنة 1918، الذي اهتم بوضع منهج أكثر توافقا مع الوقت وكيفية استخدام الطرق الجديدة، وهو يقول بخصوص الأهداف:

“طالما أن الأهداف لا تخرج أن تكون تخمينات غامضة، فيجب أن نتوقع أن تكون الطرق والوسائل غامضة أيضا، ولكن عصر الرضا الكامل بالعمليات غير المحددة يمر بسرعة وعصر العلم يطلب الدقة والتحديد”.

وكان الهدف عنده هو رسم منهج مدرسي، ثم رأى أنه من الضروري تحديد الأهداف لكل منهج تحديدا أدائيا واضحا.

 وتعتبر أعملا رالف تايلور(1929) أول خطوة هامة في حركة الأهداف التربوية وتصنيفها، فقد وضحها في عبارات سلوكية. وتأثر الكثير من المفكرين بهذه الأفكار التربوية، واعتبروا الأهداف أساسا لكل منهج مدرسي أثناء بنائه والتخطيط لتنفيذه. وهذا يعني أنه أثناء التخطيط للتدريس ينبغي تحديد الأهداف أولا، ثم وضع المادة التعليمية، فوضع الخطة، فتحديد الوسائل، فالتنفيذ، ثم التقويم. ولعل أهم دراسة، اتخذت شكلا متميزا في تاريخ حركة الأهداف التربوية، وكان لها أثرها الواضح في تحديد المسار العلمي الموضوعي للأهداف التربوية، وتصنيفها، ومحاولة التحكم فيها علميا، هي ما قام به بلوم وزملاؤه من دراسات في هذا المجال، وما توصلوا إليه من نتائج. ذلك أنهم حاولا ربط الأهداف التربوية بمكونات الفرد البشري مثلما صنف سابقوهم سلوك البشر في ثلاث مجالات أساسية: الفكر، الانفعال، العمل. وهي أهم الوظائف التي يقوم بها الكائن البشري، والتي يتوجه الفعل التعليمي إلى إنمائها.

وتلتها أعمال ودراسات أخرى عديدة، تهدف إلى تخصيص الأهداف وإجراءاتها كالنتائج التي توصل إليها ماجر (1962)، والتي تؤكد ضرورة توفر ثلاثة عناصر أساسية في الهدف التربوي جيد الصياغة، وهي: تحديد السلوك المرغوب، تحديد الشروط التي يتحقق بها الهدف، تحديد المعايير ومستوى الأداء المقبول، على أن يكون هذا السلوك بمثابة الدليل على التغير الذي حدث في شخصية المتعلم نتيجة تعلم ما.

من خلال هذا العرض التاريخي لتطور حركة الأهداف، يستنتج بأن الأهداف التربوية تعكس فلسفة المجتمع وقيمه وثقافته وعاداته وتقاليده واتجاهاته في كل مجالات الحياة، فبعد ما كانت تتميز بالعمومية والتجريد الفلسفي صارت تتميز بالخصوصية والدقة نتيجة تطور الدراسات النفسية والتربوية التي تهتم بملاحظة السلوك وقياسه قياسا علميا.

كما أن هناك من يستعمل عبارة الأهداف العامة للتعبير عن الغايات، ومن يستعمل الأهداف الخاصة ليدل بها على الأهداف الإجرائية.

إن تحليل الأهداف التربوية يمر عبر مستويات مختلفة تتدرج من العام إلى الخاص، ومن المجرد إلى المحسوس، ومن التخمينات العقلية إلى الفعل السلوكي الذي يتجلى لدى المتعلم.

الغايات:

 هي عبارات فلسفية عامة وواسعة، طموحة، تتسم بالتجريد والمثالية والتعقيد، بعيدة المدى غير محددة من حيث مدة تطبيقها.

إنها تمثل المستوى النظري الذي يضبط التوجهات الكبرى للنظام التربوي اعتمادا على فلسفة وقيم مجتمع ما.

يعرفها مادي لحسن: “عبارة عن صيغ يطبعها التجريد والعمومية تعبر عن المقاصد العامة والبعيدة المدى التي تريد التربية أن تحققها”.

إنها نواتج مستقبلية متعلقة بالفرد والمجتمع، ترغب في تحقيقها سلطة سياسية قائمة، في ضوء مقومات فلسفية، دينية، أخلاقية لمجتمع ما، وعليه فهي تختلف من مجتمع لآخر باختلاف الأنظمة السياسية والتربوية السائدة.

وتمثل بذلك المجال الذي يتم فيه العمل التربوي مراعيا طبيعة الفرد والمجتمع الذي يطمح إليهما. وتزود المربين بالمرجعية والمسار القيمي وهذا ما جاءت به أمرية 16 أفريل 1976 التي ترسم الأبعاد المعبرة عن خصائص المواطن الجزائري.

المرامي-المقاصد:

 وهي أقل عمومية وتجريدا وأكثر وضوحا وتحديدا من الغايات، لكنها لا تخلو من العمومية والتجريد، وترتبط بالنظام التربوي والتعليمي. وتظهر على مستوى التسيير التربوي، وهي تعبر عن نوايا المؤسسة التربوية ونظامها التعليمي، وتتجلى في أهداف البرامج والمواد التعليمية وأسلاك التعليم. وتعتبر المرامي وسيلة لتحقيق الغايات، كما أنها أكثر تعرضا للإصلاح والتغيير. وأنها تلك النوايا التي تعلن لآفاق أقصر أمد من الغايات وتبقى نوعية.

وبذلك فالمرامي أقل أمد من الغايات، وأنها عبارات مجزأة وتحليلية للغايات، وترتبط المرامي بالقرارات والمناشير السياسية والتربوية.

 

 

الأهداف العامة:

إذا كانت الغايات هي ما يريد المجتمع تحقيقها في أبنائه، فإن ذلك لا يتم إلا بعد المرور بأهداف صغيرة تتحقق عبر حلقات تفضي السابقة منها إلى اللاحقة. فتحقيق أهداف حصص مادة ما يفضي إلى تحقيق الأهداف العامة لتلك المادة، وتحقيق مرامي مواد التعليم يفضي إلى تحقيق الغايات التي ضبطها المجتمع لتكوين الناشئة على أساسها.

إن الهدف العام هو صياغة وتعيين المعطيات العامة للتعلم التي يمكن توقعها من تعليم وحدة تعليمية أو مقرر. والأهداف العامة تمثل قائمة من المعطيات للعمل بها، وليست قائمة من ألوان السلوك يحققها كل المتعلمين. وكل هدف تعليمي عام يتطلب تحديدا دقيقا لعينة من السلوك التي تتطلب بدورها تحديدا أكثر دقة، تمثل إنجاز أنماط سلوكية معينة من طرف المتعلم.

والهدف العام هو عبارة على درجة متوسطة من حيث التعميم والتحديد والدقة، وهو يمثل الأداء النهائي المتوقع صدوره عن المتعلم بعد تدريس مادة دراسية أو منهج دراسي معين. ويكون مرتبطا بوحدة دراسية أو نشاط محدد، وهو يمثل جملة من القدرات والمهارات العامة التي يكتسبها التلميذ بعد انتهائه من منهج أو برنامج معين. ويعلن عن الأهداف العامة عند بداية وضع البرامج والمقررات الدراسية، وهكذا يمكن الاطلاع عليها في مقدمة الكتب التي تقررها وزارة التربية الوطنية. “فهي تبحث في أنشطة التعليم والتعلم، مستعينة بالجرد والاصطفاء والتبويب، لاستخلاص طائفة من القدرات والمهارات والمواقف وأنواع السلوك. ثم تتناولها بالتوضيح والتحديد، ويجعلها أهداف تسعى التربية إلى إثارتها وتنميتها لدى التلاميذ”. يستنتج من هذا التعريف أن الأهداف العامة تصف مجالات سلوك شخصية المتعلم: العقلية، الوجدانية، الحسحركية، وتتجلى في القدرات والمهارات والتغيرات، التي يراد إحداثها لدى المتعلم. ويتوجه عمل المدرس بكل وعي إلى تنمية هذه الجوانب خلال فترة تعليمية معينة أو خلال سنة دراسية أو فصل.

الأهداف الخاصة:

وهي ترجمة الأهداف العامة إلى أهداف للدروس، وهي تمثل مجال التنفيذ على المدى القصير والعاجل وعلى مستوى حصة دراسية معينة في مادة ما، حيث يتحصل فيها المتعلم على قدرة أو مهارة ما، عند الانتهاء من تعلم معين.

ويتضمن الهدف الخاص مجموعة من الأهداف الإجرائية التي تتحدد بشروط ومعايير معينة في الموقف التعليمي.

من خلال عرض مستويات الأهداف التربوية نلاحظ أن الأهداف التربوية تتجه نحو الدقة والتخصص بدءا من الغايات إلى الأهداف التربوية الخاصة فتتفرع الغايات إلى مرامي وتتضمن هذه الأخيرة مجموعة من الأهداف العامة التي تتجزأ إلى أهداف خاصة التي تحلل إلى أهداف إجرائية تمثل السلوك الذي سينجزه المتعلم بعد نهاية مقطع أو درس. ويظهر هذا السلوك في جانب واحد أو أكثر من جوانب شخصية المتعلم.

 

 

أسباب الفشل في تحقيق الأهداف التربوية:

هناك عدة أسباب تعيق الأهداف التربوية، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي. إن فشل الطالب في تحصيل مستوى معين من المعارف بعد فترة تعليمية معينة قد يعود إلى مجموعة من الأسباب نذكر منها ما يلي:

*أسباب تتعلق بالطالب نفسه، وهذه تكون على ثلاثة أشكال:

-محدودية إمكانياته الذهنية.

-مشاكل صحية ونفسية.

-ضعف المجهود المبذول.

*أسباب تتعلق بالمعلم، وهي أيضا تكون على ثلاثة أشكال هي:

-محدودية الإمكانيات الذهنية التي تسمح بمساعدة الطالب على تحقيق الأهداف المسطرة.

-مشاكل صحية ونفسية.

-ضعف المجهود المبذول في إعداد وتقديم دروسه.

*أسباب تتعلق بالتفاعل بين المعلم والتلميذ، إن سوء التفاعل بين خصائص المعلم وتلامذته قد يؤدي إلى سوء التوافق الذي ينعكس سلبا على تحصيل التلاميذ.

*أسباب تتعلق بالطرق والوسائل المستعملة في تحقيق هذه الأهداف.

*أسباب تتعلق بالأهداف نفسها كأن تكون صعبة جدا فوق مستوى التلاميذ أو غامضة أو غير واقعية.

*أسباب تتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات التعليمية.

 

تحديد أهم المفاهيم والمصطلحات المتداولة في علوم التربية:

التربية:

التربية في التصور الإسلامي كما يراها علي أحمد مدكور هي “عملية متشعبة، ذات نظم وأساليب متكاملة، نابعة من التصور الإسلامي للكون، والإنسان، والحياة، تهدف إلى تربية الإنسان، وإيصاله-شيئا فشيئا- إلى درجة كماله، التي تمكنه من القيام بواجبات الخلافة في الأرض، عن طريق إعمارها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله”.

ويتم تنفيذ هذا المفهوم عن طريق عملية التعليم والتعلم. فالتعليم وسيلة، والتعلم غاية، لأنه تعديل في السلوك في الاتجاه المنشود، فكل عمل تعليمي جيد لابد أن يكون له هدف تربوي في نفس الاتجاه.

وكما أن التعليم وسيلة للتربية، فالعلم أيضا وسيلة للتربية. فالتربية علم إخبار، حيث إنها إخبار عن الحقائق الكلية والمعايير والقيم الإلهية الثابتة التي يتلقاها الإنسان، فيسلم بها، ويتكيف معها. وهي أيضا علم حيث إنها معرفة بقوانين الله في الكون التي تم اكتشافها من قبل.    

التعلم:

يعرف التعلم بأنه تغير في الأداء أو تعديل في السلوك ثابت نسبيا عن طريق الخبرة والمران.وهذا التعديل يحدث أثناء إشباع الفرد لدوافعه وبلوغ أهدافه، وقد يحدث أن تعجز الطرق القديمة والأساليب المعتادة عن التغلب على الصعاب أو عن مواجهة المواقف الجديدة، ومن هنا يصبح التعلم عملية تكيف مع المواقف الجديدة، ويقصد بتعديل السلوك أو تغيير الأداء المعنى الشامل أي عدم الاقتصار على الحركات الملاحظة والسلوك الظاهر، وإنما ينصرف التغيير أيضا إلى العمليات العقلية كالتفكير، ويقصد بالخبرة والمران، أوجه النشاط المنسقة التي تخطط لها المؤسسات التعليمية وتنفذها.

ويصنف التعلم من حيث أشكاله وموضوعاته إلى ما يلي:

-تعلم معرفي:

ويهدف إلى إكساب الفرد الأفكار والمعاني والمعلومات التي يحتاج إليها في حياته.

-تعلم عقلي:

ويهدف إلى تمكين الفرد من استخدام الأساليب العلمية في التفكير سواء في مجال المشكلات أو في مجال الحكم على الأشياء.

-تعلم انفعالي وجداني:

ويهدف إلى إكساب الفرد الاتجاهات والقدرة على ضبط النفس في بعض المواقف الانفعالية.

-تعلم لفظي:

ويهدف إلى إكساب الفرد العادات المتعلقة بالناحية اللفظية كالقراءة الصحيحة لمقال معين، أو نص قصير، أو أبيات شعر من قصيدة معينة، أو حفظ الأعداد والمعاني.

 

 

 

- تعلم اجتماعي وأخلاقي:

ويهدف إلى إكساب الفرد العادات الاجتماعية المقبولة في مجتمعه، وتعلم النواحي الخلقية، كاحترام القانون، واحترام كبار السن، والدقة في المواعيد، والتعاون مع الآخرين.

أما من حيث السهولة والتعقيد فإن التعلم يصنف في نوعين هما:

-التعلم بطريقة آلية غير شعورية:

 ويطلق عليه التعلم البسيط، ويحدث هذا النوع من التعلم بطريقة غير هادفة أو مقصودة، كخوف الطفل من الفأر نتيجة لاقتران الفأر بشيء مؤلم أو صوت مزعج، أو خوفه من الطبيب نتيجة اقتران الطبيب بالإبرة والخوف منها.

-التعلم المقصود:

 ويطلق عليه التعلم المعقد وهذا النوع من التعلم يتطلب من الفرد القيام بالجهد والفهم والتدريب والانتباه، واستخدام بعض وسائل الإيضاح، سواء أكان حركيا أو عقليا كلعبة الشطرنج أو قيادة السيارة أو السباحة أو ركوب الدراجة.

ومن خلال ما تقدم يمكن تعريف التعلم تعريفا بسيطا بأنه تعديل للسلوك من خلال الخبرة، وقد أشار جيتس Gates  أن التعلم هو عملية اكتساب الوسائل المساعدة على إشباع الحاجات والدوافع، وتحقيق الأهداف، وهو هو كثيرا ما يتخذ صورة حل المشكلات، ومعنى ذلك أن الشخص يتعلم في الغالب إن كان لديه هدف واضح يتجه إليه بنشاطه، فيسخر ما عنده من استعدادات في اكتساب الوسائل التي تساعده على الوصول إلى هذا الهدف وحل الموقف (المشكل).

إن تعريف جيتس Gates  يبين أن الموقف التعليمي يكون نتيجة لدافع معين، لكن توجد في حقيقة الأمر بعض المواقف التعليمية يتعلمها الإنسان بدون قصد.

ويرى جيلفورد Guilford  أن التعلم ما هو إلا تغيير في السلوك ناتج لاستثارة معينة، وقد يكون نتيجة لأثر منبهات بسيطة، وقد يكون نتيجة لمواقف معقدة.

وعموما نجد أن تعريف جيلفورد Guilford  شامل أكثر مما يجب، فأحيانا تحدث مثيرات فجائية، لكن لا يتعلم منها الإنسان، فمثلا إغلاق الإنسان لعينه نتيجة لضوء قوي، أو سحب الفرد يده نتيجة لوجود شيء ساخن.

وبشكل عام فإنه يمكن تعريف التعلم على أنه “تعديل ثابت نسبيا في السلوك ناتج عن الممارسة”

وفي المراحل الأولى تعلم مهارة معينة تكون استجابات الفرد مشتتة غير منتظمة يعوزها التناسق والانتظام وعن طريق التدريب الصحيح تتناقص الاستجابات غير الضرورية وتحذف الاستجابات غير المنتظمة حتى يقوم الفرد بالمهارة في يسر وسهولة، ويحدث التعلم أيضا عندما تتضح جزئيات الموقف الذي لم يفهمه الفرد من قبل إلا بصورة عامة… ويركز هذا التعريف على التعلم المقصود الهادف، على أن من المعروف أن الفرد قد يتعلم شيئا لم يقصد تعلمه، يقول ديوي في كتابه الخبرة والتربية “لعل من أكثر الآراء التربوية سخافة الرأي القائل إن الشخص لا يتعلم إلا ما يحصل وقت الدرس، بل إن ما يتصل بدروس الهجاء أو الجغرافيا أو التاريخ من معلومات تتفرع منها وتكملها، وتؤدي إلى تكوين الاتجاهات النفسية، وتحديد ما يحبه الإنسان وما يكرهه، قد يكون بل كثيرا ما يكون أكثر أهمية من هذه الدروس نفسها، لأن هذه الاتجاهات النفسية هي الأسس التي سوف يكون لها شأن في المستقبل، وأهم اتجاه نفسي يمكن تكوينه هو الرغبة في متابعة التعلم. 

مفهوم التعليم:

للتعليم معاني كثيرة تختلف باختلاف قائلها وفلسفته التربوية ومحور اهتمامه. فمن المربين من يركز جل اهتمامه على المعارف والمعلومات التي يحاول المدرس أن يوصلها لتلاميذه، في حين يعني البعض الآخر بنمو شخصية المتعلمين ويهتم فريق ثالث بمخرجات التعلم، كما تنعكس في سلوك الأطفال عقليا/معرفيا ووجدانيا ونفسحركيا.

وفيما يلي مجموعة من التعريفات لمفهوم التعليم يعكس كل واحد منها فلسفة تربوية معينة:

-التعليم عملية نقل المعارف والمعلومات من المعلم إلى المتعلم في موقف يكون فيه للمدرس والدور الأكثر تأثيرا، في حين يقتصر دور التلميذ على الإصغاء والحفظ والتسميع. وتخدم الطرق الإلقائية مثل المحاضرة والشرح والوصف والتفسير هذا المفهوم للتعليم.

-التعليم عملية تسهيل تفاعل المتعلم مع بيئته بهدف تحقيق النمو المعرفي، وذلك من خلال ما يقوم به من بحث وتحليل وتركيب وقياس واكتشاف.

يدخل ضمن هذا التعريف ما يسمى بمعالجة المعلومات، وهي عملية تتطلب دورا نشطا إيجابيا من قبل المتعلم الذي يحول ما يكتسبه من معلومات إلى مفاهيم ومدركات تدخل نطاق السكيمات والتنظيم المعرفي القائم، وذلك من خلال عمليات التمثيل والتوفيق والاستدماج.

  ودور المعلم في ظل هذا التعريف هو تهيئة البيئة التي تساعد الطفل الاكتشاف وتوجيه نشاطه العقلي بحيث يحقق الهدف الأساسي المتمثل في نمو الذكاء.

-التعليم عملية غرضها الأساسي مساعدة الطفل على تحقيق ذاته ونمو شخصيته وتلبية حاجاته النفسية ومطالب نموه. وكما في التعريف السابق، يكون دور المتعلم إيجابيا وفعالا، في حين يقوم المعلم بدور الأب و الأخ الأكبر الموجه والمرشد والمساعد على النمو بما يوفره من مناخ نفسي يساعد على الانطلاق والتعبير عن الذات ومواجهة مواقف الإحباط وتحمل المسؤولية والشعور بالنجاح وتكوين مفهوم ذات إيجابي.

-التعليم عملية هدفها مساعدة الطفل على تحقيق النمو الاجتماعي ومواجهة مطالب الحياة في جماعة. وهذا يتطلب من المعلم أن يقوم بدور توجيهي لمساعدة الأطفال على الاندماج في جماعة واكتساب الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية، وتسليط الضوء على المشكلات الاجتماعية للمساهمة في إيجاد الحلول المناسبة لها بمشاركة المتعلمين الفعالة.

والملاحظ أن التعريف الأول أقرب ما يكون إلى المفهوم التقليدي لعملية التعليم في حين أن التعريف الثاني ركز على النواحي العقلية. ويدور التعريف الثالث حول حاجات ومطالب النمو، في حين تستهدف عملية التعليم في التعريف الرابع النمو الاجتماعي للطفل وتفاعله مع البيئة المحيطة به. ومهما يكن من أمر فإن تركيز عملية التعليم حول الطفل-حاجاته وطبيعته ومطالب نموه- أصبح من المسلمات في ممارستنا التربوية. فإذا أخذنا بالاعتبار أن الغاية أو الغرض الأساسي من التعليم تحقيق النمو الشامل والمتكامل للطفل فإن مفهومنا يجمع بين التعريفات الثلاثة الأخيرة.

مفهوم الإستراتيجية:

يقصد بالإستراتيجية المنحى والخطة والإجراءات والمناورات (التكتيكات) والطريقة والأساليب التي يتبعها المعلم للوصول إلى مخرجات أو نواتج تعلم محددة منها ما هو عقلي/معرفي أو ذاتي/نفسي أو اجتماعي أو نفسي/حركي أو مجرد الحصول على معلومات.

وعملية التعليم تتضمن جميع هذه الأهداف، إلا أن التأكيد على بعضها دون غيرها مسألة بالأساس فلسفية، ففي حين تؤكد التربية على التنمية الشاملة والمتكاملة، وتسعى إلى توفير المناخ والأنشطة التي تنمي التفكير ومهارات التعبير الحركي واللغوي والانفعالي وفرص التفاعل الاجتماعي، تركز مراحل التعليم على الجوانب العقلية/المعرفية بشكل خاص.

ولابد من تحديد الأهداف التعليمية أولا إذ عليها تتوقف عملية اختيار الاستراتيجيات المناسبة للخروج بنواتج تعلم معينة، على سبيل المثال، فإن المعلم الذي يؤمن بأن الهدف من التدريس ينحصر في تزويد التلاميذ بأكبر كم من المعلومات سيختار الإستراتيجية التي تضمن وصول المعلومات بأقصر الطرق وأسرعها ألا وهي الإلقاء، ومن تكتيكاتها المحاضرة والشرح والتفسير والوصف. أما إذا كان يهدف إلى تنمية عقل الطفل وتفكيره فإنه سيؤكد على إستراتيجية معالجة المعلومات للتوصل إلى استنتاجات ومفاهيم وتفكير منطقي من خلال تحليل المعلومات وإيجاد العلاقات بينها وإعادة تنظيمها أو تركيبها بالشكل الذي يؤدي إلى المزيد من التعلم. ويكون دور المتعلم في هذا الموقف فعالا وإيجابيا، في حين بقوم المعلم بتوجيه نشاط المتعلمين العقلي مستخدما أسلوب الحوار والتساؤل، ويعد البيئة التعليمية بأدواتها وإمكاناتها بما يسمح بالاكتشاف ويعزز ويشجع ويساعد لتحقيق الأهداف المحددة.

وهكذا بالنسبة للمخرجات الاجتماعية، فإن أنسب إستراتيجية ما كان منها يتيح الفرصة للأطفال للتفاعل فيما بينهم والمشاركة في الحياة الاجتماعية من حوله، ويوفر جوا من التعاون والمشاركة في الأنشطة الجماعية مثل الرحلات ومشروعات البيئة والألعاب بأنواعها.

أما إذا كانت المخرجات المحددة نفسية ذاتية فإن إستراتيجية المعلم ينبغي أن تؤدي إلى تكوين وتنمية مفهوم إيجابي عن الذات من خلال إحساس المتعلمين بأهميتهم كأفراد، والعمل على تحقيق مطالب نموهم وتلبية حاجاتهم وإتاحة الفرصة لهم لتحمل المسؤولية والمشاركة الفعالة في الأنشطة التعليمية التي تتناسب وقدراتهم.

التعليمية:

اعتبرت التعليمية ولا زالت كفن التدريس، وهذا المفهوم يحمل في طياته كثير من المعاني والأفكار والتصورات التي نحاول تلخيصها فيما يلي:

ليست التعليمية طريقة أو منهج واحد وموحد للتدريس ولكن له طرق خاصة تابعة لصاحبها ويعني هذا أن لكل معلم أسلوبه الخاص في تأديته للعمل التعليمي شريطة أن يكون هذا العمل مكلل بالنجاح يعني أن هذا “الفن التعليمي” يكون معترف به من خلال نتائجه لدى التلميذ وتأثيره العميق والمثمر على تفكيره وسلوكه.

تكاد أن تبنى التعليمية على قدراتها للبروز بعلاقة تربوية ناجحة بين المعلم والتلميذ بفضل وسائل مدروسة وليس -كما هو منتظر منها عادة- قواعد منطقية ومقننة متعلقة أساسا بتلقين المعارف للنشئ الصاعد ونشير في هذا الصدد ما هي أهمية الجانب اللامنطقي واللاشعوري في العلاقة التربوية كما هو عادي في كل الفنون التي يلعب فيها الجانب العاطفي والمحسوس دورا حاسما.

فيحتمل أن تكون للتعليمية كفن-عند بعض الاختصاصيين-طرق ووسائل خاصة لتلقين المعارف أو المعلومات والتي ينصح استعمالها لنجاح عملية التدريس حسب المنوال التالي:

-خلق لدى التلميذ حاجة ماسة للتعلم بفضل حوافز مختلفة وجذابة.

-ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات القديمة أو السابقة.

-الاطلاع على الجديد والتعمق فيه.

-استيعاب الجديد عن طريق التكرار والاستظهار.

-استعمال الجديد في أعمال تطبيقية متنوعة.

-فتح مجالات متعددة وفرص مختلفة لاسترجاع ما هو محفوظ.

رغم استعمال هذه التقنيات كلها تبقى التعليمية كفن مرهونة بشخصية المعلم وبالكيفية التي يطبق بها المعلومات وباختيار الوقت المناسب لاستعمالها.

تطور مفهوم التعليمية:

لابد من الإشارة إلى أننا نجد في اللغة العربية عدة مصطلحات مقابلة للمصطلح الأجنبي الواحد، ولعل ذلك يرجع إلى تعدد مناهل الترجمة، وكذلك إلى ظاهرة الترادف في اللغة العربية، وحتى في لغة المصطلح الأصلية، إذ ترجم إلى لغة أخرى نقل الترادف إليها من ذلك: تعدد المصطلحات المستقاة من الإنجليزية في شقيها البريطاني و الأمريكي، و الشواهد على هذه الظاهرة كثيرة في العربية سواء تعلق الأمر بالإنجليزية أم بالفرنسية وهما اللغتان اللتان يأخذ منهما الفكر العبي المعاصر على تنوع خطاباته و المعارف المتعلقة به، منها مصطلحDidactique  الذي تقابله في اللغة العربية عدة ألفاظ و هي : تعليمية ، تعليميات، علم التدريس، علم التعليم، التدريسية، الديداكتيك. تتفاوت هذه المصطلحات في الاستعمال ففي الوقت الذي اختار بعض الباحثين استعمال “ديدلكتيك” تجنبا لأي لبس في مفهوم المصطلح ، نجد باحثين آخرين يستعملون علم التدريس و علم التعليم و باحثين آخرين لكنهم قلائل يستعملون مصطلح تعليميات ، أما مصطلح تدريسية فهو استعمال عراقي غير شائع .

كلمة تعليمية Didactique اصطلاح قديم جديد ، قديم حيث استخدم في الأدبيات التربوية منذ بداية القرن 17، و هو جديد بالنظر إلى الدلالات التي ما انفك يكتسبها حتى و فتنا الراهن ، وفيما سيأتي نحاول تتبع التطور التاريخي لهذا المصطلح بداية من الاشتقاق اللغوي وصولا إلى الاستخدام الاصطلاحي.

يقول الأستاذ حنفي بن عيسى، كلمة تعليمية في اللغة العربية مصدر لكلمة “تعليم” و هذه الأخيرة مشتقة من علّم أي وضع علامة أو سمة من السمات للدلالة على الشيء دون إحضاره. أما في اللغة الفرنسية فإن كلمة ديداكتيك صفة اشتقت من الأصل اليوناني Didaktikos و تعني فلنتعلم أي يعلم بعضنا بعضا، أو أتعلم منك و أعلمك و كلمة Didactiko تعني أتعلم و Didaskein تعني التعليم، وقد استخدمت هذه الكلمة في علم التربية أول مرة سنة 1613 من قبل كل من كشوف هيلنج(K.helwing) و رتيش والف كانج(Ratich wulf gang)  في بحثهما حول نشاطات راتيش التعليمية ، و قد استخدموا هذا المصطلح كمرادف  لفن التعليم، و كانت تعني عندهم نوعا من المعارف التطبيقية و الخبرات ، كما استخدمه كومنيسكي (Kamenski)  سنة 1657 في كتابه “الديداكتيكا الكبرى” حيث يقول أنه يعرفنا بالفن العام لتعليم الجميع مختلف المواد التعليمية، ويضيف بأنها ليست فقط فن التعليم بل للتربية أيضا.

واستمر مفهوم التعليمية كفن للتعليم إلى أوائل القرن 19 حيث ظهر الفيلسوف الألماني فردريك هيربارت، الذي وضع الأسس العلمية للتعليمية كنظرية للتعليم تستهدف تربية الفرد، فهي نظرية تخص النشاطات المتعلقة بالتعليم فقط، أي كل ما يقوم به المعلم من نشاط، فاهتم بذلك الهربرتيون بصورة أساسية بالأساليب الضرورية لتزويد المتعلمين بالمعارف، واعتبروا الوظيفة الأساسية للتعليمية هي تحليل نشاطات المعلم في المدرسة.

وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر تيار التربية الجديدة بزعامة جون ديوي (Dewey)  وقد أكد هذا التيار على أهمية النشاط الحي والفعال للمتعلم في العملية التعليمية، واعتبروا التعليمية نظرية للتعلم لا للتعليم.

الديداكتيك اشتق من البيداغوجيا موضوعه التدريس وقد استخدمه لالاند (Laland)  كمرادف للبداغوجيا أو للتعليم.

كما أن الديداكتيك علم تطبيقي موضوعه تحضير وتجريب استراتيجيات بيداغوجية لتسهيل إنجاز المشاريع، فهي علم تطبيقي يهدف لتحقيق هدف عملي لا يتم إلا بالاستعانة بالعوم الأخرى كالسوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والابستيمولوجيا، فهي علم إنساني مطبق موضوعه إعداد وتجريب وتقديم وتصحيح الاستراتيجيات البيداغوجية التي تتيح بلوغ الأهداف العامة والنوعية للأنظمة التربوية.

فالديداكتيك نهج أو أسلوب معين لتحليل الظواهر التعليمية، فهو الدراسة العلمية لتنظيم وضعيات التعلم التي يعيشها المتربي لبلوغ هدف عقلي أو وجداني أو حركي، كما تصب الدراسات الديداكتيكية على الوضعيات العلمية التي يلعب فيها المتعلم الدور الأساسي، بمعنى أن دور المدرس هو تسهيل عملية تعلم التلميذ، بتصنيــــــــف المادة التعليمية بما يلائم حاجات المتعلم وتحديد الطريقة الملائمة لتعلمه مع تحضير الأدوات المساعدة على هذا التعلم، وهذه العملية ليست بالسهلة، إذ تتطلب مصادر معرفية متنوعة كالسيكولوجيا لمعرفة الطفل وحاجاته، والبيداغوجيا لاختيار الطرق الملائمة، وينبغي أن يقود هذا إلى تحقيق أهداف على مستوى السلوك، أي أن تتجلى نتائج التعلم على مستوى المعارف العقلية التي يكتسبها المتعلم وعلى مستوى المهارات الحسية التي تتجلى في الفنون والرياضيات وعلى المستوى الوجداني.

كما يمكننا أن نقول أن الديداكتيك علم ينشئ نماذج ونظريات حول التدريس قصد تفسير ظواهره والتنبوء بها.

نستخلص من هذه التعاريف أن الديداكتيك تهتم بكل ما هو تعليمي تعلمي، أي كيف يعلم الأستاذ مع التركيز على كيف يتعلم التلميذ، ودراسة كيفية تسهيل عملية التعلم وجعلها ممكنة لأكبر فئة، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة لفة التلاميذ ذوي صعوبات في التعليم، وبالتالي فهي دراسة التفاعل التعليمي التعلمي.

يمكن لنا أن نستعين بشكل وضعه رونييه ريشتريش (René Richterich)  لفسير العملية التعليمية، إذ يقول أنها عملية تفاعلية من خلال: متعلمون في علاقة مع معلم لكي يتعلموا محتويات داخل لإطار مؤسسة من أجل تحقيق أهداف عن طريق أنشطة وبمساعدة وسائل تمكن من بلوغ النتائج.

فالتعليمية بهذا تقنية شائعة، تعني تحديد طريقة ملائمة أو مناسبة للإقناع أو لإيصال المعرفة.

تعريف المنهاج:

تعريف المفهوم التقليدي للمنهاج لغة:

ومن خلال استعراض معنى المنهاج في بعض القواميس العربية (لسان العرب، القاموس المحيط، المعجم الوسيط) نجد أنها مأخوذة من (نهج) ومنهاج بمعنى: الطريق الواضح. وجاء في منجد اللغة والإعلام كلمة نهج، ونهج الرجل نهجا، بمعنى انبهر، ومنه أنهج فلانا، بمعنى ينهج، أي يلهث، وكذلك نهج الأمر بمعنى أبانه، وأوضحه، والطريق سلكه، ومنه أنهج الطريق أو الأمر، بمعنى أوضح واستبان، ومنه أيضا انتهج الرجل بمعنى سلك، وقيل طلب النهج أي الطريق الواضح ومنه المنهج، والمنهج والمنهاج يفيد بمعنى الطريق الواضح ومنه منهج ومنهاج التعليم أو الدروس. وقد وردت في القرآن الكريم في سورة المائدة الآية 48 “لكل جعلنا شرعة ومنهاجا” بمعنى الطريق الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض.

وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما قوله: “لم يمت رسول الله (ص) حتى ترككم على طرق ناهجة” أي طريق واضحة. إن كلمة منهاج الواردة في الآية الكريمة، وفي قول ابن عباس رضي الله عنه تعني الطريق الواضح، وناهجة تعني واضحة.

أما في الإغريقية فتعني الطريقة التي ينهجها الفرد حتى يصل إلى هدف معين. وفي الإنجليزية تقابل كلمة منهاج (Curriculum)  ، وهي كلمة مشتقة من جذر لاتيني ومعناها مضمار سباق الخيل. وهناك كلمة أخرى تستعمل أحيانا مرادفة لكلمة منهاج أحيانا تستعمل بمعنى خاص وهي كلمة “المقرر” وتقابل هذه الكلمة بالإنجليزية كلمة Syllabus ، ويقصد بهذه الكلمة في العربية وبالإنجليزية المعرفة التي يطلب من الطلبة تعلمها في كل موضوع خلال سنة دراسية.

إذا كانت كلمة “المقرر” تعني كم المعرفة، فماذا تعني كلمة “المنهاج”؟ إنها تعني “كم المعرفة” المسمى أحيانا بالمحتوى، وتعني الأنشطة التعليمية التعلمية التي ستوصل هذا المحتوى إلى المتعلم، وتعني التقويم، وأخيرا الأهداف المتوخاة من تعلم هذا المحتوى، بالإضافة إلى المعلم والمتعلم والظروف المحيطة بهما، نلاحظ أن المنهاج مفهوم واسع جدا  يتسع حتى يكاد أن يشتمل على كل ما تحتويه التربية، بعكس “المقرر” المشتمل على عنصر واحد من عناصر المنهاج ألا وهو كم المعرفة أو المحتوى.

ويفضل البعض في الحقل التربوي استخدام كلمة منهج لتدل على منهجية التفكير والحصول على المعرفة، بينما يستعمل كلمة منهاج للدلالة على الوثيقة التربوية.

تعريف المنهاج اصطلاحا:

أما اصطلاحا فإن المهتمين بحقل التربية يخلفون فيما بينهم، كل حسب مدرسته الفكرية التربوية، أو حسب اتجاهاتهم الدينية، أو القومية، أو المعرفية، ويمكن إجمال أسباب الاختلاف، وبالتالي صعوبة الوصول إلى تعريف موحد إلى الأمور التالية:

-اختلاف الآراء التربوية ومدارسها عبر العصور وباختلاف الأمم.

-التطور الذي لحق مفهوم المنهج بمرور الزمن، شأنه في ذلك شأن معظم العلوم والفنون وكان نتيجة لهذين السببين ظهور عدة مفاهيم للمنهج لعل أوضحها الفرق بين المنهج التقليدي، والمنهج الحديث.

-صعوبة التفريق بين المنهج عند تخطيطه، والمنهج عند تطبيقه.

فالمنهج على مستوى التخطيط هو وثيقة مكتوبة تشتمل عناصر المنهج الأساسية (الأهداف، والمحتوى، وطرق التدريس والتقويم).

فالمنهاج هو مجموعة من المواد الدراسية وموضوعاتها التي يتعلمها التلاميذ، وهذا هو المفهوم التقليدي للمنهج، حيث فهمه الدارسون على أنه الكتاب المدرسي.

وهو عبارة عن مجموعة حقائق ومعلومات ومفاهيم منظمة بشكل جيد، بحيث يسهل فهمها وتعلمها. وهذا أيضا مرتبط بالمفهوم الأول، حيث يركزان على المحتوى الدراسي.

أما جونسون فيعرفه على أنه “سلسلة منظمة ومتتابعة من المهارات التي سيتعلمها التلميذ”. وهذا مفهوم قريب من تحليل المهمات الذي أكد عليه العالم الأمريكي (سكنر)، ويتفق أيضا مع المربي الأمريكي (جيمس ميكدانلد) الذي يعتبر المنهج خطة مكتوبة جاهزة للتنفيذ (التدريس).

كما أن المنهج هو مجموعة من الأساليب التقليدية العامة متمثلة في تعليم التلميذ الأساسيات العامة في : الرياضيات، والكتابة، والقراءة، والمنطق، وقواعد اللغة، وكتابات الأديان العظام.

كما أن هناك من يعرفه على أنه تفاعل دائم ونشط بين البشر من جهة (مدرسين، وإداريين، وتلاميذ، وعلماء نفس)، وبين الأشياء الأخرى من معلومات ووسائل تعليمية، وطرق تدريس، وتجهيزات مادية من جهة أخرى.

وهو نظام محدد المعالم له مدخلاته (التلاميذ والمواد الدراسية). وله عمليات (طرق التدريس)، وله مخرجاته (معارف ومهارات متعلمة).

وهذا المفهوم جاء نتيجة للتطورات التقنية، وتطور نظريات التعلم، وهو يمثل وجهة نظر السلوكيين وعلى رأسهم سكنر أبو تكنولوجيا التعليم، والتعليم المبرمج.

كما أن المنهج هو عبارة عن خبرة تربوية متنوعة المجالات. 

ويعرفه بينيه: “هو بيان مفصل عن العلوم التي تلقى في المدرسة، وهو الذي يشغل الآراء بالدرجة الأولى تضعه السلطة العامة، ولكن كلما كانت هناك أسباب سياسية واقتصادية أو غير ذلك اتجهت إليه الأنظار وارتفعت الأصوات بتعديله”.

يشير بينيه في هذا التعريف إلى نقطتين أساسيتين أولهما العلوم والمعارف وما تحمله من نظريات، وقوانين، وقواعد علمية، وثانيها الأفكار والآراء الفلسفية وما تحمله من مبادئ فلسفية وقيم أخلاقية اجتماعية.

وقد أهمل هذا التعريف الظروف التي يطبق بها البرنامج وكذلك بالنسبة للوسائل التي تساعد على إنجازه، ولم يشير هذا التعريف إلى المتعلم لا من قريب ولا من بعيد وهو عنصر مهم في العملية التربوية، لذا يتطلب أثناء بناء المنهاج أخذ بعين الاعتبار خصائص نمو الطفل والمراهق.

ويعرف البرنامج كانساس بقوله: “هو ما يحدث للأطفال في المدرسة نتيجة لما يفعله المعلمون”.

هذا التعريف يشير إلى التغيرات التي تحدث للتلميذ في المدرسة، ومجمل هذه التغيرات التي تحدث من خلال الأثر الذي يتركه المحتوى في التلميذ، ولم يشير هذا التعريف إلى الأهداف والطرق التربوية والتقويم التربوي والخبرات.

ويعرفه عبد اللطيف فؤاد إبراهيم حيث يقول: “مفهوم المنهج الدراسي غالبا ما يعني المواد الدراسية”.

ركز هذا التعريف على المادة الدراسية وأهمل الجوانب الأخرى من المنهاج كالأهداف والطرق التربوية والخبرات، والمحتوى والتقويم، ويعرفه بيونشامب بأنه: “تشكيل الجماعة للخبرات المرئية داخل المدرسة”.

ركز هذا التعريف على الخبرة، ولم يوضح دور الأهداف والمحتوى والطرق والتقويم.

تعريف المنهج:

تعريف نيجلي و ايفان (Neagly & Evans) : “كل الخبرات المرسومة والمخطط لها مما تقدمه المدرسة لطلابها لكي يحققوا النتائج المرجوة مستغلين أقصى ما لديهم من قدرات”.

تعريف هاريست (Hirsts) : “برامج الأنشطة الموضوعة لكي تساعد الطلاب على تحقيق أقصى ما يستطيعون من الأهداف والغايات”.

ويعني المنهاج المدرسي في مفهومه التقليدي مجموع المعلومات والحقائق والمفاهيم والأفكار التي يدرسها الطلبة في صورة مواد دراسية، اصطلح على تسميتها بالمقررات المدرسية.

وقد جاء هذا المفهوم كنتيجة طبيعية لنظرة المدرسة التقليدية إلى وظيفة المدرسة، حيث كانت ترى أن هذه الوظيفة تنحصر في تقديم ألوان من المعرفة إلى الطلبة، ثم التأكد عن طريق الاختبارات، ولا سيما التسميع، من حسن استيعابهم لها. ولعل السبب الرئيس في تشكيل تلك النظرة الضيقة لوظيفة المدرسة يعود إلى تقديس المعرفة باعتبارها حصيلة التراث الثقافي الثمين الذي ورثه الجيل الحاضر عن الأجيال السابقة، والذي لا يجوز إهماله أو التقليل من قيمته بأي حال من الأحوال.وقد جرت العادة على تنظيم المادة الدراسية (المعارف، والمعلومات، والحقائق، والإجراءات) في موضوعات، وتوزيع تلك الموضوعات على السنوات الدراسية للمراحل التعليمية المختلفة، وكان يطلق على المواد الدراسية التي تدرس في سنة دراسية معينة المقررات الدراسية. وقد ساعد عمل الكتب ما يدرسه الطلبة في كل صف دراسي، بل وفي كل مادة تحديدا واضحا، وأصبحت الكتب هي المصدر الوحيد الذي يتلقى منه الطلبة علومهم.

أما مهمة إعداد المنهاج في مفهومه التقليدي، أو إدخال تعديلات عليه، فقد كانت تناط بلجان من المتخصصين بالمواد الدراسية، أو بلجان معظم أعضائها من هؤلاء المتخصصين، وكان المسؤولون في جهاز التعليم يشددون على ضرورة التقيد التام بالموضوعات التي يتم تحديدها من قبل اللجان، وعلى عدم جواز إدخال أي تغيير أو تعديل فيها تحت أي ظرف من الظروف، على أساس أن إتقان دراسة هذه الموضوعات واستظهار ما بها من معارف ومعلومات، يمثل الهدف الأسمى والغاية المتوخاة.

وهذا الفهم القاصر للمنهاج كان يمثل اتجاها عاما متفقا عليه، ومستعملا في العمليات التربوية حتى وقت قريب، بل وإلى وقتنا الحاضر في كثير من البلدان، وبخاصة تلك التي لم تنل حظا كافيا من الرقي والتقدم، ولم تتح لها الفرصة للإفادة من الدراسات التربوية والنفسية التي شملت مختلف ميادين العملية التربوية.

 

 

والنقد الموجه للمنهاج التقليدي:

-التركيز على المواد الدراسية المنفصلة، انطلاقا من نظرية الملكات العقلية والتي تؤكد على أن كل مادة دراسية تدرب ملكة عقلية محددة، وبذلك يجب أن تكون منفصلة عن غيرها.

-اهتم المنهج التقليدي بالجانب العقلي للتلميذ، من خلال حفظه لمجموعة المعارف والمفاهيم، وأهمل الجوانب الأخرى.

-ركزت المواد الدراسية على جانب الحفظ والتلقين وأغفلت النشاطات التي تؤدي إلى الخبرات.

-يقوم بوضع المنهج، الذي يعني المحتوى فقط، مجموعة من المختصين بالمواد الدراسية، دون أخذ لوجهة نظر المعلم، والتلميذ، وأولياء الأمور، الذين يعتبرون ركنا هاما من أركان العملية التربوية وهم بذلك يهملون جانب الفروق الفردية بين التلاميذ.

-نتيجة للتركيز على المادة الدراسية. فإن المنهج القديم أهمل كل نشاط يتم خارج حجرة الدرس، وأهمل طرق التفكير العلمي، وأهمل تنمية الاتجاهات والميول الإيجابية، وأعتبر النجاح في الامتحانات التي يعقدها المعلم والتي تركز على حفظ المادة هي الأساس، وبذلك أهمل اعتماد الطالب على نفسه وميله إلى الاعتماد على المدرس في شرح المادة وتبسيطها وبالتالي حفظها، وجعل التلاميذ يميلون إلى تلخيص المواد الدراسية حتى يسهل حفظها، وهذا يؤدي إلى طمس روح التفكير العلمي والابتكار.

-اعتمد المعلم على طريقة واحدة في التدريس، وهي التلقين والتحفيظ، وفي هذا تحجيم لدور المعلم الموجه والمرشد، والمخطط للبرامج.

-اعتبار نجاح الطلاب في المواد الدراسية، أساس لنجاح المعلم، وفي هذا إغماض لدور المعلم، وإغماض للفروق الفردية بين التلاميذ.

-كثرة المواد الدراسية وضخامة مادتها، حتى أن الدارسين من الجيل السابق يفتخرون بأنهم حفظوا قصائد الشعراء العظام في المرحلة الابتدائية، أو حفظوا القرآن الكريم ولم يبلغ سنهم العاشرة، وأن فشل الطالب في أي ناحية من نوحي حياته ما هو إلا نتيجة فشله في حفظ دروسه.

-وهذا المنهج يغفل استخدام الوسائل التعليمية.

المنهاج حديثا:

 تطور مفهوم المنهاج القديم كثيرا، ولعل يعود ذلك إلى الأسباب التالية:

-كثرة الانتقادات الموجهة للمنهج التقليدي.

-التطورات في القيم والعادات الاجتماعية، وبالتالي أدت إلى تغيرات في أساليب وطرق حياة المجتمعات.

-نتيجة لذلك حدث تغير في أهداف التربية وفلسفتها، ودور ووظيفة المدرسة، وبالتالي لابد من نظرة جديدة للمنهج.

-أظهرت بعض البحوث التربوية الميدانية جوانب القصور في المنهج التقليدي، والذي لم يعد يصلح للمجتمعات الحديثة.

-نتائج الدراسات النفسية المتعلقة بالمتعلم، والتي أكدت على إيجابية المتعلم ومشاركته النشطة في عملية التعلم، وأنه ليس متلقيا سلبيا كما كان سائدا، وشمولية جوانب شخصية المتعلم: العقلي، والجسمي، والانفعالي، والاجتماعي.

-طبيعة المنهج التربوي المتغيرة والمتأثرة بالتغيرات التي تحدث في المجتمع، ونتيجة لكل التغيرات السابقة طال المنهج تغير نوعي.

المنهاج التربوي الحديث هو جميع الخبرات (النشاطات أو الممارسات) المخططة التي توفرها المدرسة لمساعدة الطلبة على تحقيق النتاجات التعليمية المنشودة إلى أفضل ما تستطيعه قدراتهم. وهو كل دراسة أو نشاط أو خبرة يكتسبها أو يقوم بها المتعلم تحت إشراف المدرسة وتوجيهها سواء أداخل الصف كان أم خارجه. وهو جميع أنواع النشاطات التي يقوم الطلبة بها، أو جميع الخبرات التي يمرون فيها تحت إشراف المدرسة وبتوجيه منها سواء أداخل أبنية المدرسة كان أم خارجها. كما أن المنهاج مجموعة من الخبرات المربية التي تهيؤها المدرسة للطلبة تحت إشرافهم بقصد مساعدتهم على النمو الشامل وعلى التعديل في سلوكهم. كم أنه مجموع الخبرات التربوية الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية والعلمية…الخ التي تخططها المدرسة وتهيئها لطلبتها ليقوموا بتعلمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطا من السلوك، أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتجاه المرغوب، ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلم الخبرات نساعدهم في إتمام نموهم.

وفي هذا المجال يورد تومبس وتيرني 1993 (Toombs & Tierney)  تعريفا للمنهاج الحديث ويقولان أنه “اسم لكل مناحي الحياة النشطة والفعالة لكل فرد بما فيها الأهداف، والمحتوى، والأنشطة، والتقويم”.

مميزات المنهاج الحديث:

-يهتم المنهج الحديث بالمتعلم، ويثق بقدرته على المشاركة النشطة الفعالة الإيجابية.

-يؤكد على الاهتمام بجميع جوانب شخصية المتعلم، وقدرته على التعلم الذاتي.

-المدرسة في المنهج الحديث لها دور متعاون مع المؤسسات الأخرى لخدمة البيئة الاجتماعية، ولا يقتصر دورها على تلقين المواد الدراسية للطلبة بمعزل عن بيئتها والمؤسسات الأخرى مثل: المؤسسات الدينية والنوادي وغيرها.

-العلاقة بين المدرسة والبيت في مفهوم المنهج الحديث علاقة وطيدة، ولكل دوره التكميلي للآخر، وذلك من خلال تنظيم مجالس الأباء والمعلمين والزيارات المتبادلة وإشراك أولياء الأمور في بعض النشطات.

-إعداد المنهج: يشترك في إعداده فريق متكامل من المختصين بالمواد الدراسية، والمختصين في مجال علم النفس التربوي، والتلاميذ، وأولياء الأمور، والمعلمين.

-يراعى عند التخطيط للمنهج ما يلي:

*الأخذ بعين الاعتبار فلسفة المجتمع وطبيعة المتعلم وخصائص نموه.

*شموله على مختلف أنواع النشاط التي يقوم بها التلميذ تحت إشراف وتوجيه المدرسة.

*تأكيده على التعاون والعمل الجماعي.

-يساعد التلاميذ على التكيف الاجتماعي، وبذلك لا يشعر التلميذ بغربته داخل مجتمعه.

-التركيز على استخدام الوسائل التعليمية ضمن مفهوم النظام.

-التنويع في طرق التدريس التي يستخدمها المعلم، بحيث يختار الطرق الأكثر ملاءمة للمادة الدراسية والتلاميذ مراعيا الفروق الفردية بينهم.

-تغير دور المعلم بحيث لم يعد الملقن والمستخدم للعقاب البدني، بل أصبح موجها ومرشدا ومخططا للبرامج، مبتعدا عن العقاب البدني، محترما لآراء التلاميذ وأفكارهم، ومؤكدا على استعدادهم للتعلم.

-المنهج لا يعني المادة الدراسية فقط، بل تمثل المادة الدراسية جزءا من نظام المنهج.

-التقويم جزء من المنهج، ولا يركز على الاختبارات القائمة على الحفظ وحدها، ولا يعتبر الاختبارات غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لمعرفة نتاجات التعلم وليست سوطا للترسيب أو العقاب.  

بيداغوجيا:

كلمة يونانية مركبة من مقطعين الأول PED وأصله PAIS أو PAIDOS بمعنى طفل، والمقطع الآخر Agogie وأصله Ogogé  بمعنى القيادة والتوجيه (action de conduire) .

فالكلمة إذن تعني توجيه الأطفال وقيادتهم أو تربيتهم.

الدعم:

أقول دعمت الشيء دعما، إذن أسندته وأعنته، والدعامة، عمادة البيت، وادعم اتكأ على الدعامة، واستند، والدعامة، جمع دعائم.

ودعم فلان فلانا أي أعانه وقواه.

التعريف الاصطلاحي:

الدعم البيداغوجي هو مجموعة من الوسائل والتقنيات التربوية التي يمكن اتباعها داخل الفصل (في إطار أنشطة المدرسة ككل) لتلافي بعض ما قد يعترض تعلم التلاميذ من صعوبات (عدم فهم، ثغرات، تأخر) تحول دون إبراز القدرات الحقيقية، والتعبير عن الإمكانيات الفعلية الكامنة، ويشمل الدعم منطلقات الفعل التربوي مثلما يشمل سيرورته ونتائجه.

أما بيداغوجيا الدعم في نظامها الأساسي، فهي الأسلوب أو النظام التربوي الذي ينبغي أن يعتمد لإسعاف المتأخرين دراسيا، ومساندتهم، لجعلهم يسايرون أقرانهم في مستوى التحصيل أو يقتربون من مستواهم على الأقل.

التحديد الإجرائي:

الدعم البيداغوجي يعني اكتشاف التعثر الدراسي، تشخيص أسبابه، ثم تصحيحه، من أجل تقليص الفارق بين الهدف المنشود في فعل التعليم والتعلم، والنتيجة المحققة.  

 مفهوم التكوين:

فقد عرفه فاخر عاقل في معجم علم النفس: “بأنه يدل على مجموعة العوامل الوراثية التي تحدد النمو المقبل للفرد، أو يدل على هذه العوامل الوراثية مضافا إليها مكتساباته السابقة التي تحدد سلوكه”

إن هذا التعريف رغم تفسيره للتكوين من الناحية العضوية إلا أنه يبين لنا عناصر التكوين التي تعد بمثابة مجموعة عوامل موروثة إلى جانب العوامل المكتسبة.

وقد يؤخذ مفهوم التكوين مأخذ مفهوم التدريب في كثير من الأحيان. لذا فإن عبدالرحمان عيسوي في تعريفه يرى أن المقصود بالتدريب المهني نوع من التعلم واكتساب المهارات والخبرات والمعارف المختلفة المتعلقة بمهنة معينة.

وقد ذهب كل من بيزنار وليتار Biznord & Lietard في تعريفهما للتكوين مذهبا ثالثا، إذ اعتبراه “مجموعة النشاطات التربوية التي تتجاوز معنى التكوين المبدئي، حيث يسمح لكل شخص أن يدعم نفسه في كل الميادين على مستوى المهارات المكتسبة في الحياة العائلية أو المهنية أو الاجتماعية أو المدنية، وأن يكتسب أيضا أكبر قدر ممكن من الاستقلال الجسمي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي بقدر استطاعته”.

ويتفق بيزنار Biznord مع كل من ريمون فاتي Raymand Vatier  والفيلسوف التربوي دوركايم الذي يرى “أنها عملية تربوية تمثل مجهودا مستمرا لتفرض على الطفل نماذج من الرؤى والتفكير والسلوك، التي لا يمكنه أن يدركها بصفة تلقائية، إلا عن طريق المجتمع بكل عناصره والمحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه بصفة خاصة.

ومما سبق يتحدد بكل وضوح المفهوم الإجرائي للتكوين كما يلي: “أنه يعبر عن الجهود المتوازنة والمتكاملة من جميع الأطراف أو المعنيين بالتكوين، قصد مساعدة التلميذ على معرفة المحيط الذي يعيش فيه عن طريق دراسة العلوم المتخصصة والتي لها علاقة بميدان طموحاته، ومساعدته على معرفة نفسه عن طريق دراسة العلوم الإنسانية، ومختلف العلوم الأخرى.”

  

المحور الثاني : فلسفة التربية

 

ماهية الفلسفة

علاقة الفلسفة بالتربية

علاقة التربية بالعلوم الأخرى 

 

 

 

 

 

فلسفة التربية

معنى الفلسفة:

يمكن القول بصفة عامة أنه لا يوجد اتفاق حول تعريف الفلسفة أو تحديد مضمونها ومباحثها.

ولعل من أقدم التعريفات للفلسفة ذلك التعريف الذي يمتد بأصل الكلمة إلى الإغريق في معناها اللغوي “حب الحكمة”، وعلى هذا يكون الفيلسوف هو الحكيم أو محب الحكمة.

وربما كان هذا التعريف مناسبا عندما كانت الفلسفة تمثل جماع المعرفة آنذاك من طب وفلك ولاهوت وقانون وغيره.. وعلى الرغم من أن تطور العلوم والمعرفة قد أدى في النهاية إلى انفصال هذه العلوم عن الفلسفة واحدا تلو الآخر، فقد بقى تعريفها “حب الحكمة” كما هو.

التعريف المعجمي:

يورد المعجم الوسيط في تفسير كلمة فلسفة أنها “دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرا عقليا وكانت تشمل العلوم جميعا واقتصرت في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة”.

ويورد معجم التربية تعريفا للفلسفة مشابها للتعريف السابق فيقول في تعريف الفلسفة بأنها: “العلم الذي يرمي إلى تنظيم وترتيب كل مجالات المعرفة باعتبارها وسائل لفهم وتفسير الحقيقة في صورتها الكلية. وهذا العلم يشمل عادة المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ونظرية المعرفة”.

تعريف الفلاسفة:

*تعريف كونت (A. Compte)  :

“ناد الفيلسوف الفرنسي كونت بأن الفلسفة في هذا العالم الجديد للعلم تقتصر فائدتها على توضيح مفاهيم ونظريات العلم، وأن على الفلسفة أن تتخلى عن مجال الميتافيزيقا، لأن القضايا التي يتناولها هذا المجال لا تسمح بالتحليل العلمي أو التجريبي أو البرهنة”.

 *تعريف فينيكس(Phenix)

وهو من فلاسفة التربية الأمريكيين، يقول في كتابه “فلسفة التربية” : “إن الفلسفة ليست مجموعة من المعارف، ولا تؤدي دراستها إلى تجميع عدد من الحقائق، وهي ليست طريقة من طرق النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلا، وهي تتضمن تنظيم وتفسير وتوضيح،ونقد ما هو موجود بالفعل في ميدان المعرفة والخبرة، وتستعمل كمادة لها ما تتضمنه العلوم والفنون المختلفة، والدين والأدب ومن معارف، كما أنها تستعمل المفاهيم العامة العادية”.(يرى أن هناك أربع مكونات للفلسفة-الشمول، اتساع النظرة، البصيرة،التأملية-.

*تعريف كونور (O. Connor)

 هو من الفلاسفة البريطانيين المعاصرين في كتابه “مقدمة في فلسفة التربية”: “إن الفلسفة ليست نظاما من المعرفة ذات الطابع الإيجابي (أي له مضمون معرفي) كالقانون أو علم الأحياء أو التاريخ والجغرافيا، وإنما هي نشاط نقدي أو توضيحي…”.

كما يختلف الفلاسفة فيما بينهم حول تحديد مفهوم الفلسفة، ومع هذا فإنه يمكننا بصفة عامة أن نميز اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول:

يرى أن الفلسفة هي أسلوب للتفكير وطريقة للمناقشة في تناول المشكلات وتحليلها ومعالجتها. وهذا يعني أن الفلسفة ليس لها مضمون علمي يقوم على مجموعة الحقائق كما هو الحال في باقي العلوم.

الاتجاه الثاني:

 يرى أن الفلسفة هي أكثر من كونها طريقة أو أسلوب للتفكير. فهي إلى جانب ذلك لها مباحثها الخاصة وميادينها المعرفية.

مباحث الفلسفة:

*الانطولوجيا (Ontology) :

أي دراسة طبيعة الحقيقة، وتتعلق بالبحث في الوجود والكون والحياة والإنسان، ومن المرادفات الشائعة للانطولوجيا الميتافيزيقا-ما وراء الطبيعة- الإلهيات، الغيبيات.

 

 

 

*الابستمولوجيا (Epistemology) :

 أو نظرية المعرفة أي تبحث في طبيعة المعرفة، حدودها وأنواعها، وكيف نتحقق من هدف المعرفة، كما تبحث في مصادر المعرفة وأهميتها النسبية.

*الاكسيولوجيا (Anxiology) :

 تتعلق بالبحث في القيم -طبيعتها، مصادرها، أنواعها-  بمشكلات الخير والجمال، وفي القيم الجوهرية الخالدة ككرامة الإنسان، القيم الإجرائية مثل تفضيل منهج معين كالمنهج العلمي….

الاكسيولوجيا :

-علم الأخلاق(أخلاقيات الإنسان، الشر، الخير.)

  -علم الجمال، معايير الجمال، والإنسان، والبيئة.

 علاقة الفلسفة بالتربية:

التربية هي الموضوع أما علوم التربية فتعتبر المنهج أو مجموعة المناهج التي تدرس عن طريقها الموضوع، وهي كسائر ميادين المعرفة والعلوم الإنسانية ذات الصلة الوطيدة بالفلسفة على اختلاف مذاهبها ومدارسها.

فما هو الفرق بين التربية كموضوع فلسفي وبين علم التربية؟

قبل القرن 19 كانت كل القضايا المعرفية تطرح على مستوى الفلسفة حيث كانت الفلسفة أم العلوم والمعارف كالفيزياء والطب وغيرها من العلوم، وكانت من اختصاصات الفلاسفة إذ كانوا يعتقدون أن الفلسفة تجمع كل شيء.

علاقة التربية بالفلسفة:

يذهب بعض المؤلفين من بينهم جايمس روس في الأسس العامة للنظريات التربوية للقول أن هناك علاقة وطيدة بين التربية والفلسفة إذ يعتبرهما وجهان لعملة واحدة. أما نحن فنفرق بينهما على أننا معه على شدة الارتباط، بحيث إذا حاولنا دراسة التربية عند اليونانيين أو الصينيين، فإننا لا نستطيع دراسة التربية الصينية دون التعرف على فلسفة كونفوشيوس، كذلك لا نستطيع التعرف على إبراز المفكرين أمثال سقراط وأريسطو، ولا نستطيع التعرف على التربية الإسلامية دون التعرض إلى القرآن الكريم والتعرف عليه.

إن التربية تقوم على رافدين، إما على أساس عقلاني، أو على أساس الوحي والشرع ومن ثم تعتمد على الشرع ومن الأدلة التي جاء بها جايمس روس لتأكيد فكرته، هي أنه:

1-يرى أن التربية والفلسفة شيء واحد لأن التربية بدون فلسفة لا تكون، إذ أنها تستمد مفاهيمها وموضوعها أو مفهوم موضوعها من الفلسفة، بل تستمد العقيدة التربوية التي تحتويها على مجموعة المفاهيم والقيم التربوية.

2-كون التربية تختلف في مفاهيمها وقيمها باختلاف المذاهب الفلسفية.

3-كون التربية والفلسفة كلاهما تعتمد على أيديولوجية واحدة.

إن العلاقة موجودة بين التربية والفلسفة لكن هذا لا يعني أنهما وجهان لعملة واحدة، إذ أن هناك فروق كثيرة تتمثل في:

*تنطلق الفلسفة من الشك والنسبية، بينما التربية تنطلق من اليقين وتخرج عن نطاقه.

*تعالج الفلسفة الإنسان المطلق، بينما التربية تعالج الإنسان كما هو في أي زمان ومكان.

*يمكن للتربية أن تلتزم بالتربية، كما يمكن أن لا تلتزم بها.

*يمكن للتربية أن تلتزم بالديانات، وهي ليست فلسفة.

مجال الفلسفة التربوية:

أصبحت فلسفة التربية مجال اهتمام حيوي لكثير من الفلاسفة الغربيين المشهورين، فقد قدم أفلاطون وأريسطو، ولوك، وروسو، وكانت، وديوي خدمات عظيمة في هذا المجال، حتى أن ديوي قال: “يمكن وصف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية”. فالفلسفة التربوية تعمل على فهم التربية في مجموعها مفسرة إياها بواسطة مفاهيم عامة ونظريات.

علاقة التربية بعلم النفس:

إن التربية تتأثر وتؤثر في نتائج العلوم الأخرى، وسوف نقتصر عن علاقة التربية بعلم النفس عامة وبعلم نفس التربوي وعلم نفس النمو خاصة.

ونبدأ طرح السؤال التالي: ما دخل التربية بالنسبة إلى علم النفس؟

يمكن القول بأن مجال اللقاء بين التربية وعلم النفس هو الميدان. كما أن علم النفس هو دراسة الخبرة النفسية، وما تطلبه من دوافع مختلفة لكي تتبلور بشكل سلوك ، نزوع، فعادة، فشخصية.

بينما نجد التربية هي الأخرى تحاول أن تعنى بالإنسان من حيث هو ذو إمكانات فطرية نفسية جسمية وغيرها ليمكن له التكيف الأفضل مع المحيط الطبيعي، الاجتماعي…الخ، لا يستطيع التكيف إلا على أساس المساعدة الموضوعية البيئية التي تقدم له من طرف الآخرين الراشدين لكي يجنبه الأخطاء ويشجعون قدراته العقلية والحركية ويساعدونه على الخبرة التي تتبلور فيها شخصيته، فالتربية تهتم بهذه الأمور، فهي تعد الإنسان لا ليستغل ثمرات الأجداد والآباء وكل الأجيال الإنسانية بل ليساهم هو الآخر في الجهد الإنساني في البناء الحضاري بمعناه الشامل.

والمربي لا يستطيع أن يعرف حاجات المربي إلا بمعرفته. كما نجد علم النفس يحاول أن يقدم لنا معلومات صحيحة، فما هو مقدار المعلومات التي يقدمها علم النفس؟ كما أن التربية تحتاج إلى كل العلوم الإنسانية مع اختلاف في الطريقة. والتربية تعتمد على الدين بحيث تستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان من الدين، كما أنها تعتمد على الفلسفة وتستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان منها.

إن ميدان التربية هو ملتقى الطرق، الذي تصل إليه كل الروابي-روابي المعرفة- لأن التربية كالعامود الفقري، بحيث أننا نلاحظ أن كل ما له علاقة بالثقافة والحضارة له علاقة بالتربية. 

إن الاهتمام بالتربية واكبه تطور هائل في مجال علم النفس التربوي ذلك أن علم النفس التربوي يتناول الاهتمام بالفرد في المواقف التربوية.

ولقد اهتم علماء النفس التربويين بالمشكلات التربوية مثل الممارسات التربوية، كالتعلم، الدافعية، التوجيه التربوي، التحصيل المدرسي وقياسه وتقويمه.

كما أن علم النفس التربوي هو فرع من علم النفس يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس ونظرياته ومناهج البحث الخاصة به في مجال التربية والتدريس والتعليم والتدريب وما يظهر فيه من مشكلات وظواهر في حاجة إلى دراسة أو علاج أو حلول. ويهدف هذا الفرع من كل هذا إلى رفع كفاية العملية التربوية أو التعليمية وجعلها أكثر عائدا وأقل تكلفة وأفضل نجاحا.

التربية والانتروبولوجيا (علم الإنسان):

إن العلاقة بينهما وثيقة من حيث أن التربية تحافظ على هذا الميراث وتنقحه وتعززه وتبسطه وتنقله للأجيال اللاحقة، وتعلم الأجيال أيضا كيفية التكيف مع الثقافة. بالإضافة إلى أن الأنثربولوجيا تهدف إلى دراسة سمات الحياة الاجتماعية ومعرفة طبيعتها ومكوناتها لإعادة بناء تاريخ المجتمعات أو تاريخ الحضارة، مع تحديد معالم التركيب التاريخي والحضاري لثقافة ما ومقارنتها مع المجتمعات والثقافات الأخرى، وهنا تدخل العلاقات التربوية ودورها في مجمل هذه العمليات.

إن مجمل العلوم الأنثروبولوجية سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم فيزيقية تركز على دراسة الإنسان ككائن اجتماعي أو حضاري، فتدرس أشكال الثقافة وأبنية المجتمعات البشرية، من خلال دراسة هذه المجتمعات الأولية، ومعالجة ما يسمى بأنماط الثقافة البدائية والتربية هي العوامل الأساسية التي يجب أخذها بالاعتبار عند دراسة التطور الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية.

والتربية ما هي إلا العملية التي تؤمن للفرد القدرة على التلاؤم بين دوافعه الداخلية وظروفه الخارجية النابعة من بيئة ثقافية واجتماعية معينة (هذا ما يدرسه علم الاجتماع التربوي) ، وهذا ما تركز الأنثروبولوجية على دراسة الإنسان من الناحية الثقافية والجسمية، وتهتم بسلوك هذا الإنسان ضمن إطار اجتماعي ثقافي متراكم عبر الصور.

صلة التربية بالتاريخ:

التاريخ يسجل الجهود الفكرية للإنسان في محاولاته تفسير الحياة البشرية وفهم صلتها بالوجود، وهو علم ضروري ومهم للعلوم الإنسانية. ووجود البعد التاريخي يساعد العملية التربويةعلى فهم ما ورثه من الماضي وما أعدته للحاضر وكيف تخطط للانطلاق إلى المستقبل، وأيضا يساعد على فهم المشكلات التي مرت على البشرية في مراحل تطورها، والابتعاد عما هو غير صالح لتجنبه والبحث عما هو مفيد، وكذلك الإطلاع على المفاهيم التربوية التي اتبعها الإنسان قديما وكيف تطورت. إن التربية في علاقتها مع التاريخ تكوّن ما يسمى بتاريخ التربية الذي يدرس حركة المجتمعات البشرية وتفاعلاتها وتأثيرها على التربية.

 

 

التربية والبيولوجيا:

تعتبر البيولوجيا ذلك العلم الذي يبحث في دراسة الكائنات الحية من الناحية العضوية وتلاؤمها مع الوسط الذي تعيش فيه، والتربية تبحث في معرفة قوانين الحياة العامة والنمو والتكيف وهي وثيقة الاتصال مع ما يدرسه علم الأحياء (البيولوجيا)، وهذا أدى إلى وجود اتجاه بيولوجي في التربية، وخاصة في التركيز على مفهوم التكيف المرن والمبني على وجود دافع داخلي يسعى إلى تلاؤم الكائن الحي مع مطالب البيئة المحيطة به من مختلف أوجهها والتي هي جوهر الحياة نفسها.

التربية وعلم الاجتماع:

العلاقة بينهما وثيقة، ومما يدل على أهميتها وضرورتها وجود ما يسمى “علم الاجتماع التربوي” الذي نشأ وتطور في القرن العشرين، وهو العلم الذي يجمع ما بين علم الاجتماع وعلم التربية، ويعتبر أحد فروع علم الاجتماع العامة والكثيرة، ويهدف للكشف عن العلاقات ما بين العمليات الاجتماعية والعمليات التربوية. ويستخدم علم الاجتماع باعتباره علم المجتمع وعلم دراسة الظواهر الاجتماعية وتفاعلاتها المختلفة لمساعدة التربية في تأدية مهامها ووظائفها. وجميع الأسس الاجتماعية هي أسس مهمة في العملية التربوية ذلك أن التربية لا توجد في فراغ، وإنما في مجتمع له أسسه وعلاقاته الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية، كما أن المجتمع محتاج إلى التربية، وخاصة أن التربية تهدف في جملة ما تهدف إليه إلى تكيف الإنسان مع مجتمعه بما فيه من أنماط ثقافية وعادات مختلفة، وذلك باستفادتها من النتائج التي توصل إليها علم الاجتماع وتسعى إلى تطبيقها في الميدان.

المحور الثالث : تطور الفكر التربوي

 

التربية في المجتمعات البدائية والقديمة

النظرية المثالية في التربية

النظرية الإسلامية في التربية

النظرية الطبيعية في التربية

النظرية البراجماتية في التربية

 

التربية لدى الأقوام البدائية

أهم ما يميز التربية لدى الأقوام البدائية، أنها تهدف إلى أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خاصا، فالطفل عندهم يتدرب على الأعمال التي تمارسها القبيلة كأعمال البيت، وصناعة الأدوات الضرورية، وحياكة الأقمشة، والصيد والحرب، وحمل السلاح، والرعي، والزراعة، فهي بهذا تعتبر تدريبا آليا تدريجيا على معتقدات الأسرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها، غير أن تربية الجنس البشري لدى الأقوام البدائية احتلت مكان الصدارة فيها الخصائص الثلاث المتمثلة في الإله والطقوس واللغة، وأن الذي يمارس التربية كما لاحظ المربي الأمريكي ديوي المجتمع بأسره بصورة غير مباشرة تتمثل في عمليات التمثيل والرقص والتقليد التي يقوم بها الصغار محاكاة الكبار لغرض نقل حركاتهم وتصرفاتهم، إلا أن هناك طقوسا تلي الولادة مباشرة، وهي مظاهر لدمج الوليد بزمرته التي ينتمي إليها، فالوليد يبقى في أيام حياته الأولى في حضن وكنف النساء وبالتالي فهو لا يندمج بالصورة المطلوبة في مجتمعه، لذلك فإنه لا بد من وجود طقوس جديدة لتحقق له الاندماج، وهذه عادة ما تكون عند البلوغ، وهذه الطقوس تغير حياته وتعتبر ولادة جديدة بالنسبة له، ويتم إعداد هذه الطقوس لفترة طويلة ومراقبة دقيقة يقوم بها شيوخ القبيلة، وهم الذين يتولون في نهاية الأمر الحفاظ على المعتقدات والطقوس التقليدية. وهذه الطقوس تجعل الخاضعين لها يتلقون تجارب قاسية وأليمة، وكثيرا ما يتم إجبارهم وإكراههم على الخضوع والصمت والصوم، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يتلقوا تعاليم تنقل إليهم تقاليد مرعبة مخيفة. ويقول هامبلي أن هذه التجارب والمحن القاسية مفيدة جدا وضرورية لدى المجتمعات التي يتطلب تحصيل القوت فيها الكثير من العناد والإرادة الصلبة.

والتربية البدائية لا تميل للقسوة إلا فيما يتعلق بالطقوس.

والأقوام البدائية بالنسبة للتربية الجسدية يتركون لأولادهم الحرية حيث يركن هؤلاء الأولاد إلى الكثير من الألعاب الممتعة التي يتم فيها تقليد الكبار، حيث يتدربون عليها منذ نعومة أظفارهم، ففي المجتمعات المحاربة يسهمون في صنع السيوف والرماح والقسي وأدوات الحرب وآلاته، ويقلدون الكبار فيما يقومون به من معارك، أو ينصبونه من كمائن.

أما في المجتمعات المسالمة فهم يقلدون الكبار في النسيج وبناء الأكواخ وصنع الأواني والصيد والتجديف، وهم بهذا ينمون أفكارهم، ويشبع خيالهم حتى درجة الإبداع. وفيما يتعلق بالتربية الفكرية لدى الأقوام البدائية فهي تختلف تبعا لجنس الطفل ولطراز حياة القبيلة.

وتمتاز الأقوام البدائية بإدراكات حسية، فالسمع مرهف، والبصر حاد، والشم قوي، ينافس الكلاب، والخيال حاد يقظ، والذاكرة قوية.

أما عن التربية الخلقية والدينية فالأجداد والأباء يحرصون بشدة على نقل مبادئ السلوك السوي والتصرف السليم إلى أبنائهم، والأوامر عندهم تتصل بتقديس الأجداد واحترام الشيوخ والأباء والشرف.

 

 

 

الإرسال 2 ، 3

 

المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية بوزريعة

 

مدخل إلى علوم التربية

           

                             

مـن إعداد الأستاذيـن :

                            -  كمـال عبـد اللــه 

                            -  عبـد اللـه قـلــي

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها - السنة الأولى -  الإرسال 2 -3

 

 

 

 السنة الجامعية

 

2005 /2006.

 

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

 

المحور الثالث :  تطور الفكر التربوي

 
- التربية في المجتمعات البدائية والقديم
- النظرية المثالية في التربية

- النظرية الإسلامية في التربية

-  النظرية الطبيعية في التربية

- النظرية البراجماتية في التربية

 

 

 

 

 

 

تطـور الفكـر التربـوي :

 

يحظى الفكر التربوي باهتمام متميز، كونه المنطلق الأساسي لتكريس قيم الأصالة في المجتمع، والمرتكز الأهم في بناء مستقبل يحقق استثمارا أمثل لمعطيات الحاضر، مجسداً من خلال ذلك تطلعات الفرد والمجتمع على حد سواء، في إطار مشروع حضاري متكامل.

وإذا كان الهدف الأساسي للفكر التربوي، هو ذلك المشروع الحضاري، فإنه يستند بالضرورة إلى عملية التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل من جهة، والتفاعل مع معطيات المجتمعات البشرية، على اختلاف نماذجها، زمنياً ومكانياً، من جهة أخرى.

من هنا يبدو البحث في موضوع الفكر التربوي العربي، مرتبطاً بالبحث في مضامين الفكر التربوي العالمي، في ماضيه وحاضره، وفي اهتماماته وتطلعاته، وفي أساليبه وأغراضه، على أن ذلك الارتباط لا يعني بأي شكل، الالتزام بتوجهات تربوية تخالف طبيعة المجتمع العربي، أو تعد غريبة بالنسبة لأبنائه، وإنما تعني التفاعل مع ما أنتجته البشرية من نظريات تخدم التوجهات العامة للشعوب، وتقع في إطار الأنسنة، بحيث يتحول هذا التفاعل باتجاه تطوير النظريات المحلية، وتعميق علاقتها مع طموحات أبناء المجتمع.

يقول د، رضوان السيد في دراسة نشرها في مجلة الفكر العربي بعنوان (جدليات التجربة التربوية التاريخية) :

” تاريخ التجربة التربوية لأي أمة ـ ولأمتنا على الخصوص ـ هو تاريخ لجدليات علاقة الخاص بالعام في المجال الحضاري للأمة وثقافتها، والخاص في هذه الحالة هو مصالح وتفاصيل حياة الجماعات والفئات التي تشكل البنية الداخلية للأمة، والعام هو المنطق الداخلي الجامع للأمة في بُناها، الذي يشكل إطارها الأيديولوجي، أما العلاقة  ـ من وجهة نظر العام ـ فهي علاقة شمول وجمع وضبط، والعلاقة ـ من وجهة نظر الخاص ـ هي علاقة ضغط على جوانب الإطار، ورغبة في التوافق في النهاية معه”.

حدد علماء القرن التاسع الميلادي في مجال التربية الاجتماعية مبادئ خمساً سمّوها بديهيات أو مسلمات رأوا أنها المرتكز في مجال عملية ضبط الفرد في قلب فئته الاجتماعية، وضبط الفئة في قلب الجماعة، وضبط الجماعة في قلب الأمة، إنها الحقوق الخمس: حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق العرض، وحق المال، والواضح أنه وإن كانت هذه الحقوق للأفراد في فئاتهم ومجتمعاتهم فإن مجتمعهم هو مجال ممارستها، حيث لا يمكن تصور هذه الحقوق إلا في إطار الجماعة، هكذا كانت التربية في المساجد والمدارس والدور همها التنشئة على الفهم الجماعي لهذه الحقوق.

من هنا كانت النظرة للفرد تنطلق من كونه عضواً في الجماعة، فإذا فهم الأمر على غير هذا النحو وقع في «سوء استعمال الحق»، إن المنطق الداخلي للتجربة العربية هو الذي يُحدِّد المفاهيم لهذه الحقوق، وهو منطق جمعي، ولكي لا يبدو الأمر نظرياً بحتاً يمكن استلاب حق العقل والدين للنظر إليهما من وجهتي النظر الجماعية الشاملة، والنخبوية الفردانية، كما بدتا في المجرى الواقعي لصراع الأفكار في الجماعة وعليها، فقد رأى أكثر فلاسفة الإسلام أن العقل جوهر فرد وارد على الجسد والفرد من خارج ومنفصل عنه طبيعة ومصيراً، وهو سلطان الجسد والفرد فقط، هذه وظيفته وهي التدبير، بينما رأى فقهاء ومحدثون أن العقل غريزة شائعة في الجسد والإنسان داخله في صراع الغرائز، ولا تدبر الإنسان بمفردها بل يفكر الإنسان ويتصرف بوحي من توازن يقوم بين غرائزه التي يمثل العقل جزءاً منها، وكان مردود ذلك على المستوى السياسي أن رأى الفلاسفة نخبوية فئتهم هم اجتماعياً وتفوقها وانفصالها عن المجتمع، ونخبوية السلطة في المجتمع وجبريتها وانفصالها عن الناس، في حين رأى الفقهاء شيوع العقل في المجتمع كشيوعه في الفرد، وشيوع السلطة في الجماعة كشيوع العقل في المجتمع، وفي المجال الديني فإن التجربة التاريخية للأمة اعترفت بالواقع الذي ظهرت فيه دون أن تستسلم له أو تسحقه، ورأت أن هذا الواقع الديني يمكن تطويره نحو الأفضل والأكثر وحدة، لكن أفراداً وفئات صغرى رأت ابتداع فرق جديدة اجتهاداً، ومع أن التجربة التربوية الإسلامية تعلّم الالتزام بحق الدين لكل فئة، فإن مبتدعي الفرق هؤلاء لاقوا ضغوطاً شديدة من جانب الجماعة على اختلاف مذاهب فئاتها للتخلي عن بدعهم، لا لأن الديانات القائمة كانت مهددة بالجديد الطارئ بل لأن الفردانية في فهم الحق كانت تهدد بضرب المنظومة كلها عن طريق زعم العقلانية والاستئثار بالحق ونفي الآخر، إن حق الدين ـ مستغلاً بطريقة فردية ـ فشل في إنتاج ديانات فأنتج فرقاً كان همها ضرب منظومة الجماعة لكي تتمكن هي من تثبيت أقدامها والاستمرار والسيطرة اجتماعياً.

وأنتجت التجربة التربوية العربية الإسلامية أدوات وقنوات لتربية فئاتها وناشئتها على البديهيات الخمس في إطار مبدئيات العدالة والمساواة والوحدة والرحابة، فكانت الكتاتيب والمساجد والجوامع والخانات والمدارس والأربطة والخوانق تعبيرات متنوعة عن الصيرورة المتجددة للناس والتاريخ والمصالح على أرض الإسلام، وكانت دعوات التربويين تتوسل طريقة لاستيعاب الحقوق الخمس هي (كما قيل عن كتب الجاحظ) تعليم العقل أولا والعلم ثانياً، وإذا ارتبط العقل بالروح العام للجماعة باعتبار غريزتها الشائعة فيها، والمكتنه لعمقها وثرائها ورحابتها، فإن العلم كان الاسترجاع المتجدد للتجربة التاريخية للجماعة، وبداياته هي التي تحدد مرماه ومعناه، كان يبدأ تحفظاً للقرآن وتعلماً للحديث والآثار فرواية للأخبار والشعر فيكتمل استرداد التجربة الجامعة في جوانبها الدينية والتاريخية والعقلية فيتفتح عضو الجماعة عليها من ناحية، وينضبط داخلها من ناحية أخرى، فإذا تمايز عضو في جماعة أو تمايزت فئة في مستقر فإن وحدوية التجربة، ووحدوية الاسترجاع، ووحدوية الفهم للحقوق، كل ذلك كان كفيلاً بأن يبقي التمايز في حدود، ويضبط حركيته، ويوضح علله، فيضعه على جادة الاستيعاب أو الجدل أو الضغط، وهكذا فإن الوحدوية التي تميز التجربة التربوية الإسلامية تضبط من ناحية، لكنها لاتحجر من ناحية أخرى لأنها تجربة في إطار صيرورة لحركية جماعة ضخمة من الناس، ولأن مبدئياتها الخمس تحول دون التجميد باسم الوحدوية.

وهنا تبدو جوانب التجربة التربوية التاريخية للجماعة في ثلاثة مواقع :

موقع وحدة التجربة من ناحية، وموقع تجددها في الإطار الشامل لصيرورة الأمة من ناحية ثانية، وموقع قدرتها على مواجهة الخارج المقتحم لرؤيتها الحضارية من ناحية أخيرة، وإذا كان لنا أن نحدد الملامح التربوية التي أنتجتها البشرية، في مختلف عصورها فإننا نشير إلى تصارع رؤيتين تربويتين : رؤيتنا التاريخية التي لخصها الإمام الغزالي بأنها عقل في شرع في جماعة، والرؤية الأخرى التي لخصها ماكس فيبر بوصفها فرداً يواجه آخر في فئة تواجه أخرى في مجتمع يواجه آخر من أجل السلطة والدولة والهيمنة على الداخل والخارج.

 

تطور الأفكار التربوية :

 

يرى عمر محمد الشيباني في كتابه (تطور النظريات والأفكار التربوية) في المجتمعات البدائية، عمليتين رئيسيتين للتربية، هما:

·        الإعداد للحصول على ضرورات العيش وللتكيف مع علاقات القبيلة

·        تدريب الفرد على عبادة الطواطم والأرواح، وهاتان العمليتان تتكاملان بما هما تلبية لحاجتي الجسد والروح.

ويرى الشيباني أن مفهوم التربية في الثقافات التاريخية الأولى لم يكن واحداً، ويستند في ذلك مفهوم التربية في الصين، كنموذج من الشرق ويرى فيه سلبياً محافظاً على ما هو كائن، ومتحفظاً تجاه أي اختراق يقوم به الفرد : «وتعتبر التربية الصينية عملية تلخيص للماضي، ترمي إلى أن تركز في الفرد حياة الماضي كي لا يتخلف عنه أو يتخطاه، وهي تعمل في كل مرحلة من مراحلها على أن تحدد للفرد ما يعمل وما يشعر به وما يفكر فيه، وهي ترسم له الطريقة المثلى التي يتم بها العمل وكيفية التعبير عن انفعالاته».

 أما المفهوم التربوي في الثقافة اليونانية القديمة فهو أكثر حيوية، ذلك أن هذه الثقافة «تعتبر بحث الأصل للثقافات الغربية والثقافات المعاصرة بصورة عامة»، أما اسبرطة فقد تأثرت بظروف ولاية اسبرطة الجغرافية في ذلك العصر، فهي منطقة سهلية داخلية تحيط بها الجبال من كل جانب، وانعزالها هذا دفعها لإعداد جيش قوي ونقلها من مجتمع بدائي إلى ديكتاتورية عسكرية تعمم سلطة الدولة، ولذا فقد كان المثل الأعلى التربوي هو إعداد المحاربين والتركيز على التربية البدنية، وأما الشعر والموسيقى والأناشيد فهي وسائل لتقوية الإعداد العسكري وتعزيز الروح المعنوية، وينقد أرسطو في سياساته دولة اسبرطة ومثيلاتها فيقول: «إن معظم هذه الدول العسكرية تكون في مأمن مادامت في زمن الحرب، ولكنها تفشل حينما تحصل على إمبراطوريتها، فهي في هذه الحال تصبح مثل النصل غير المستعمل الذي يفقد حدته في زمن السلم، واللوم في هذا يقع على مشرِّعيهم الذين لم يعلموهم مطلقاً كيف يعيشون في زمن الحرب».

 

 وعند الرومان، ورثة الحضارة اليونانية القديمة، أصبحت التربية «عملية مقصودة منظمة» ولعل من أهم أعلامها : كاتو (224 ـ 149 ق، م) وشيشرون (106 ـ 43 ق، م) وكوينتليان (35 ـ 95 م) وكان هدف هؤلاء هو إعداد المواطن الروماني ليكون أهلاً لهذه المواطنية في حياته العملية.

 أما التربية المسيحية فتميزت في البدء بنظام رهباني صارم يشتمل على قدر من العلم والعمل اليدوي «وكانت تتبع كل دير تقريباً مدرسة تقبل الأطفال في سن العاشرة وتستمر الدراسة فيها لمدة ثماني سنوات، يتعلم التلاميذ أثناءها القراءة والكتابة وبعض المبادئ في النحو والمنطق والبلاغة والحساب والهندسة والفلك والموسيقى».

  وما لبثت التربية المسيحية أن واجهت خطوتين تطوريتين: الأولى حركة لإحياء العلوم الأولى قام بها شارلمان وملوك جاءوا من بعده، واعتبرت الحركة «أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لتوحيد الشعب وتحسين أحواله، ومن أجل ذلك عقدت صلة قوية بين المعرفة الدينية الروحية والتعليم الحر»، والخطوة التطورية الثانية هي الحركة الكلامية المدرسية Scholasticism التي أعلت من شأن المنطق الأرسطي واعترفت بإمكانية التوفيق بين الدين والعلم، وإن جرى الخلاف في تقديم أحدهما على الآخر.

 

  ولقد أثرت الحركة المدرسية في التربية مما ترتب عليه خروج المدرسة إلى كافة أطراف المجتمعات وفئاتها، وتوسعت المناهج «ولعل أهم وأعظم منجزات العصر الوسيط هو نشأة الجامعات الأوروبية وازدهارها، ومن أمهات هذه الجامعات الأوروبية جامعة بولونيا في إيطاليا، وجامعة باريس في فرنسا وجامعة أكسفورد في بريطانيا».

 وفي القرن السابع عشر الذي تميز نصفه الأول بالحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، نمت المفاهيم التربوية وتطورت نحو نزعة مؤسساتية شمولية عبرت عنها الجمعيات المسيحية التعليمية، ومن أبرزها الجمعية اليسوعية التي كان قد أسسها انياس لوايولا في باريس عام 1534 وتطورت في القرن السابع عشر.

 في القرن المذكور وُجدت مذاهب ثلاثة: الأول هو المذهب الإنساني الواقعي الذي نقد أتباعه النزعة الشيشيرونية، ورأوا أن الآداب الكلاسيكية ليست مطلوبة بحد ذاتها إنما هي وسيلة لكسب المعرفة، وبالتالي تحقيق إنماء الفرد، ومن أبرز أتباع هذه المذهب، الشاعر الإنكليزي جون ملتون الذي قال: «إني اعتبر التربية الكاملة الصالحة هي التي تعد الرجل لأداء جميع الأعمال، الخاص منه والعام بعدل وإحكام في أيام السلم والحرب»، وقد وضع ملتون منهجاً دراسياً قسم فيه مواد التدريس بحسب أعمار المتعلمين.

 

  والمذهب الثاني هو المذهب الاجتماعي الواقعي الذي يرى التربية وسيلة لإعداد «الجنتلمان» أي الرجل المتعلم المهذب أي الناجح اجتماعياً، وقد ركز أتباع هذا المذهب على ضرورة الرحلات والأسفار استعداداً لحياة عملية سعيدة وناجحة.

  أما المذهب الثالث فهو المذهب الحسي الواقعي الذي قدم بذوراً حقيقية للتربية الحديثة، وقام على احترام العلوم الطبيعية واستخدام المناهج العلمية للمعرفة، هذا المذهب يعتمد الوسيلة الحسية في الإدراك ويرى ضرورة تحقيق إنماء شامل للطفل، وأتباع المذهب هم أول من نادى بطريقة الاستقراء في عملية التعليم، وكان من أبرز مفكريه فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) الفيلسوف التجريبي الذي آمن بهدف عملي للمعرفة ورأى أن عدة عقبات تحول بين العقل البشري والمعرفة، ومن أبرزها: «أوهام القبيلة» وهي الإرث الجماعي القديم عند الفرد و «أوهام الكهف» وهي ميول الفرد الخاصة و«أوهام السوق» وهي تقاليد الجماعة وقصور وسائل الاتصال اللغوي      و«أوهام المسرح» وهي العقبات العقيدية، ورأى بيكون أيضاً أن المنهج الاستقرائي التجريبي هو المنهج الناجع لدراسة الطبيعة والعلوم التجريبية.

 وفي القرن السابع عشر برزت أيضاً نزعة التهذيب الشكلي في التربية، ويعتقد أصحاب هذه النزعة أن التربية هي وسيلة لتدريب الملكات النفسية وتهذيبها، وليست الذات الإنسانية سوى مجموعة من الملكات يجب تدريب كلٍّ منها على حدة باعتباره وحدة مستقلة.

 

وحفل القرن التاسع عشر بنظريات تربوية هامة، وأثر في تطور التربية إلى هذا الحد عوامل منها، جهود المفكرين السابقين وتطور الطرق العلمية بما يجعلها تشمل ميادين الدراسات النفسية والتربوية، والتوسع في مجالات التعليم مع الثورة الصناعية، والنظر إلى التربية باعتبارها وسيلة لإعداد المواطن الصالح.

 

آراء في التربية :

 

    كانت التربية وما تزال، تستحوذ اهتمامات العلماء، وفي هذا ما يدعونا إلى الاطلاع، لتحقيق مزيد من التفاعل بين رؤية الماضي ورؤية الحاضر:

 أفلاطون: من أقدم الفلاسفة الذين عنوا بالتربية وكتبوا عنها الفيلسوف اليوناني أفلاطون، فقد بين في كتاب الجمهورية النظام التربوي الذي يختاره لمدينته الفاضلة، وغرض التربية عنده هو أن يصبح الفرد عضواً صالحاً في المجتمع، وتربية الفرد ليست غاية في ذاتها وإنما هي غاية بالنسبة للغاية الكبرى، وهي نجاح المجتمع وسعادته، وهو يرى أن صلاح الفرد لا يكون إلا بمعرفته الخير وتقديره إياه.

 أرسطو: يرى أرسطو أن الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال، وبذلك يصل الفرد إلى حالة السعادة.

 فيتورينو دافلتر: من أشهر المربين الإيطاليين في عصر النهضة وهو يرى أن الغرض من التربية هو تنمية الفرد من جميع نواحيه العقلية والخلقية والجسمية لا لمهنة، ولكن ليكون مواطناً صالحاً، مفيداً لمجتمعه قادراً على أداء الواجب العام والخاص، وهذا الغرض شبيه بما ننادي به في القرن العشرين.

 فرانسيس بيكون: فيلسوف انجليزي كتب في مواضيع شتى، وغرض التربية عنده هو أن يعود الفرد على طريقة الوصول إلى المعارف، لا أن يجمع المعارف بأية طريقة كانت، وقد استخدم بيكون لهذا الغرض نوعاً جديداً من الأسلوب العلمي وهو الاستقراء.

 جون كومنيوس: وهو احد رجال الدين، ولد وعاش في مورافيا، وقد أثرت تربيته وحياته الدينية في آرائه التربوية، والغرض من التربية، يرى كومنيوس أن النهاية التي يرمي إليها الإنسان هي السعادة الأبدية عند الله، وعلى هذا يجب أن يكون الغرض من التربية تحقيق هذه السعادة، ولايتم ذلك إلا بالتخلص من الرغبات الفطرية، ومقاومة الغرائز وتزويد الفرد بالرياضة العقلية والخلقية التي توصله إلى هدفه، وبقدرة الفرد على ضبط نفسه الذي يتم عن طريق المعرفة، وعلى هذا أيضاً كان الغرض عنده تحصيل المعرفة والفضيلة والصلاح، وهذا الغرض يشبه ما كانت عليه التربية في الأزهر، حتى عهوده الأخيرة.

 جون لوك: وهو من أنصار المذهب التهذيبي، ويرى أن التربية لها أغراض ثلاثة: وهي التربية الجسمية التي ترمي إلى تقوية الجسم ونشاطه، والتربية العقلية التي ترمي إلى تزويد العقل بالمعرفة، والتربية الخلقية التي ترمي إلى غرس الفضيلة في النفوس.

 جان جاك روسو: هو زعيم المذهب الطبيعي الذي نقل مركز اهتمام التربية إلى طبيعة الطفل وميوله، والغرض من التربية عنده هو تكوين رجال كاملين، لا تكوين مجرد أعضاء في مجتمع.

 بستالوتزي: وهو من رجالات التربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، والغرض من التربية عنده هو إعداد الإنسان للقيام بواجباته المختلفة في الحياة، فهو إذن يهدف إلى غرض عملي اجتماعي، يجمع بين إعداد الفرد، وبين حاجاته في المجتمع الذي يعيش فيه.

 هربرت سبنسر: والغرض من التربية عنده هو إعداد الفرد لحياة كاملة، أما عناصر الحياة الكاملة فهي تزويد الفرد بتربية صحيحة، وتربية مهنية، وتربية عائلية، وتربية وطنية، وتربية استجمامية.

التربية عند ديوي: فقد آمن ديوي بأن «التربية هي الحياة نفسها وليست مجرد إعداد للحياة، وهي عملية نمو وعملية تعلّم وعملية بناء وتجديد مستمرين للخبرة، وعملية اجتماعية، ولتكون التربية عملية حياة لا بد أن ترتبط بشؤون الحياة، ولتكون عملية نمو وعملية تعلم وعملية اكتساب لخبرة لابد أن تراعى فيها شروط النمو وشروط التعلم وشروط اكتساب الخبرة، ولتكون عملية اجتماعية لابد أن تتضمن تفاعلاً اجتماعياً ولابد أن تتم في جو ديمقراطي وجو اجتماعي صالح».

 إن عامل الخبرة هو الأساس في العملية التربوية عند ديوي وفي جميع نصوصه التربوية يرد هذان التعبيران: «الخبرة والمهارة»، إن الخبرة لديه هي وسيلة للتربية، وينبغي أن تتميز الخبرة بالاستمرار، ولقد أهمل ديوي ذكر أهداف التربية، ذلك أن المتعلم في رأيه هو الذي يشارك مشاركة أساسية في تعيين هذه الأهداف، وهنا تبرز نزعته الديمقراطية التي ترى أن غرض التربية هو تحقيق ذاتها، وما سوى ذلك فهو قرار يشترك في صياغته أطراف العملية التربوية جميعاً.

 

 واعتبر ديوي أن المنهج التربوي يستند إلى أن مركز الاهتمام هو خبرات التلميذ ومهاراته، وربط هذه الخبرات داخل المدرسة وخارجها ومراعاة الفروق الفردية، يقول: إن التعليم الفعّال يتحقق عندما يكون الشيء المراد تعلمه يعني شيئاً بالنسبة للمتعلم.

 

التربية عند آلان : يوازن الفيلسوف الفرنسي آلان بين المألوف التربوي والمطلوب الإنساني، معلناً لا إنسانية «المألوف» مركزاً على أولوية التعلُّم، مشيراً إلى أن هذا كشف واكتشاف لكنوز وخبايا، فهو مثلاً يتساءل «كيف تتعلم إحدى اللغات؟»، ثم يجيب «بمؤلفيها الكبار لا غير، وبالجمل المرصوفة جداً، الغنية جداً، العميقة جداً، لا بترهات مبادئ المحادثة»، وغاية العلم الأولى هي تطور العقل الإنساني وإغناؤه باستمرار، ومعنى ذلك أن على العقل التخصص أي التثقف في شيء معين، بدلاً من اللهث وراء كل شيء، فتكون الحصيلة المعرفة مألوفاً عاماً لا يساعد على التقدم في العمق، وعلى هذا، يكون دور المدرسة مقرِّراً: «إن المدرسة مكان رائع» يقول آلان ـ ويضيف: «ولا استصوب أبداً أن تعلّق أشياء للنظر ولو كانت جميلة، لأن الانتباه يجب أن يلفت إلى العمل، ليقرأ الطفل او ليكتب أو ليحسب، إن هذا العمل المجرَّد هو عالمه الصغير الذي يجب أن يكفيه»، ويحسم آلان تحديد دور المدرسة بالعمل، فالعمل عنده هو المؤدي التربوي، وهو بذلك المؤدي الصعب إن لم نقل الأصعب والأخطر، ويترتب على ذلك تعيين مهنة الطالب بالعمل الصعب، وتعيين مهنة المربي بوصل الأفكار الجديدة بالقديمة، وتتقاطع المهنتان هاتان فيما يسميه آلان مدرسة الشعور أي المدرسة الطبيعية كالأسرة، والمختلفة عنها في آن، المدرسة التي تطور كمالها الذاتي بنفسها.

من جهة ثانية، ينتقد آلان السلوك الطفولي لدى الكبار، فيرسم صورة المعلم اللامبالي، القوي بذلك كأنه المُناخ، ويشير إلى ظهور العدالة التي تفوق المحبة في المدرسة، فالفعل التربوي، بنظر آلان، هو فعلٌ وجوبيٌ، ضروري ولا مجال للمخادعة أمام الضرورة، ومن الضرورات هذه أن يتنبه الكبار لنوع علاقتهم بالصغار: «إن على كبار الأشخاص ألا يلعبوا قط مع الأولاد، ويخيل إلي أن الموقف الأكثر تعقلاً هو التزام الأدب والتحفظ معهم على نحو ما يكون مع الشعب الأجنبي، عندما يجد الطفل نفسه منفصلاً عن أطفال في مثل عمره، فإنه لا يلعب جيداً إلا وحده»، وينفي آلان وجود الفكر الحق خارج المدرسة بمعناها التعلُّمي الأوسع، ويقابل الهندسة بالشعر، بوصفهما مفتاحين للنظام في الطبيعة وفي النفس، مادحاً التناظم الإنساني الشامل للعقل والشعور في آن واحد.

  أما المعلِّم الأكبر، الأول، فهو الخبرة في كل حال، لأن الحقيقة تحقق، وما تبرزه الخبرة حقيقياً، وصحيحاً يكتسب مصداقيته من وقوعه واختباره، والمتعلّم، الذي تصاغ شخصيته في الحضور المتصل بالماضي، يحتاج دائماً وأبداً إلى المستقبل، أي إلى الانطلاق من المعطى المحدد إلى اللامحدد، الآتي، ويحذر آلان مما يتعلمه الجمهور على نحو خاطئ، لأن الجمهور «يتخيل أن الحقيقة الأخيرة هي التي تلائمه، ولكن الحقيقة لا يمكن أن تفرغ هكذا من فكر إلى آخر، وهي ليست شيئاً إزاء ذلك الذي لم يكتسبها ابتداءً من الظواهر…» وينتقد آلان الاتجاه المشدّد على معرفة العالم للمتعلم، مفضلاً على ذلك «معرفة ماذا نعلّم» بوصفها هي الأهم في العملية التعليمية.

 

 ويصل آلان إلى مقولة هامة تقول بجماعية أو اجتماعية التربية، وحاجة الإنسان الدائمة إلى محيطه الإنساني، حيث التحاور والتخاطب بين البشر يولّد عندهم عوامل التغيّر البطيء، المتصاعد، أو الطفرة، وينصح آلان باستشفاف الإنسان في سبيل معرفته، يقول: «إذا أردتم ان تعرفوا إنساناً فيجب أولاً أن تُجالسوه، وان توقفوا موجات الحرارة أو البرد، والضجيج المسيء ابتداءً من صوتك أنت، وبالتالي أن تزيح جميع العقبات الصغيرة المعيقة، وبعد ذلك تجد الطبيعة الثابتة..» ثم يعقد مقارنة أدبية فريدة بين تاريخ الأفكار (العقول) وتاريخ الأدوات (الأيدي)، مبرزاً وسيلتين للثقة بالنفس: التدريب والتعليم كنقيضين، فالتعلم لا يفوق المعرفة، لأن فيه كثيراً من التقليد، وصورته الآلة التي توجه إليه وكأن التعلم يد آلية، أما مصدر الثقة، مرجعها الاجتماعي، فاثنان: المدرسة والمصنع، المدرسة تجعل الإنسان يثق بنفسه، والمصنع يجعله لا يثق بنفسه أبداً، وبهذا النمط التقريري أيضاً، يطرح آلان مسلسلاً مألوفاً من الشعارات التربوية مثل «السير من المعلوم إلى المجهول» «من البسيط والمجرّد إلى الحسي والفردي»، «كل معرفة حقيقية اختبار» الخ، ثم يميِّز بين مهنة المعلم ومهنة المفتش، مظهراً أن الأخير يتولى التحقق من كون التلامذة تعلّموا شيئاً، ومن كون المعلم يعلّم، ويحرِّض على القراءة بالنظر، ويشجع على الإملاء الذاتي (الإملاء الصامت)، والسلوك العرفي والعادي في التعلُّم، لأن «الشذوذ يحرّض على الفتنة والرعب حول الإنسان وفي الإنسان..، فيجب إذن على الإنسان أن يلبس تبعاً للعرف، ويسلّم تبعاً للعادة، ويتحدث ولا يصيح، ويكتب في النهاية تبعاً لأصول الإملاء: يقال: «إن ضبط الإملاء عسير، ولكن الرقص والتأدب عسيران أيضاً، إنهما مفيدان عندما يعرفهما الإنسان ومفيدان، كذلك، عندما يتعلَّمهما».

التربية لدى الأقوام البدائيون

إن التربية في المجتمعات البدائية-التي عاشت منذ خمسة أو ستة آلاف سنة، قبل اختراع الكتابة وقبل أن تصبح للتربية مدارسها ومؤسساتها الخاصة بها- تمتاز ببساطتها وبدائية وسائلها، مثلها في ذلك مثل الحياة العامة التي كانت تحياها تلك المجتمعات البدائية في فجر الحضارة الإنسانية. وتلك المجتمعات وإن تباينت في كثير من الأمور فإنها تتشابه في كثير من المميزات العامة التي من شأنها أن تلقي ضوءا على طبيعة العملية التربوية وعلى أهدافها في تلك المجتمعات. ومن بين تلك المميزات العامة نسبة الحياة إلى الجماد أثناء تفسيرهم للبيئة المحيطة بهم، فكان الرجل البدائي يعتقد أن وراء كل قوة مادية قوة أخرى غير مادية هي القوة الروحية. ومن هذه المميزات أيضا بساطة الحياة البدائية وقلة مطالبها حيث أنها لا تعدو إشباع حاجات الجسم من طعام وشراب وكساء ومأوى، وإلا من ضد عالم الأرواح. ولما كانت عملية التربية في تلك المجتمعات لا تختلف عن عملية الحياة نفسها، فإن أهدافها هي الأخرى كانت نفس أهداف الحياة العامة. ومن أبرز الأهداف العامة للتربية البدائية: المحافظة على الخبرة الإنسانية والتقاليد السائدة، وتحقيق المطالب التي يتوقف عليها استمرار حياة الفرد وأمنه النفسي. والتربية البدائية على هذا تتكون من عمليتين رئيسيتين، هما :

- الإعداد اللازم للحصول على ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، ولتمكين الفرد من نفسه وممن يعتمدون عليه ومن بناء علاقات طيبة مع أفراد قبيلته.

     - تدريب الفرد على ضروب العبادة التي يستطيع بواسطتها أن يرضي عالم الأرواح وينير إرادته الطيبة وبذلك يحقق لنفسه الأمن والسلام. وإذا كانت الناحية الأولى هي عماد التربية العملية لدى الرجل البدائي فإن الناحية الثانية هي عماد التربية النظرية عنده.

تلك هي طبيعة العملية التربوية في المجتمعات البدائية. وهدف التربية في ضوء هذه الطبيعة-هو تحقيق التوافق والانسجام بين الفرد وبيئته المادية والروحية. ولتحقيق هذا الهدف، كانت تعتمد على التلقين والتدريب العملي والتقليد اللاشعوري فمن خصائصها أنها كانت تتم بطريقة غير مقصودة، بمعنى أنها غير مقصودة، بمعنى أنها لا يتولى القيام بها معاهد ومؤسسات خاصة بها، بل يقوم بها المجتمع بأسره. كما أن من خصائصها أيضا أنها تربية مباشرة تتم عن طريق الخبرة العملية والاشتراك النشيط للمتعلم أثناء تقليده لما يقوم به الكبار من نشاط، سواء في سبيل إشباع حاجاتهم الجسمية، أو في سبيل حاجاتهم الروحية. ثم إن من خصائصها أيضا غلبة روح المحافظة عليها وسلبيتها حيث أنها كانت تسعى لاستمرار العرف السائد في الجماعة دون تغيير أو تعديل، وتحاول تشكيل الفرد بالثقافة المحيطة به تشكيلا ثابتا سلبيا وتؤدي به إلى أن يتشرب ويستبطن كل الأوضاع القائمة في مجتمعه دون أن يحاول تغييرها أو تعديلها ودون أن يكون له مجال للحرية والاختبار.  إذن أهم ما يميز التربية لدى الأقوام البدائية، أنها تهدف إلى أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خاصا، فالطفل عندهم يتدرب على الأعمال التي تمارسها القبيلة كأعمال البيت، وصناعة الأدوات الضرورية، وحياكة الأقمشة، والصيد والحرب، وحمل السلاح، والرعي، والزراعة، فهي بهذا تعتبر تدريبا آليا تدريجيا على معتقدات الأسرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها، غير أن تربية الجنس البشري لدى الأقوام البدائية احتلت مكان الصدارة فيها الخصائص الثلاث المتمثلة في الإله والطقوس واللغة، وأن الذي يمارس التربية كما لاحظ المربي الأمريكي ديوي المجتمع بأسره بصورة غير مباشرة تتمثل في عمليات التمثيل والرقص والتقليد التي يقوم بها الصغار محاكاة الكبار لغرض نقل حركاتهم وتصرفاتهم، إلا أن هناك طقوسا تلي الولادة مباشرة، وهي مظاهر لدمج الوليد بزمرته التي ينتمي إليها، فالوليد يبقى في أيام حياته الأولى في حضن وكنف النساء وبالتالي فهو لا يندمج بالصورة المطلوبة في مجتمعه، لذلك فإنه لا بد من وجود طقوس جديدة لتحقق له الاندماج، وهذه عادة ما تكون عند البلوغ، وهذه الطقوس تغير حياته وتعتبر ولادة جديدة بالنسبة له، ويتم إعداد هذه الطقوس لفترة طويلة ومراقبة دقيقة يقوم بها شيوخ القبيلة، وهم الذين يتولون في نهاية الأمر الحفاظ على المعتقدات والطقوس التقليدية. وهذه الطقوس تجعل الخاضعين لها يتلقون تجارب قاسية وأليمة، وكثيرا ما يتم إجبارهم وإكراههم على الخضوع والصمت والصوم، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يتلقوا تعاليم تنقل إليهم تقاليد مرعبة مخيفة. ويقول هامبلي أن هذه التجارب والمحن القاسية مفيدة جدا وضرورية لدى المجتمعات التي يتطلب تحصيل القوت فيها الكثير من العناد والإرادة الصلبة.

والتربية البدائية لا تميل للقسوة إلا فيما يتعلق بالطقوس.

والأقوام البدائية بالنسبة للتربية الجسدية يتركون لأولادهم الحرية حيث يركن هؤلاء الأولاد إلى الكثير من الألعاب الممتعة التي يتم فيها تقليد الكبار، حيث يتدربون عليها منذ نعومة أظفارهم، ففي المجتمعات المحاربة يسهمون في صنع السيوف والرماح والقسي وأدوات الحرب وآلاته، ويقلدون الكبار فيما يقومون به من معارك، أو ينصبونه من كمائن.

    أما في المجتمعات المسالمة فهم يقلدون الكبار في النسيج وبناء الأكواخ وصنع الأواني والصيد والتجديف، وهم بهذا ينمون أفكارهم، ويشبع خيالهم حتى درجة الإبداع. وفيما يتعلق بالتربية الفكرية لدى الأقوام البدائية فهي تختلف تبعا لجنس الطفل ولطراز حياة القبيلة.

 

وتمتاز الأقوام البدائية بإدراكات حسية، فالسمع مرهب، والبصر حاد، والشم قوي، ينافس الكلاب، والخيال حاد يقظ، والذاكرة قوية.

    أما عن التربية الخلقية والدينية فالأجداد والآباء يحرصون بشدة على نقل مبادئ السلوك السوي والتصرف السليم إلى أبنائهم، والأوامر عندهم تتصل بتقديس الأجداد واحترام الشيوخ والآباء والشرف. 

 

 

 

 

التربية الشرقية القديمة

 

وتتضمن التربية الهندية.- التربية لدى بني إسرائيل.-التربية اليابانية.-التربية الصينية.- التربية لدى قدامى المصريين.

التربية الصينية :

فهي نموذج واضح للتربية الشرقية.

خصائصها :

    - تتصف بروح المحافظة.

    - تنشئ الفرد على عادات فكرية وعملية ماضية.

    - لا تقوي أية ملكة، ولا تغير أية عادة وفق مقتضيات الظروف الجديدة.

    - الحياة رتيبة.

    - السكون المطلق والجمود الفكري، فكل شيء محدد بالتقاليد الموروثة.

التعليم :

    - آلي يكسب التلميذ مهارات آلية.

    - الاعتناء بالمظهر واللياقة.

    - الاعتناء بتمرين الذاكرة - لا بتكوين الفكر- من خلال التكرار والحفظ

      الأصم.

في القرن السادس قبل الميلاد ظهر في الصين مصطلحان هما :

 لوتسي (Lao-tsee) يمثل روح التحرر والتقدم والبحث عن المثل الأعلى والثورة على العادات، لذا كان الإخفاق نصيبه.

أما الثاني كونغ تسي (Cong-tsee)، واشتهر باسم كونفوشيوس (551 -478 ق . م )، فقد نجح في أفكاره التي تقول بالأخلاق العملية والنفعية القائمة على سلطة الدولة والأسرة، وعلى منفعة الفرد.

 

يمكن القول أن التربية الصينية ركزت على نشر التعليم حتى غدت الصين أغنى بلاد العالم بالمدارس رغم أنها كانت تنشر ثقافة سطحية.

 

التربية لدى قدامى المصريين :

 

كان المصريون القدامى يؤمنون بالبعث بعد الموت، وبخلود الروح، والثواب والعقاب في الدار الآخرة، وكانوا يعتقدون أن الأرواح تعود لتسكن الأجساد من جديد، ولهذا لجئوا إلى التخطيط، وبنو الأهرام، ليحفظوا فيها جثث ملوكهم.

 

خصائص التربية لدى قدامى المصريين :

 

- يعيش الطفل – في سن الرابعة- مع ألعابه.

- التربية لم تكن لينة ، فمنذ السنة الأولى من عمر الطفل يمشي عاري القدمين، حليق الرأس، طعامه من خبز الذرة.

- تقدم الم للطفل شيئا من المبادئ الدينية والخلقية.

- الدراسة تشتمل على الدين وآداب السلوك، القراءة والكتابة، الحساب، السباحة، الرياضة البدنية.

- يتم الانتقال من المدرسة الأولية إلى المدرسة العليا بعد امتحان يؤديه الطالب.

- كان يغلب طابع الدراسة الفنية والمهنية في التعليم العالي.

- كان الأساتذة يستعملون الضرب بالعصا ، فالنظام المتبع كان قاسيا، ومن حكمهم الشائعة “إن للطلاب صلبا وهم يفهمون الأمور فهما أفضل عندما يضربون”.

من إسهامات المصريين في فن التعليم :

  - استخدموا طرقا حسية في تعليم العد، وكانوا يستخدمون الأشكال في تعليم الهندسة.

- هم من أنشؤو أولى المكتبات العامة الغنية بالكتب العديدة في شتى الموضوعات.

فالحضارة المصرية أولت عناية كبيرة للتربية، وقد كانت وصية أحد حكمائهم لابنه “امنح قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا يعلو على الثقافة شيء”، ويضيف “أذكر يا بني أن أية مهنة من المهن محكومة بسواها، إلا الرجل المثقف، فإنه يحكم نفسه بنفسه”. فالمعرفة حسب المصريين القدامى وسيلة لبلوغ الثروة والمجد.

 

 

 

 

النظرية المثالية في التربية

الفلسفة المثالية :

 

يعتمد النموذج المثالي الذي يشكل مناهج التربية لدى المثاليين على رؤية أفلاطون من أن الأفكار أبدية وأزلية ونهائية، وهي لذلك في غاية الأهمية. وليس المقصود بالأفكار هنا - بالطبع- تلك الخواطر العقلية التي يترجمها العقل من الرموز اللفظية، ولكن أفلاطون يقصد بها في هذا المقام جوهر الأشياء والمثل العليا الموجودة في العالم العلوي، والتي يقاس بها كل شيء في هذا العالم المادي. إذا كانت الأشياء في هذا العالم المادي من وجهة النظر هذه تعرف عن طريق الحواس، فإنها قد صيغت على مثال سبق عند خلق الكون ونبعت فكرتها من خالقه. والعقل وحده هو الذي يستطيع أن يحكم عليها بأنها مطابقة للنماذج المثالية التي وضعت أزلا أم لا. وبهذا المعنى، فإن الأفكار أزلية لا تقبل التغير أو التطور. ومها قيل من أن عناصر هذا العالم مستحدثة ومتغيرة تبعا للظروف والملابسات التي تظهر من آن لآخر، فإن الأفكار والأشكال المثالية التي صيغت على مثالها هذه العناصر الموجودة في عالمنا موجودة من الأزل وستظل إلى الأبد دون تغير أو تطور.

 

حقيقة المذهب المثالي :

 

“المذهب المثالي” من مذاهب التربية الغربية فهو ـ في حقيقته ـ صدى لفلسفة أفلاطون، وتعبير عن نظريته المسماة بـ “المثل”، ومؤدى هذه النظرية أن ثمة عالمين اثنين : عالماً حسياً يتألف من “الأجسام”، وعالماً معقولاً يتألف من المجردات التي هي “المُثُل”. وبناء على ذلك قال الغربيون: إن الإنسان يعيش في عالمين : عالم مادي متغيّر، وعالم روحاني خالد، وهذا الأخير هو عالم المثل العليا التي تشكل الهدف الأسمى للتربية والحياة. وهكذا رأى الغربيون في الإنسان جانبيْن : جانباً روحياً سامياً، وجانباً جسدياً تحكمه النوازع الدنيا والشهوات، وهذان الجانبان كالخطين المتوازيين يتجاوران ولا يلتقيان، ويتناقضان ولا يتكاملان، وهو ما أدى إلى قيام سلطتين في بلاد الغرب: سلطة روحية تشرف عليها الكنيسة، وسلطة زمنية قوامها حكم الواقع مفصولاً عن الدين، وترتّب على ذلك الاعتقاد بأن الإنسان أوْلى بالدرس من العالم الخارجي، وأن العلوم الإنسانية أهم من العلوم الطبيعية.
على أنّ دراسة الغربيين للإنسان ـ سواء قُدِّمت أم أُخّرت ـ في ظل عقيدتهم القائمة على فصل الدين عن الحياة لا تأتـي بخير، لأن المقدمات الخاطئة لا تقود إلى نتائج صحيحة؛ ولذا لم تستطع الدراسات الغربية في مجال النفس والتربية والاجتماع الرقي إلى مستوى العلم، وإن سُمّيت باسم العلم، وهو ما يؤكده إخفاق الغربيين في وقف التدهور السلوكي الذي يُنذر المجتمعات الغربية بأوخم العواقب.

والنظرة المثالية الغربية بما ترتب عليها من فصل بين الدين والحياة خاطئة ومدمرة، وهي ـ كما يقول (علي عزت بيجوفيتش) رئيس جمهورية البوسنة والهرسك في كتابه المعروف : (الإسلام بين الشرق والغرب) ـ هي المسؤولة عن إخفاق الأيديولوجيات الكبرى في العالم؛ فهذه النظرة هي التي شطرت العالم شطرين متصادمين بين مادية ملحدة، وكاثوليكية مغرقة في الأسرار، والصواب أنها “وحدة ثنائية القطب، تضم القضيتين المتصادمتين في العقل الغربي ألا وهما: الروح والمادة، السماوي والأرضي، الإنساني والحيواني، الدين والدنيا. وهذان المتناقضان يوجدان معاً وجود تفاعل وتزاوج وتكامل.. كما تتفاعل ذرات الأوكسجين مع ذرات الإيدروجين لتنتج الماء الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والنبات”.

وقد نبّه بيجوفيتش على أن طبيعة العقل الأوروبي (أحادي النظرة) كانت سبباً في عجزه عن فهم حقيقة الإسلام؛ ولذا أنكر الغربيون الإسلام لسببين متعارضين؛ فقد أنكره الماديون منهم بوصفه اتجاهاً يمينياً أي دين غيبيات، بينما أنكره المتدينون لأنهم رأوا فيه اتجاهاً يسارياً أي حركة اجتماعية سياسية.

ولا تغني عن المذهب المثالي دعـواه أنه إنما يريد ـ من خلال التربية ـ أن يحيط الطفل بالمثل العليا؛ لأنه لا يدري ما المثل العليا على وجه التحديد. يقول سير برسي نن : ” نستطيع أن نحكم بأنه لا يمكن أن يكون هناك غرض عام للتربية ما دام هذا الغرض يحقق مُثُلاً عليا؛ لأن هذه المثل تتعدد بتعدد الأفراد “.

وهذا الاتجاه العقلي للفلسفة المثالية قد وضع العقل-بلا شك- في مرتبة ذات أهمية كبرى، بحيث لا يكون العقل شيئا آخر غير الروح مادام يشارك في طبيعة المطلق. وبالرغم من وجود الجسم والبيئة الاجتماعية والطبيعية إلا أنهما في النهاية يدخلان في دائرة العقل ويذوبان داخله. ولذلك فالطبيعة الإنسانية لا ينظر إليها على أنها جسم منفصل يستجيب لدوافع بيئية، ولكنه جوهر لا يتأثر بعامته إذا تأثر جزءه. ولهذا تنادي هذه النظرية بتربية الإنسان من جميع جوانبه حتى يصبح كلا مستقيما، ولكن يبقى العقل هو صاحب الاهتمام الأكبر في مناهج هذه النظرية.

إن الواقع بالنسبة للمثالي هو عالم العقل، والواقعية شيء خيالي أو روحي وليس ماديا، ويعتقد المثاليون أن الطبيعة تعتمد على العقل الشامل لله. وبناء على هذه النظرة، فالتعلم ليس ابتكارا وإبداعا- ولكنه تحقيق الفكرة المطلقة بالنسبة للحقيقة والخير والمثل التي وضعت سلفا. وليست قيمة الأفكار مبنية على ما لها من أهمية في حياة التلاميذ أو ضرورة في إنجاز مشروعاتهم، أو في ترقية حياتهم، بل إن قيمة الأفكار في ذاتها، حيث إنها تصور الواقع الممثل للحقائق اللانهائية، ومن أجل ذلك فالأفكار جديرة بالتعلم. وهي تستحق أن يكون تعلمها هدفا في حد ذاته.

والمثالية –عموما- وثيقة الصلة بالدين. وتؤمن هذه النظرية بأهمية الحق والخير والجمال. ويهتم المثاليون بالرياضة البدنية، لا من أجل الجسم، فهم لا يهتمون بالمادة، وإنما من أجل العقل.

إن أصحاب هذا الاتجاه يهتمون بالمثل العليا بالدرجة الأولى.. فهم ينظمون تجارب الجنس البشري ويركزونها ليقدموها لقمة سائغة إلى الطفل.

وهذه الخبرة بحسب مروجي النظرية هذه هي نوعين منها ما يختص بالبيئة الطبيعية ومنها ما يختص بالإنسان أي العلوم والإنسانيات.

وتعتبر المثالية من أقدم الفلسفات في الثقافة الغربية، التي ارتبط ظهورها ارتباطا وثيقا بزعيمها المفكر اليوناني أفلاطون، وهي كما عرفها لالاند : ” الاتجاه الفلسفي الذي يرجع كل وجود إلى الفكر بالمعنى الأعم لهذه الكلمة “. بمعنى آخر هي المذهب الذي يقول أن الأشياء الواقعية ليست شيئا آخر غير أفكارنا، وهي الفكرة التي نجدها عند أفلاطون في المثل العليا، إذ يرى أن أنفسنا كانت تسبح في هذا العالم، أين عرفت أسماء الأشياء بصورتها التامة، الكاملة، قبل نزولها إلى الأرض. وولوجها في الجسد أنساها أسماء الأشياء، فأصبحت تحاكي ما رأته وتعلمته في المثل العليا أو العالم الحقيقي، ومن أبرز أعلامها: أفلاطون.هيجل…الخ.

ولد أفلاطون في سنة 427 ق.م في جزيرة قريبة من شاطئ أثينا، واسمه في الأصل أرسطوقليس. ينحدر من أشراف أثينا ذوي المنزلة والثراء. تعلم القراءة والكتابة، حفظ شعر هوميروس، ومبادئ الحساب والهندسة والموسيقى. كان ذو ذكاء حاد، عميق الفكر، حسن الحديث، بارع النكتة، ومحبا للجمال. عاش حتى الثمانين من عمره، توفي سنة 347 ق.م.

 

لقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات :

 

- طبقة الحكام ويتميزون بالحكمة، ويسييرون شؤون الدولة.

- طبقة الجند، ويتميزون بالقوة، وتسهر على أمن الحكام.

- طبقة العبيد، وهي الطبقة الخادمة، التي تقوم على خدمة طبقة الحكام.

وعلى كل طبقة احترام الطبق الأعلى منها، فلا يجوز مثلا لطبقة العبيد التطلع إلى طبقة الجند أو الحكام، وكذا الحال بالنسبة لطبقة الحكام فلا يجوز للحاكم أن ينزل إلى طبقة الجند أو العبيد، فما خلق إلا ليكون حاكما، وليحكم الشعب وعليه وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ليقوم بالعمل المناسب.

المنهاج وطريقة التدريس في نظر المثالية :

يرى المثاليون أن المنهاج (المنهج) الذي يدرس للتلاميذ ينبغي أن يكون موضوعات ثابتة غير قابلة للتطور وتنقل من جيل إلى جيل. حيث تعمل على توسيع فهم الطفل للكون وللإنسان نفسه، فتنظيم قدرات الطفل وتنمية ذكائه يمكن أن تتحقق من دراسة الفنون الحرة والقراءة، وكذا الإطلاع على الكتب العظيمة التي أنتجتها عقول الحكماء والمفكرين التي يمكن أن تخلق الإنسان المثالي وتوسع فهمه للكون ولذاته.

ومن ثم يجب أن يوجه اهتمام أكبر إلى دراسة مواد معينة كالتاريخ    والأدب والفلسفة تهتم بالمشاكل الدائمة للإنسان، وتعبر عن اعتقاداته وأفكاره على مر العصور التاريخية، وهي تعتبر كنزا للمعرفة والحكمة وتراثا معرفيا.

ولقد اهتمت المثالية بالمادة الدراسية أكثر من اهتمامها بالمتعلم، فهي لا تقيم وزنا إلا للمعرفة والحقيقة أما التلميذ فقد لا يكون له قيمة على الإطلاق، فمنهج المدرسة المثالية هو منهج مقفل يعتمد على المعرفة والكتاب ويتقيد بحدود لا يمكن تعديلها، حيث يبقى القديم على قدمه للحفاظ على المعرفة والتراث ونقله إلى عقول المتعلمين. ولا تؤمن المثالية بأهمية النشاطات الخارجة عن الكتاب في منهجها الدراسي لأن مثل هذه النشاطات لا تساهم في تدريب عقول التلاميذ وملئها بالحقائق، بل تهتم بجوانب أخرى ليست موضوع اهتمام المثالية.

أما النظام المدرسي، فقد أصبح المدرسين يواجهون مشكلة بحيث أن الجسم والعقل نوعان مختلفان، فإنهما يسلكان مسالك متعارضة تعوق بعضها البعض، فالطفل لا يستطيع أن يذهب إلى المدرسة بعقله فقط فلا بد أن يحمل معه جسمه.

إذا أصبح ينظر إلى التلميذ على أنه شيء أو بالأحرى آلة تتلقى المعارف بالطريق الإلقائية في سكون وهدوء، فإذا حاول أن يحرك جسمه قسا عليه المدرسون بالعقوبات البدنية المختلفة، وبذلك كان التلميذ المثالي هو الذي يجلس صامتا ساكنا، حتى يعمل عقله على استيعاب المعلومات. ومنه كان هدف التدريس ليس حمل التلميذ على معرفة مجموعة من المعلومات بقدر ما هو محفز له على اكتشاف معناها لنفسه، عن طريق خبراته الشخصية السابقة، بحيث يصبح لما يتعلمه معنى ومغزى.

 

المعلم :

 

المعلم في نظر المثالية ينبغي أن يكون فيلسوفا مفكرا كسقراط، وغيره من الفلاسفة، وقد ركزت المثالية على دور المعلم، وجعلته يحتل المركز الرئيسي في العملية التربوية، في حين نظرت إلى المتعلم نظرة سلبية، فالمعلم يجب أن يكون قدوة لتلاميذه بما يملكه من معارف وخبرات واسعة، تجعل الطلاب ينهلون منهله، بمعنى على المعلم أن يكون موسوعة يعمل على إيصالها إلى الطلبة، وأن يكون مخلصا جادا في عمله، والمعلم بفطنته وبصيرته يعمل على كشف استعدادات تلاميذه، وبذلك يعطيهم القدر المناسب من المعارف، وتقتصر عملية التعليم على التذكر والاسترجاع لذا يجب على المعلم في نظر أفلاطون تنمية هذه القدرة.

 

النقد :

 

لقد غال أفلاطون في تربيته المثالية وطريقة التدريس إلى درجة يصعب تحقيقها على أرض الواقع، فمثلا تربية أفلاطون للأطفال على أساس الفضيلة حتى يصبحوا خيرين، تناسى أن في الإنسان بذرتين، بذرة الخير وبذرة الشر، ويستحيل أن نجد شخص خير محض، كما أن نظام الطبقات الذي فرضه أفلاطون على المجتمع فيه ظلم لفئة عن فئة.

كما فصل أفلاطون بين الجانب العقلي والجسمي، بل حتى أنه فصل الجانب العقلي وأعطاه الأهمية أكثر من اهتمامه بالجانب الجسمي، وكأننا نستطيع أن نتصور الإنسان بعقله دون جسده.

المثالية كفلسفة تربوية أكدت على:

- الجانب المعرفي وأهمية المعرفة بالنسبة للمتعلم.

- الاهتمام بالثقافة والحفاظ عليها.

- وضع المعلم في مرتبة سامية واعتباره أهم عنصر في العملية التربوية.

- التأكيد على أهمية الجوانب الخلقية والدينية في تنمية شخصية المتعلم .

غير أنها فشلت و قصرت في:

- فهم طبيعة المتعلم (النظر إليه على أنه عقل أو روح خالصة، الاهتمام بالمعرفة أو تنمية العقل فقط).

- اقتصار الأهداف التربوية على تدريب عقل الإنسان دون النظر إلى الجوانب التي تتصل بالنواحي الجسمية .

 - النظر إلى التلميذ على أنه سلبي يتلقى المعلومات التي يلقيها عليه المعلم (آلة) وكذا استخدام العقوبات البدنية لا يتفق مع ما تذهب إليه الفلسفات الأخرى، فالموقف التعليمي موقف تفاعل و ليس موقف جامد ثابت فيه طرف ايجابي هو المعلم و آخر سلبي هو التلميذ.

 

النظرية الإسلامية في التربية

 

التربية الإسلامية :

 

يعرفها حلمي طه رشيد إبراهيم بأنها تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه بغرض تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة.

ويعرفها مقداد يالجن بأنها إعداد الفرد المسلم إعدادا كاملا من جميع النواحي في جميع مراحل نموه للحياة الدنيا والآخرة في ضوء المبادئ والقيم وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي جاء بها الإسلام.

ويعرفها سعيد إسماعيل علي بأنها تلك المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في إطار فكري واحد يستند إلى المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام والتي ترسم عددا من الإجراءات والطرائق العملية يؤدي تنفيذها إلى أن يسلك سالكها سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام.

ويعرفها علي خليل أبو العينين بأنها النشاط الفردي والاجتماعي الهادف لتنشئة الإنسان فكريا وعقيديا ووجدانيا واجتماعيا وجسديا وجماليا وخلقيا، وتزويده بالمعارف والاتجاهات والقيم والخبرات اللازمة لنموه نموا سليما طبقا لأهداف الإسلام.

ويعرفها عبد الرحمان صالح عبد الله بأنها عملية مقصودة تستضيء بنور الشريعة، تهدف إلى تنشئة جوانب الشخصية الإنسانية جميعها لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، ويقوم فيها الفرد ذو كفاءة عالية بتوجيه تعلم أفراد آخرين وفق طرق ملائمة مستخدمين محتوى تعليميا محددا وطرق تقويم ملائمة.

والملاحظ على تلك التعريفات جميعها أنها تؤكد على أن التربية الإسلامية لابد أن تستمد توجيهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهي ترفض أن تكون التربية الإسلامية بمعزل عن توجيهات الإسلام وتعاليمه سواء في إطارها النظري أو تطبيقاتها العملية. والتربية الإسلامية بهذا المعنى هي تربية هادفة مقصودة لتكوين الفرد المسلم والمجتمع المسلم والأمة المسلمة المستخلفة على حمل رسالة الله في الأرض، سواء تمت تلك التربية في مؤسسات نظامية كالمدرسة والجامعة، أو غير نظامية كالمنزل ووسائل الإعلام.

والتربية الإسلامية بهذا المعنى حسب محب الدين أحمد أبو صالح هي النظام التربوي الذي فرضه الله على المسلمين أن يربوا أنفسهم وأولادهم عليه ويوجهوا أهاليهم ويرعوهم في ضوئه دون غيره من الأنظمة التربوية الكافرة الملحدة، أو العلماني اللادينية المنحرفة.

والتربية الإسلامية وفق التصور الشامل شأنها في ذلك شأن كل تربية أخرى في العالم موضوعها تربية الإنسان المسلم، ومجالها هو جميع مجالات البحث التربوي من فلسفة وتاريخ ومناهج وطرق تدريس وإعداد معلم وإدارة وتمويل..الخ، منظورا إلى ذلك كله من المنظور الإسلامي الذي يؤدي تنفيذه لإلى إيجاد الفرد الذي يسلك سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام.

 

وتتكون النظرية التربوية الإسلامية من المصادر التالية :

 

     1- القرآن والسنة، ومنهما تتزود النظرية التربوية بمجموعة من المبادئ الموجهة، وهذه ليست فرضيات تثبت عن طريق التجربة، وبالتالي فهي ليست قابلة للرفض.

     2 - الدراسات التاريخية والدراسات التربوية لآراء العلماء المسلمين.

     3 - دراسة الشخصيات الإسلامية اللامعة في مجال التربية كابن خلدون، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم.

     4 - معطيات البحوث العلمية الصحيحة التي تلقي الضوء على طبيعة الإنسان، وطريقة تعلمه، وكذلك كل خبرات البشر التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية.

 

….لكل نظرية عناصر ثلاثة :

 

     أ – مصادر.

     ب - وسائل وأساليب وطرائق.

    ج - مقاصد وغايات.

ولا شك أن أصحاب أية نظرية قد يختلفون أو يطورون أو يغيرون في عناصرها الثلاثة، ابتداء من المصادر، ومرورا بالوسائل والأساليب والطرائق، وانتهاء بالمقاصد والغايات.

     أما التصور الإسلامي للتربية”فالمصادر ثابتة، والأهداف أو المقاصد والغايات ثابتة، والشيء الوحيد المتحرك والمتغير هو الطرائق والوسائل و الأساليب التي تتغير كلما ترقى فهم الإنسان للأصول، وكلما اجتهد في الوصول إلى المقاصد والغايات، من هنا فقط يأتي اختلاف “التصور الإسلامي لمناهج التربية” من جيل إلى جيل، ومن زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان.

وإذا كان علم النفس العام والتربوي قد جاء متلازمين من مصدر واحد هو كتاب الله وسنة رسوله (ص)، فإنهما قد جاءا وبينهما فاصل زمني في علم النفس الغربي بسبب اعتمادها على تطور الفكر في مصادر ونظريات شتى مختلفة ومتناقضة. وإذا كان علم النفس الإسلامي العام والتربوي قد صدرا من علم شامل محيط بالنفس الإنسانية من الأبد إلى الأزل.

وبمعنى آخر حسب محمد رشاد خليل فإن علم النفس التربوي هو تطبيق لنظريات التحليليين والسلوكيين والجشتلطيين وغيرهم من المؤمنين بالمذهب الطبيعي على اختلاف أشكالهم. وهذه المدارس كلها لا تعرف الإنسان المخلوق، وإنما تتكلم عن إنسان طبيعي لا روح له.

 

فلسفة التربية، ونظرية التربية :

 

تعتمد مناهج التربية كلها تقريبا-ما عدا منهج التربية الإسلامية - على نظريات تربوية. و النظريات التربوية تعتمد بدورها على فلسفات عامة، فما الفلسفة، وما النظرية، وما العلاقة بينهما، وهل يحتاج منهج التربية الإسلامية إلى فلسفة أو إلى نظرية؟ هذا ما نجيب عنه فيما يلي :

 

مفهوم الفلسفة :

 

الفلسفة مصطلح يوناني الأصل مكون من كلمتين: “فيلو”، ومعناها حب، “صوفيا” ومعناها الحكمة، فالفلسفة إذن هي حب الحكمة أو محبة الحكمة، وبالرغم من جاذبية هذا المفهوم للوهلة الأولى، إلا أن الفلاسفة والمفكرين قد اختلفوا بل وتناقضوا في ماذا تعني محبة الحكمة؟ وما زال هذا الاختلاف والتناقض قائما منذ أن نشأ هذا المصطلح إلى يومنا هذا، فالبعض يرى أن الفلسفة هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، والبعض يرى أنها مفهوم جامع للكون بما فيه من جماد وحيوان ونبات، وثالث يرى أنها علم دراسة الغيبيات وما وراء الطبيعة. والراجح أن الفلسفة هي تصور للكون والإنسان والحياة ولطبيعة العلاقات بين هذه العناصر. وقد ظل مفهوم الفلسفة يحمل طابعا فرديا، وبقيت مذاهبها مجرد وجهات نظر تحمل شارة أصحابها إلى يومنا هذا. ومع ذلك فلكل فلسفة تصور خاص للكون والإنسان والحياة.

أما فلسفة التربية الغربية فهي باختصار الجانب التطبيقي للفلسفة العامة في ميدان التربية. ومن وجهة النظر هذه يصبح من وظائف الفيلسوف التربوي تطبيق مبادئ الفلسفة المثالية أو الواقعية أو البراجماتية أو ما إلى ذلك على التربية. ولذا فإن من ينظر في أسماء مدارس فلسفة التربية يجد أنها ذات المدارس الفكرية التي يتحدث عنها الفلاسفة.فهناك فلسفة مثالية عامة،و هناك أيضا فلسفة مثالية في التربية، وهناك فلسفة براجماتية عامة، هناك فلسفة براجماتية في التربية…وهكذا.

 

مفهوم النظرية التربوية :

 

النظرية بمعناها العام الذي يشيع في الغرب، هي تفسير بعض الأمور في الماضي أو الحاضر أو المستقبل استنادا إلى اعتقاد ثابت أو مفترض.

والنظرية العلمية بمعناها الدقيق، هي محاولة لتفسير عدد من الفروض أو قوانين الطبيعة من خلال وضعها في إطار عقلي عام.

والنظرية التربوية هي مجموع المبادئ المترابطة التي توجه العملية التربوية و تحكم الممارسات التعليمية.

فإذا كانت النظرية العلمية وصفية وتفسيرية في الأساس، فإن وظيفة النظرية التربوية-كما يقول بول هيرست - هي التشخيص والعلاج. وإذا كانت النظرية العلمية تحول وصف وتفسير ما هو قائم، فإن النظرية التربوية تصف وتقرر ما ينبغي عمله مع الناشئة، وتوجه وترشد الممارسات التربوية.

ومن هذا المنطلق فإن بول هيرست وغيره من المربين الغربيين الذين يرفضون بناء النظرية التربوية؛ لأنها تمدهم بالقيم التي يريدون غرسها في الناشئة.  

التربية عند العرب المسلمين

 

تعتبر التربية المرآة التي تعكس أنظمة المجتمع على اختلافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعقائده وتقاليده وعاداته، والتربية العربية الإسلامية تعكس وضوح تعاليم الإسلام السمحة وعقائده السامية.ذلك أن الإسلام - إلى جانب ما دعا إليه من الإيمان بعقائده السامية - دعا إلى التمسك بتعاليم الأخلاق الفاضلة التي عدها شرطاً أساسياً للحياة الدينية الصالحة. وهناك عدة مبادئ قد أثرت بصفة خاصة في تطور النظرية التربوية منها مبدأ “المساواة”…؛المساواة بين معتنقي الدين الجديد، بغضّ النظر عن جنسياتهم وألوانهم. وثيقة المساواة هذه أيدها الله تعالى بقوله الكريم: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. الآية/13/ من سورة الحجرات. وأتبع ذلك بمبدأ “الإخاء والأخوة”: “إنما المؤمنون إخوة”. (الآية/10/ من سورة الحجرات). والطابع العام للتربية الإسلامية يتجلى في نزعتها المثالية في تقديم العلم والحث على طلبه، وفي الاهتمام بالفضائل الخلقية، ثم في مرونتها في طرق التحصيل واصطباغها بروح الديمقراطية التي قضت على الفروق بين الشعوب والأجناس والطبقات في مجال التعليم والدّين، وإعطاء الأفراد فرصاً متساوية في التحصيل.

 

أغراض التربية الإسلامية :

 - الغرض الديني :

 

منذ أن نزل القران الكريم وهو مرجع المسلمين في أمور العبادة والتشريع والحياة الاجتماعية بشتى مظاهرها.. حيث يعود إليه الفضل في انتشار القراءة والكتابة، وتأسيس المدارس، ونشأة العلوم المختلفة لخدمته وتفسيره وفهمه. غير أن الطابع العام للتربية عند المسلمين لم يكن دينياً بحتاً ولا دنيوياً بحتاً وإنما كان يلاءم بين الدين والدنيا، فكانت التربية تهدف إلى إعداد النشء للحياة الدنيا وللآخرة معاً في إطار الآية الكريمة: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”. (الآية /77 / من سورة القصص).

 

- الغرض الاجتماعي :

 

هدفت التربية بجانب الدين والأخلاق إلى معانٍ اجتماعية عبرت عنها مأثوراتهم.. فقد قال (مصعب بن الزبير) لابنه ” تعلم العلم، فإن لم يكن لك مالاً كان جمالاً… وإن لم يكن لك جمالاً كان لك مالاً”. ونجد أنه حينما بدأ العلماء يَكْثُرون ويتميزون في علومهم تبعاً لنمو الحركة العلمية وازدهارها، ظهرت طبقة جديدة في المجتمع هي طبقة العلماء التي نالت مكانة رفيعة عند الخلفاء والأمراء، مما دعا الناس إلى الإقبال على التعلم لينالوا هذه الحظوة الممتازة في المجتمع. وقد شجع ذلك على التنافس على الابتكار وانتشار الثقافة وازدهارها.

 

 غرض المنفعة :

 

كان من زيادة التدين أن ظهر التحرّج من أخذ الأجر في العلوم الدينية المباشرة، مثل تحفيظ القرآن الكريم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قَبِلَ أن يفدي بعض الأسرى نظير قيامهم بتعليم بعض أطفال المسلمين القراءة والكتابة مما يوضح أن المبدأ صحيح بذاته…

       هذا وكانت وظائف القضاء والتعليم غايات سعى إليها كثير من الناس وأعدوا أنفسهم لها، وقد كان لرغبة الناس في حفظ القرآن والتفقه في الدين أثرها في نشوء الحاجة الى المدارس حيث كانت المدرسة الأولى هي المسجد، فكان عامة الناس الذين يرغبون في تعليم أولادهم يبعثون بهم إلى المساجد حيث كانت تعقد حلقات لدراسة القران والحديث.. وكانت المساجد في معظم المدائن الإسلامية مراكز التعليم لها.. ولم تكن المسائل الدينية فحسب هي موضوع الدرس في هذه المجالس بل كانت تعالج فيها أيضاً الموضوعات اللغوية والشعرية إلى جانب الندوات الأدبية التي تنعقد في بيوت المثقفين والأدباء التي عرفت باسم “مجالس الأدب”.

ومن أنواع المدارس- غير الكتاتيب- لتعليم الصبيان: بعض المنازل والحوانيت التي كانت تكمل عمل المساجد والكتاتيب. وكانت المدارس العالية ك”بيت الحكمة” ببغداد للتعليم العالي: الذي يعتبر أول معهد هام في الإسلام، فكان مكاناً للترجمة ومجمعاً علمياً ومكتبة عامة، وكان فيه مرصد متصل به لتعليم الفلك.

وكان أول مجمع علمي حقيقي هو” المدرسة النَّظَّامية” التي أسسها نِظَام الملك والتي اهتمت بحاجات الطلبة البدنية، وأصبح فيما بعد نموذجاً لمعاهد التعليم العليا. أما المدارس فقد نشأت في العصر العباسي وانتشرت في البلاد الإسلامية وتنوعت. وكانت التربية الإسلامية تعنى بالمعلم الذي ستوكل إليه مهمة التعليم عناية خاصة، حيث كانت شديدة الفطنة لما يجب أن يؤخذ به في هذا السبيل، فعنيت أول ما عنيت ببيان ما يجب أن يتحلى به المعلمون من مكارم الأخلاق ومحاسن المزايا، يقول ابن سينا: “ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلاً ذا دين، بصيراً برياضة الأخلاق، حاذقاً بتخريج الصبيان، وقوراً، رزيناً، حلواً، لبيباً، ذا مروءة ونظافة ونزاهة”.

ولقد رسم كثير من الأئمة شخصية المعلم بدقة وحددوا أبعادها النفسية وأفاضوا في الصفات التي يجب أن تتوافر في المعلم والواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها المربون نحو طلبتهم. فقد كان على المعلم أولاً الاطلاع والتنقيب والمراجعة.

والعنصر الثاني في عملية التربية هو التلميذ، وهو العنصر الأهم، فلقد اهتم أساتذة التربية العربية بكل ما يساعد التلميذ على التعلم، فالغزالي يرى أن من آداب الطالب أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا، فإن العلائق شاغلة وصارفة، ويستدل على وجهة نظرة هذه ببعض المأثورات التي تقول إن” العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك”. كما اهتم الأئمة بالمناظرة التي تساعد التلميذ على تنمية قدرته على التعبير عن نفسه وترتيب أفكاره وتجديد نشاطه التلقائي. ومن العوامل المساعدة على التعلم: اختيار الوقت وتحديد الساعات الملائمة للقراءة. وأما المكان المناسب للدراسة والحفظ فأجود أماكن الحفظ هي الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومن العوامل الأخرى التي دعوا إليها ألاّ يكتفي الطالب من الاستفادة وأن يكون دائماً مستعداً لتحصيل العلم وألاّ يتكبر على العلم ولا يتآمر على المعلم فهو لن ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع. كما أن الأئمة قد نصحوا الطلبة ألا يدركهم الحياء من سؤال ما يُشْكِل عليهم لأن الاستحياء يفوت عليهم مصلحتهم. كما اهتموا أيضاً بالفهم فلا ينبغي أن يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه فإنه يُذهب الفطنة ويضيع أوقاته، وإذا تهاون في الفهم يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير.

أما بالنسبة لأساليب الدراسة كما هو متبع في القرن الرابع الهجري، أي تنظيم الوقت الدراسي للتلاميذ، فقد كان الصبي يذهب مبكراً إلى الكُتّاب فيبدأ بحفظ القرآن ثم يتعلم الكتابة، وعند الظهر يعود إلى المنزل لتناول الغداء ثم يرجع بعد الظهر ويظل حتى آخر النهار، وكانت عطلة الصبيان تبدأ من ظهر يوم الخميس وسحابة يوم الجمعة ثم يعودون في صباح يوم السبت. كان الطفل يذهب إلى المكتب وسنه قريبة من السابعة ثم يقضي ما يقارب ثلاث سنوات أو أربعاً في استظهار القرآن والوقوف على أصول الدين وتعلم بعض مبادئ اللغة والشعر، وبعد ذلك ينقل إلى المدارس. أما منهج المرحلة التالية فكان يشتمل على القرآن والتفسير والفقه والنحو والأدب والشعر والحساب والهندسة والحديث.

وتشتمل مرحلة التعليم الثالثة علوماً متنوعة كالطب والكيمياء والرياضيات والفلك والطبيعيات والإلهيات والمنطق والموسيقى والحيوان والنبات. وقد جرت طريقة التدريس في تعليم التلاميذ على ثلاثة أساليب هي: الإلقاء الذي يمكن أن يسمى (المحاضرة)، والإملاء أو التلقين، ثم المناقشة أو المذاكرة أو المناظرة. وقد فطن الأئمة إلى أن من شروط التفكير الصحيح أن تكون الألفاظ صحيحة محددة في الذهن لأن تجارب الطفل محدودة وانتباهه ضيّق المجال، والمعلم هو الذي يساعده على ربط الأشياء بعضها ببعض وعلى فهم ما لا يعلم في ضوء ما يعلم. والمدرس لا يستطيع أن يجعل تلاميذه مهتمين بموضوع ما اهتماماً عميقاً إلا إذا كان هو نفسه مهتماً كل الاهتمام بهذا الموضوع ومتحمساً له، فالمدرس العالم هو وحده القادر على تزويد سِواه بالعلم.

ويرى خالد روشه أن العملية التربوية تظل قاصرة عاجزة على أن تؤتى ثمارها مادامت الحركة الإسلامية لم تستطع أن تنتج المربين الأكفاء الذين يستطيعون التطبيق العملي للأطر النظرية المنهجية للعمل الإسلامي.

وعملية إنتاج المربي الكفء عملية معقدة للغاية تتشابك فيها عدة محاور إنسانية واجتماعية ونفسية تخرجها عن كونها عملية معملية قياسية بالمعنى الذي ينص عليه المنهج التجريبي العلمي المعملي..فالعناصر الإنسانية المتكاثرة - كمدى رسوخ العقائد والقيم والمبادئ الشرعية ومدى الاستقرار النفسي للمربي وقربه أو بعده عن الشخصية السوية ومدى تشربه للأخلاق النبوية ومدى الاستعداد للبذل في سبيل تلك العقائد والقناعات - والتي لا يمكن اختبارها معملياً، حيث يستحيل تثبيت بعض العوامل المؤثرة في الاختبار وتغيير الأخرى تجعل هناك ما يشبه الاستحالة في قبول معادلات كتلك المعادلات الكيميائية ثابتة النتائج أو التطبيقات الفيزيائية ثابتة التجريب في عملية التربية الإنسانية!

وإذا اعتبرنا العملية التربوية الناجحة هي ” ما يجب أن تقوم على عدة خطوات متتالية ومتجانسة ومتبادلة بين القائم بها (المربي) والمستقبل لها (المتعلم أو المتربي) وأن يكون ذلك في إطار نظري منهجي مقبول يعتمد على أساليب مختلفة بما يتناسب وظروف التطبيق “.. فإننا ندرك مدى أهمية القائم المحرك لتلك العملية وهو المربي.

- نظرات التربويين.. رؤية مقارنة :

اختلفت نظريات التربويين فيما هو أساسي وما هو فرعي من العناصر الأولية المطلوب وجودها لإنجاح عملية تكوين وإنتاج المربي الكفء، وكان من نتيجة هذا الخلاف أن نادى البعض بتحويل المجتمع المسلم كله إلى مربين ورأى هؤلاء إمكانية تحويل أي مسلم أياً كانت صفاته وإمكاناته إلى مرب لأجيال وموجه لأمة… ولاشك أن هذا الاتجاه – وهو الاتجاه السائد الآن بين طوائف العمل الإسلامي – لا يفرق بين الأدوار التي يجب أن يقوم بها الأفراد كل على حده وما هي المواصفات المطلوبة لكل دور، فإنه ولاشك يجب أن يفرق بين دور المسلم كداعية إلى الله وبين دوره كإداري وقيادي ميداني وبين دوره كمرب ومعلم..

فالداعية وصف عام يجمع شتى الأدوار وأما القيادي الميداني والإداري فيحتاج إلى مواصفات قد تخصه بالذات دون غيره, من الخبرة     والحزم الشديد والجرأة والشجاعة والمغامرة والمبادرة والتتبع والاستقصاء   والحكمة والفراسة… إلى غير ذلك مما هو معروف مما كان يتصف به وبأكثر منه القادة المغاوير أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ في غزواتهم وحروبهم وفتوحاتهم.. فلك أن تتصور شخصية كشخصية خالد بن الوليد أو عمرو بن العاص أو غيرهم في مقابلة شخصية مدار عملها على التربية والتعليم والتقويم والتوجيه للأمة كمعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس _ رضي الله عنهم أجمعين _..

- اتجاهات اختيار الصفات.. فشخصية القائد إذن هي تلك الشخصية التي تستطيع تحقيق إنجازات الأهداف المعينة لها من خلال توجيه الأفراد التابعين لها، فهي إذن شخصية ينتهي دورها المعين عند بلوغ الهدف المحدد، أما شخصية المربي : فهي تلك الشخصية التي تستطيع تشكيل الأفراد وتهيئتهم على شتى المستويات العلمية والإيمانية والسلوكية وغيرها.. وبالعموم فإن هناك اتجاهين في طريقة اختيار المربين :

الأول: اتجاه التشدد في الانتقاء والمبالغة في تحديد الصفات الخاصة بالمربي، وهو اتجاه تغلب عليه المثالية في تصور حال المربي؛ بحيث ينتهي الأمر عند مطابقة هذه المواصفات واقعياً إلى صورة نظرية على الأوراق لا علاقة لها بالتطبيق في الواقع.

الثاني: يقوم على التساهل في انتقاء صفات المربي؛ بحيث تتسع الدائرة لتشمل أعداداً كبيرة جداً، ودافع ذلك الاتجاه تغليب احتياجات الدعوة وتبعات انتشارها وانفتاحها وزيادة أعداد المتلقين
وكلا الاتجاهين قد أثبت الواقع التطبيقي فشله..!

فالاتجاه الأول تعطيل للعمل التربوي إذ يربطه بالمثال النادر التحقق، وإعاقة لجهود الارتقاء به، ومدعاة لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية أن يتراجع ويترك العمل، أما الاتجاه الثاني يؤدي إلى إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية وهي مهلكة لهم، فوق أنها مضيعة للعمل. وهنا تبرز الحاجة لوضع نموذج للقائمين على العملية التربوية يسترشدون على أساسه بحيث يتلافى سلبيات النموذجين السابقين ويسهل تطبيقه واقعيا.

- العناصر الأساسية المطلوبة لإنتاج المربي الكفء ونستطيع أن نقول من خلال الاستقراء العملي والعلمي: إن هناك معطيات معينة تقترب - إذا اجتمعت - من عملية ناجحة لإنتاج مرب ناجح، وهذه المعطيات هي (العمق الإيماني، الشخصية السوية، العلم التطبيقي، البيئة المناسبة للتربية، المهارات المخصوصة، التقويم) ونحاول أن نتلمس أهم مواصفات كل عنصر من تلك العناصر:

أولاً: العمق الإيماني:

وهو العنصر الأول الذي ينبغي توافره في الشخصية المرشحة للقيام بالعملية التربوية، فبدونه تفشل الشخصية في تحقيق أهدافها، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن العملية كلها تتعرض للفشل الذريع، ومن عجب ما رأينا في بعض أوساط العمل الإسلامي أن تسند العمل التربوي إلى بعض المربين لا لشيء غير أنهم نشطاء حركيين – كما يحلو للبعض تسميتهم – وتناسى من كلفهم بتلك الأعمال شرط الإيمان العميق الذي هو الشرط الأول في الشخصية التربوية، والذي يقوم أساسه على عدة محاور نذكر بعضها :

 

أ - الإخلاص:

فكلام المربي الذي يفتقر إلى الإخلاص كدخان في الهواء لن ينتفع به أحد، وإنما الإخلاص زينة الكلام وعطره، يجذب إلى سماعه السامعين ويقرب منه اللاهين، سمع الحسن يوماً واعظاً يعظ الناس، فقال له: يا هذا إما أن يكون في قلبك شراً أو في قلبي، إن حديثك لا يمس قلبي!! والمربي المخلص يوفقه الله في انتقاء كلامه وموافقة المناسب من أوقاته والمؤثر من ألفاظه والحديث المخلص هو أشد الأحاديث إقناعاً وثباتاً في قلب السامع، يروي أحد تلاميذ القعنبي شيخ البخاري يقول: كان الشيخ يحدثنا ولحيته ترتش بالدموع!!

 

بالصبر:

 

ودافع الصبر هو الإيمان العميق الذي نتحدث عنه وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، ومقصودنا في الصبر كعنصر أساسي من عناصر شخصية المربي المكونة أن يستطيع الصبر على متعلميه ومتربيه والمجتمعات التي يتوجه إليها، وكذا الصبر على دعوته وأن يثبت عليها وعلى مبادئه وقيمه ومعتقداته، روى عبد الله بن الإمام أحمد أنه سأل أباه يوماً : يا أبت متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم أضعها في الجنة!

 

ج – الزهد :

وهو مطلب هام وعنصر أساس في شخصية المربي، ومعناه الإعراض عن الزينة والالتفات عن المتاع ورجاء الجنة في الآخرة، فليس شيئاً أسوأ من مرب غارق في ملذات الدنيا ومتاعها وزخرفها وما من شيء أسوأ أثراً على المتربين من مرب منكب على جمع الدينار والدرهم وتغيير الثياب وتبديلها، وتعمير البيوت وبنائها، ومهما اختلف الناس في تعريف الزهد والنظر له يبقى حال النبي _صلى الله عليه وسلم_ والصحابة والتابعين والعلماء هو النموذج المثالي الأوضح للاقتداء به، ولقد علمنا أنه ما من أحد منهم إلا وكان معرضا عن الدنيا وزينتها راغباً في الآخرة وجنتها … وللأسف فكم رأينا من أحوال لمن يشتغلون بالعملية التربوية في هذه الأزمان وهم غارقون في الإسراف والزخرف، فكيف إذن نتصور صفات الجيل الناتج من هكذا مربين؟! يروي الذهبي في السير أن الإمام أحمد لما سافر إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة فاشتغل حمالاً بأنصاف الدراهم ليشترى طعاما يتقوت به، فرآه عبد الرزاق وهو يحمل على ظهره المتاع، فانفرد به خلف باب بيته وهو قادم للدرس فقال له: يا أحمد إنه عادة لا تجتمع عندي النفقة ولكنني جمعت لك من أهل البيت بعض الدراهم فخذها وانتفع بها فقال أحمد: لو كنت آخذاً من أحد لأخذت منك يا إمام، ولكنني معي نفقتي التي تكفينى وتزيد حتى أعود!!

موقف النظرية التربوية الإسلامية..
من النظرية التربوية الغربية

يقدم عبد المجيد بن مسعود موقف النظرية التربوية الإسلامية من النظرية التربوية الغربية، فلعل من الثوابت التي أصبحت راسخة في وجداننا الحضاري وسلوكنا الفكري ـ نحن المسلمين ـ في العصر الحديث، وباتت تتحكـم بقدر غير يسير في منهج دراستنا للظواهر، وتحليلنا لمختلف القضايا الفكرية والتربوية، لعل من تلك الثوابت: أن نعرض الأنساق والنظم الإسلامية المرتبطة بشتى مجالات النشاط النظري والفكري، في سياق المقارنة بينها وبين مثيلاتها في عالم الغرب، ولا شك أن هذا الثابت النسبي ستستمر مسوغاته وفعالية تأثيره على تحليلاتنا ودراستنا الفكرية والنظرية، ما دام هناك في واقعنا المعاصر فئات عريضة من الناس تنظر إلى الغرب على أنه مركز الحضارة والإشعاع الفكري المستنير الذي لا نملك إزاءه إلا أن نطأطئ رؤوسنا في خشوع! من هنا رأيتني أُقبل على دراسة موقف النظرية التربوية الغربية ومناقشتها في ضوء معالم التربية الإسلامية؛ بغرض إبراز التصور التربوي الإسلامي للتربية. والواقع: أن منهجية المقابلة هذه لا يمكن للتصور الإسلامي إلا أن يخرج منها منتصراً مرفوع الرأس؛ لأنه ينطلق من موقع قوة يستمدها من ربانية مصدره التي تمنحه التنزه عن التجاوز والضعف، والاهتزاز والقصور، لأن منهجية المقابلة تقتضي عرض الصـورة كاملة أمام الناس ـ بكلى طرفيها ـ فيتضح الطرف الهزيل من الطرف القوي، من خلال إبراز العناصر والمكونات التي تدخل في نسـيج كل بناء نظري على حـدة.

النظرية التربوية عرض وتقديم:

 

هناك قواسم مشتركة بين النظريات التربوية الغربية تتمثل فيما يلي :

أولاً : الاعتماد المطلق على العقل :

منذ البداية يمكننا أن نلفت النظر إلى حقيقة أساس مفادها :  أن النظريات الغربية على تعددها وتباينها في بعض الخصائص والصفات، تكاد يجمعها قاسم مشترك هو : كونها صادرة عن مصدر وحيد في المعرفة هو : العقل البشري في حركته ومعاناته وقلقه المأساوي في البحث عن الحقيقة، وكونها صادرة عن تصور واحد للكون والإنسان والحياة. والجدير بالاعتبار أنه ما من نظرية في التربية إلا وهي انعكاس لمذهب فلسفي ما، وهذه قاعدة عامة لا يمكن أن يند عنها أي مذهب تربوي . ولا تعدو الاختلافات التي تظهر بين نظرية وأخرى أن تكون تعبيراً عن الاختلاف والتنوع في الملابسات والتطورات التاريخية التي مرت بها المجتمعات الغربية، بكل ما تحمله تلك التطورات من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وغيرها.

 ثانياً : النظريات التربوية الغربية ضيقة الأفق أحادية النظرة، فالنظرية التربوية المثالية هي صدى للفلسفة الأفلاطونية حيث يقول أفلاطون بعالمين : (العالم المحسوس) ويتألف من الأجسام أو الماديات، و (العالم المعقول) وهو يتكون من الموجودات المجردة. فتلك النظرية تنطلق أساساً من (الصدارة المطلقة للروح على المادة) وهي تفضي إلى تصرف تأملي يهمل المشكلات الزمنية، وطبيعة الإنسان الأرضية، وتعنى أساساً بكمال الروح ونجاتها.

وانطلاقاً من هذه المعطيات يتجلى لنا الطابع النظري الذي يكتسيه التعليم في إطار النظرية المثالية؛ حيث إن الهدف من التربية يرمي بالدرجة الأولى إلى (تمرس العقل بالتراث الفكري والعقلي الذي خلفته الأجيال السابقة، بل اكتسب هذا التراث صبغة القداسة وأصبح ينقل بحرفيته، وارتبطت موضوعات الدراسة بضرورات التراث بدلاً من ضرورات الواقع، وصارت صلتها الوثيقة بالماضي في تحوّل دون ارتباطها بالحاضر والمستقبل.

أما المذهب الطبيعي، فإنه على العكس من المذهب المثالي؛ إذ يركز على الجسد وما به من عواطف وغرائز وميول، فيعطيها الأهمية القصوى على حساب العقل. وإن كان من المعلوم أن هذا المذهب قد تجاوز من طرف التيار النفسي في التربية الذي يستمد أسسه من رائد المذهب نفسه ( روسو)، حيث يرى ( بأن اللجوء إلى علم النفس هو الإمكانية الوحيدة لتوفير المعيار الحقيقي لموضوعية البيداغوجيا ). ومما يؤخذ أيضاً على هذه النظرية تضييق نطاق التربية بحيث ينحصر في الطفل، الأمر الذي أدركت التربية المعاصرة خطأه وقصوره فوسّعت نطاق التربية ليشمل المراهق والراشد والشيخ، وهذا ما أكدت عليه الرابطة الدولية الجديدة - للتربية الجديدة. أما المذهب البرجماتي، وهو ذلك المذهب الذي يحوّل  (النظر بعيداً عن الأشياء الأولية والمبادئ والقوانين والحتميات المسلّم بها، (ويوجه) النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار. فـإن مركـز الثقـل فـي اهتمامـه لا ينصبّ على الحقائق الثابتة، وإنما على ما يحصله الإنسان من منافع يستثمرها في حياته العلمية حتى إنه ينظر إلى الحقيقة على أنها هي المنفعة وفي هذا (خلط واضح بين الحقيقة نفسها، والهدف الأساس من محاولة الظفر بها، فقد ينبغي أن يكون الغرض من اكتساب الحقائق هو استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة، ولكن ليس هذا هو معنى الحقيقة بالذات، فإعطاء المعنى العلمي  - البحت - للحقيقة، وتجريدها من خاصية الكشف عما هو موجود وسابق! استسلام مطلق للشك الفلسفي الذي تحارب التصورية والسفسطة لأجله، وليس مجرد الاحتفاظ بلفظة الحقيقة في مفهوم آخر كافياً للرد عليه، أو التخلص منه، وما دام تيار الحياة متنامياً في سيره، فإن حقائق جديدة تلغي وتتجاوز الحقائق القديمة، فلا شيء يبقى ثابتاً!، وفي ضوء هذه القناعة فإن أصحاب هذا المذهب يرون أن التربية والنمو صنوان وليس للنمو غاية تتجاوزه أو تعلو عليه، فغاية النمو هو النمو ذاته.        إن من عيوب هذا المذهب جعله الحياة الحاضرة محوراً وحيداً للتربية دون الالتفات للحياة المستقبلية، الأمر الذي جعله يفتقد قاعدة صلبة من المبادئ والأهداف الثابتة التي تضبط حركة الحياة، وتحمي الإنسان من التيه والقلق والتأرجح بين أحداث الحياة وتطوراتها المتلاحقة، وتلك نتيجة حتمية لإغفاله للجانب الروحي في الإنسان ورفضه للإيمان بما وراء المادة، وهذا ما حكم على نظريته التربوية بالدوران في حلقة مفرغة، فهي تدور مع حركة الحياة المادية حيث دارت من غير الاستناد إلى مبدأ عميق ومقياس دقيق تفصل بواسطته بين الغث والسمين، والصالح والطالح ضمن تراث الإنسانية المترامي الأطراف، وتنفذ بواسطته وراء أسوار الحياة المادية الضيقة.

 

 

سمات عامة في التربية الغربية:

 

       وهكذا فإننا إذا تأملنا المذاهب التربوية الثلاثة تبين لنا بوضوح انطباعُها بطابع النظرة الأحادية الجانب، التي تركز على بُعد واحد من أبعاد الكيان الإنساني على حساب الأبعاد الأخرى؛ فقد لمسنا كيف يضخم المذهب المثالي جانب الروح على جانب الجسد بكل ثقله، مستهيناً بما يستشعر ذلك الجسد من حاجات، عازلاً الإنسان عما تموج به الحياة، مغرقاً إياه في صور وخيالات غريبة لا قِبَلَ له بها، مخرجاً إياه من فطرته التي فطره الله (تعالى) عليها، وهذا في مقابل المذهب الطبيعي الذي يفعل العكس تماماً؛ فليس هناك في ظل ذلك المذهب مُثُلٌ عليا يتجه إليها، غير الانسياق وراء ما تمليه عليه الطبيعة، ولا مكانٌ مرموق لقوى العقل وضوابط الأخلاق، والثغراتُ نفسها تشكو منها النظرية التربوية البراجماتية؛ إذ إن إعداد الإنسان عندها هو الإعداد لحياة هادرة يتقلب الإنسان بعنف وراء أمواجها المتلاطمة دون تحديد لقواعد ثابتة يتم الرجوع إليها وللكمال الذي يأوي إليه.

إن نتيجة مهمة يمكن استخلاصها مما سبق، وهي أن تضارب الأفكار والمواقف الذي تعبر عنه النظريات الغربية، هو برهان ساطع على أن المنطلقات التي تصدر عنها تلك النظريات خالية تماماً من اليقين العلمي، وإلا لانتهت إلى قناعات مشتركة حول قضايا الإنسان والمجتمع، فهذا التخبط الذي تعاني منه هذه النظريات وغيرها نابع من الجهل بحقيقة الوجود وحقيقة الإنسان محور الحياة فيه، وهذا ما يؤكد عليه الدكتور (ألكسيس كاريل) في قوله: (إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة. من سمات النظرية التربوية الإسلامية: إن التصور الإسلامي في التربية تجاوز ذلك التخبط الرهيب، الذي ظل يلاحق النظريات الغربية؛ لأنه ينطلق من أسس وأصول محكمة وفهم شامل حول الكون والإنسان والمجتمع بني على وحي ممن خلق الإنسان ويعلم حقيقته وجوهره : “أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ “[الملك :14] ، وهو يتعامل مع الإنسان على بصيرة، بمكوناته كلها، دون إغفال إحداها لصالح الأخرى؛ لأن مطبقيه يعلمون أن ذلك الإغفال هو مدخل الخلل في الكيان البشري وانعدام التوازن فيه، وبالتالي إفلات الزمام تماماً من قبضة المربين الذين يتولون تنشئة الإنسان، وتعرّض هذا الأخير للدمار والانتكاس. فالتربية الإسلامية التي تنبثق من الإسلام ونظرته الشاملة في الكون والإنسان والمجتمع، تميز في المعرفة بين مجال يرتاض فيه الإنسان بطاقاته العقلية، ويصل فيه إلى اكتشاف حقائق وأسرار، وهو مجال الطبيعة الفسيح الذي لا قِبَلَ للإنسان بمعرفته إلا عن طريق الوحي الإلهي: أي عن طريق الدين الصحيح، وهو مجال (ما وراء الطبيعة)، والكيان البشري بتعقيده الهائل وتفاعل عناصره جزء من ذلك المجال، وبتعبير واضح: مجال تنظيم حيـاة الإنسان وعلاقاته بالآخرين في دوائرها المختلفـة وكيفية معاملته لذاته.
فإصرار الفكر الغربي على أن بوسعه معرفة كل شيء عن الإنسان هو الذي قاده إلى الطريق المسدود، والأزمة الخانقة التي تضرب الغرب بعنف شديد. العلوم الكونية بين ذانك المنهجين :

وتقودنا المسألة الآنفة الذكر إلى البحث عن الدافع الذي كرس لدى الإنسان الغربي هذا الاعتداد بالعقل. ومن الميسور لنا أن نقول بأن التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان الغربي أدى إلى إصابته بالغرور والانبهار؛ فاعتقد ـ خطأً ـ أن العلم هو الآلة السحرية التي لا يند عنها شيء، ولا يعزب عنها مثقال ذرة، وخيل إليه من فرط إعجابه باكتشافات العلم أن هذا الأخير أصبح بديلاً عن الدين في تحقيق السعادة للإنسان. أما التربية الإسلامية، فإنها تنظر إلى العلوم الكونية على أنها مجال لتعميق الإيمان بالخالق (عز وجل)؛ إذ إن المعرفة ليست معزولة عن الحكمة، بل هي على العكس من ذلك المحراب الذي يقود إليها، قال (تعالى): ((إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)) [فاطر: 28]، وقال (تعالى) : ((إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (آل عمران،190) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) ، (آل عمران، 190-191). وإننا بنظرة عميقة إلى كلمة الشهادة التي هي إعلان لدخول الإنسان في الإسلام نتبين حقيقتين عظيمتين في الوقت ذاته: الحقيقة الأولى: هي مسؤولية الإنسان الفردية في فعل الشهادة، والحقيقة الثانية : تعني أن تعبيري عن الشهادة بقولي : (أشهد أن لا إله إلا الله) (لا يحدث في فراغ أو في انعزال عن عالم الطبيعة، وإنما يحدث في عالم الطبيعة وبه، فالمعرفة المطلوبة في الشهادة لا تحدث في الإنسان وحده كعارف، وإنما تحدث فيه بوجود موضوع المعرفة أو وجود عالم المخلوقات بما فيها هو نفسه كأحدها. أهداف التربية بين المنهجين: إن الخصائص المذكورة التي ميزت النظريات الغربية في التربية، ومن بينها وقوع الفصام النكد بينها وبين الدين، وبالتالي التعويل على العقل وتأليه العلم، كل ذلك أوقع التربية الغربية في الذاتية والهوى ومحدودية الأفق في تحديد الأهداف الكبرى التي تتوخاها، ورغم الشوط الذي قطعته العلوم الإنسانية في الغرب، فإنها لم ترتق بتلك الأهداف (فعلى الصعيد الفردي دعت هذه العلوم الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنها منبع القيم المستقل والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده، وأصبحت الحرية في نظر الغرب متساوية مع الممارسة التي لا تخضع لمبدأ أو قانـون، بل تصدر عن الإرادة الشخصية مجردة)، وقد تأثرت نظرية التربية بهذه النزعة إلى التمركز حول الذات؛ فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجانس في الرغبات بين أفراد المجتمع الواحد، أما إذا تجانست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها. لقد استقرت التربيـة الغربية على أن الهدف الأسمى (للتربية) الذي ينبغي العمل على تحقيقـه هـو إعـداد المواطن الصالح، وشتان بين هذا الهدف الضيق والهدف الرفيع الذي ترمي إليه التربية الإسلامية، وهو إعداد الإنسان الصالح (الإنسان بجوهره الكامن في أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان؛ وذلك معنى أشمل ـ ولا شك ـ من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين. من إيجابيات النظريات التربوية الغربية : وإذا كانت النظريات الغربية ـ موضوع النقاش ـ تشكو من تلك العيوب والثغرات التي رأيناها، وهي عيوب وثغرات مترتبة حتماً عن طبيعة الأسس الفلسفية التي يشيد عليها أعلام الفكر والتربيـة في الغرب أبنيتهم ونظرياتهم التربوية، فإن الإطار العام لتلك النظريات قد اشتمل على بعض الاجتهادات في مجال التنظير والتطبيق التربويين، التي مكنت الفكر التربوي الحديث من تجاوز بعض العناصر المثبطة؛ فاهتداء التربية الحديثة في شخص أحد أقطابها المرموقـين (روسو) إلى أهمية وضرورة تحرير الطفل من عوائـق الآباء والمجتمع، وتحذير (البراجماتية) ـ مستفيدة في ذلك من تراث(روسو) من سلب الطفل فاعليته وقصر نشاطه على تقبل آراء المعلم ومتابعـة أفكـاره، بـدل إشراكـه بطريقة ديمقراطيـة في التفكير والبحث والتمحيص ليصـل إلى الحقائق بنفسه، كل ذلك شكّلَ مكاسب في إطار الفكر التربـوي الغربي أزاحت مجموعة من العوائق التي كبلت الفعل التربوي مما تسبب عنه ارتقاء في المردود التربوي وتحسن في وتيرته.

ملحوظة مهمة : ومن خلال بحث هذا الموضوع أرى ـ من الأمانة العلمية والإخلاص للحق ـ أن نورد ما انتهى إليه أحد الباحثين من أن هذا الذي أصبحت تنادي به التربية الحديثة من ضرورة تخفيف (آثار البيئـة وآثار الآباء على نمو الأطفال من ناحية، وتنظيم البيئة التي تتطابق أكثر من غيرها مع خير نمو لنموهم العقلي والخلقي من ناحية أخرى، إن هو إلا تعبير عما جاء به الإسلام ممثلاً في مفهوم الفطرة الواردة في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه…إن التأمل في واقع الإنسان يدلنا على قابليته للتطبـع بعقائد البيئـة التي تكتنفه في مراحله الأولى؛ مما يترتب عنه تشكّل عقليته ونظرته للحياة في قوالبها، كما يدلنا على حرص الآباء على أن يكون أبناؤهم على غرار النماذج المرضية عندهم المألوفة لديهم. في خضم هذا الوضع يعلن الإسلام عن مبدأ الفطرة التي تعني أن مصير الولد في عقيدته وأخلاقه كامن فيه وليس في المجتمع الذي يولد فيه و (هذا التركيز على ما أوجد في خلق الإنسان من قدرات ترشحه لحب الحق وللتوجه نحوه وبه، نَقَلَ مهمة التربية نقلاً جذرياً وغيّـر غاياتها تغييراً أساساً، فبعد أن كانت مهمتها نَقْلَ ما توارثه الآباء والمجتمع صارت مهمتها توفير ما يلاءم فطرة الإنسان من نمو عقلي وخلقي ووجداني، وصارت غايتها كمال هذه الفطرة، وبهذا الانتقال ارتقت التربية من ضيق وتعدد نسبية المجتمعات المختلفة إلى تربية عالمية ترتبط بحقيقة الإنسان أينما كان وفي أي عصر كان.

خلاصة واستنتاجات: يَتَبَينُ من المعطيات السابقة أن في الإسلام تصوراً يمتلك مقياساً دقيقاً يُعْرَض عليه ما توصل إليه التراث الإنساني في المجال التربوي، يقبل منه ما يقبل مما هو داخل في نسيج الحقائـق المعبرة عن واقع الإنسان، ويرفض منه ما يرفض مما لا تتوفر فيه شروط الصدق وموافقـة قوانين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ومن هذا المنطلق : فإن التصور الإسلامي يتبنى بكل ثقة ما تتوصل إليه الإنسانية من كشوف متميزة ومناسبة في عالم التربية بما لا يناقض أسسها ومنطلقاتها معتبراً إياها جزءاً من نسيجها الشامل على اعتبار أن في ذلك النسيج ما يدل دلالة واضحة عليها، ويهدي إليها.

النظرية الطبيعية في التربية

يُعدّ (روسو) رائد (المذهب الطبيعي) وواضع أصوله؛ ومن أصول ذلك المذهب أنّ الفرد هو شعار التربية، وأنّ التعبير عن الذات هو الهدف النهائي لها؛ وبنى الطبيعيون على هذا أنّ التربية القويمة لا تتحقق إلا بإطلاق الحرية التامة للأطفال، وأنّ من مقتضيات الحرية أن يكون التعليم مختلطاً، وأن يُسْمح بالرقص والسباحة والتعري ومناقشة مسائل الجنس بلا تحفظ، أما المشكلات الجنسية فترجع أسبابها ـ بزعمهم ـ إلى رغبة الآباء الذين يريدون حمل أبنائهم على مبادئ الدين وقواعد الأخلاق! والصواب ـ بزعمهم أيضاًَ ـ أن تكون تربية الطفل بين سن الخامسة والثالثة عشرة سلبية، لا يُعلَّم فيها الطفل شيئاً ولا يُربّى خلالها أيّ تربية، بل يُترك للطبيعة، محاطاً بأجهزة وأدوات مـن شأنها أن تُوسِّع مداركه. ويـؤمـن الطبيعيون بأنّ التربية هي عملية إعداد للحاضر لا للمستقبل، ومن الخطأ ـ عندهم ـ أن يُضَحّى بالحاضر المتيقَّن في سبيل مستقبل مضنون.

ولد  جون جاك روسو في عصر كانت فيه أوروبا تعيش عصر التسلط الكنسي المتحالف مع الإقطاع، عصر سادت فيه الأنظمة الإقطاعية والاجتماعية الجامدة، التي ولدت أنواعا من الظلم والبؤس عانت منها الطبقات الفقيرة، فرنسا كانت نهبا لصراعات داخلية من أبرزها محاولة الطبقة البرجوازية(المتوسطة) الجديدة التحرر من الحكم الملكي الاستبدادي الممثل لتحالف رجال الدين مع الإقطاع.

وقد غذت محاولات التحرر هذه عدد من المفكرين والفلاسفة باسم “حركة التنوير” التي كانت تتطلع إلى فك قيود الفكر من سيطرة التقاليد والخرافات في عصر متنوع الاتجاهات والمذاهب.

حياته: ولد سنة 1712 في جنيف بسويسرا من أب فرنسي وأم سويسرية توفيت مباشرة بعد الولادة، وقد قال روسو في هذا الشأن في كتابه “اعترافات” لقد كلفت أمي حياتها وكانت ولادتي هي سوء حظي في هذه الحياة”.

في السادسة من عمره علمه والده القراءة والكتابة، ومساء يقرأ على مسمعه ما تركته أمه من كتب التاريخ والروايات و الأدب فنمت لديه عاطفة وحب للخيال وعشق للحرية. دخل المدرسة لفترة قصيرة في قرية بوزي (Bossey) قرب جنيف، لكن ما لبث أن تركها.

بعد ستة عشر من عمره عاش سنوات من البؤس والتشرد والبطالة.

في التاسعة عشر من عمره تعرف على السيدة دي وارنز (De Warnes)  رعته وأعادته للمدرسة من جديد وحببت إليه القراءة، وساعدته في إيجاد عمل في إحدى الدوائر الحكومية عرف نوعا من الاستقرار هذه العشر سنوات.

في الثلاثين من عمره غادر جنيف إلى باريس حيث كان أصحاب حركة التنوير ينشرون أفكارهم في الحرية والمساواة والعدالة، فتعرف روسو إلى بعضهم وعقد صدقات من ديدرو وفولتير (Voltaire & Didero).

فاز ونال جائزة على بحث كتبه، عنوانه “مقالة في الفنون والعلوم”، وهنا نقطة تحول له حيث كتب مقالات كثيرة وألف كتبا عديدة جلبت له الشهرة ونقمة رجال الدين وأهل الحكم وأمرت السلطات بحرق كتبه والقبض عليه، ثم هرب إلى بروسيا إلى أن دعاه الفيلسوف البريطاني دافيد هيوم للإقامة في بريطانيا، لكن سرعان ما عاد إلى باريس، حيث عاش حياة البؤس والشقاء حتى وفاته عام 1778.

ولا يخفى خطأ هذه الآراء (الطبيعية) وضلالها، ومخالفتها للفطرة السليمة؛ فكون التربية إعداداً للحاضر لا للمستقبل لا معنى له؛ لأنّ الحاضر والمستقبل متصلان اتصال الليل بالنهار، ولأنّ التربية عملية اجتماعية، والأفراد لا يعيشون أشتاتاً كنبتات بريّة في صحراء، فإنّ أمكن ـ جدلاً ـ إعداد الطفل للحاضر بوصفه الشخصي لم يتأتَّ ذلك بوصفه الاجتماعي، وإلا كانت العملية التربوية نفسها عبثاً لا طائل تحته. ولا معنى ـ كذلك ـ لإطلاق الحرية التامة للأطفال ما داموا يجمعهم مكان واحد وزمان واحد، وإنما يُتَصَوّر إطلاق الحرية التامة لطفل واحد، أو لأطفال مبعثرين قد تقطّعت بينهم الأسباب! ولا معنى لانتهاء حرية الفرد عندما تبدأ حرية الآخرين إلا انتفاء الحرية المطلقة التي يدّعيها أو يدعو إليها الطبيعيون، والحرية المطلقة ـ إنْ وجدت ـ عاقبتها تحويل المجتمع برمّته إلى بؤر فساد وإفساد. والقول بأن التربية المقصودة هي إفساد لطبيعة الطفل الخيّرة.. تحكّمٌ بلا دليل، وإذا كان الصغار كما تفترض المدرسة الطبيعية ملائكة فلِمَ لا يحافظ خريجو المدرسة الطبيعية على نقائهم؟ ولِمَ لا يكونون هم المؤثرين فيمن سواهم من الناس، إذ هم كبار راشدون؟! بل الصواب كما قال (المناوي) في شرح حديث الفطرة الذي رواه البخاري: “… أنّ الإنسان مفطور علـى التهيّؤ للإسلام بقـوة، ولكـن لا بد من تعلُّمه بالفعل؛ فمن قدَّر الله كونه من أهل السعادة قيّض الله له مَن يعلّمه سبيل الهدى فصار مهذّباً بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبَّب له مَنْ يغيّر فطرته ويثني عزيمته”. واكتساب المعرفة ليس رهناً بإتباع أسلوب التعلم كما يزعم الطبيعيون، وإلا فمتى يكتسب كل طفل بذاته ذلك الكمّ التراكمي الهائل من المعارف والخبرات التي جمعتها البشرية عبر العصور؟! أما إطلاق الحريات للغرائز الجنسية، والأخذ بالتعليم المختلط، وإباحة التعري لمن شاء من الطلبة والطالبات فلا ريب أن ذلك هو ـ عينه ـ المتسبب في إنتاج المشكلات وترويجها، ولا يمكن أن تكون مبادئ الدين وقواعد الأخلاق هي المتسببة فيه، لا، حتى ولو كان الدين مُحَرَّفاً كدين الغربيين، والأخلاق منحرفة كأخلاقهم! ومعلوم أن الغريزة الجنسية لا تثور من تلقاء نفسها، بل لا بد لها من مثير يثيرها؛ فكان القصد إلى إثارتها سَفَهاً وضلال رأي، وقد تواترت الأدلة، وأثبتت الوقائع أنّ عاقبة ذلك لا تكون إلا الفتنة والفساد الكبير، وانظر تَرَ أن أكبر نسبة من الأطباء النفسيين في العالم متجمّعون في (هوليود) مدينة صناعة السينما الأمريكية والإباحة الجنسية، وأن السويد ـ صاحبة قصب السبق في الحرية الجنسية ـ هي أكثر دول العالم اكتظاظاً بالمشكلات الناشئة من تلك الحرية، وأن دائرة هذه المشكلات قد اتسعت فيها لتشمل الزنا بالبنات والأخوات والأمهات.. وكانت الإحصاءات قد أحصت في أوائل الخمسينيات من هذا القرن في إنجلترا وحدها أكثر من نصف مليون طفل من أبناء الزنا؛ فكم أصبح العدد في إنجلترا وأخواتها الأوروبيات، وقد أصبحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين؟!

كلّ من كان لديه صبرٌ لقراءة « إميل » بأكمله – وليس من خلال بعض الاستشهادات- يعلم أن هذا الكتاب يتحدث عن كلّ ما يهم الفلسفة في القرن الثامن عشر، وأن «إميل» ليس ما أعتيد على تسميته «كتاب في النظرية التربوية»، بالرغم من هذه السمعة الراسخة. تسعى هذه المقالة بتواضع كبير أن تلقي بعض الشكوك على أسس هذه السمعة.

لنلاحظ أن تصنيف «إميل» بين كتب النظريات التربوية كان متأخراً. فقد ذُكر، أثناء الثورة، ميرابو وتاليران Talleyrand وكوندورسه Condorcet و الأب غريغوار L’abbe Grégoire عدة مرات خلال المناقشات حول المدرسة، أما روسو فقلما دخل الجمعية الوطنية، وحين تدخل روبسبير بنفسه في المناقشات، لم يكن ذلك من أجل أن يشيد بنموذجه الذي قاده باكياً إلى البنتيون، لكن من أجل أن يقترح نصاً طُبع بعد وفاه صاحبه لبيلتيه دو سانفارجو Lepelletier de Saint Fargeau. أما الإشارات إلى روسو فقد اقتصرت على نصه المتعلق ببولونيا. أما المقولات التي تشيد بـ«كاتب إميل الخالد، والتي غالباً ما تذكر، فإنها لا تشير إلى روسو إلا كأثر ماض وليس كمصدر إلهام. ولم يجد إميل مكانته التربوية العظيمة إلا مع إنشاء المدرسة الجمهورية العلمانية الإجبارية.

 

إميل وكتب التربية :

من الجيد التذكر أن كل كتب النظريات التربوية ينبغي أن تحقق عدداً من المبادئ :

 1- اقتراح أهداف (لماذا التربية، وفي أي هدف).

2- اقتراح أسلوب (كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف، وأي ترتيب ينبغي أن يراعى)  

3- دراسة الصعوبات واقتراح الحلول (ماذا ينبغي أن نفعل في حالة ما، كيف يمكن التصرف في حالة فشل ما).

أولاً : تختلف الأهداف من نظرية تربوية إلى أخرى، غير أن كلها ترتبط بالمجتمع الواقعي. مع أفلاطون كان الهدف تشكيل مجتمع منسجم، ومع أرسطو مواطنين قنوعين، أما إكسنوفون Xenophon و بلتارك Plutarque فإنهم قد وعدا بأسر سعيدة، وأما سانت بازيل Saint Bazile وفينلون Fenelon فإنهما كانا يريدان مسيحيين مثاليين، أما نظام رابله Rabelais أو بورت رويال Port Royal أو لوك Locke فهدف إلى تشكيل نخب متنورة. أما كوندياك Condillac وإلفيتيوس Helvetius فقد أرادا تكوين علماء مفيدين للتقدم. فيما يتعلق بإميل، فإنه لا يقترح أي غاية، هناك مسألة «صنع إنسان» ليس مسيحيا أو مسلماً أو تاجراً أو فارساً: مجرد إنسان. إن كلّ فلسفة تربية تهدف إلى إعطاء الإنسان صفات نوعية (شريف، تقي، عالم، وطني) وليس ما تم «صنعه» من قبل. وحين يلح روسو أيضاً: «العيش هي المهنة التي أريد له أن يتعلمها» لا يوجد هنا أي انشغال بأي إشكالية في الفكر التربوي، ولكن إعلان طلاق يضع إميل خارج هذا الفكر.

ثانياً : لننظر في الأساليب. ينظر الفكر التربوي حول الفائدة من فصل الأطفال عن عائلاتهم، استعمال السوط أو قطعة الحلوى، التعلم بجدية أو عن طريق اللعب، الحديث بالفرنسية أو باللاتينية، تعلم الهندسة بالاستبصار او عن طريق التلقين. حين أراد فينلون تعليم الثالوث الأقدس لبنت صغيرة، لم يتردد فينلون من تكريس عدة صفحات دون أن ينسى أي تفاصيل صغيرة، تماماً مثل تأملات لوك حول استعمال السوط. أين إميل من ذلك؟ إن روسو، كما قيل، كان مع فصل الطفل عن عائلته، رفض السوط مثلما رفض الثواب، واستبعد فكرة الحديث بعدة لغات، ولا سيما اللاتينية، الخ. غير أن إميل يجيب عن هذه الأسئلة دون أن يطرحها بنفسه. إن إيجاد مثل هذه “الإجابات” مشروع، فمن الممكن دائماً تناول أفكار من نص ما لإغناء إشكاليات مختلفة. يمكن لقطعة الشمع عند ديكارت وصنع الأداة عند سبينوزا وجنون النحوي حسب إراسم Erasme ومملوك أفلاطون إلهام الكثير من المربين بشكل سليم. ويمكن أن يكون هناك التلاقح ما بين نظريات التربية. إن كل فلسفة كبرى تجيب على أسئلة التربية دون أن تكون فلسفة تربية.

هل يوجد في إميل أسلوب حقيقي؟ تكثر في الكتاب الثاني والثالث أمثلة قوية بحيث يمكن أخذها كأمثلة متعاقبة لتطبيقها. حكاية الجنائني روبرت: كيف يمكن تعليم طفل ذو ثمان سنوات لا يعرف القراءة والحساب مبادئ القانون التجاري والعقود القانونية. يجعله المشعوذ ذو صاحب البط الممغنط اكتشاف البوصلة، أما بطاقات الدعوة الصغيرة بالتأكيد ستكون أسلوباً قوياً لتعليم القراءة! أيمكن أن نغفر لهذه النبرة المستهزئة، أما هذه الاسكتشات غير قابلة للتطبيق حقيقة، ليس نتيجة غفلة أو أوهام الكاتب ولكن لأن مسألة تطبيقها لم تطرح، فإنها لا تشكل نماذج تربوية ولكن أدوات موجهة لاستعمال آخر.

«إن تفصيل القواعد ليس موضوعي. أعطوا الطفل هذه الرغبة (القراءة).. سيكون كلّ أسلوب مناسباً له… أأتكلم الآن عن الكتابة. لا، أشعر بالعار لأنني أتلهى بهذه الترهات . لا يهمني إن نجح في أو لم ينجح في اللغات القديمة، في الآداب الجميلة أو الشعر… لا يراد كلّ هذا العبث في تربيته.»

كتاب في نظرية التربية دون تفاصيل، أمثلته لا طائل منها، يعطي أسلوباً وحيداً للقراءة «رغبة» القراءة، يصف تعليم الكتابة بالترهات، والنجاح في البلاغة بالعبث، كل هذا سيدفع المربين إلى إدانة هذا الكتاب بالحرق. يعد روسو بتعليم الطفل « فن أن يكون جاهلاً »، بحيث أنه في عمر الثانية عشرة لا يعرف التمييز يده اليمنى من اليسرى، أن لا يكون له أي خيال في الخامسة عشرة، الخ. لا بد أن تُدهش العيون حين يعهد أحد الآباء ابنه لمثل هذا المربي!

ثالثاً : تفرض عقبات مثل العصيان والكسل والغفلة تصنيفات متنوعة وحلول مختلفة (تتراوح ما بين العقاب والثواب)، ويكون الهدف دائماً تربية الطفل بالرغم من طبيعته. يوفر إميل في حالات واقعية عن أطفال غير محتملين مغرورين. يتم حبس هذا الطفل في خزانة، يجبر على البقاء في السرير، يهان من قبل عابرين متواطئين، ينام في غرفة باردة سيكسر نوافذها، الخ. غير أن إميل، يريد، أساساً، «تربية سلبية» ضد الأخطار التي تهدد الطفل. لا تصدر هذه الأخطار عن الطفل، من طبعه أو من عمره، ولكن من تأثير الآخرين الذين يهددون «القلب الإنساني». ليست الصعوبة في تربية الطفل رغم طبيعته، ولكن الصعوبة هي الحفاظ على طبيعته رغم التربية. هنا أيضاً يكون إميل عكس ما تمثله نظرية تربوية : لا أهداف، لا أسلوب، لا علاج.

 

أفكاره التربوية :

كانت آراؤه تعبيرا عن أراء الفلسفة في الطبيعة البشرية والتي هي بدورها رد فعل متطرفة لفساد المجتمع في تلك الحقبة.

يعتقد روسو أن الطبيعة خيرة، وأن الشر والفساد من صنع البشر “كل ما يخرج من يدي الله يكون خيرا ويد الإنسان تفسده.

الفصل الأول لكتاب إميل (تحدث فيه عن تربية الطفل من الميلاد إلى خمس سنوات)

انتقد روسو التربية التقليدية في كتابه إميل بشدة وعنف ورفض عادة اللفافة وتعجب كيف نقيد الطفل منذ ولادته بلفافة، ونقيده في حياته بالعادات والتقاليد، ثم نقيده بعد مماته بكفن فيولد الإنسان ويعيش ويموت مقيدا.

التربية الطبيعية هي ترك الطفل يعيش بحرية.

يركز روسو على بناء جسم الطفل بناء سليما بالغذاء والألعاب الرياضية.

يرفض تلقين الطفل مفردات لغوية كثيرة، وأن يردد ألفاظا لا يفهمها، إذ يرى أنه من الخطأ أن نعلمه نطق الكلمات أكثر من قدرته على التفكير.

الفصل الثاني (من ستة سنوات إلى اثنى عشرة سنة)

يعتبرها روسو من أهم المراحل التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا يترك الطفل يعيش في الطبيعة، يستمد معلوماته عن طريق الحواس ومن ملاحظاته، فالمربي الحقيقي هو الطبيعة وموجودتها ودور الإنسان هو مساعدة الطفل على فهم دروس الطبيعة، دعامة التربية في هذه المرحلة هي الحواس والمحسوسات، فيقول: “اجعل المسائل في متناوله ودع حلها له ولا تجعله يعلم شيئا عن طريقك واجعله يفهم كل شيء بنفسه.” ويقول أيضا: “لا تقدم لتلميذك أي نوع من الدروس الكلامية، فعليه ألا يتلقى مثل هذه الدروس إلا من التجربة.”

الفصل الثالث (يتناول فيه الدروس ما بين اثنى عشرة سنة حتى الخامسة عشرة سنة)

في هذه المرحلة يتعلم إميل ما هو عملي ومفيد له، لذا لابد من اختيار المواد بدقة وحذر، ويوصي روسو بتعلم العلوم الطبيعية وعلى رأسها الفلك ثم الجغرافيا ولا يتعلمها الفتى من الكتب والخرائط بل من ملاحظة الطبيعة وعن طريق الأسفار، ورغم هذا ينصح بكتاب روبرسون كروزي   (Robinson Crusee)  فهو ينصح في الابتعاد عن الخطب الرنانة… تمثل هذه المرحلة النشأة العقلية عند الإنسان في الاستطلاع والقدرة على المناقشة والفهم والتحليل من أهم ما يميز هذه المرحلة، وتعلم حرفة يدوية أو مهنة منسجمة مع هذه المرحلة.

الفصل الرابع (تناول فيه الحديث عن تربية الشباب من الخامسة عشرة سنة إلى العشرين سنة)

وهو ما أسماه بالتربية الوجدانية والأخلاقية، ينصب الاهتمام على تنمية العواطف والأحاسيس والمشاعر وإيقاظ الضمير، و أن الأخلاق مكتوبة في أعماق كل إنسان بشكل طبيعي؛ ويعطي روسو قيمة كبيرة للضمير ويراه مبدأ الأساس للعدالة.

الفصل الخامس (من عشرين سنة إلى خمسة وعشرين سنة)

يتحدث فيه عن تربية الفتى والفتاة، في هذه يلتقي إميل ب “صوفي” التي تربت كما تربى إميل، مما جعلها أهلا للزواج منها لكنهما لا يتزوجا إلا بعد أن يقوم برحلة لمدة سنتين، ينتقلا خلالها في الدول ويتعرفا على أنظمتها الاجتماعية وعلى شعوبها وعاداتهم وتقاليدهم.

 

التربية في فكر روسو :

 

بالتأكيد، أن مسألة التربية لم تكن غريبة عن فكر روسو، فقد تناولها في إطار تفكيره السياسي: غايتها إنشاء مواطنين وطنيين صالحين. فقد تناولها في مقالته الاقتصاد السياسي التي حررت للموسوعة وفي مقالته حول حكومة بولونيا. كان فكره صارما، أراد أن تتم تربية الأطفال بعيداً عن عائلاتهم في إطار الدولة. وحين قال روسو أن كتاب الجمهورية لأفلاطون هو نظرية في التربية، كان ذلك بفهمه أن الدور الأول للدولة هو تعليم المواطنين. وأن التربية قضية هامة جداً لا يمكن تركها للمدرسين والآباء.

«بالتأكيد، أن الشعوب، مع الوقت تكون مثلما أرادتها الحكومات .إنها لنقطة مهمة. إن التربية ينبغي أن تعطي النفوس القوة الوطنية، وتوجيه آرائها وأذواقها بحيث تكون وطنية بالرغبة والعاطفة والضرورة»

إن التربية إدماج، تدمر «أنا» الفرد وتعوضها بـ «أنا» الجماعة بحيث يفكر كلّ فرد بالمصلحة الجماعية قبل المصلحة الفردية، وهذا ما يدعى« الفضيلة». وقد أعطي هذا المعنى في السطور الأولى لإميل.

«إن المؤسسات الجيدة هي المؤسسات التي تعرف تغيير الإنسان.. نقل الأنا إلى الوحدة الجماعية . »

بالتأكيد أن إميل يتناول التربية، حتى أنها كانت العنوان الفرعي للكتاب! ماذا يعني إذاً هذا المفهوم. تمثل الصفحات الأولى منظومة من التعاريف، تتناول الطبيعة، الإفساد، العادة، الإنسان والمواطن. بشكل عام فإن هذه المفاهيم تمثل فلسفة القرن الثامن عشر، هذه الفلسفة التي اتجهت نحو التمييز ما بين الطبيعي و المصطنع، والتي كانت مفتونة بسلطة العادة ومتركزة على العلاقة ما بين العواطف الطبيعية والعواطف السياسية.

ومن ثم، أن كلّ هذه الأسئلة تتضح في مفهوم التربية. في المقام الأول، إن التربية في المفهوم الشائع ليست صالحة، إنها صناعة لشواذ، إنها تهذيب يخرق الطبيعة، إنها صالحة للسياسة، حيث إنها تكيف الفرد مع جماعته وتدمج أناه في الأنا الجماعية.

بعد تربية الواقع، يحدد روسو التربية في ماهيتها حسب ثلاثية : التربية والطبيعة، تربية الأشياء، تربية الآخرين. ويعطي في بقية الكتاب مضموناً محدداً لهذه الثلاثية : تعزز الطبيعة الجسد وتحرر المواهب الإنسانية، وتطور الأشياء المحيطة بالإنسان والمتوفرة لسلوكه ذاكرته وعقله، ويتدخل الآخرون بدءاً من التنبه الجنسي عند نشوء المشاعر الترابطية (الصداقة، الشفقة، التقدير).

بهذه الثلاثية «التربوية» يضع روسو انتربولوجيا اجتماعية ذات قاعدة طبيعية. فيستبعد اجتماعية طبيعية تجعل الإنسان في الدولة مثل النحلة في خليتها، وفكرة اجتماعية تعاقدية التي تجعل من الدولة قراراً ناتجاً عن الحساب الإنساني. ليست هناك حاجة لقلب الطبيعة ليصبح الإنسان اجتماعياً، إنها طبيعته التي تجعله كذلك، ولكن بالعودة، هذه الاجتماعية لا يمكن أن تستغني عن فعل الآخرين، إن الوحيد لا يمكن أن يكون اجتماعياً أبداً. إن فعل الآخرين على الإنسان ليس مصطنعاً، تفرضه الطبيعة، طبيعة تجعل الناس يعملون ما تريد أن يعملوه دون أن يكون لها قدرة على فعله بنفسها.

إذاً ما يدعوه روسو «بالتربية» ليس سوى فلسفة السببية : بأي آليات، حسب سياق الزمن، تتطور الطبيعة الإنسانية في اتجاه المجتمع، وفي أي آليات تستطيع هذه الطبيعة أن تفسد وأن تهدم الصلات الحقيقية للإنسانية؟ إن مفهوم التربية يجيب على هذين السؤالين.

إن تربية إميل هي تاريخ الإنسانية، كان ينبغي على الإنسانية أن تتربى بنفسها، أي أنه في كل إنسان مبادئ تربيته الذاتية ، وانتقاله من الطبيعة البرية (الوحشية) إلى الطبيعة الإنسانية. إن القلب الإنساني هو ذاته في النوع الإنساني وفي الفرد، ومهمة إميل هي وصفه، وهو، في هذا المعنى كتاب انتربولوجيا، تاريخ النوع الإنساني كما أرادته الطبيعة وكما كان ينبغي أن يظهر.

 

مبادئ التربية الطبيعية عند روسو:

 

1- الإيمان ببراءة الطفل، وهو تأكيد لاعتقاده بخيرية الطبيعة البشرية، إنه يذكر أن الإنسان ابن الخطيئة.

2 - الإعلاء من شأن الطبيعة: فالطبيعة يتعلم منها الإنسان ما يحتاج، والتربية الصحيحة هي السير وفق قوانينها.

3 - مبدأ الحرية : ترك الطفل يتدبر أمره بنفسه يحمله على التفكير واكتشاف المفاهيم والحقائق، على المربي أن يخلق مأزقا للطفل ثم يترك له الحرية للخروج من المأزق، وبهذا تتم عملية التعلم التلقائي الراسخ.

4 - مبدأ التربية السلبية: أي ألا نعلم الطفل شيئا لا يطلب تعلمه، فترك له الحرية في الحركة والاحتكاك واكتشاف الخبرة العملية والابتعاد عن الدروس اللفظية فيقول: “لا ينبغي أن نلقن الطفل دروسا لفظية، فالتجربة وحدها هي التي يجب أن تتولى تعليمه وتأديبه.

5 - مبدأ الطفل هو محور التربية: أي معاملة الطفل كطفل لا كراشد، وأن ميوله وخصائصه وحاجاته الحاضرة ومصالحه يجب أن تكون مركز العملية التربوية لا رغبات وطموحات الكبار.

إن أصحاب هذا المذهب يهتمون بطبيعة الطفل وأساس التربية عندهم لا يتمثل في الإعداد للمستقبل حيث يقول روسو:” إن الطبيعة تتطلب منهم أن يكونوا أطفالا قبل أن يصبحوا رجالا وعلى المربين أن لا يحملوا الطفل ما لا طاقة به، وإلا عاش تعيسا”

ومن هنا ينحصر دور المربي عندهم في ملاحظة نمو الطفل نموا طبيعيا وتهيئة الفرص والظروف الملائمة لهذا النمو والتشديد على خبرة الطفل وميوله.

أي إشراك الطفل في العمل والتجريب في المعامل.. وتهيئة الظواهر لإدراكها وإلغاء النظام التعليمي القائم على السلطة العليا.

وبالعودة إلى السياسات التعليمية في بلدنا نجد أنه من الناحية النظرية فإن القائمون على العملية التربوية يؤمنون بأن هذه النظريات السابقة بمجملها تكمل بعضا .

أما من الناحية العملية فأعتقد أنهم لم يأخذوا بهذه النظريات.. وهذا يظهر ويتضح لنا بسرعة بالنظر إلى النتائج المخيبة التي وصل إليها واقع التعليم والتعلم.

وإلا كان يمكن أن نشهد نفس النجاحات التي تحققها المدارس في فرنسا أو الولايات المتحدة.. أو أية دولة أخرى.

 إذا فنحن لم نشهد الكمال في مدارسنا .. ابتداء بإنشاء مبان مدرسية لائقة من حيث توافر الشروط الصحية ومراعاة توافر ساحات اللعب والمناشط المختلفة وانتهاء بموضوع الاستيعاب والصفوف المكتظة التي تحتم أن يصبح المدرس شرطيا لا مربيا.

 

 

 

 

 

 

 

النظرية البرجماتية في التربية

 

جون ديوي : حياته وأفكاره الفلسفية العامة :

 

يعتبر جون ديوي من أبرز ممثلي ومؤسسي الحركة أو الفلسفة البراجماتية.

لقد ولد في مدينة بورلنجتن (Burlington)  من ولاية فيرمونت (Vermont)  سنة 1859، وقد تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدينته وتعليمه الجامعي في جامعة ولايته. وبعد إتمامه لتعليمه الجامعي في ولايته عام 1879 اشتغل بالتدريس لفترة من الزمن في إحدى المقاطعات، ثم ما لبث أن تاقت نفسه لمواصلة دراسته العليا في ميدان الفلسفة والعلوم السياسية والتاريخية. وقد استطاع في سنوات قليلة أن يحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جون هوبكنز عام 1884.

وبمجرد حصوله على الدكتورة انضم إلى “جامعة ميتشجين” كمحاضر بها في الفلسفة. وقد بقي في هذه الجامعة لم يغادرها إلا فترة قصيرة إلى جامعة “مينيسوتا” حتى دعى عام 1894 لتولي رئاسة قسم الفلسفة بجامعة شيغاغو. وقد استمر في رئاسة قسم الفلسفة في هذه الجامعة حتى انتقل منها في عام 1904 إلى جامعة “كلومبيا”، ثم استمر في جامعة كلومبيا منذ هذا التاريخ حتى تقاعده عام 1930.

وقد نال “ديوي “شهرة فائقة كفيلسوف مفكر وكمصلح تربوي كبير لا في الولايات المتحدة وحدها، ولكن في جميع أنحاء العالم. وقد دفعت هذه الشهرة كثيرا من البلدان المتقدمة لدعوته ليحاضر في جامعاتها وليساعدها في تنظيم تعليمها. فدعته مثلا اليابان في عام 1919 ليحاضر في الفلسفة في “جامعة طوكيو الملكية” ودعته الصين ليحاضر في جامعة بكين لمدة سنتين، كما دعته الحكومة التركية ليساعدها على تنظيم تعليمها. وقد ظل ديوي في نشاط علمي دائب حتى توفي عام 1952.

ومن أبرز أعماله في الميدان التربوي إنشاؤه لمدرسته النموذجية في مدينة شيكاغو سنة 1896، وقد اتخذ ديوي من هذه المدرسة الابتدائية النموذجية حقلا لتجربة نظرياته وآرائه التقدمية في التربية. وفي سنة 1902 ضمت هذه المدرسة لكلية التربية بجامعة شيكاغو لتكون مدرسة تطبيقية تجريبية لها. وقد حاول ديوي أن يقيم برامج هذه المدرسة وإدارتها على مبادئ الفلسفة البرجماتية التي من بينها وجوب الاتصال والتعاون بين المدرسة والبيت، ووجوب  اتصال خبرات التلاميذ في المدرسة وإدارتها على مبادئ الفلسفة البرجماتية التي من بينها وجوب اتصال خبرات التلاميذ في المدرسة بخبرتهم خارج المدرسة، ووجوب جعل الأطفال يتعلمون عن طريق خبرتهم ونشاطهم الذاتي ووجوب احترام ميول التلاميذ وحاجاتهم وحريتهم في التعبير عن أنفسهم، ووجوب مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، واعتبار التربية عملية اجتماعية، والتركيز على التعاون بدلا من التنافس، إلى غير ذلك من المبادئ التي كانت مطبقة في هذه المدرسة التجريبية.

وقد كان لهذه المدرسة أثر بالغ في التمهيد للتربية التقدمية التي سادت أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين، كما كان لها فضل كبير في إقناع الآباء بأهمية المبادئ التربوية التقدمية وإمكانية تطبيقها وقد شجع ديوي بمدرسته هذه إنشاء العديد من المدارس التقدمية الخاصة في أمكنة متعددة من الولايات المتحدة.

ويمكن أن يضاف إلى أعماله التربوية مئات المقالات وعشرات الكتب في الفلسفة والتربية :

- المدرسة والمجتمع.

- الطفل والمنهج.

- الديمقراطية والتربية.

- الخبرة والتربية.

- كيف نفكر.

- الطبيعة البشرية والتربية.

وإذا كان ديوي قد اشتهر بأعماله وكتبه التربوية كمرب من أعظم مربي هذا القرن- فإنه قد كانت له نفس الشهرة تقريبا في عالم الفلسفة. فقد ألف العديد من الكتب في الفلسفة وكتب المئات من المقالات فيها.

العوامل التي أثرت في أفكاره:

من هذه العوامل أفكار الفلاسفة والعلماء والمربين الذين اتصل بأفكارهم جورج موريس، الذي كان من بين أساتذته في الفلسفة، ثم زميلا له في التدريس في جامعة متشيجن. فعن طريق هذا الفيلسوف تعرف ديوي على الفلسفة المثالية الهيجلية وقبل بالتدريج كثيرا من عناصر هذه الفلسفة. ولكنه بعد تعرفه ودراسته لنظرية التطور كما شرحها تشارلز دارون (1809-1882)، وتوماس هنري هاكسلي (1825-1895)، وغيرهما من أنصار هذه النظرية التي سادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر-تحول إليها مفضلا لها على الفلسفة الهيجلية، لأنه وجد فيها ما يتفق مع ميوله العلمية التجريبية. ولكن تفضيله للفلسفة الداروينية لم يمح تماما تأثره بالفلسفة المثالية الحديثة التي من أبرز مظاهرها الفلسفة الهيجلية. ويظهر تأثره بالفلسفة المثالية بجانب تأثره بالفلسفة الداروينية في الاسم الذي أطلقه بادئ الأمر على فلسفته عندما أصبحت له فلسفته الخاصة المحددة. فقد سمى فلسفته “بالفلسفة المثالية التجريبية”. وهذا الاسم يحمل في طياته التأثر بالفلسفة العلمية الواقعية معا.

وكما تأثر بأفكار “جورج موريس” و”دارون” فإنه تأثر أيضا بأفكار “تشارلس بيرس” و”وليام جيمس” اللذين كان لهما الفضل في تأسيس المذهب البرجماتي في الولايات المتحدة الأمريكية وبأفكار “ستانلي هول”، وبعض أفكار “روسو” و”بستالوتزي”، و”هربارت”، و”فروبل”، وغيرهم من المربين وعلماء النفس المحدثين.

وبجانب تأثره بأفكار الفلاسفة والعلماء والمربين السابقين عليه والمعاصرين له فقد تأثر أيضا بعوامل كثيرة أخرى، من بينها: المبادئ التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية، والقيم السائدة في المجتمع الأمريكي، وخصائص ومتطلبات المجتمع الصناعي الذي عاش فيه.

وقد كان لهذه العوامل جميعا تأثيرها في فلسفته العامة وفلسفته التربوية. وستتضح لنا بعض آثار ومظاهر هذا التأثير في المجموعة التي ستناقشها من أفكاره ومعتقداته الفلسفية والتربوية.

 

 

 

أفكار الفلسفية العامة :

 

- أفكاره ومعتقداته المتصلة بطبيعة الكون وطبيعة الإنسان :

 

ومن أبرز أفكاره المتصلة بطبيعة الكون هو إيمانه بأن العالم ليس ثابتا جامدا ولا نظاما مقفولا، ولكنه عملية ديناميكية من التغير والتطور المستمر. والميزة الأساسية للحياة - في نظره - هو التغير.

أما أفكاره المتصلة بالإنسان فإنها تتفق مع المبادئ الديمقراطية ومع المبادئ التي تقررها نظرية التطور والأبحاث الطبيعية والبيولوجية والنفسية. فهو يحترم الإنسان إلى أبعد حد ويعتبره غاية في حد ذاته، ويحترم حريته واختلافه عن غيره. وهو لا ينظر إليه على أنه عضو في جماعة وجزء لا يتجزء من المجتمع.

 

- أفكاره المتصلة بنظرية المعرفة :

 

ومن أفكاره المتصلة بنظرية المعرفة إيمانه بأن المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية هو الخبرة والنشاط الذاتي للفرد.

 

- أفكاره المتصلة بالقيم الأخلاقية فإن من أهمها :

 

إيمانه بأن القيم الأخلاقية هي أمور إنسانية تنبع من صميم الحياة التي يعيشها الإنسان على ظهر هذه الأرض، وليست أخلاقا متعالية تفرض على الإنسان فرضا من جهة عليا. وبهذا الاعتقاد يخالف ديوي الأديان السماوية والنظريات الأخلاقية القديمة التي تقوم على الإعلاء من شأن الحياة الروحية، وعلى فرض معايير أخلاقية تعد مثلا عليا ينبغي على الإنسان أن يتسامى إليها ويتمثل بها، وعلى أن سعادة المرء هي في تصفية النفس وتزكية العقل.

وهو يؤمن بأن المصدر الأساسي للقيم الأخلاقية هي الخبرة والتجربة.

 و يرى جون ديوي بأن ” النشاط الحر هو من مميزات الطفولة وعلى الطفل أن ينشط.. وبذلك يزداد خبرة ويحصل على تهيئة حسنة لمواجهة المستقبل” فأصحاب هذا المذهب يرفضون أن يكون الطفل سلبيا يتقبل آراء الآخرين ونتائج تفكيرهم بل عليه(الطفل) أن يبحث.. ينقب عن الحقيقة ويفكر ويتحرى بنفسه ليكتسب خبرة في مواجهة مشكلات الحياة. وقد دعا ديوي في سبيل تحقيق ذلك إلى استغلال ميل الطفل إلى:

1 -  الاتصال الاجتماعي

2 - البحث واقتناء الأشياء

3 - التعبير الفني

4 - العمل

من أجل أن ينمو نموا طبيعيا.

و” المذهب النفعي الذرائعي ” المعروف باسم البراجماتية أو البراجماسية فقد ارتبط باسم (جون ديوي) أشهر التربويين المعاصرين، وهذا المذهب ذو صبغة عملية تجريبية لا يبدو فيها أي أثر
للقيم أو الأخلاق. هدف التربية في نظر (ديوي) هو النمو، والهدف ـ بزعمه ـ جزء لا يتجزأ من عملية النمو، وليس أمراً خارجياً تتجه إليه خبرة المتعلم، فلا هدف لعملية النمو إلا المزيد من النمو؛ ولذا أنكر (ديوي) أي هدف نهائي وقال : ” الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغيّر ولا يتبدل هي آخر أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى الحياة إلى نظرة مُفْعمة بالحركة” ومعنى هذا أن النمو والتربية والحياة هي مسميات لاسم واحد في نظر ديوي! ولا ريب أن “التسليم بوجود أهداف ثابتة يزود القائمين على التربية بمعايير ثابتة وصادقة يستعينون بها للحكم على مدى تقدم التلاميذ في عملية التعلم، أما القول بأن الأهداف جزء من عملية النمو ذاتها فإنه يزيد من حيرة المربين؛ فاللص الذي يكتسب المزيد من المهارات في السلب والنهب ينمو في هذا المجال؛ فهل تعتبر اللصوصية عملية تربوية هادفة؟! وإذا سلمنا جدلاً بصحة ما ذهب إليه فإن السؤال الذي يظلّ قائماً هو: ما هي المعايير التي بها للحكم على نمو إنسان نموا شاملا؟ ومتى يكون النمو مرغوبا فيه، ومتى لا يكون كذلك؟ وطريقة التدريس في هذا المذهب هي طريقة المشروع التي تُنسب إلى الأمريكي (كلباترك) تلميذ (جون ديوي). والمشروع يأخذ شكلاً فردياً أو جمعياً، وفي المشروع الجمعي يتعاون الأطفال لحل مشكلةٍ ما بتقسيم العمل بينهم.ولـ (هيلين باركهرست) طريقة أخرى تسمّى طريقة (دالتن)، وتقوم هذه الطريقة على ثلاثة أسس هي: الحرية، والتعاون، وتحمل المسؤولية؛ وبمقتضى هذه الطريقة يتمتع التلميذ بكامل حريته بعد أن يتفق على إنجاز قدر معين من المقرر في مدة معينة، يستعين أثناءها بالمدرس متى شاء.وقد قيل في الكلام عن مساوئ طريقة المشروع إنها سائبة ومتميعة وتجرّ التلاميذ إلى دراسات متشعبة لا حصر لها، وإنها تكلّف كثيراً من الوقت والمال، وتحتاج إلى مدرسين مدرّبين تدريباً خاصاً، وتنتج معلومات مفككة يصعب معها وضع المناهج والأطر التعليمية. كما قيل في طريقة (دالتن) إنها تجانب الحكمة إذ تحمِّل التلاميذ منذ الصغر مسؤولية إنجاز المقرر، وإنّ بينهم من الفروق الفردية ما قد يُزكي روح الحسد والبغضاء، ولا سيما أنّ هذه الطريقة توازن بين التلاميذ عن طريـق الرسوم البيانية، ثم إن من التلاميذ مَنْ لا يميل بطبعه إلى العمل، ومن شأن هذه الطريقة أن تشجّع هؤلاء على التمادي في الكسل، والتلاميذ عموماً مضطرون في حياتهم الواقعية إلى مواجهة ما لا اختيار لهم؛ بالإضافة إلى أن هذه الطريقة ـ كغيرها من الطرق الحديثة ـ تحتاج إلى مدرس موسوعي ليس من اليسير إعداده.

ترتبط البرجماتية بالتراث الفلسفي اليوناني القديم والأوروبي الحديث, إذ عرفت بنحو غير متماسك ومحدد على أيدي السوفسطائيين, وعلى كل من أفلاطون وأرسطو, وأبيقور, وواجستين, وبيكون وجاليلو وبسكال وكانت وكومت ومل فقد كانت البراجماتية تعبر عن أسلوب الحياة أياً كان هذا الأسلوب.

والبرجماتية تؤمن بحقيقة التغير على الديمومة ونسبية قيم الطبيعة الإنسانية والبيولوجية للإنسان وبأهمية الديمقراطية كطريقة في الحياة , وأخيراً قيمة الإنسان الناقد في السلوك الإنساني كله.

دعت البرجماتية إلى أن تعود الفلسفة إلى وظيفتها الحقيقية التي كانت عليها في الماضي, وهي أن الفلسفة أسلوب حياة أو خطة عمل أو مشروع نشاط. ونادت البرجماتية بالخبرة ويمكن التخطيط للواقع والتغلب على مشكلاته لا بد من الخبرة وبهذا الصدد يقول ديوي (إذا جاز لنا أن نصوغ فلسفة التربية التي يقوم عليها ممارسات التربية الحديثة، فمن الممكن فيما أعتقد أن تكشف عن طائفة من الأسس المشتركة بين المدارس القائمة المختلفة).

ترفض البرجماتية أن تكون التربية عملية بث للمعرفة للطالب من أجل المعرفة إنما ترى أنها تساعد الطفل على مواجهة احتياجات البيئة البيولوجية الاجتماعية.

ويرى البرجماتيون أن التربية هي الحياة وليست إعداد للحياة، وأن واجب المدرسة كمؤسسة تربوية أن تستخدم مواقف الحياة في العملية التربوية، ويعرف جون ديوي التربية بأنها عملية مستمرة من إعداد بناء الخبرة بقصد توزيع محتواها الاجتماعي وتعميقه، وأن الفرد في الوقت نفسه يكتسب ضبطاً وتحكماً في الطرائق المتضمنة في العملية.

وتعد الفلسفة البرجماتية من أبرز الفلسفات التي ركزت على المتعلم والتي انعكست بصورة واضحة على تنظيم المنهج باعتبار أن الفلسفة تدخل في كل قرار مهم بالنسبة للمنهج والتدريس. والطالب في منظور البرجماتية ما هو إلا حزمة من نشاط الاتجاهات النظرية والمكتسبة للفعل، وأن نشاطه أساس كل تدريس وكل ما يفعله التدريس له أنه يوجه الطالب الذاتي وأن تعليم الطالب ليس ما ينبغي أن يتعلمه وإنما تشجيعه باتجاه معرفة نتيجة نشاطه الذهني والتجريبي.

والمهم في رأي البرجماتية في العملية التربوية التأكيد على أمرين الأول: العناية باهتمام الطالب والثاني: العناية بحب الاستطلاع لديه وذلك لأنهما يحفزانه على التعلم بصفة أساسية.أما فيما يخص المعلم عند أصحاب هذه النظرية فإن وظيفته تكون في قدرته على تنظيم الخبرة وبيان الاتجاه الذي تسير فيه فضلاً عن قدرته على شحذ أذهان التلاميذ وهو بذلك يكون عوناً للحرية لا قيد لها.

والبرجماتية لم تجعل من المعلم محوراً للعملية التربوية ووظيفة المعلم من وجهة نظر البرجماتية ليس مجرد تدريس الأفراد , بل تكوين الحياة الاجتماعية الصحيحة.

وقد انعكست النظرية البرجماتية على المنهج وذلك باختيار الخبرات لكل فرد أو جماعة من الخبرات المناسبة التي تساعدهم أن يبنوا منهجاً عقلياً متكاملاً.

وأحد الأهداف الرئيسية في المنهج البراجماتي هو إقرار الدراسات ذات الطبيعة الحديثة والمعاصرة والمفيدة في إعداد الشباب لظروف المجتمع المتغيرة دوماً وخاصة ما يتعلق منها بالعمل والتعامل ودراسة المواقف بما تتضمنه من موضوعات وليس القراءة منها فحسب.

لا يفرق المنهج البرجماتي بين الفعاليات المنهجية وغير المنهجية، فكل ما يمر بخبرة التلميذ هو جزء من المنهج سواء أكان نشاطاً ترويحياً أم اجتماعياً أم عقلياً.

 

تلخيص واستنتاج :

 

- ترى البرجماتية أن الإنسان كائن طبيعي يعيش في بيئة اجتماعية وبيولوجية ويستجيب إلى المثيرات البيولوجية والاجتماعية وهي ترفض كون الإنسان كائناً روحياً.

- تؤمن بأن للإنسان طبيعة محايدة فهو لا خير ولا شر بفطرته وإنما لديه الاستعداد أن يكون هذا وذاك ويتوقف ذلك على نوع التربية التي تتاح له ولهذا تركز البرجماتية على المتعلم وتعده المحور الأساسي في بناء المنهج وتنفيذه, ولأن المتعلم محور العملية التعليمية فالبرجماتية ترفض التحديد السابق للمادة العلمية, وترفض التخطيط للعملية التعليمية ومراحلها مما يجعلها تعد تنظيم العملية التربوية مواد وفصول ودروس ويصل المتعلم إلى محتوى المادة التعليمية, ومن خلال خبراته الجديدة القائمة على خبراته السابقة وكذلك من خلال مجموعة من التفاعلات مع البيئة.

- المعرفة عملية تفاعل بين الإنسان وبيئته, فالإنسان لا يقتصر على مجرد استقبال المعرفة، بل إنه يصنعها والحقيقة فيما يخص الإنسان ليست مستقلة عن الأفكار التي يقترحها بقصد تفسيرها والحقيقة نسبية وقابلة للتغيير وترى أن الطريقة السليمة هي أسلم وأفضل طريقة لاختيار الأفكار.

- وتؤكد الخبرة الذاتية للفرد كوسيلة للعالم الخارجي وكذلك التعامل معه وترى أن مفهوم الصدق يطابق مفهوم النجاح والفاعلية تطابق المنفعة فكل ما يحقق فائدة عملية ويقود إلى تحقيق أهداف الفرد يعد صادقاً وصحيحاً وكل ما يحدث له بعد ذلك عملية تعلم واكتساب من خلال تاريخه الحضاري وتراثه وثقافته من خلال عملية التعليم المقصودة التي تتم نظامياً داخل المدرسة أو بطرق غير نظامية كالتعرض لأجهزة الإعلام المتنوعة والمتاحف والمعارض والأسفار إذن الإنسان لا يمكن عده محكوماً بحتمية بيولوجية فالتعلم والذكاء والتفكير وكل ما يسمى بالعمليات المعرفية تصنع من مؤثرات مدروسة ومقصودة خارج الفرد والبيئة والتربية تفرز أفراد متميزين بالضرورة وأن افتقار البيئة إلى هذه المميزات تؤدي بالضرورة إلى التخلف.

- التربية هي الحياة وليست إعداد للحياة فالتربية السليمة هي تلك التي تحقق النمو المتكامل للإنسان وتقوم على سلسلة من الخبرات وتؤكد على الأهمية التربوية للعمل والممارسة، وأن تكون المدرسة مجتمعاً صغيراً كالمجتمع الكبير ومن هذا إن من العسير جداً النظر إلى المدرسة على أنها نسخة طبق الأصل من الحياة لأنها مؤسسة تعليمية مصطنعة محفوفة بالمخاطر والقيود ومختلفة عما تصادفه في الحياة بصفة عامة.

- استبعدت البرجماتية الطرق الشكلية في التدريس واعتمدت على ميول الأطفال وخبراتهم وإثارة ميول جديدة وخبرات أكثر تنوعاً مع التأكيد على الفردية بين الأطفال واعتمدت طريقة النشاط.

- الاهتمام بالطالب من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية والعمل على توفير كل الفرص الممكنة التي تشبع حاجات الطالب وتمكنه من التعبير عن ذاته وتأكيد حرية المتعلم في اتخاذ القرارات بشأن ما يتعلمه والذي هو ضروري لنمو الذكاء نمواً حراً كاملاً.

- يتمثل دور المعلم البرجماتي في النصح والاستشارة وتنظيم ظروف الخبرة والإمكانات التي تساعد على تعلم الفرد وهذا يعني إهمال الكثير من طاقات المعلم وإمكاناته لأنه عنصر فاعل في العملية التعليمية مما يكسب العملية التربوية قدرة على بناء المتعلم وتعليمه.

 

الانتقادات التي وجهت إلى الفلسفة البراجماتية :

 

1- تركز البرجماتية على المتعلم وتعده المحور الأساس في بناء المنهج وتنفيذه وترفض الاتجاهات التربوية التقليدية التي اتخذت المادة الدراسية محوراً لها في بناء المنهج وتنفيذه، ولأن المتعلم محور العملية التعليمية وترفض البرجماتية التحديد السابق للمادة العلمية وترفض التخطيط للعملية التعليمية ومراحلها، مما يجعلخا تبتعد عن تنظيم العملية التربوية مواداً وفصولاً.

2 - تؤكد الخبرة الذاتية للفرد بوصفها وسيلة لمعرفة العالم الخارجي والتعامل معه, وترى أن مفهوم الصدق يطابق مفهوم النجاح والفاعلية تطابق المنفعة فكل ما يحقق فائدة عملية ويقود إلى تحقيق أهداف الفرد صادقاً وصحيحاً.

3 - أنها تؤكد النمو التلقائي للفرد بحكم العوامل الوراثية الحتمية والبيولوجية وتنظر إلى أهمية التراكم الكمي للخبرات الفردية في تكوين الشخصية. وعلى هذا الأساس تتعامل مع التربية بالانتقاء الاجتماعي والتوزيع وفقاً لقدرات الأفراد الطبيعية، ولا سيما الذكاء. وعليه لا يمكن بناء الشخصية المتكاملة بحكم إغفالها للتراث الحضاري والعوامل الاجتماعية والعوامل الأخرى تؤدي أثراً في بناء شخصية الإنسان وهذا يناقض منطق العلم , ويؤدي بالمتعلم إلى تشتت اتجاهاته.

4 - لا تتقيد التربية البرجماتية بمعايير روحية فليس في رأيها وجود سابق للقيم والمعايير الروحية، ولكنها تنشأ في أثناء القيام بالتجارب الناجحة،  وتتولد في أثناء حل المشكلات المتنوعة. وترى أيضاً أن الخبرة الذاتية للفرد والنجاح الفردي هما الأساس للأخلاق، وليس تراكم التراث الثقافي للإنسانية، أو لمصلحة المجتمع وقيمته، فهي بذلك ت}كد التنافس، وتنمي الفردية والنجاح الفردي والمنفعة والبقاء للأقوى.

5- النظرية البرجماتية تركز على الجانب العملي لعملية التعليم فإن نشاط المتعلم وفاعليته في النشاط والمشروعات والوحدات التي خططها المتعلم وينفذها فهي بذلك تقدمه للمعرفة بدلاً من أن تقدم المعرفة له. وهذا سيؤدي إلى تحطيم التنظيم المنطقي للمادة العلمية، فضلاً عن أنها لا تقدم للتلاميذ إلا المعلومات الجزئية والسطحية ذات الهدف النفعي مما يؤدي إلى ضعف المستوى العلمي للتلاميذ.

6- يتمثل دور المعلم البرجماتي في النصح والاستشارة وتنظيم ظروف الخبرة والإمكانات التي تساعد على تعلم الفرد. وهذا يعني إهمال الكثير من طاقات المعلم وإمكاناته وإبداعاته لأنه عنصر فاعل في العملية التعليمية مما يكسب العملية التربوية قدرة على بناء المتعلم وتعليمه.

7- إن هذه النظرية ما هي إلا تعبير عن واقع المجتمع الأمريكي وتطوره الاقتصادي والاجتماعي في تطوره العلمي وتقدمه الصناعي , وهي محور القيم الحضارية والاجتماعية التي تؤكد الربح والنجاح , ونمو الروح الفردية والنزعة العلمية والواقعية والنفعية معبرة عن ازدهار الرأسمالية وقوة البرجوازية.

ويقدم سليمان بن صالح الخراشي نقد للبراجماتية من طرف بعض المتخصصين في الفكر الغربي :

يقول سماح رافع محمد في كتابه ” المذاهب الفكرية المعاصرة “:(البراجماتية فلسفة عملية انبثقت من الروح المادية للقرن العشرين…وهي أمريكية النشأة، رأسمالية الاتجاه).( وكلمة البراجماتية في أصلها اللغوي مشتقة من كلمة يونانية تعني العمل النافع، أو المزاولة المجدية، ويصبح المقصود منها هو ” المذهب العملي ” أو ” المذهب النفعي”). ومؤسسها ” تشارلز بيرس ” الذي ( كان أول من ابتكر كلمة البراجماتية في الفلسفة المعاصرة ).

ويقول الدكتور مصطفى حلمي الذي يقول في كتابه ” الفكر الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي” :

- ( تنسب ” البراجماتية ” كفرع فلسفي إلى أصل شجرتها المسماة  بـ ” الوضعية ” ، فيجب أن نعرف أولاً بالوضعية ليسهل علينا بعد ذلك فهم معالم الفلسفة البراجماتية.

إن الوضعية ” هي اتجاه فكرى يقتنع بما هو كائن ويفسره ويرفض : أن ينبغي أن يكون ” ، ثم أخذت الوضعية الشكل الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية واسمه ” البراجماتية ” هذا الشكل الجديد يحدده الدكتور توفيق الطويل بقوله ” إذا كانت الوضعية قد رفضت التسليم بالحقائق المطلقة والقضايا الميتافيزيقية ، فإن الفلسفة العملية لا تتردد في قبولها واعتبارها صادقة متى كانت مفضية إلى نفع يتحقق في حياة الناس ” .

ولفهم مضمون هذه الفلسفة ، ينبغي أن نعرف أولا أصلها اللغوي ثم ننتقل إلى التعريف بمؤسسها ” تشارلز بيرس ” ثم بيان تفصيل الفلسفة عن أبرز فلاسفتها وهو ” وليم جيمس ”  :
الأصل اللغوي يفيد ” ما هو عملي ” ومن هنا أطلق عليها اسم ” الفلسفة العملية ” ، ولذلك فإنها تهتم بالعمل على حساب النظر.

إن مؤسس هذا المذهب الفلسفي هو تشارلز ساندر بيرس ” 1839 ـ 1914 ” م،  وهو صاحب فكرة وضع ( العمل ) مبدأ مطلقًا ؛ في مثل قوله: “إن تصورنا لموضوع ماهو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر ” .

ويتوسع فى دائرة العمل بحيث يشمل المادي والخلقي أو التصور ، وتثمر هذه النظرة للعمل اتساع العالم أمامنا ، إنه عالم مرن ، نستطيع التأثير فيه وتشكيله ، وما تصوراتنا إلا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل .

أما أشهر فلاسفة البراجماتيزم فإنه ” وليم جيمس” (1842ـ1910) الذي تدرج في اهتماماته العلمية والفلسفية التي تلقاها في معاهد وجامعات أوربية وأمريكية حتى حصل على درجة ” الدكتوراه” في الطب من جامعة هارفارد سنة 1870، وعين أستاذاً للفسيولوجيا والتشريح بها، ثم أستاذاً لعلم النفس فبرز فيه.

ويتبين من ترجمة حياته أن سبب اتجاهه إلى الفلسفة يرجع إلى سماعه لمحاضرة فلسفية ألقاها ” بيرس ” الذي كان يعرض فيها مذهبه ، فشعر وليم جيمس على أثرها وكأنه ألقى عليه رسالة محدده، وهى تفسير رسالة ” البرجماتية ” .

ويعرف وليم جيمس الحقيقة بأنها ” مطابقة الأشياء لمنفعتنا، لا مطابقة الفكر للأشياء “.

ولاختصار الإحاطة بهذه الفلسفة فإن مدخل دراستها يقتضي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية في النظم والقيم، فنحن أمام مقولتين :

الأولي : ازدراء الفكر أو النظر.

الثانية : إنكار الحقائق والقيم.

أي بعبارة أخرى أكثر وضوحاً ، فإن العمل عند جيمس مقياس الحقيقة ” فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة . ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها ” .

وقد نبتت فلسفته منذ بداية اهتماماته بها من حاجاته الشخصية، إذ عندما أصيب في فترة من عمره بمرض خطير، استطاع بجهوده أن يرد نفسه إلى الصحة، فاعتقد أن خلاص الإنسان رهن بإرادته، وكان الموحي إليه بالفكرة المفكر الفرنسي ” رنوفيير ” الذي عرف الإرادة الحرة بأنها ” تأييد فكرة لأن المرء يختار تأييدها بإرادته حين يستطيع أن تكون له أفكار أخرى “.

وكانت تجربة شفائه من المرض قد هدته إلى أهمية العمل ورجحت عنده الاجتهاد في العمل بدلاً من الاستغراق في التأمل ” لأن العمل هو الإرادة البشرية استحالت حياة “. وتلون هذه الفلسفة نظرة أتباعها إلى العالم . فإن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات ، بل هو شئ كائن، وهو في الحق مجموعة من أشياء كثيرة، وليس من شئ يقال له الحق دون سواه ! . إن الذي ندعوه بالحق إنما هو فرض عملي ـ أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام.

ويلزم من هذا التعريف للعالم، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال ” فما كان حقاً بالأمس ـ أي ما كان أداة صالحة أمس ـ قد لا يكون اليوم حقاً ـ ذلك بأن الحقائق القديمة ، كالأسلحة القديمة ـ تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع “.

 

نقد البرجماتية من وجهة النظر الفلسفية :

 

1- في نقدنا لهذه الفلسفة، سنبدأ بالمنهج المقارن حيث يتبين أنها في جوهرها الفلسفة هي الرواقية القديمة، التي أسسها زينون (343 ـ 270 الميلاد) !!فإذا أباح وليم جميس لنفسه بعث الحياة فيها من جديد، فإن ذلك يقوض دعائم فكرته عن استبعاد ” الحق القديم ” كما سنوضح بعد قليل !

2- الحق قيمة مطلقة ـ وليست نسبية ـ وإلا فإن المجتمع يصاب بالفوضى المدمرة لكيانه وبعلاقاته مع غيره من المجتمعات بسبب الحرب .

وبغير الاعتقاد في ثبات المبادئ، فإننا لسنا أمام فلسفة جديدة وإن بدت كذلك، ولكنها مجرد إعادة للنظرية الرواقية القديمة ” مضافاً إليها الروح النضالية الحديثة ” فإن الخير الحقيقي عند الرواقي القديم في حكمة الاختيار وحدها وليس في الشيء المختار الذي يصطفيه ” مثله كمثل ضارب القوس يهدف إلى عين الثور فغايته ليست في إصابة الهدف نفسه، بل إظهار مهارته في إصابته ” !!

إن تعليق الحكمة هنا في مظهرها العملي ـ أي على النجاح فى ذاته بصرف النظر عن إصابة الهدف ـ تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضاً إذ تتنافس على ” التفوق”و ” الغلبة ” ولا تتفق إرادتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة : كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة فى ذاتها .

فهل نحن مرة أخرى أمام دليل جديد يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم ؟!

3- يرى وليم جيمس أن ” الحق ” إنما هو فرض عملي ، أي مجرد أداة يختبر بها ” تصوره ” السابق ، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة !!والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة : أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابته خارج مقولتي ( الزمان ) و ( المكان ) .

ونراه أيضًا يخلط خلطاً معيباُ بين المبادئ والأهداف حيث يصبها في قالب ” المنفعة “، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولاً عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية ، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات ، فضلاً عن افتقاد ” المنافع ” وهذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام .

يقول توفيق الطويل في تقييم هذه الفلسفة ” ويكفي أن تعتبر البراجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلاً ، فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها ! ولم يجد أصحاب البراجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفى الأخلاق وفى السياسة وفى كل مجال”ونضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة . ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح ـ كما يرى الدكتور فؤاد ذكريا - في ثلاثة :

أ‌- اللاأخلاقية : بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد ولكنها ـ كفضائل ـ ليست مقصودة لذاتها ، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير ، وتظهر ” اللاأخلاقية ” بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام .

ب‌- الارتباط الوثيق بالحروب.

ج- الانحرافات السلوكية : وأظهرها الإجرام ، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف ، ويتضح الانحراف بصورة أخرى في شرب المسكرات والمخدرات وعقارات الهلوسة وغيرها ” وتفسيرها أنها ظاهرة هروبية من واقع العنف والمنافسة المريرة التي لا ترحم “.

4 - ولم يسلم ( الدين ) أيضاً من التفسير ( النفعي ) في ضوء الفلسفة البراجماتية، ” فإن اعتبار شروط وجود الدين وأصوله ونشأته لا أهمية لها عند من يسأل عن قيمة الدين ؛ لأن قيمته فيما ينتجه”.

 

الفرق بين نظرته للدين وعقيدتنا الإسلامية :

 

لم يكن ” الدين ” عند وليم جيمس كموضوع للبحث في ذاته ، ولكن في آثار الانفعال الديني ، وهل هذه الآثار حسنة تحقق الأمل ؟ وهل يمكن الحصول عليها بطريق آخر خلاف الديني ؟

إنه يرى أن للدين أثراً أخلاقياً ، كما أنه يتفوق على أي مصدر آخر للحث على النشاط والمثابرة وفعاليته تظهر بإيحائه المؤثر في الغالب أكثر من الأساليب المادية ، ويضرب على ذلك مثالاً بالطبيب الذي يعترف بأن شفاء المريض لا يتحقق بالعلاج المادي وحده، بل بالإيحاء الناجم عن قوة الإيمان .

وهذا الرأي ـ كما يقول ” برتراندرسل ” ـ لا يقنع مؤمناً مخلصاً في إيمانه ، لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وإيمانه، إن المؤمن لا يقول : إني إذ آمنت بالله سعدت ـ ولكنه يقول إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد …. إن الاعتقاد بوجود الله ـ تعالى ـ في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتمل أن يترتب على وجوده من نتائج وآثار “.

 أما نحن معشر المسلمين فإننا - بحمد الله - نمتلك أعظم ثروة للعقيدة والقيم تضمنها كتاب الله عز وجل ونفذها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛حيث حقق في عقيدته وسلوكه وأخلاقياته الأسوة الحسنة ـ وجمع بين ” الحق ” عقيدة وإيماناً ، و ” العمل ” أخلاقاً وسلوكاً ، وحدد الأهداف ، ووضع المنهج وأحصى القيم ، مبيناً الطريق الذي يجتازه المسلمون من دنياهم إلى أخراهم، وقد ألف علماؤنا مجلدات في هذه الأغراض كلها. ولكن يكفينا أن نسجل بهذه المناسبة بعض التعليقات التي تصلح لعلاج آفات ” البراجماتية “، التي تبرهن على أن العقل البشرى لا يستطيع الوقوف وحده بغير عون من الوحي :

أولاً : أ‌- إن الخير هو الذي يحدد الشرع ويستمد إلزامه منه للتسليم بأن الله تعالى هو العليم الحكيم . قال تعالى : ” كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )، يفسر ابن كثير هذه الآية ببيان وجوب الجهاد وآثار قتال أعداء الإسلام من النصر والظفر ثم يمضي في تفسير قوله تعالى: ( وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) فيذكر أن ” هذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة ، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون) .

ب‌- كذلك قد يجهل الإنسان الفروق المرجحة لما يفيده مما يضره ، قال تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) :

أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية، ولكن هذه المصالح لا توازي المضرة والمفسدة الراجحة لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة للتحريم على البتات كما في سورة المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) .

ثانياً : إن النجاح مطلوب ، والسعي والتنافس على فعل الخيرات مرغوب، فإن المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، ولكن ينبغي أن يستظل السعي هدفاً وطريقاًُ بأوامر الشرع والالتزام بآدابه، وسنورد هنا بعض الآيات للاسترشاد :

أ - قد يوسع الله تعالى الرزق للعبد استدراجاً له ، ثم ينزل به عقابه الشديد ، قال تعالى : (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين).

وقال عز وجل : ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين ).

وقال سبحانه وتعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مالٍ وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) .

ب - لا يصلح الله حال أمة إلا إذا صلحت قلوبها وأعدت نفسها للتقوى ، قال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

جـ - تكثر المصائب عند فساد الأخلاق ، قال تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ ) .

د - وفيما يتعلق بتقوية الإرادة فهناك آية تبين كيف يربى الله تعالى المسلم على تحمل الشدائد حتى يكون قوي العزيمة معداً لتحمل كل خطر : قال تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .

ثالثاُ : ” ضرورة أعمال الخير لإقامة المجتمعات الإنسانية :

إن إقامة المجتمع على موازين المكسب والخسارة وحدهما كفيل بهدمه مادامت العلاقات بين أفراده لا تقوم إلا على أساس المصلحة ، والكسب المادي، فكم من علاقات أخرى تقوم على الإيثار والتضحية وحب الخير لذاته، وهي التي تكفل تحقيق السعادة للمجتمع ؛ لأن التعاطف والتعاون هما الرائدان في حركة المجتمع الإنساني، وإلا تحول إلى غابة من الغابات التي يأكل فيها القوى الضعيف.

ومن الصعب ـ بل يتعذر ـ إقناع النفوس بأعمال الخير، التي لا تقوم بالمال، إلا بناءً على عقيدة إيمانية راسخة تتحقق أعمالاً خيرة، وتسعى لاكتساب فضائل أخلاقية وتنميها ابتغاء مثوبة الله تعالى وجنته.

إن الحديث عن هذه الأعمال يحتاج إلى مجلد كامل ، ونكتفي بالإرشاد هنا إلى نزر يسير منها ونحيل القارئ إلى المصادر للتوسع في معرفتها وتنفيذها، لتحقق لنفسه الطمأنينة النفسية والسعادة المرجوة ، ولمجتمعه المثالية على المستوى الإنساني الذي تحقق في عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة، مع العلم بأنه كثيراُ ما تشتمل هذه الأعمال على الجزاءين الدنيوي والأخروي :

- عن أبى موسى رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم : ” على كل مسلم صدقة ” قال: أرايت إن لم يجد ؟ قال : يعمل بيديه ، فينفع نفسه، ويتصدق ، قال : أرايت إن لم يستطع ؟ قال : يعين ذا الحاجة الملهوف، قال : أرايت إن لم يستطع ؟ قال : يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرايت إن لم يفعل ؟ قال : يمسك عن الشر فإنها صدقة ” متفق عليه.

- عن جابر رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقه ، وما سرق منه له صدقه ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقه ” رواه مسلم. وفى رواية له ” فلا يغرس المسلم غرساً ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة “. وفي الحديث المتفق عليه : ” اتقوا النار ولو بشق تمرة” .

أما إبراهيم مصطفى إبراهيم فيقول في كتابه (نقد المذاهب المعاصرة ) :

( يمكن توجيه سهام النقد لفلسفة جيمس الدينية في النقاط الآتية :

1 - بدأ جيمس آراءه الدينية بقوله : إن الذي يكون صميم الدين ليس الطقوس ولا الفرائض ولا المعتقدات بل يكون صميم الدين العاطفة والشعور الديني ولكن هذا الرأي يحتاج منا إلى وقفة : فالإيمان لا يتوقف فقط على العاطفة ؛ ذلك لأن العاطفة والوجدان من المعروف عنهما أنهما عواطف متقلبة دائماً ، وبالتالي فالإنسان سوف يؤمن في حالة مزاجية عاطفية وجدانية، ويعود إلى الإلحاد عندما تتغير حالته المزاجية !

2 - وبالطبع فالإيمان ليس كذلك، إنما هو صرح يقوم على أسس عقائدية يؤمن الإنسان ويلتزم بها ويسلم بها لأنها تأتيه من الله تعالى لصالحه.

3- يذهب جيمس إلى أن التجربة الدينية تشارك الله تعالى في خلقها ! وهذا ما يتنافى مع يتنافى مع الوحدانية التي لله تعالى . فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا خالق إلا هو ، سبحانه وتعالى .

4 - يذهب جيمس إلى أن الله تعالى شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان!!
سبحان الله ! أي إله هذا الذي يتكلم عنه جيمس ؟ تعالى الله. إن الإنسان يتصف بالتناهي والنقص والضعف ، والله تعالى عكس ذلك تماماً؛ فهو الكامل القادر والقاهر فوق عباده ،عنت له الوجوه ودانت له رقاب العباد والبلاد ، فسبحان الله عما يصفون .

5 - يقول جيمس : إن الله تعالى لا يستطيع أن يضمن لنا خيرية العالم!! ولن أرد هنا على جيمس بل سأدع القرآن يرد عليه ويبين بعض خير الله النازل على عباده : يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون . أفرأيتم ما تمنون . أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وتنشئتكم في ما لا تعلمون . ولقد علمتم النشأه الأولى فلولا تذكرون . أفرأيتم ماتحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون . أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجاً فلو لاتشكرون . أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون . نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين . فسبح باسم ربك العظيم ) .

6 -  ترى البراجماتية بوجه عام وبراجماتية بيرس وجيمس بوجه خاص أن الاعتقاد لا الإيمان لا ينفصل عن الشك، ومن ثم فالإيمان على مذهب البراجماتيين لا يفارقه الشك .

7 - من الخطأ في زعم جيمس التمسك الدائم بالمعتقدات ، فالإيمان الراسخ عنده يحجب يحجب عن الإنسان المعرفة الصحيحة !! وهذه مقولة يطرب لها الملاحدة والعلمانيون والمنافقون أينما ثقفوا .

8 - لذلك فإنه يلزم ـ فيما يزعم جيمس ـ اختيار صحة العقائد من وقت لآخر ، واستبعاد ما يتضح للمرء عدم صحته منها أو عدم صلاحيته !! إن معيار اختيار صحة العقائد عند جيمس ومن حذا حذوه هو إخضاعها لمحك التجربة ، فهي التي تميز الحق من الباطل وليس حكم الله تعالى ! فإذا أردنا أن نطبق المنهج البراجماتي على إحدى العقائد، كاعتقادنا أن الله تعالى هو الرازق على سبيل المثال ، فلا ينبغي على مذهب جيمس البراجماتي أن نظل متمسكين دائماً بهذه العقيدة ، وإنما يتعين علينا اختبارها تجريبيا، فإذا تبين لأحدنا أن الله تعالى قدر عليه رزقه ، ولم يعطه ما سأل من رزق في أي صورة من صوره ، فعليه أن يتخلى فوراً عن هذه العقيدة !! لأن التجربة أثبتت عدم جدواها ، وهكذا يكون المؤمن على طريق البراجماتية إنه كمن يعبد الله على حرف ! ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ). إن المسلم الحق لا يضع عقيدته موضع الشك ، ولا يجعل إيمانه بالله تعالى موضع اختيار ، بل على العكس تماما ، يؤمن بأن الله عز وجل يختبر عباده ) ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) . ويقول تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ). والله تعالى يبتلي العباد بالنعم كما يبتليهم بالنقم ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) فلقد خلق الله الإنسان ليبتليه ليرى هل يصبر أو يكفر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” ( رواه مسلم ).

أما محمد مهران رشوان فيقول في كتابه ” مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة ” :

( الفلسفة البراجماتية اسم يطلق على عدد من الفلسفات المختلفة التي تشترك في مبدأ عام ؛ وهو أن صحة الفكرة تعتمد على ماتؤديه هذه الفكرة من نفع أيًا كان نوع هذا النفع ، أو على ما تؤدي إليه من نتائج عملية ناجحة في الحياة ) .

( أهم الانتقادات التي توجه إلى البراجماتية، نوجزها في التالي :

1 -  أن البراجماتية لا تقدم لنا بحثاً إيجابيا عن الحقيقة. إذ إنها مجرد منهج لاكتشاف الأفكار الخاطئة، وهي التي ليست لها آثار عملية . وهذا منهج سلبي لا إيجابي ، لأنها لا تهدف إلا إلى استبعاد الأفكار الخاطئة ، تلك التي لا تكون لها هذه الآثار العملية . والاستبعاد ـ كما هو واضح ـ منهج سلبي للكشف عن الحقيقة وليس إيجابيا بحال من الأحوال .

2 - يلاحظ بعض الباحثين ذلك الامتداد غير المشروع لفكرة المنفعة، فقد كان ” جيمس جيمس ” والبراجماتيون يفخرون باتساع أفقهم ، ولكن الحق أن هذه الروح الفضفاضة تبلغ حداً يؤدي إلى القضاء على كل معني لكلمة ” النافع ” عندما كانوا يعرفون الحقيقة عن طريق المنفعة . فالنافع في اللغة المتداولة هو ما يفي بحاجة ” حيوية “، إلا أن البراجماتيين قد أضفوا على كلمة الحاجة معان بلغت من الكثرة حداً لم تعد معه تدل على شيئ ، حتى ولا كلمه ” النافع ” ذاتها. فهناك حاجات ترمي إلى حفظ الحياة والعمل على استمرارها ، ولكن من الممكن أن نطلق اسم ” الحاجة ” على ما يعبر عن أكثر الميول الوجدانية تنوعاً : فالمرء بحاجة إلى أن يكون محترماً ، محبوباً، كما أنه بحاجة إلى أن يحب، والى أن يرى من يحبهم سعداء. والغيورون الحاقدون بحاجة إلى أن يروا الآخرين تعساء وأقل سعادة منهم. والمرء بحاجة إلى الإيمان بوجود الله، وخلود النفس. كما أن هناك حاجات عاطفية وعقلية كالحاجة إلى المعرفة والفهم … وهكذا نلاحظ أن ” حاجات ” الإنسان و” المنافع ” التي تناظرها تبلغ من التنوع حدا يجعل كل تعريف للحقيقة بالمنفعة ينتهي آخر الأمر إلى أنه لا يوضح من طبيعتها أي شيء .

3 - لا شك في أن ” الحقيقي ” نافع على نحو ما ، إلا أن ذلك لا يستتبع القول بأن المنفعة هي أساس لتعريف الحقيقة . فالحقيقي نافع لأنه ” حقيقي ” قبل أي اعتبار للمنفعة .وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المذهب البراجماتي يعرف الحقيقة بأنها ما يفي بالحاجة ، غير أن أول ما نحتاج إليه عندما نبحث عن الحقيقة هو ألا نكون براجماتيين !! ومعنى ذلك أن القاعدة الأساسية التي نضعها عندما نشغل أنفسنا بالكشف عن الحقيقة هي أن نصرف كل اعتبار للمنفعة ، ولو تطرق الشك إلى نفوسنا وآمنا بشيء لأننا بحاجة إلى هذا الإيمان ، لفقد الإيمان إذن كل قيمة له . ومرة أخرى نقول ” إن الحقيقي نافع لأنه حقيقي ، وليس حقيقياً لأنه نافع “. ولنتصور الحالة العقلية لمريض يقول لطبيبه ” لا تقل لي سوى ما أحتاج إلى تصديقه ” ، ألا يكون قوله هذا توسلا إليه أن يكذب ؟ وهكذا ينتهي الأمر بالبراجماتية إلى أن تكون نظرية الأكذوبة الحيوية التي تقوم على أساس من نزعة الشك . إن جيمس ـ ومعه بقية البراجماتيين ـ يلعبون لعبة خاسرة مع الحقيقة . فهو إذ يجعل من الحقيقة : حقنا في الاستمرار في الاعتقاد بما ينفعنا ، إنما يرفض مفهوم الحقيقة بأسره . إن وضع الفكرة ذات النتائج المرضية مكان مفهوم الحقيقة معناه فتح الباب لأي خيال لذيذ . فماذا يمكن أن يرضي الإنسان أكثر من استمراره في الاعتقاد بأنه ذكي بينما هو في الواقع أبله ؟!! ان العالم مليء بالكثير من السخف الذي يستشعر معه الإنسان قسطا من المتعة. وإذا كان تقديم الأفكار يتم على أساس ما تؤدي إليه من نتائج عملية ، فعند أي حد نستطيع أن نحكم على فكرة معينة بناء على هذا الأساس ؟ فلو كان هناك شخص يعتقد أن الطريقة لحل مشكلاته الاقتصادية هي السيطرة على أحد البنوك ، لكانت هذه الفكرة صحيحة أحياناً، لما يترتب عليها من نتائج عملية. إلا أن البراجماتيين يصرون على أن المرء لا بد أن يضع في حسبانه لا مجرد النتائج المباشرة التي تترتب على الفكرة، بل آثارها البعيدة أيضاً. وهنا قد نقول إننا لا نستطيع أن نعرف النتائج العملية لهذه الفكرة ، مادامت النتائج البعيدة قد تستمر إلى غير ما حد. فقد تعمل الفكرة بنجاح في وقت معين ، ثم تفشل في وقت آخر ، ثم تعود للنجاح بعد ذلك . ومعنى هذا أننا ينبغي علينا أن ننتظر بلا نهاية لكي نتمكن من تقييم نتائج أي اعتقاد ، ومن تقرير ما إذا كانت له نتائج عملية أم أنه يفتقر إلى مثل هذه النتائج .

4 - أما تطبيق النظرية البراجماتية عن الحقيقة في مجال العلم ، وما ذهب إليه جيمس جيمس والبراجماتيون من أن قضايا العلم قضايا حقيقية لأنها مفيدة عملياً، فيبدو نسفاً للحقائق العلمية من أساسها ! إن قبول نظرية معينة واعتبارها صحيحة بدون برهان ولمجرد أنها نافعة أو أنها ترضينا من ناحية ما، هو نقيض الموقف العلمي تماما. إن الفرض المرضي فحسب هو في أغلب الأحيان أقرب الفروض إلى الخطأ .

5 - أما تطبيق الفكر البراجماتي على المعتقدات الدينية، فيبدو بالنسبة لنا كارثة! فإننا لا نسلم بالحقائق الدينية لمجرد أنها نافعة – في نظرنا القاصر-. بل لأنها حقائق في ذاتها بصرف النظر عن فائدتها ونتائجها العملية الناجحة – بحسب النظرة القاصرة -. لأننا لو سلمنا بهذا المعيار البراجماتي ـ كما فعل جيمس ـ لكانت أية عقيدة ـ مهما تكن أسباب إنكارنا لها ـ حقيقة لمن يرى أنها نافعة له، فتستوي بذلك النحل والبدع والديانات المحرفة مع الدين الحق ( الإسلام )!! لقد تنفس جيمس الصعداء لاستطاعته إزالة العراقيل التي كانت تقف في طريق معتقداته الدينية، ولكنه كما قال ” سنتايانا ” بقسوة ” لم يكن يؤمن حقيقة ، كان يؤمن بأن من حق الإنسان أن يؤمن بأنه يمكن أن يكون على حق لو آمن ” ! إننا لو قلنا لشخص ما ” إنني أعتبر عقيدتك خرافة ، ولكن إذا كانت مفيدة لك فهي عقيدة حقيقة بالنسبة لك “. أليس في ذلك سخرية به ؟!

6 - إن البراجماتية تركز على الفرد ، وتعلي من ” الفردية ” إلى أقصى حد . وهي بذلك تعكس الفردية الممزقة التي سادت أمريكا في القرن التاسع عشر . وهذه الفردية بما يرتبط بها من فوضى وغموض تجعل الأفراد عاجزين عن تحمل النظام والرقابة والمهام الاجتماعية. إن هذه الفردية هي التي جعلت أواصر قربى بين البراجماتيين وبين الفيلسوف السوفسطائي ” بروتاجوراس ” حين قال : ” إن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً ” . وقد كتب ” شيلر ” يقول ” ينبغي علينا أن نعود مرة أخرى إلى ما فعله بروتاجوراس ، فنتخذ الأحكام الفردية لأشخاص مفردين نقطة بدء لنا ” . لكن ليس لنا أن ننسى أن بروتاجوراس هو أحد هؤلاء الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل، لكي يتصيد في الماء العكر ما هو زائف ومريح ، ويشيد صرح الخطابة على أنقاض الفلسفة . لقد لاحظ أفلاطون بحق في ” ثيتاتوس ” أننا لو سلمنا بمبدأ بروتاجوراس، لكان معنى ذلك التسليم بأن حجج المجنون تعادل في صدقها حجج العاقل ، وأن أحط الحيوانات شأنا قد يكون له رأي في الكون لا يقل حصافة عن رأي الإنسان الحكيم!! وبعد … إن البراجماتية قد تصلح لأولئك الذين يتمتعون بروح عدوانية ، تسعى إلى السيطرة النابليونية . أما بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بالروح الإنسانية ، ويتمسكون بالمثل العليا ، والقيم الدينية، فإن البراجماتية تبدو لهم ضيقة الأفق ، محدودة الإطار، مخيبة للآمال )

المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية

بوزريعة - الجزائر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مدخـل إلى علوم التربية

 

مـن إعداد الأسـتاذيــن :

                        - كمـال عبـد اللــه

                        - عبـد اللـه قـلــي

 

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها- السنة الأولى- الإرسال 3

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

المحور الرابع : الأسس الاجتماعية للتربية

 

-         مفهوم الأسس الاجتماعية

-         الوظائف الاجتماعية

-         المؤسسات التربوية

 

 

 

 

الأسس الاجتماعية للتربية

تخضع المجتمعات الإنسانية في الوقت الحاضر لكثير من التغيير والتطور- سرعة ومدى-  بما لم يسبق أن مارسته في أية فترة من فترات التاريخ الإنساني هذه التغيرات والتطورات التي شملت كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي فرضت نفسها على قيم الأفراد وسلوكهم، وعلى المؤسسات الاجتماعية المختلفة فارتفعت بها- أو تحاول ذلك - شكلا ومحتوى- إلى مستوى المسؤولية لمقابلة التحديات والمطالب التي تفرضها هذه التغيرات والتطورات.

 

مفهوم الأسس الاجتماعية :

 

هي القوى الاجتماعية المؤثرة في وضع المنهج وتنفيذه وتتمثل في التراث الثقافي للمجتمع والقيم والمبادئ التي تسوده والحاجات والمشكلات التي يهدف إلى حلها والأهداف التي يحرص على تحقيقها. وهذه القوى تشكل ملامح الفلسفة الاجتماعية أو النظام الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات وفي ضوئها تحدد فلسفة التربية التي بدورها تحدد محتوى المنهج وتنظيمه وإستراتيجيات التدريس والوسائل والأنشطة التي تعمل كلها في إطار متسق لبلوغ الأهداف الاجتماعية المرغوب في تحقيقها

وهذه القوى تشكل ملامح الفلسفة الاجتماعية أو النظام الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات, وفي ضوئها تحدد فلسفة التربية التي بدورها تحدد محتوى المنهج وتنظيمه واستراتيجيات التدريس والوسائل والأنشطة التي تعمل كلها في إطار متسق لبلوغ الأهداف الاجتماعية المرغوب في تحقيقها.

فدور المنهج هو أن يعكس مقومات الفلسفة الاجتماعية يحولها إلى سلوك يمارسه التلاميذ بما يتفق مع متطلبات الحياة في المجتمع بجوانبها المختلفة, ولما كانت المدرسة بطبيعة نشأتها مؤسسة اجتماعية أقامها المجتمع من أجل استمراره وإعداد الأفراد للقيام بمسؤولياتهم فيه, فمن الطبيعي تتأثر بالمجتمع والظروف المحيطة به. ومعنى ذلك أن القوى الاجتماعية التي يعكسها منهج ما في مدرسة ما إنما هي تعبير عن المجتمع في مرحلة ما, ولذلك تختلف المناهج من حيث الشكل والمنطق من مجتمع لآخر تبعاً لتباين تلك القوى.

1 ـ تمكين المتعلم العربي من فهم ذاته الاجتماعية، وفهم وطنه العربي وديناميكية تطوره، ومشاكله وتحدياته الاجتماعية بموضوعية وواقعية ونظرة متفائلة، وفي سياق ذلك تمكين المتعلم العربي من فهم أسرته وبيئته المحلية متدرجاً لفهم وطنه والعالم، مع تنمية القدرة لفهم الحضارات والمجتمعات الأخرى في العالم، ومع تأكيد الإحساس بالانتماء للآخرين وقبول اختلافهم وخصوصياتهم الثقافية والتعامل الإيجابي معهم .

2 ـ تأكيد بناء قدرات ومهارات اجتماعية من أهمها :

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي نحو حب العمل والإخلاص فيه .

ـ وإدراك ضرورته لحياة الفرد وأسرته ووطنه .

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي الإيجابي نحو العمل اليدوي والمهني لاكتساب مهاراته الأساسية وضرورته لحياة العصر الحديث .

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي للاعتماد على النفس والقدرة على العمل مع الآخرين والتعاون معهم لإنجاز هذا العمل.

ـ خلق الحافز لقبول التغير والتجديد الاجتماعي في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي لم تعد تتفق وحياة العصر الحديث أو التي تعيق النمو والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ـ تنمية وتأكيد الاتجاه الاجتماعي لقبول المساواة بين الرجل والمرأة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية، في إطار من ثوابت وقيم الثقافة العربية الإسلامية الصحيحة، ونبذ النظرة إلى المرأة على أنها أقل مكانة من الرجل.

3 ـ تطوير إستراتيجية التربية العربية بما يحقق تأكيد المبادئ التالية:

ـ تكوين إنسان معتز بأنه عربي ومسلم أو مسيحي من أبناء الأمة العربية .

ـ تكوين إنسان معتز بكرامته وذاته الفردية والاجتماعية .

ـ تكوين إنسان يقبل الاختلاف الاجتماعي والثقافي ويحترم الآخرين في أسرته ومجتمعه والعالم، وله القدرة على التعايش والتعامل معهم بروح إيجابية بناءة .

والمدرسة مؤسسة اجتماعية أساسية تمثل جزءا هاما من المجتمع الذي تعيش فيه، تتأثر به، مستجيبة للمطالب التي تفرضها قيم المجتمع عليها، بعد شخصيات الصغار وتشكلها للمعيشة في المجتمع والمساهمة في حياته.

ولقد أنشأ المجتمع المدرسة لكي تعد الجيل الصغير للاشتراك في المنشط الإنسانية التي تسود حياة الجماعة وللتكيف معها، وللإحساس بالأمن والطمأنينة في رحابها، ولذلك فشخصية المدرسة تتحدد أبعادها بأبعاد المجتمع الذي تخدمه.

ولا يقتصر عمل المدرسة على إعداد الجيل الصغير للاشتراك في حياة الجماعة والتكيف معها، ولكن هذا الإعداد يتضمن أيضا القدرة على تجديد هذه الحياة وعلى تطعيمها بالدم الجديد، الذي يبعث فيها الحركة والنمو.

وعلى هذا الأساس تستجيب المدرسة لمطالب التغير الاجتماعي وتحدياته في المجتمع الذي تعيش فيه، وتعمل في الوقت نفسه على أن تكون رائدة بهذا التغير الاجتماعي ومبشرة به وموجهة إليه، عن طريق هذا الجيل الصغير الذي تعده وتشكله.

 

 الجمود الاجتماعي :

 

على أن كثيرا من الناس- ومن بينهم كثير من المدرسين -  ينظرون إلى الأوضاع القائمة في المدارس على أنها مستمرة ويجب ألا تتغير وهم يتساءلون دائما : لماذا هذا التغيير في نظام التعليم وقوانينه ولوائحه؟ لقد تعلمنا في الماضي في المدرسة وسلكنا طريقنا ونجحنا في الحياة، وتعلم المدرسون مادة تخصصهم ونالوا شهادة تعترف فيها الدولة لهم بهذا التخصص. وهم بهذا كله يحاولون أن يعزلوا المدرسة عن التطورات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، ناظرين إلى المدرسة نظرة ضيقة تنحصر بين حدود مادتهم العملية التي تخصصوا فيها. وهنا يبرز سؤال هام خاص بعمل المدرسة: مداه وأهدافه. هل يجب على المدرسة أن تحذر نفسها وتقصر أهدافها على نقل أنواع المعارف والمهارات إلى التلميذ ؟ أم أنها يجب أن تتعدى هذه الأهداف الضيقة لتعنى بتشكيل تخصصات تلاميذها سلوكا واتجاهات وعادات وقيما؟ وفي الحالة الأولى ما هي أنواع المعارف والمهارات التي تحتل الأهمية العظمى؟ وفي الحالة الثانية ما هو نوع الشخصية الإنسانية الذي تعمل على تشكيله؟

ولكن لماذا فشل المدرسون في أن يروا هذه الحقيقة الهامة وهي أن نمط المدرسة يرتبط باستجابة تاريخية لمطالب اجتماعية_قد تكون متساندة وقد تكون متعارضة- تفرض نفسها على تربية الصغير؟ قد يرجع هذا إلى نقص في تعليمهم المهني، وإعدادهم الفني، إذ أن كثيرا من المدرسين قد أعدوا من ناحية تخصصهم في مادتهم، ولكنهم لم يتعلموا أن ينظروا إلى المدرسة كمؤسسة اجتماعية في ظل نظام اجتماعي معين، وأنها تعمل في حدود هذا الإطار في علاقاته المتشابكة المتعددة المعقدة.

إن إحساس المدرس بالأسس الاجتماعية للمدرسة، ومعرفته بالإطار الاجتماعي لمادته، وإدراكه للنظام الاجتماعي القائم وانعكاساته المختلفة على المدرسة في أهدافها ومناهجها وإدارتها وعلاقاتها، من أهم ما نهدف إليه.

 

المجتمع  والتربية :

 

     لقد اختلف المفكرون والفلاسفة في تحديد علاقة التربية بالمجتمع، فمنهم من رأى (أرسطو) بان التربية هي الوسيلة الوحيدة لاستقرار المجتمع وأنظمته وقيمه وأوضاعه الاجتماعية بينما رأى فريق آخر ( أفلاطون ) إن التربية وسيلة لإصلاح المجتمع وتحسينه وتقدمه وتطوره.

فلو تأملنا في تاريخ الشعوب لعلمنا كم التربية لعبت دورا هاما في حياتها، مثل الحضارة البابلية والمصرية والصينية والفينيقية، حيث أضافت إليها روائع الفكر الجديد، فاهتم الاثينيون بالتطور الفكري، واعتنوا بتربية الإنسان، وجعلوا التربية همهم الأول، حيث أخرجت أثينا نخبة الأساتذة العقل البشري والفلاسفة الخالدين الذي اثروا في العلوم الإنسانية.

وفي اسبرطة لعبت التربية دورا حيويا في بناء المجتمع والذي لا يزال يعتبر نموذجا للتربية التي تميزت بطابعها العسكري ونظامها التربوي الانتقائي الصارم. حيث عملت مجتمع متين موحد وقوي في مواجهة أقسى الظروف.

     أما أثينا فقد عملت على تربية الفرد وركزت على قوة شخصيته لمواجهة أصعب الظروف، وقد حرصت التربية عند الرومان على تخريج أجيال مدربين على فنون القتال والحرب.

     حتى التربية الحديثة في بناء المجتمعات الحديثة، هذا ما تفعله الأمم، وهذا ما فعلته التربية الإسرائيلية، حتى أعدت دولتها، قامت ببناء مجتمع حربي مستعدا دائما للقتال، عن طريق التربية.

وفي اليابان نموذج رائع بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، ببناء مجتمع قوي ومتحضر صناعي، يحمل المسؤولية في جميع الاتجاهات، وقد لعبت التربية دورا بارزا في هذه الحضارة.

وتطبيقا لذلك نشأت الأمة والدولة العربية الإسلامية وتطورت ظروف انتشار القوة العربية تحت لواء الرسالة الإسلامية في مواجهة التحدي الخارجي، بفضل الإنسان العربي المسلم الجديد الذي أصر الرسول على توفير التربية الجيدة له حتى يصوغه أولا قبل الإقدام على نشر الدعوة الإسلامية. إلى أن بدا الوهن والضياع يدب في هذا القوم نتيجة بعدهم عن التربية الإسلامية الصحيحة.  ومن هنا نرى كيف التربية لعبت ولا تزال تلعب دورا هاما وأساسيا في بناء الإنسان والمجتمع وتطويرهما قديما وحديثا..
وهكذا فان التربية تستطيع تحقيق ذلك باعتبار أنها وظيفة اجتماعية تتفاعل مع مجتمعها تأثرا فيه، وخاصة إذا ما استطاعت العمل على :-

1 - إحداث تنمية اجتماعية حقيقية داخل المجتمع العربي، بمواجهة التخلف، وتحدي حضاري شامل ومتكامل.

2 - إن إحداث تنمية اجتماعية شاملة داخل المجتمع العربي تستوجب من التربية تنمية القدرة العربية من الموارد والطاقات الذاتية وحدها على مواجهة التحديات.

3 - إن إعداد الإنسان العربي الذي يمثل الثروة الحقيقية إعدادا حضاريا متميزا سيظل يمثل حجر الأساس في عملية بناء المجتمع العربي المستقبلي، وهذا يتطلب من التربية جهدا واعيا ودورا كبيرا لتحقيقه فكرا وتطبيقا.

4 - أن تعمل التربية على جعل الوعي العلمي فكرا ومنهجا وتطبيقا أساسه في الحياة العامة، داخل المجتمع العربي، وذلك من خلال تطوير البحث العلمي وتشجيع مؤسساته واستيعاب كل منجزاته والإسهام في تحقيق أهدافه.

5- منح المرأة العربية كل فرص التعليم المتكافئة باعتبارها تمثل المجتمع.

6  -جعل التخطيط التربوي أساسا ومنهجا دائما لربط أهداف التربية وبرامجها ومناهجها بحاجات المجتمع من القوى العاملة والمهارات اللازمة لبنائه وتطويره.

 

التربية … والتعليم في مجتمعنا العربي :

     تقوم التربية بتحقيق أهداف والمجتمع أو النظام السياسي الحاكم في هذا المجتمع أو ذاك بتأثير المناهج التعليمية والبرامج التربوية الموضوعة بما يتفق وأهداف النظام السياسي والاجتماعي وذلك من خلال استخدام المؤسسات التعليمية بكل مستوياتها (رياض أطفال، مدارس، معاهد، كليات، جامعات) على اعتبار إنها مؤسسات اجتماعية تستمد أهدافها من فلسفة المجتمع المحيط بها. التربية المكتسبة في المدارس تميل إلى أن يكون لها تأثير مستديم حسب ما تشير إليه الدارسات في علم النفس الاجتماعي المتصلة بعملية التنشئة الاجتماعية بأن المواقف التي يتخذها البالغون يمكن تعقيمها بشكل جزئي إلى ما تعلمون بالمدرسة الابتدائية.

التعليم المدرسي : دور المؤسسات التربوية التعليمية بشكل عام يأتي في المرتبة الثانية بعد دور الأسرة من حيث أهميتها ومسئوليتها في صناعة الأجيال والفرد والإنسان إلا أنها تلعب دورا لا يقل أهمية عن دور العائلة إن لم يكن مساويا أو مكملا له. لعل السبب الجوهري في الأزمة التربوية تتمثل في عقم العملية التربوية التعليمية في المدرسة العربية الذي يرجع إلى عدة عوامل منها :

   أنها لا تزال عملية تقوم على السيطرة السلطوية للمعلم الذي يعتمد بدوره على استخدام القمع و الضرب والتسلط والعقاب والإرهاب للطلاب.

  استخدام المدرسين لأساليب التدريس الإلقائية والتقليدية في تعليمهم وتدريسهم لتلاميذهم وطلابهم.

   لأن أساليب التدريس في المدرسة العربية لا تزال تقوم على أساليب الحفظ والتسميع والترديد والتكرار الآلي من قبل الطلاب.

  إن هذه العملية التقليدية والتربوية تفتقر إلى الأهداف التنموية والفلسفة الواضحة والسياسية التعليمية الرشيدة التي يمكن للمعلم والمتعلم الاسترشاد بها غي عملهم.

إن المناهج والبرامج والمقررات التعليمية مناهج نظرية أكثر منها عملية تطبيقية ومقررات كلاسيكية تقليدية تفتقر إلى الحداثة فيشعر المعلمين والدارسين معها بالاغتراب والملل والضجر وعدم التشويق.

  إن العملية التعليمية في مدارسنا ومعاهدنا عملية حرفية تعتمد على الكتاب المقرر فقط، كما تعتمد على الامتحانات المثالية كمقاييس لحفظ الطلاب للمادة التعليمية للتحصيل الأكاديمي.

 إن العملية التربوية التعليمية في مدارسنا العربية تسير بدون تخطيط حقيقي.

  إن إدارة المدرسة العربية لا تزال إدارة بوليسية تعتمد على أساليب السلطة الفوقية بدلا من الاعتماد على أنماط الإدارة الحديثة والقيادة التربوية Leadership  الواعية.

 إن العملية التربوية التعليمية داخل مدارسنا العربية عملية (أحادية) أي من طرف واحد هو المعلم فقط، فتفتقر بالتالي إلى التفاعل من أطرافها (المعلم والمتعلم والمناهج والإدارة).

 عملية التعليم أصبحت عملية روتينية عميقة من التعلم والمناهج السلبي.
كل تلك العوامل ساهمت إلى حد كبير في فشل العملية التربوية التعليمية في مدارسنا ومن ثم صياغة وتنشئة وتخريج إنسان عربي آلي ساذج (كالببغاء) لا يحسن التعبير عن نفسه وذاته.

وحتى لائم النظام التعليمي والتربوي أهداف مجتمعنا العربي والواقع الذي نعيشه لا بد من تحقيق ما يلي:

صياغة أهداف واضحة لنظامها التعليمي والتربوي المدرسي والجامعي.

 تعبير الأساليب التعليمية التقليدية والتحفيظية من الروضة والمدرسة وحتى الجامعة.

 تغيير المناهج التعليمية والتربوية بحيث تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا مع واقع المجتمع وحاجات الأفراد المتعلمين وقدراتهم.

توفير الفرص للمعلمين والأساتذة والمدرسين لرفع مستوياتهم المعرفية والفنية والمهنية.

لا بد لمدارسنا ومؤسساتنا التعليمية وقيادتها الإدارية من استخدام التخطيط بكل أشكاله ومستوياته وصور المختلفة المرحلي منه والاستراتيجي الشامل في عمليات رسم التعليمية أو محاولة تطوير هذه المؤسسات.

 

التعليم العالي :

 

إن جذور مشكلة تعليمنا الجامعي تبدأ من المدرسة، حيث تصل عدد من طلاب مدارسنا من التعليم العام إلى الجامعة وهم غير قادرين أو مؤهلين للتعليم الجامعي والعالي. يصف نائب المدير العام لليونسكو نظام التعليم العربي ( بأنه يمتاز بالجمود والافتقار إلى جو الدراسة الجادة والبحث العلمي الواعي، مثلما يعاني من البيروقراطية السافرة والمناهج العتيقة (القديمة) والتقاليد البالية). لم تستطع المدارس أو الجامعات العربية حتى الآن في تحقيق الديمقراطية كنمط بين أجيالها لأن المدرسة أو الجامعة نفسها لا يسودها جو ديمقراطي، بل أنهما لا توجدان في مجتمع ديمقراطي أصلا، ومن هنا فإن الأجيال التي ستخرجها هذه المدرسة أو الجامعة هي أجيال مقهورة عاجزة، وبالتالي فإن الإنسان المقهور العاجز لا يستطيع إن بيني حضارة أو يحرر أرضا أو وطنا. تتبلور ملامح أزمة الجامعات والتعليم العالي في الوطن العربي في عدد من المظاهر السلبية التي تسيء إلى النظام متمثلة :

 مفهوم المدرسة في المجتمع العربي مفهوم تسلطي يتمثل في فرض نمط فكري أو أساسي معين على أذهان الشباب من الطلاب أو الطالبات.

 في البرامج والمناهج التعليمية التعسفية التي تستند إلى المدرسة النظرية وحدها دون الاهتمام بالتطبيق والتجريب حتى أصحبت سلبية وأحادية الجانب حيث فشلت لأنها منفصلة عن حاجاتنا.

 ما يعانيه النظام الجامعي في الوطن العربي ومؤسساته الأكاديمية من التطبيق والأخذ بنظم وقواعد غاية في الشدة والصرامة في الحضور والتقديرات.

وبهذا فالمشكلة الرئيسية في نظامها التعليمي العالي بشكل عام أنه نظام تقليدي متطابق متشابه ليس فيه تجديد أو تطوير أو تنويع سواء في التخصصات أو المقررات أو الأساليب أو الخرجين. من أجل وضع تصور مستقبلي لأهداف وبرامج ومناهج نظامنا التعليمي والتربوي ليكون على مستوى من الوعي والقدرة للمشاركة في بناء مجتمع المستقبل العربي المنشود مع إطلالة العام الألفي الثالثة فإنه لا بد من العمل على تحقيق الاستراتيجيات التعليمية والتربوية التالية :

 إن نعمل أولا على جعل المدرسة العربية أداه للتغيير والتحرر وخلق الوعي الاجتماعي بدلا من أن يكون مفهومها تسلطيا ودورها قمعيا استعلائيا.

 وضع فلسفة تربوية وتعليمية واضحة تنبثق من تراثنا الحضاري العربي الإسلامي.

إن نثور مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا بمناهجها وإدارتها وأنظمتها ولوائحها وبرامجها التعليمية والتربوية لردم الهوة القائمة بين واقعنا التعليمي والتربوي الحالي وبين التعليم الإبداعي والابتكار الذي نحلم بتحقيقه بدء من الروضة وحتى الجامعة.

 إن نحدد أهدافنا وغاياتنا القريبة والبعيدة.

  إن تطور البرامج والمناهج التعليمية التي تستطيع بها إنتاج إنسان عربي متكامل.

جعل حياة الطالب العربي بمثابة المحور الذي تدور حوله الدراسة الجامعية.

 تغيير أنماط التعليم والتعلم وأساليب التدريس التقليدية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا.

إعداد الكوادر التربوية المؤهلة من المعلمين والإداريين للعمل في المدارس.

وضع خطط زمنية مرحلية وإستراتيجية شاملة لأنظمتنا التعليمية القائمة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا.

تحويل مدارسنا ومؤسستنا التعليمية وجامعتنا إلى مراكز للنشاط الفكري والبحث العلمي.

عن نستخدم مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا لتكون مراكز للتعلم والاتصال الجماهيري والثقافة الشعبية الجماهيرية.

إن مسؤولية صناعة وإنتاج الإنسان العربي المطلوب بمواصفات عصرية تتجاوز في أهميتها كل مسؤولياتها وأولويتها أخرى كما تحتاج الشيء الكثير من العمل الدءوب والجهد والتنسيق الفعال بين كل الأوساط المعنية والوسائط التربوية الاجتماعية في المجتمع العربي حيث تصبح مسؤولية إعداده لا تقتصر على الدراسة أو الأسرة بشكل خاص فحسب بل وعلى المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والثقافية كالمعهد والمؤسسات التعليمية والجامعية والإذاعة والتلفزيون والمسرح ودور العبادة، بحيث تشترك جميعها في إعداد وإنتاج وتنشئة وصناعة هذا الإنسان العربي بشكل متكامل.

 

الوظائف الاجتماعية للتربية :

 

التربية نظام اجتماعي أساسي في كل المجتمعات دعت إليه ضرورة ملحة، وهي تنشئ الأطفال تنشئة اجتماعية وتربيهم ليصبحوا مواطنين صالحين في المجتمع ، ومن أهم وظائفها الاجتماعية:

أ - نقل التراث الثقافي المسؤول عن تحويل الأفراد من الطبيعة البيولوجية إلى الطبيعة الإنسانية.

بـ - تجديد التراث الثقافي والإضافة إليه.

جـ -  تحديد مركز الفرد الاجتماعي والدور الذي يقوم به.

بعض المؤسسات التربوية وأثرها في تربية الفرد والمجتمع .

 

من المعروف أن التربية نشاط أو عملية اجتماعية هادفة، وأنها تستمد مادتها من المجتمع الذي توجد فيه ؛ إذ إنها رهينة المجتمع بكل ما فيه ومن فيه من عوامل ومؤثرات وقوى وأفراد ، وأنها تستمر مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت ؛ لذلك فقد كان من أهم وظائفها إعداد الإنسان للحياة ، والعمل على تحقيق تفاعله وتكيفه المطلوب مع مجتمعه الذي يعيش فيه فيؤثر فيه ويتأثر به.

ولأن هذا التأثر والتأثير لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال المؤسسات الاجتماعية المتنوعة التي تتولى مهمة تنظيم علاقة الإنسان بغيره، وتعمل على تحقيق انسجامه المطلوب مع ما يُحيط به من كائناتٍ ومكونات، فإن العملية التربوية مستمرة مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت؛ وتتم من خلال المؤسسات التربوية الاجتماعية التي تتولى مهمة تربية الإنسان، وتكيفه مع مجتمعه، وتنمية وعيه الإيجابي، وإعداده للحياة فيه. وتُعد هذه المؤسسات التربوية بمثابة الأوساط أو التنظيمات التي تسعى المجتمعات لإيجادها تبعاً لظروف المكان والزمان، حتى تنقُل من خلالها ثقافاتها، وتطور حضاراتها، وتُحقق أهدافها وغاياتها التربوية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التربوية لا تكون على نمطٍ واحد، أو كيفيةٍ واحدةٍ طول حياة الإنسان، إذ إنها متعددة الأشكال، مختلفة الأنماط، وتختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان، وظروف مجتمعه، وبيئته  المكانية والزمنية والمعيشية، وما فيها من عوامل وقوى. كما تختلف باختلاف نوعية النشاط التربوي الذي تتم ممارسته فيها.
وهنا يمكن تعَريف  المؤسسات التربوية بأنها تلك البيئات أو الأوساط التي تُساعد الإنسان على النمو الشامل لمختلف جوانب شخصيته، والتفاعل مع من حوله من الكائنات، والتكيف مع من ما حوله من مكونات.

ويأتي من أبرز وأهم هذه المؤسسات التربوية في المجتمع الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق إلى جانب المسجد ووسائل الإعلام والأندية وأماكن العمل ونحوها من المؤسسات المختلفة التي تؤثر على تربية الإنسان سواءً كان ذلك التأثير بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مباشرة .

ومعنى هذا أن تربية الإنسان لا يمكن أن تتم إلا من خلال بعض المؤسسات أو الوسائط الاجتماعية المختلفة . ونظراً لكثرة هذه المؤسسات وتنوعها واختلاف أشكالها وأنماطها، فقد عَرَف المجتمع المسلم عبر تاريخه الطويل عدداً من هذه المؤسسات الاجتماعية التربوية والتعليمية المختلفة التي كانت نتاجاً طبيعياً للعديد من المطالب والتحديات والتغيرات الحضارية التي طرأت بين حينٍ وآخر على العالم الإسلامي. بل إن كل مؤسسة من المؤسسات التربوية التي عُرفت في الإسلام إنما نشأت استجابةً لحاجةٍ وظروفٍ اجتماعيةٍ معينة .

ويأتي من أبرز هذه المؤسسات التربوية والتعليمية ما يلي :

 

1 ) الأُسرة ( المنـزل ) :

 

وهي الخلية الأولى التي يتكون منها نسيج المجتمع ، كما أنها الوسط الطبيعي الذي يتعهد الإنسان بالرعاية والعناية منذ سنوات عمره  الأولى . وقد حث الإسلام على تكوينها والاهتمام بها لأثرها البارز في بناء شخصية الإنسان وتحديد معالمها منذ الصغر. وتتكون الأسرة في الغالب من مجموعة أفراد تجمعهم فيها ظروف المعيشة الواحدة؛ وتربطهم رابطةٌ شرعيةٌ قائمةٌ على المودة والمحبة.

وتُعد الأسرة أهم المؤسسات التربوية الاجتماعية التي لها الكثيـر من الوظائف، وعليها العديد من الواجبات الأساسية حيث تُعتبر بمثابة المحضن الأول الذي يعيش الإنسان فيها أطول فترةٍ من حياته ، كما أن الإنسان يأخذ عن الأُسرة  العقيدة، والأخلاق ، والأفكار، والعادات، والتقاليد، وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية .

وللأسرة وظائف كثيرةٌ ومتنوعة لاسيما أنها تُعنى بتنمية ورعاية جميع الجوانب الشخصية للإنسان في مختلف مراحل عمره . وعلى الرغم من اشتراك الأسرة المسلمة مع غيرها من الأسر في أداء بعض الوظائف التربوية ؛ إلا أن للأُسرة المسلمة بعضاً من الوظائف التربوية المميزة التي من أبرزها ما يلي :

أ ) العمل على تزويد المجتمع المسلم بالذرية الصالحة التي تُحقق قوله صلى الله عليه وسلم: ” تزوجوا الولود الودود ؛ فإني مُكاثرٌ بكم ” ( رواه النسائي). والتي تكون عاملاً قوياً في تحقق واستمرار الحياة الأُسرية، وضمان استقرارها.

ب ) تحقيق عوامل السكون النفسي والطمأنينة لجميع أفراد الأسرة حتى تتم عملية تربيتهم في جوٍّ مُفعمٍ بالسعادة بعيداً عن القلق والتوتر والضياع . ويأتي ذلك تحقيقاً لقوله تعالى : } وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون َ{ ( سورة الروم : الآية رقم 21 ) .

ج ) حُسن تربية الأبناء والقيام بواجب التنشئة الاجتماعية الإيجابية ، والعمل على صيانة فطرتهم عن الانحراف والضلال ، تحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم :” كُلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ، أو يُنصِّرانِهِ ، أو يُمجِّسانِهِ ” ( رواه البخاري) .

د ) توفير مقومات التربية الإسلامية الصحيحة لأفراد الأسرة عن طريق العناية بمختلف الجوانب الشخصية للإنسان ( روحياً، وعقلياً، وجسمياً). والحرص على توازنها وتكاملها لما لذلك كله من الأثر الكبير في تشكيل وتكوين الشخصية المسلمة السوية، والعمل على تفاعلها وتكيفها مع ما حولها من المكونات ، ومن حولها من الكائنات بصورةٍ ايجابيةٍ ، ومستمرةٍ طول فترة الحياة .

هـ ) الحرص على توعية أعضاء الأسرة وخاصة الصغار منهم بكل نافعٍ ومفيد ، والعمل على تصحيح مفاهيمهم المغلوطة ، وحمايتهم من كل ما يُهدد سلامتهم وسلامة غيرهم ، وتعليمهم الأخلاق الكريمة، والآداب الفاضلة، والعادات الحسنة حتى يشبون عليها، ويتعودون على مبدأ التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل .

و) إكساب أعضاء الأسرة الخبرات الأساسية والمهارات الأولية اللازمة لتحقيق تكيفهم وتفاعلهم المطلوب مع الحياة ، وإكسابهم الثقة بالنفس، والقدرة على التعامل مع الآخرين .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدور التربوي للأُسرة في عصرنا الحاضر قد تقلص بعض الشيء ولم يعد بنفس المنـزلة التي كان عليها من قبل، والسبب في ذلك أن هناك مؤسساتٍ اجتماعيةٍ أُخرى تمكنت في العصر الحاضر من مُزاحمة الأسرة والسيطرة على معظم الوقت الذي يقضيه الإنسان تحت تأثيرها ومن هذه المؤسسات وسائل الإعلام التي تُعد بحق في عصرنا أهم وأبرز المؤسسات التربوية الاجتماعية المؤثرة تأثيراً فاعلاً في حياة الإنسان صغيراً كان أو كبيراً، جاهلاً أو مُتعلماً ، ذكراً أو أُنثى .

 

الدور التربوي للأسرة :

 

يأتي مفهوم البيت والأسرة دائماً مع وجود الأبناء فالهدف من تكوين الأسرة هو حصول الوالدين على أبناء وبمعنى آخر فالأسرة كيان يتم بناءه من أجل الوصول إلى أهداف معينة أهمها إنجاب الأبناء وتربيتهم، والواقع أن تربية الأبناء ليس بالأمر السهل بل هي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأسرة حيث يتطلب الأمر الكثير من الجهد والتخطيط فإذا ابتغى الوالدان التوفيق في تربية أبناء صالحين وبناء مستقبل واعد لهم ينبغي عليهما تحديد أهداف تربوية معينة ومعرفة الوسائل والطرق اللازمة للحصول على تلك الأهداف حيث يشكل ذلك برنامجاً تربوياً متكاملاً وعلى الوالدين تربية أبنائهم وفق هذا البرنامج.فالوالدان اللذان لا يفكران في تربية أبنائهم لا يحق لهما انتظار المعجزة والمستقبل من أبنائهم فكما نسمع في الزراعة اصطلاحات الري والغرس وجني الثمار ففي عملية التربية والتعليم أيضاً ما يشابه ذلك أي أن الأبناء يعتبرون الثمار الناتجة من الجهود التربوية للوالدين وهناك جوانب أساسية في التربية ينبغي على الأسرة مراعاتها أهمها :

أولاً : تنمية شخصية الطفل واكتشاف القدرات الذاتية :

الإنسان في طفولته يملك مواهب فكرية ونفسية وعاطفية وجسمية ووظيفة الأسرة تنمية هذه المواهب واكتشاف القدرات والصفات التي يملكها أبنائهم والتعرف إلى نقاط القوة والضعف وفي الواقع تختلف قابلية الأطفال ومقدرتهم في تلقي الدروس حيث التباين الفردي والتنوع في الميول والاتجاهات وفي هذا الجانب ينبغي على الأسرة والمدرسة مراعاة ذلك.

 

ثانيا : تنمية العواطف والمشاعر:

العواطف والمشاعر مثلها مثل غيرها من مقومات الشخصية لدى الإنسان تحتاج إلى التربية والإرشاد ولعل من أهم العوامل التي يجب أن تراعيها الأسرة اللامبالاة وعدم الاكتراث والاهتمام بمطالبهم لأن هذه المشاعر هي علامات تدل على ميل نحو بعض الأمور أو بالعكس تفسر نفوره وعدم ميله نحو أمور أخرى فإذا علم الوالدان ذلك أمكنهم تصحيح المسار نحو الوجهة السليمة.

ثالثاً : تنظيم وقت الطالب واستغلال ساعات الفراغ :

هذا الجانب من أهم الجوانب التي يجب على الأسرة مراعاتها حيث يعتبر الفراغ مشكلة المشاكل عند الشباب وعليه فإن المسؤولية تقع على ولي الأمر فيجب عليه تنظيم وقت الطالب بحيث يكون هناك وقت كافي ومناسب للمذاكرة ووقت مناسب آخر للترفيه في الأشياء المفيدة وفي هذا الجانب يعتبر قرب ولي الأمر من أبنائه ومتابعته لهم ومنحهم الرعاية هي أقصر الطرق لسد ساعات الفراغ.

 

رابعاً : مراعاة توفير الحاجات النفسية :

إن الأطفال لهم حاجات نفسية مختلفة منها اطمئنان النفس والخلو من الخوف والاضطراب والحاجة للحصول على مكانة اجتماعية واقتصادية ملائمة والحاجة إلى الفوز والنجاح والسمعة الحسنة والقبول من الآخرين وسلامة الجسم والروح، وعلى الوالدين إرشاد أبنائهم وتربيتهم التربية الصحيحة حتى لا تنحرف حاجاتهم فتتولد لديهم مشكلات نفسية واجتماعية .

خامسا : اختيار الأصدقاء :

تعتبر الصداقة وإقامة العلاقات مع الآخرين من الحاجات الأساسية للأبناء خصوصاً في سن الشباب فالأطفال والناشئون يؤثرون على بعضهم البعض ويكررون ما يفعل أصدقاؤهم وبكل أسف يتورط عدد من شبابنا في انحرافات خلقية نتيجة مصاحبة أصحاب السوء ، ومن أجل اختيار الصديق الصالح يجب على الوالدين أو على الأسرة كلها توضيح معايير الصداقة لأبنائهم وصفات الصديق غير السوي مع المتابعة المستمرة لذلك.

سادسا : العلاقات الأسرية وأسس التعامل مع الأبناء :

إذا بنيت علاقات الأسرة على الاحترام سيكون بناؤها قوياً متيناً وهذا في الواقع يؤثر تأثيراً إيجابياً على مستقبل الأبناء وعلاقاتهم الاجتماعية وإذا عامل الأبوان أبناءهم معاملة حب وتكريم فإن حياتهم تكون خالية من القلق والاضطراب أما استعمال العنف والألفاظ البذيئة يسبب إضعاف شخصية الابن وتوتره وعموماً ينبغي التوازن في التربية أي لا إفراط ولا تفريط حتى لا تكون هناك نواحي عكسية.

سابعاً : القدوة الحسنة : الأطفال يقلدون في سلوكياتهم الآباء والأمهات والمعلمين فالأطفال الصغار يتأثرون أكثر بآبائهم وأمهاتهم لكن عند ذهابهم إلى المدرسة يتأثرون أكثر بمعلميهم، وعلى هذا يجب أن يعلم المربون أن أفكارهم وسلوكهم وكلامهم نموذج يحتذى به من قبل الأبناء وعليه يجب أن يكونوا قدوة في كافة تصرفاتهم.

 

2 ) المسجد :

 

يُعد المسجد أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطاً وثيقاً نظراً لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم، لاسيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فقط بل كان أشمل من ذلك ؛ إذ كان جامعاً لأداء العبادات من الفرائض والسُنن والنوافل، وجامعةً للتعليم وتخريج الأكفاء من الخلفاء والعلماء والفقهاء والأمراء، ومعهداً لطلب العلم ونشر الدعوة في المجتمع ، ومركزاً للقضاء والفتوى ، وداراً للشورى وتبادل الآراء، ومنبراً إعلامياً لإذاعة الأخبار وتبليغها، ومنـزلاً للضيافة وإيواء الغرباء، ومكاناً لعقد الألوية وانطلاق الجيوش للجهاد في سبيل الله تعالى ، ومنتدُى للثقافة ونشر الوعي بين الناس، إلى غير ذلك من الوظائف الاجتماعية المختلفة.

وبذلك يمكن القول إن المسجد في الإسلام يُعد جامعاً وجامعةً، ومركزاً لنشر الوعي في المجتمع، ومكاناً لاجتماع المسلمين، ولم شملهم ، وتوحيد صفهم . وهو بحق أفضل مكانٍ، وأطهر بقعةٍ، وأقدس محلِّ يمكن أن تتم فيه تربية الإنسان المسلم وتنشئته، ليكون بإذن الله تعالى فرداً صالحاً في مجتمعٍ صالحٍ.

ولعل من أهم ما يُميز رسالة المسجد التربوية في المجتمع المسلم أنه يُعطي التربية الإسلامية هويةً مميزةً لها عن غيرها، وأنه مكانٌ للتعليم والتوعية الشاملة، التي يُفيد منها جميع أفراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم، وأعمارهم، وثقافاتهم، وأجناسهم، إضافةً إلى فضل التعلم في المسجد ، وما يترتب على ذلك من عظيم الأجر وجزيل الثواب. فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ، ونزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ” ( رواه ابن ماجة ، ج 1، الحديث رقم 225 ، ص 82 ) .

 

3 ) المدرسة :

 

وهي من أهم وأبرز المؤسسات الاجتماعية التربوية التي أنشأها المجتمع للعناية بالتنشئة الاجتماعية لأبنائه ، وتربيتهم ، وتهيئتهم ، وإعدادهم للحياة . كانت تربية الأبناء قبل إنشاء المدارس بيد الآباء ورجال الدين وكان الأطفال يتعلمون عن طريق تقليد الكبار ونتيجة لتضخم التراث البشري وصعوبة تقليد الصغار للكبار نشأت الحاجة للمدارس.

فالمدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على تحقيق أهداف المجتمع والمحافظة عليها من خلال مسئوليتها بتربية التلاميذ وإعدادهم بالمعلومات والاتجاهات والقيم اللازمة لهم في الحياة.

ولقد تميز القرن العشرين بازدياد إشراف الدول على التعليم لدرجة أن معظم الدساتير الحديثة تتضمن مواد تتعلق بالتعليم من حيث تخطيطه وتنظيمه وتمويله, كما توسعت الدول في فتح المدارس من أجل المحافظة على التراث الثقافي للمجتمع وإعداد المواطنين بما يتفق وخصائص المجتمع وأهدافه, وهو مما يجب أن يقوم به المنهج ويعمل على تحقيقه.

فالمدرسة لا تعمل في فراغ وإنما لها علاقة بكل مؤسسات المجتمع من الأسرة, المؤسسات الدينية, وسائل الإعلام, مؤسسات أخرى مثل السينما والمسرح والأندية والجمعيات والمعارض والمكتبات والمتاحف.

إن الوظيفة الأولى للمدرسة هي إعداد الناشئة للمحافظة على القيم والمبادئ الأساسية السائدة في المجتمع فمن واجب القائمين على تخطيط المنهج تحليل هذه القيم والمبادئ للتمكن من وضع منهاج تربوي يساير الأوضاع الاجتماعية ويلبي احتياجاتها. وانطلاقاً من أهمية التعليم كقوة فاعلة في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها كل مجتمع فقد أصبح وظيفة عامة تشرف عليها الدولة, وهذا ما دفع معظم الدول الحديثة إلى جعل التعليم مجانياً وإلزامياً لفترة من الوقت المنهج يقوم على أساسين هما:

- فهم الأهداف الاجتماعية فهماً عميقاً والعمل على تلبيتها.

- قيام المدارس بدور إيجابي في مساعدة التلاميذ على تحليل وفهم تلك الأهداف وتنفيذها .

من أول واجبات المدرسة تزويد التلاميذ بالقدر المناسب من ثقافة مجتمعهم الذي يعيشون فيه, ولا بد لمعرفة العلاقة بين المنهج المدرسي وثقافة المجتمع من توضيح مفهوم الثقافة وما أصابه من تطور.

فالثقافة – أو التراث الثقافي– هي طريقة الحياة الكلية للمجتمع بجوانبها الفكرية والمادية وتشمل الثقافة اللغة وأسلوب تناول الطعام وارتداء الملابس والعادات والتقاليد والمعارف العلمية والنظم العائلية والاقتصادية والسياسية, ومما يعتنقه الناس من قيم دينية وخلقية وآراء سياسية وغيرها من أساليب الحياة.

وقد نتج عن هذا التطور في مفهوم الثقافة تغير في مفهوم المنهج فبعد أن كانت المناهج تتناول الجانب الفكري المعرفي من حياة المجتمع أصبحت تتناول أوجه الحياة التي تؤثر في الفرد والمجتمع. وعلى الرغم من أنه لا يُعرف متى وأين وكيف ظهرت أول مدرسةٍ في التاريخ إلا أنه يُمكن القول إنها ظهرت عندما دعت الحاجة إليها . ولعل من أبرز وأهم وظائف المدرسة ما يلي :

* أنها تعمل على تبسيط ونقل التُراث المعرفي والثقافي ونحو ذلك من جيل الكبار إلى جيل الصغار ، أو من المعلمين إلى الطلاب تبعاً لما يتناسب واستعداداتهم وقدراتهم المختلفة، فينتج عن ذلك جيلٌ متعلمٌ ومُثقف .

* أنها تعمل على استكمال ما كان قد تم البدء فيه من تربيةٍ منزلية للفرد، ثم تتولى تصحيح المفاهيم المغلوطة ، وتعديل السلوك الخاطئ ، إضافةً إلى قيامها بمهمة التنسيق والتنظيم بين مختلف المؤسسات الاجتماعية ذات الأثر التربوي في حياة الفرد فلا يحدث نوع من التضارب أو التصادم أو العشوائية .

* أنها تقوم بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر حينما تكون في معظم الأحيان بديلاً للأُسرة إذ يتشرب الصغار فيها عادات وقيم وأخلاق وسلوكيات مجتمعهم الذي يعيشون فيه .

* أنها بمثابة مركز الإشعاع المعرفي في البيئة التي توجد فيها، إذ إنها تُقدم للمجتمع كله خدماتٍ كثيرة ومنافع عديدة من خلال نشر الوعي الصحيح بمختلف القضايا ، وكيفية التعامل السليم مع من حول الإنسان وما حوله .

* أنها تعمل على إشاعة الوعي الإيجابي عند أبناء المجتمع تجاه مختلف القضايا الفردية أو الجماعية سواءً كان ذلك بطريقٍ مُباشرٍ أو غير مُباشر .

 

4 ) وسائل الإعلام :

 

وهي مؤسسات اجتماعية تربوية إعلامية تكون في العادة مرئيةً، أو مسموعةً، أو مقروءة. وتُعد هذه الوسائل على اختلاف أنواعها من أهم وأبرز الوسائط التربوية في عصرنا الحاضر، وأكثرها تأثيـراً على تربية وثقافة ووعي الإنسان، حيث تُقدم برامج مختلفة وثقافات متنوعة من خلال وسائلها الجماهيرية المختلفة التي منها : الإذاعة، والتلفزيون، والفيديو، والصحافة، وشبكة الإنترنت، وأشرطة التسجيل السمعية، والسينما، والمسارح، والمعارض، والمتاحف، وغيرها من الوسائل الأُخرى التي تُخاطب جميع الفئات، ومختلف الأعمار، وتدخل كل بيت، وتصل إلى كل مكان. وتمتاز وسائل الإعلام بقدرتها الفائقة على جذب اهتمام الناس من مختلف الأعمار، والثقافات، والبيئات. كما تمتاز بأن لها تأثيراً قويًّا على الرأي العام في مختلف الظروف، وأن تأثيرها يصل إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من فئات المجتمع،  وهذا يعني أنه من المهم جدًّا استثمارها ، والإفادة منها، والعمل على تسخيرها بشتى الطرق والكيفيات لخدمة أهداف وأغراض التربية الإسلامية، عن طريق التنسيق المستمر بين هذه الوسائل وغيرها من المؤسسات التربوية الأُخرى في المجتمع .وعن طريق إسناد مهمة الإشراف عليها لمن تتوافر فيه الكفاءة الدينية والخُلقية والعلمية والمهارية .

 

الإعلام العربي والتربية :

 

تعتبر وسائطنا ووسائلنا الإعلامية العربية أو كما نسميها بوسائل الاتصال الجماهيرية أو أدوات تستهدف السلطة بها ومن خلال التأثير بالجماهير والناس بشكل عام، حيث تستطيع هذه الوسائل أن تلعب دورا حاسما ومؤثرا في تشكيل اتجاهات الرأي العام وتحديد المواقف والاتجاهات نحو مختلف القضايا والمشكلات التي تواجهها المجتمعات، ومثلما لها دورا هاما جدا وفعالا إعلاميا فإن لها أيضا دورا تعليميا وتربويا في عملية النمو السلوكي للفرد والجماعة إلى الحد الذي تمارس فيه السيطرة على عملية الإرشاد والتوجيه فرديا وجماعيا، وقد أوضح (بروان 1980) و(موليندا 1983) خصائص هذه الوسائل في مجال الإبداع والابتكار من حيث أنها:

 -  تعمل على إثراء خبرات الطفل المتعلم من المعلومات والمعارف في جميع مجالات المعرفة كالرموز أو الصور الذهنية المسموعة أو المركبة والكلمات المقروءة.

 - تساعد على تنمية المهارات اللازمة للسلوك الإبتكاري.

- تنمية الاتجاهات الايجابية والتفكير الإبتكاري في حل المشكلات.

- زيادة خبرات الطفل وتجاوزه حدود الزمان والمكان فتزداد قدرات الطفل على التعرف على المجتمع الذي تعيش فيه والتعامل معه.

- تنمية قدرة المتعلم على الخيال والتفكير وحل المشكلات.

لأن وسائل الاتصال الجماهيري تعتبر من أهم مصادر المعرفة بل ومن أقوى وسائل ووسائط التربية فقد كان من واجبها إن يكون دورها باعتبارها جزء من العملية التربوية الشاملة متكاملا مع دور كل المدرسة والأسرة والمؤسسات الاجتماعية والتربوية الأخرى. فالتعليم يبقى قاصرا إذا لم ترافقه تربية غير مباشرة عن طريق وسائط ووسائل الإعلام المختلفة ولذلك يجب علينا أن نحدد مسبقا الهدف من العملية الإعلامية هذه وهو الوصول إلى درجة كبرى من التغيير في طبيعة تركيبة المجتمع التقليدية أو الشخصية الفرد، ولهذا فلا بد للعملية الإعلامية أن تكون متفاعلة ايجابيا مع العملية التربوية وبالعكس، زان يقف منها موقف المساند على اعتبار أ، الإعلام يستطيع أن يمارس دورا تربويا صحيحا. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هنا هو هذا الخلل وعدم التوازن بين التربية والوسائل العربية ثم انعدام التنسيق إنما يرجع أساسا إلى عدم التكامل أولا بين السياسات الإعلامية العربية ذاتها ثم انعدام التنسيق ثانيا بينها وبين السياسات التربوية، لأنه لا بد أن يكون لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العربية دورا هاما وفعالا في العلمية التربوية بشرط إن يحسن استخدام هذه الأجهزة وتسخرها لخدمة مصالح الإنسان العربي وحاجاته وطموحاته.

 

 

5 ) النـوادي أو الأندية :

 

وهي مؤسسات اجتماعية تربوية تكون في الغالب ( ثقافيةً، أو رياضيةً، أو اجتماعية). وقد كثُر انتشارها في المجتمعات المعاصرة.وتُعد أماكن يلتقي فيها الإنسان مع فئـةٍ من الناس الذين يجمعهم هدفٌ مشترك،أو مصلحةٌ مشتركةٌ، حيث إنها تُقدم  إمكاناتٍ هائلةً لحياةٍ اجتماعيةٍ يُقبل عليها الأفراد باختيارهم وطواعيتهم ، ليتمتعوا في رفقة زملائهم وأقرانهم بجوٍ من المرح والعمل. وفي الأندية فرصٌ متعددةٌ لممارسة الرياضة المفضلة، وتكوين العلاقاتٍ الاجتماعية مع الآخرين. وتزداد أهمية الأندية في التنشئة الاجتماعية – كما يُشير إلى ذلك بعض الباحثين - مع زيادة عجز الأُسرة عن توفير الفرص الكافية والمناسبة لممارسة النشاطات الرياضية، والاجتماعية، والثقافية المختلفة .

وللنوادي ( الأندية ) صورٌ مختلفةٌ ومتنوعةٌ تبعاً لمستوى وعي وثقافة المجتمع وظروفه المختلفة،  فمن النوادي ما يكون مخصصاً للرياضة البدنية وممارسة ألعابها ونشاطاتها المختلفة. ومنها ما يكون مخصصاً للعناية بالجوانب الثقافية والأنشطة الأدبية والفعاليات الفكرية، ومنها ما هو اجتماعيٌ يهتم بخدمة المجتمع وتلبية احتياجات أفراده . إلا أنها تشترك جميعاً في أن لها آثاراً هامةً في بناء شخصية الإنسان، وتحديد اتجاهاته، وتكوين ثقافته وفكره ، لاسيما في فترة الشباب من العمر التي يُكثر الإنسان خلالها من تواصله مع هذه المؤسسات بصورةٍ أو بأُخرى .

 كما أن من آثارها الإيجابية شغلها لأوقات الفراغ عند الإنسان بما يعود عليه بالنفع والفائدة. وليس هناك من شك في أن التربية الإسلامية تُعنى بالنوادي على اختلاف أنواعها لكونها مؤسساتٍ اجتماعيةٍ تربويةٍ لها أثر بارزٌ ودورٌ فاعلٌ في تربية الإنسان المسلم وتحديد معالم شخصيته، وتحرص على أن تُخضع هذه النوادي وما فيها من أنشطةٍ وفعالياتٍ متنوعة للإشراف المُستمر الواعي، والتوجيه الصحيح المنضبط الذي يتلاءم ويتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ولا يتعارض بأي حالٍ مع تعاليمه وتوجيهاته في مختلف المجالات والميادين الحياتية .

 

6 ) المكتبات العامة :

 

 وهي أماكن خاصة تتوافر فيها الكُتب، والمراجع ، والمواد المطبوعة أو غير المطبوعة التي تُقدِّم عدداً من الخدمات التعليمية، والتثقيفية، والإعلامية، والتوعية اللازمة لأفراد المجتمع. وعادةً ما تكون هذه المكتبات تحت إشراف بعض الجهات الرسمية. كما أنها قد تكون مُلحقةً ببعض المؤسسات الاجتماعية كالمؤسسات التربوية والتعليمية، والجوامع، والنوادي، وبعض المرافق الاجتماعية الأُخرى. وقد تكون بعض المكتبات خاصةً ببعض الأفراد .

ويأتي من أبرز مهام المكتبات تسهيل مهمة الإطلاع والقراءة على القراء وطلاب العلم ، وتمكين الباحثين والدارسين من القيام بمهمة البحث والدراسة بأنفسهم من خلال المكتبات بالعودة إلى المصادر والمراجع العلمية والأدبية ونحوها ؛ حيث تقوم المكتبات بتوفير أهم المؤلفات والمُصنفات فيها لتكون بين يدي القراء والباحثين عند الرغبة في العودة إليها .

كما أن من أبرز مهام المكتبات تيسير سبل الإطلاع على محتوياتها من خلال نظام الإعارة الخارجية للراغبين في ذلك من روادها أو غيرهم من أفراد المجتمع . وللمكتبات العديد من المناشط التي تُسهم من خلالها في نشر الثقافة والمعرفة، وخدمة القضايا التربوية والتعليمية والاجتماعية ونحوها . ولعل من أبرز هذه المناشط والإسهامات تنظيم المسابقات الثقافية، وعقد الدورات التدريبية، وإقامة المحاضرات والندوات المتنوعة، وتنظيم معارض الكتاب، ونحو ذلك من النشاطات المختلفة .

 

7 ) جماعات الرفاق:

 

وهي نوعٌ من المؤسسات الاجتماعية التربوية التي لها تأثيرٌ كبير في تربية الإنسان انطلاقاً من كونه كائناً حيًّا اجتماعيًّا يميل بفطرته إلى الاجتماع بغيره، ولذلك فإن جماعة الرفاق في أي مجتمع بمثابة جماعةً أوليةً شأنها شأن الأُسرة في الغالب، لأنها صغيرة العدد، وتكون عضوية الفرد فيها تبعاً لروابط الجوار، والشريحة العُمرية، والميول، والدور الذي يؤديه الفرد في الجماعة  .

ولجماعات الرفاق أثرٌ فاعلٌ في تربية الإنسان وتكوين شخصيته لاسيما في سنوات مرحلتي الطفولة والمراهقة، حيث يكون أكثر تأثراً بأفراد هذه الجماعات الذين يكونون عادةً من الأنداد، سواء كانوا زملاء دراسةٍ، أو رفاق لعبٍ، أو أصدقاء عمر، أو غيرهم ممن يُرافقهم الإنسان لفترات طويلةٍ أو قصيرةٍ. ولعل تأثير جماعة الرفاق على الإنسان عائدٌ إلى اختلاف أفرادها، وتنَّوع ثقافاتهم، واختلاف بيئاتهم .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أماكن العمل سواءً كانت رسميةً أو تطوعية تُعد من جماعات الرفاق إلا أنه يغلب عليها الطابع الرسمي في العادة، وهي مؤسسات اجتماعيةٌ ذات تأثيرٍ هامٍّ على تربية الإنسان بعامةٍ نظراً لما يترتب على وجوده فيها من احتكاك بالآخرين، إضافةً إلى أنه يقضي فيها جزءاً ليس باليسيـر من وقته الذي يكتسب خلاله الكثير من المهارات، والعادات، والطباع، والخبرات المختلفة. والمعنى أن جماعات الرفاق توجد وتُمارس نشاطاتها المختلفة في المكان الذي يجتمع فيه أفرادها، حيث تجمعهم – في الغالب – الاهتمامات المشتركة والنشاطات المرغوب فيها كالنشاطات الرياضية، أو الترويحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو الوظيفية، أو التطوعية، ونحوها .

كما أن لكل جماعة من جماعات الرفاق ثقافةً خاصةً بهم، وهذه الثقافة تُعد فرعيةً ومتناسبةً مع مستوياتهم العقلية والعُمرية، وخبراتهم الشخصية، وحاجاتهم المختلفة، إلا أنها تختلف من جماعةٍ إلى أخرى، تبعاً للمستويات الثقافية والتعليمية والعُمرية، والأوساط الاجتماعية المتباينة .

وقد اهتمت التربية الإسلامية بجماعات الرفاق وأدركت أهميتها ودورها الفاعل في التأثير على سلوك الأفراد سواء كان ذلك التأثير سلبيًّا أو ايجابيًّا؛ ولعل خير دليلٍ على ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مثلُ الجليس الصالح و السَّوءِ كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إمَّا أن يُحْذِيَكَ، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبَةً ، ونافخُ الكِيرِ إمَّا أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثةً “( رواه البخاري ). وعلى الرغم من تعدد أنواع هذه المؤسسات الاجتماعية وتعدد وظائفها وواجباتها إلا أن علاقة الإنسان المسلم بالمؤسسات التربوية في المجتمع  تنطلق من كون التربية الإسلامية عمليةً تمتاز بخاصية الشمول والاستمرارية والتجدد، إذ إنه لا حد نهائي لتربية الإنسان المسلم ، فهو طالب علم ومعرفة منذ أن يولد وحتى يموت ، ولذلك فإن تربيته الشاملة ليست محدودةً بزمنٍ ما، أو مرحلةٍ معينةٍ، ولا تقتصر مسؤوليتها على مؤسسةٍ دون أُخرى، ولكنها مسؤولية جميع المؤسسات والأوساط التربوية في المجتمع ، لأن الإنسان يمكن أن  يكون في عضواً في عدة مؤسسات تربوية تعليمية ما دام حيًّا، فمثلاً يكون الولد فرداً في أسرة، وطالباً في مدرسة، وعضواً في النادي الرياضي، ومداوماً على الصلاة وحلقات العلوم في المسجد المجاور. وقد يكون الوالد أبـاً في المنـزل، ومدرساً في مدرسة، أو طبيباً في المستشفى، وهو إداريٌّ في النادي، ومساهم في نشاط الإذاعة والتلفزة . وتكون السيدة أُمًّا في المنـزل، وعضو في الجمعية النسائية، وطبيبةً أو مديرة. وهكذا فحياة المسلم أو المسلمة كُلها خيـرٌ وإنتاج ، تعتمد على مزيدٍ من التربية والتعليم.

والخلاصة، أن للمؤسسات التربوية المختلفة في المجتمع المسلم أهميةً بالغةً، وأثراً بارزاً في العملية التربوية بعامة والتعليمية بخاصة، الأمر الذي يفرض على المهتمين في الميدان التربوي والتعليمي مزيداً من العناية والاهتمام بها، والحرص على أن تكون مُتميـزةً في المجتمع المسلم، ومُختلفةً عن مثيلاتها في المجتمعات الأُخرى، نظراً لكون المجتمع المسلم ينفرد عن غيره من المجتمعات الأُخرى بمصادره، وأهدافه، وغاياته، وخصائصه التي تفرض على مؤسساته التربوية المُختلفة في المجتمع المُسلم أن تكون فريدةً هي الأُخرى، ومُتميزةً، وقادرةً على تحقيق ما هو مرجوٌّ منها، لأنها هي المسئولة عن تربية الإنسان المسلم، وإعداده لممارسة أدواره ووظائفه الاجتماعية المختلفة في الحياة.

العلاقة بين المؤسسات التربوية وأثر ذلك على تربية المتعلم :

 

إن المؤسسات التربوية الاجتماعية تعمل كوسيلة للسيطرة الاجتماعية،فإن كانت تشكل كلا متحدا ومنسجما ومتكاملا فإن حياة الفرد تتعرض لأقل الضغوط، فالأسرة تنسجم داخل المؤسسة الاقتصادية والدينية …لكن هذا لا يعني ألا يكون هناك تغيير وتأثير على شخصية المتعلم، فالتطورات الاقتصادية و الأفكار الجديدة قد تتعارض مع التقاليد القديمة.  

 

التربية والثقافة والتغير الاجتماعي

التربية والتغير الاجتماعي :

 

تتغير المجتمعات وتتطور ويصيبها التجديد في النواحي المادية والاجتماعية خاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه والذي تحاول جمهورية مصر العربية أن تقفز فيه إلى الأمام قفزات سريعة لتعويض ما فاتها من عصور الكبت والانعزال والحرمان لتلحق بالركب الحضاري، لتجد لها مكانا يتناسب مع ماضيها ويبنيه عقول أبنائها وسواعدهم، ولما كانت التربية وسيلة أساسية لزيادة العناصر الثقافية الجديدة، ووسيلة المجتمع أيضا للقضاء على المشكلات الاجتماعية التي تنشأ عن انتشار هذه العناصر الثقافية الجديدة وصراعها مع العناصر الثقافية السائدة، فإن علاقة التربية بالتغير الاجتماعي علاقة متبادلة لا نستطيع إغفالها.

ولقد نادى كثير من المربين بأن التربية في المدارس يجب أن ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوى المختلفة التي تسبب التغير الاجتماعي، وفي السنوات الأخيرة اهتم المربون اهتماما كبيرا بمشكلة تكامل المدرسة مع الحياة الاجتماعية. واختلفت آراء المربين حول مسؤولية المدرسة في فترة التغير الاجتماعي، كيف تتعامل مع القوى الاجتماعية التي حدثت بالفعل في المجتمع أحسن ما يكون الانعكاس. وهذه ولا شك نظرة بسيطة تجعل من التربية وسيلة تتبع المجتمع ولا تقوده، كالمرآة تعكس الضوء ولا تولده. ثم تطورت النظرة إلى التربية ونادى آخرون بأن المدارس يجب أن تقوم بدور فعال في توجيه التغير الاجتماعي الجديد.

والمدرسة جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي السائد، وعلى هذا فهي تتأثر ولا شك بما يسود المجتمع من تغيرات اجتماعية، وإنها تتبع وتعكس هذا النظام الاجتماعي السائد. هذا معناه أن التربية لا تنفصل عن المجتمع وإنما هي من لحمته وسداه، وينتج عن ذلك أن تصبح التربية عاملا فعالا في بناء النظام الاجتماعي المقبل للمجتمع. وبذلك ينتفي السؤال الثنائي الذي يقول: هل يجب على المدرسة أن تسهم أو لا تسهم في بناء المجتمع الجديد، فهذه الثنائية لا وجود لها في الواقع، إذ أن المدرسة تسهم بالفعل في هذا البناء. ولكن المشكلة التي تتطلب السؤال هي كيف تسهم التربية في هذا البناء؟

ولعلنا إذا نظرنا للمجتمعات الجديدة لوجدنا أن التربية أسهمت إسهاما فعالا في بنائها، فبناء تركيا الجديدة على يد كمال أتاتورك لم يكن ليتم وليصل إلى نتائجه لو لم تكن التربية وسيلته الفعالة. وفي عملية البناء الاجتماعي الحاضر في المجتمع العربي في مصر، تقوم على التربية بمسؤولياتها الكبيرة في هذا الميدان فالجيل الجديد في مصر الذي يؤمن بالثورة ومبادئها، إنما هو في تكوينه الأساسي نتاج للتربية وللمدرسة بصفة خاصة. وعلى هذا عندما ناد الرئيس جمال عبد الناصر بالثورة الثقافية إنما كان يهدف إلى أن تصل مبادئ الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى نفوس الأفراد وأن تتغلغل في شخصياتهم، فتتجاوز السطح إلى الأعماق، والثورة الثقافية هي هدف التربية ومطلبها الأول.

والتربية على هذا الأساس عليها أن تختار القوى العلمية والتكنولوجية والثقافية الجديدة التي تحدث التغير في النظام القديم وتبحثها وتقدرها وتقوم بأدوارها ونتائجها  وأن تجعل من المدرسة الحليفة الأولى للوصول إلى هذه النتيجة. ومعنى هذا أن التربية عامل هام من عوامل التغير الاجتماعي لا تعكس فقط فتتبع وإنما تولد التجديد فتحتل مركز القيادة.

والتربية عندما تعكس التطور الاجتماعي في المجتمع إنما تساعد عملية انتشار المخترعات الجديدة على أداء وظيفتها، فإذا كانت التغيرات التكنولوجية قد دخلت المجتمع الحديث فإن انتشارها يحتاج إلى أن نعد للمصانع مثلا العمال المهرة والمهندسين اللازمين للقيادة، ثم نعد الأسرة للتغيرات الاجتماعية المصاحبة والناتجة عنها. والتربية تقوم بهذه المهمة عن طريق المدرسة التي هي المؤسسة التربوية المقصودة.

ولكن المدرسة من ناحية أخرى تستطيع أن تتعدى هذا الدور، فتبشر بالتغير الاجتماعي، وتعمل على توجيه الأنظار إليه وإعداد العقول له وهي بذلك تعد الأفراد لكي يقوموا بدورهم في إحداث التغير، إذ إنهم يخرجون من المدرسة وقد اكتسبوا اتجاهات عقلية معينة يواجهون بها مجتمعهم، فيعملون على القيام بمسؤولياتهم في تغييره وعلى هذا تستطيع المدرسة أن تسهم في بناء مجتمع جديد.

وعلى التربية في فترة التغير الاجتماعي مسؤولية إكساب الأفراد فهما جديدا وإدراكا جديدا. ففي الفترة التي يكون فيها التغير بطيئا وتدريجيا، فإن مستوى الإدراك لدى الأفراد يكون كافيا لمواجهة المشكلات التي تظهر. وفي المجتمعات البسيطة تتضمن المشكلات الاجتماعية على أساس الخبرة المشتركة للجماعة وعلى أساس حكمة الكبار ونضجهم. ولكن ما نراه الآن من تغير اجتماعي سريع عميق تزداد فيه الثقافة نموا وتعقيدا، وتزداد فيه أنواع الصراع الثقافي المختلفة بين القديم والجديد يجعل الإدراك والفهم لدى الأفراد قاصرين عن الوصول إلى حل المشكلات الاجتماعية. فازدياد الاتصال بين الجماعات المختلفة في الوقت الحاضر نتيجة سهولة المواصلات وسرعتها وكثرة وسائل الاتصال لم يترتب عليه تغير في المفاهيم والاتجاهات نحو الآخرين، فما زالت هذه الاتجاهات كما كانت قبل هذا الاتصال مما يحتاج معه الأمر في الوقت الحاضر إلى فهم جديد وإدراك جديد لآخرين وقيمهم وعاداتهم، وتسامح من جانب كل منهم نحو الآخر حتى يقوم التعامل بينهما على أساس سليم.

ومن الواضح إذن أنه من الواجبات الأساسية على التربية في أوقات التغير والنمو الثقافي هو اكتساب الأفراد إدراكا جديدا يتناسبان مع ما ينتاب فترة من الفترات من تغير اجتماعي قد يشمل المجتمع بأسره. وهذا الفهم الجديد يجب أن يكون متسعا فيشمل القواعد والأفكار التي تحكم العلاقات المختلفة بين الأفراد والمنظمات، وبين المنظمات بعضها البعض، وبين الأفراد والأفراد. وواجب التربية أن تهيئ الفر للأطفال والشباب والكبار كي يشتركوا في أعمال تعيد بناء الأفكار والاتجاهات حتى تصبح صحيحة لتحقيق الحكم الاجتماعي والعمل الاجتماعي في فترة تحكمها العلاقات المعقدة الدائمة التغير.

وعلى التربية أن تقوم بمسؤولية أخرى لا تقل أهمية في المحافظة على عقل الفرد واتزانه، هذه المسؤولية هي أن يفهم الفرد ما يجري حوله في العالم الذي يعيش فيه. فعندما يكون الفرد على معرفة بما يجري حوله فإنه يستطيع أن يشخص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه. أما إذا لم يكن على معرفة بها فإنه يصبح ولا شك ضحية الواقع الذي يواجه. بدلا من أن يسيطر عليه.

وبازدياد التغير الاجتماعي ازداد عدد المشكلات الاجتماعية كما سبق القول ولم تزد هذه المشكلات الاجتماعية في العدد فقط ولكنها ازدادت عمقا وشدة مما أدى إلى أن تنفصم وحدة الجماعة انفصاما قد يؤدي إلى تمزيقها أشلاء. ولقد كانت المجتمعات القديمة، عندما كان التغير بطيئا بسيطا سطحيا، تعيش على مستويات قيمية تستطيع أن تحكم حكما يسري على جميع الأشياء الجديدة، أما الآن، وبعد التراكم والتعقد الثقافي، اختلفت المعايير وتعددت المستويات واتخذت كل جماعة قيمها الخاصة مما ترتب عليه اختلاف وجهات النظر. وفي مثل هذه الظروف يقل التواصل والارتباط بين أعضاء الجماعة، وتصبح الموافقة على أساس واحد من الفهم المشترك أمرا بعيد المنال.

وينتج عن هذا الصراع والتعدد في الآراء والاتجاهات، تعددا لا يؤدي إلى حل المشكلة، وإنما يزيدها تعقيدا، نجد أنه من الضروري أن تكون هناك طرق مؤكدة  معترف بها لمناقشة هذه المشكلات الاجتماعية والوصول إلى حل لها، فالمجتمع الذي يهدف إلى حل مشكلاته حلا عمليا يلجأ إلى استخدام العقل والاعتماد على الحقائق أكثر من استخدام القوة أو الاعتماد على انفعالات مؤقتة وواجب التربية في هذا الصدد أن تتيح الفرصة، كل الفرصة، لتفكير الفرد مع الجماعة وللتخطيط الجماعي ولاستخدام العقل والحقيقة. فإذا ما احتلت هذه المشكلات الاجتماعية اهتماما أساسيا في البرنامج التعليمي فإن التربية بذلك تمد الأفراد بنوع الخبرة الملائمة التي تنمي التفكير النقدي الذي يجمع الحقائق ويمحصها وينقدها ويحكم عليها. وهذا التفكير النقدي لازمة من لوازم مواقف الصراع الثقافي يتعلم الشباب والكبار نتيجة لذلك كيف يفكرون تفكيرا فعالا منتجا في المواقف التي تواجههم شخصيا، وبذلك تقوم التربية بوظيفتها ازدياد تكيف الأفراد في المجتمع المتغير.

ولكي نغير نظام المجتمع كله يجب أن نغير التربية، وذلك ليكون تغييرا حقيقيا في نظامنا الاجتماعي والسياسي، فلا بد من انقلاب جذري في نظامنا التربوي، وتثوير لفلسفته وأساليبه وأهدافه، وهذا لان صياغة المجتمع لا تتم إلا بصياغة التربية. ولا نعن بالتربية التعليم والتعلم فقط، بل نعني بمعناها الشامل والأوسع، وهو رسم سياسة مؤسسات المجتمع وتحميلها مسؤوليات تطبيقها، لبناء الإنسان العربي وتنشئتهن من ثم تجديد بنائنا الاجتماعي والحضاري، ومن هنا نستنتج أن التربية التي نهدف إليها هي عملية تنشئة اجتماعية شاملة. فان التربية لا تستطيع أن تصنع المجتمع وتغيره، أو تحدث فيه أثرا بارزا وسريعا في بنيته، إلا إذا استطاعت أن تقهر العوامل الأخرى الكامنة في المجتمع والتي تشدها إلى الخلف، وان تكون على علم ودراية تامة بتلك البيئة. ولكن هذا لا يعني أيضا بان التربية ليس لها دور كبير وأساسي في أحداث عملية التغير.

 

التغير الاجتماعي والتغير التربوي :

 

قد يتساءل الكثير من المدرسين عن الفائدة من دراسة الأسس الاجتماعية للتربية. أليست هذه الدراسة من ميادين التخصص لأولئك العلماء الذين يقومون بتدريسها في الجامعة؟ لا يكفي أن أعرف المادة التي أدرسها وأن أدفع عجلة المدرسة كل يوم وكل شهر حتى ينتهي العام الدراسي ليبدأ عام آخر؟ إن المدرس مواطن وإنسان وكذلك التلميذ. وهاتان الصفتان الأخيرتان تقومان على أبعاد اجتماعية وفلسفية لا بد للمدرس أن يبحث عنها دارسا ومنقبا وفاهما ومحللا حتى لا ينعزل عن المجتمع وعن أحداثه، وعن الإنسانية ومفاهيمها الأساسية.

إن التغيرات الجذرية السريعة التي تحدث في مجتمعنا العربي تستدعي من المدرسين مناقشة التنظيمات المدرسية في حدود هذا الإطار الإيديولوجي الجديد، وتحليلا للإطار الاجتماعي الكبير الذي تعيش فيه المدرسة، ومناقشة للأنماط التربوية السائدة، ومدى ملاءمتها لأنواع التعليم اللازمة للمواطن العربي الجديد.

إن مناقشة التنظيمات المدرسية والتربوية بصفة عامة في ظل التحديات والمطالب التي يفرضها المجتمع في تطوره وتغيره، من أهم ما يميز المدرس الناجح. فالعملية التربوية لا تقتصر على نقل المعلومات والمعارف للتلميذ، وإن كان الهدف جزءا هاما منها ولكن العملية التربوية مادتها فرد في مجتمع بكل ما يتضمنه مفهوم الفرد ومفهوم المجتمع وبكل أبعادهما.

إن التغير المادي الذي يحدث في المجتمع لابد له لكي يحقق نتائجه تغير في القيم والعادات والسلوك وهذا التغير لا يتأتى إلا عن طريق التربية، فهي التي تكسب السلوك وتعدله وتنمطه، وهي التي تشكل الشخصية الإنسانية التي تتفق مع القيم والاتجاهات الجديدة.

لذلك كله تفرض التغييرات الاجتماعية مطالبها على المدرسة في صوره وأكثر من هذه الصور الثلاث :

أولا : قد يكون التغير في النظام المدرسي أو في السياسة التعليمية بصفة عامة لمقابلة حاجة اجتماعية أو حلا لمشكلة اجتماعية، أحس بها القائمون على هذا المجتمع وشعروا بأن البرنامج المدرسي يستطيع أن يسهم في حلها. مثال ذلك الحاجة إلى عمال مهرة على قدر من الثقافة العامة إلى جانب المهارات المهنية اللازمة، وحلا لهذه المشكلة استطاعت مراكز التدريب المهني ومدارسه أن تخرج الأعداد اللازمة للقطاعات المختلفة في حدود ما خصص لها في الميزانية. فإذا استطاع المدرس أن يحسن تقويم المطالب الاجتماعية التي تستدعي تغييرا في المدرسة ونظامها وبرامجها كان عليه أن يدرس الميادين الرئيسية للمشكلات الاجتماعية في مجتمعنا المعاصر.

ثانيا: قد يكون التغير التربوي نتيجة الإحساس بأن هناك قيما في المجتمع يجب المحافظة عليها، وأن هناك قيما أخرى جديدة لم تتحقق بعد، وأن هناك قيما تعمل المدرسة على تحقيقها وتتعارض في أسسها مع ما يرنو المجتمع الجديد إلى تحقيقه من قيم واتجاهات جديدة.

مثال ذلك أننا نحس في مجتمعنا العربي في هذه الفترة الحاسمة من تغيره أن القيم الدينية يجب أن نحافظ عليها، وأن نعمل على الإبقاء عليها وتنميتها، ونحس أيضا أن هناك قيما اشتراكية لم نستطع أن نحققها بعد في سلوك الأفراد، فما زالت البيروقرطية مثلا مسيطرة على دواوين الحكومة ومصالحها المختلفة، وما زال النقد الذاتي بعيدين عن مستوى التطبيق العملي في بعض المجالات.

ولكي يستطيع المدرس إدراك هذا التغير كنهه ومداه وإمكانياته كان عليه أن يدرس المجتمع العربي في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية ودور العملية التربوية في هذا السبيل.

ثالثا : قد يحدث التغير التربوي نتيجة لظهور معارف جديدة لم تدخل إلى الميدان التطبيقي في المدرسة بعد، وقد تسهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض سبيل المدرسة والمجتمع، أو لظهور مهارات جديدة يحتاجها المواطن في المجتمع الجديد.

ولا شك أن هذه الصورة الأخيرة تتطلب تخصصا في شؤون التربية والتعليم أعلى من مستوى المدرس العادي، وإن كان إحساسه بها له أكبر الأثر في مساعدة التخصص على معالجتها وتحقيقها.

وعلى هذا الأساس كان على المدرس أن يفهم المطالب الاجتماعية التي تفرض تحدياتها على المدرسة، وأن يناقشها ويقومها، وهو في سبيل تحقيق ذلك يحتاج إلى ثلاثة أنواع من المعرفة والحساسية.

أولا : علم بالمعارف التربوية السائدة، وبالمعارف الاجتماعية التربوية الجديدة التي لم تطبق بعد في الميدان التربوي المهني في المدرسة، والتي يحتاجها هذا الميدان وهو في سبيل تطويره وتغييره، مع إحساس بهذه المعارف.

ثانيا: معرفة ووعي وحساسية بالمشكلات الاجتماعية الأساسية في المجتمع العربي المعاصر، والتي تفرض تحدياتها على المدرسة.

ثالثا: معرفة وحساسية وتقدير للقيم الأساسية في المجتمع، وخاصة القيم الاشتراكية الديمقراطية التي تحتاج إلى المدرسة وإلى العملية التربوية في سبيل تحقيقها وتدعيمها.

 

المدرس ودور المدرسة الاجتماعي :

 

ترتبط وظيفة المدرسة الاجتماعية ارتباطا وثيقا بالإطار الاجتماعي السائد. إذا كان هذا الإطار الاجتماعي يقوم على أساس القيم الاشتراكية الديمقراطية والمهارات المختلفة اللازمة للسلوك الاجتماعي في هذا الإطار.

ويحتاج المدرس إلى معرفة وظيفة المدرسة الاجتماعية حتى يستطيع أن يربط مادته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وحتى يستطيع في تدريسه لهذه المادة أن يحقق الأهداف التي يعمل المجتمع على تحقيقها وبحيث لا يكون هناك تعارض بين النتائج السلوكية لتدريس مادته، والنتائج السلوكية التي تهدف المدرسة إلى تحقيقها.

ولكي يشترك المدرس في تشكيل البرنامج المدرسي ووضع الأهداف التي يتوخاها من تدريس هذا البرنامج يحتاج إلى فهم بنوع الأفراد الذين تعمل المدرسة على تكوينهم وتشكيلهم، ولتحقيق هذا الفهم يحتاج إلى معرفة بنوع النظام الاجتماعي الذي سيشتركون فيه، وبالتالي يحتاج إلى فهم لدور المدرسة الاجتماعي.

وفي هذا المجال يحتاج المدرس إلى أن يدير في ذهنه عدة أسئلة عن النظريات المختلفة لدور المدرسة الاجتماعي في المجتمع الحديث وعلاقة ذلك بمجتمعنا العربي، وعن علاقة ذلك بالتغير الاجتماعي ومدى إسهام المدرسة في تحقيقه وتعميقه، وعن العلاقات الإنسانية التي يتطلبها هذا الدور الاجتماعي للمدرسة، ومعنى ذلك بالنسبة للتنظيمات المدرسية وللبرنامج المدرسي وبالنسبة لتدريسه لمادته.

 

التغير الاجتماعي والمدرسة :

 

إذا كانت المدرسة جزءا لا يتجزأ من المجتمع الذي نعيش فيه، فإن دراسة الثقافة تساعد المدرس على إدراك طبيعة التغير الاجتماعي وعلاقته بالمدرسة فالتغير الاجتماعي هو تغير ثقافي، أي تغير النظام الثقافي للمجتمع، من معتقدات وأفكار وتقاليد وخبرات. والتغيرات الاجتماعية - خاصة إذا كانت شاملة متسعة - تخلق الكثير من المشكلات، وتفرض الكثير من المطالب، وتقدم الكثير من التحديات - لأولئك الذين يعملون في الميدان التعليمي.

وهكذا يكون تكوين الحساسية الاجتماعية من أهم مميزات المدرس الناجح.

 

ديناميكية الثقافة والتغير الاجتماعي:

 

تنمو الثقافات وتتطور عبر العصور المختلفة ويزداد التراث الثقافي ويتعقد نتيجة عوامل مختلفة، منها ما هو داخل الثقافة ومنها ما هو خارجها. وتحدث بذلك في الثقافة عمليات اجتماعية عديدة تقوم على التفاعل بين أجزائها أو بين الثقافات الأخرى. والتغير الاجتماعي سواء أكان سريعا أو بطيئا مما يميز جميع المجتمعات قديمها وحديثها، فلقد تغير الجماعات الإنسانية في حجمها وفي اقتصادياتها وفي التكوين الاجتماعي لها، وفي التركيز على النواحي الدينية، وفي نمو العلم وظهور فلسفات جديدة، واتخاذ الحرب أشكالا جديدة، وتفكك في النظام الأسري، وتطلع الأمم إلى الاستقلال والحرية، ولقد تغيرت المجتمعات أيضا في عاداتها وفي طريقة استمتاعها، وفي نوع الحكم الذي ترنو إليه، وفي أيديولوجياتها وفي محاولة التحكم في مصائرها وفي مقدراتها.

ولقد نظر البعض إلى بعض المجتمعات على أنها جامدة غير متغيرة، ولكن الأمر نسبي على أي حال. فالتغير يحدث في جميع المجتمعات على حد سواء، ولكنه يختلف في سرعته وفي اتساعه. ولقد كانت المجتمعات القديمة تعيش على نمط واحد مستقر نقلته عبر الأجيال المختلفة دون تغيير يذكر، واستمر ما تحت الشمس ثابتا لا يعتريه التغير، وسارت الحياة مجراها العادي دون أن يحدث للثقافة تغيير يذكر. ولقد رأى أفراد هذه الثقافات القديمة تغيرات من نوع معين لم تكن تلك التغيرات التي تحدث اختلافا في طرق الحياة. ولقد كانت هذه الاختلافات كالزواج والميلاد والشيخوخة والمرض والحوادث، ولم يكن موجودا ذلك النوع من التغير الذي نعني به التراكم التقدمي للثقافة. ثم ظهر العلم الحديث وغيره من الأفكار الجديدة والمخترعات الحديثة في جميع نواحي الحياة، وبدا التغير مقوما هاما من مقومات حياتنا في العصر الحاضر “وأصبح عامل التغير، العامل الذي يعم جميع نواحي حياتنا الحاضرة”.

لقد كان الإغريق وخاصة أفلاطون وأرسطو هم الذين قدموا للعالم المفهوم القديم للمجتمع غير المتغير. ولقد استمر هذا المفهوم يتحكم في الفكر الغربي حتى استطاع العلم الحديث أن يغير التفكير تغييرا جذريا. ولقد كان التغير في نظر أفلاطون وأرسطو عرضيا وتافها ولذلك كانت النظرة إلى المجتمعات نظرة جامدة ترمي إلى بقائها على حالها. ولقد رأى أفلاطون الذي ساد في عصره الاضطراب والتغير أن ما يحتاج إليه المجتمع هو النظام والاستقرار الاجتماعيان اللذان يؤسسان على العدل، إذ بدون العدل لا يبقى شيء أو يستمر.

ولقد كانت لهذه النظرة الجديدة للتغير أثرها في الاعتراف بالمجهود الإنساني، إذ أعطت الفرد الإنساني أملا في نتائج مجهداته، وحفزته إلى النضال والكفاح بعد أن كان يخضع قبل ذلك لنظام قدري يستوي فيه الأمس واليوم والغد ويستوي فيه الواقع والأمل، ويحرم فيه الفرد من النظر إلى مستقبله نظرة تحسن. فلقد كان الفرد في النظام القديم يقبل ما هو موجود ولا يتطلع ببصره إلى ما بعده. ولكن النظرة الجديدة تفتح آفاقا جديدة فاستطاع الفرد الإنساني أن يصل إلى الاكتشافات الجديدة والمخترعات العلمية. وأصبح المفهوم الحديث للتقدم والتطور من الأعمال الإنسانية التي تثير الرغبات العظيمة والآمال الكبيرة.

وقد أدت النظرة الجديدة إلى التغير إلى أن ترتفع نظرة الإنسان إلى نفسه، فهو يستطيع الآن أن يؤثر وأن يفكر تفكيرا متسعا عميقا، خلاقا نقديا. وكلما تعلم الإنسان أن مجهداته لها قيمتها وكلما قل انسحاب الإنسان من مجتمعه منهزما وكلما بحث عن الوسائل المختلفة لتقدم الحياة وارتفاع مستواها. فإذا شعر الفرد أن هناك أشياء تسير سيرا خطأ في المجتمع فليس معنى هذا أن يهرب من المجتمع فليس معنى هذا أن يهرب من المجتمع وينعزل عنه ويخلق لنفسه عالما يعيش فيه كما كان ينادي أولئك الذين يرون الحياة مليئة بالشرور وألا خير فيها، ولذلك يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ضميره وإلى التأمل الفكري بعيدا عن المجتمع. إن الطريق الصحيح لمعالجة الأخطاء ليس الهروب منها ولكن بالتفكير الأفضل والمجهود الأعظم يستطيع الإنسان أن يواجه المستقبل مواجهة إيجابية تعتمد على مجهوده الذي يحدث به التغير في هذا العالم ويحدد إلى درجة كبيرة أو صغيرة مقدرات المستقبل.

وإذا كان التغير الاجتماعي قد فتح أمام الإنسان هذه الإمكانيات الواسعة وأعطى لمجهداته وذكائه وتفكيره قيمة في تحديد الأحداث وتوجيهها، فلقد نتج عنه أيضا أن أخذ الإنسان على عاتقه كثيرا من المسؤوليات. فالفرد مسئول عن تحسين أحواله وعن الإسهام في تطور المجتمع. وكان على التربية مسؤولية كبرى أن تعمل على خلق مواطنين أذكياء يستطيعون التأثير في حاضرهم ومستقبلهم، وفي حاضر الجماعة كلها ومستقبلها.

 

الثقافة والتغير الثقافي :

 

عناصر الثقافة : لقد قسمت إلى :

1.العموميات : ذلك الجزء من الثقافة التي يشترك فيها معظم أبناء المجتمع وتشمل اللغة والملبس والمأكل وأساليب التحية والمعتقدات والقيم.

2.الخصوصيات : هي الأنماط السلوكية والعادات والتقاليد المتعلقة بجماعة معينة وتقسم الخصوصيات إلى نوعين :

أ. الخصوصيات المهنية. ب. الخصوصيات الطبقية.

خصائص الثقافة هي :

إنسانية أي خاصة بالإنسان فالإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على بناء ثقافة خاصة به.

مكتسبة : أي الثقافة سلوك يتعلمه الأفراد وينقلونه من جيل إلى جيل,فالإنسان لا يبدأ ثقافته من العدم، وإنما يبنيها من النقطة التي انتهت إليها الأجيال السابقة.

قابلة للانتقال : الإنسان وحده هو القادر على نقل ما تعلمه إلى الأجيال المعاصرة واللاحقة سواء في مجتمعه أو في غيره من المجتمعات.

اجتماعية : تمتاز الثقافة بأنها عادات اجتماعية مشتركة بين أفراد جماعة معينة أو مجتمع معين وهي بذلك تضمن نوعاً من التوافق والوحدة بين الأفراد.

مشبعة لحاجات الإنسان : فالثقافة تشبع حاجات الفرد البيولوجية والنفسية وقصور الثقافة عن إشباع هذه الحاجات يؤدي إلى انحلالها والقضاء عليها ومن واجب المنهج أن يلبي هذه الحاجات ويعمل على إشباعها.

متطورة ومتغيرة : تمتاز الثقافة بأنها في نمو مستمر وتغير دائم,سواء في عمومياتها أو خصوصياتها نتيجة للبدائل التي تدخلها ولاسيما إذا أثبتت هذه البدائل قدرتها على إشباع حاجات الأفراد.

متكاملة : وتعني وجود قدر من التكامل والانسجام بين عناصر الثقافة المختلفة بحيث إذا انعدم هذا التكامل سبب اضطراباً للفرد وفقد المجتمع تماسكه ومن واجب المنهج أن يكون متكاملاً في محتواه وعناصره حتى يحقق تكامل الثقافة.

فوظيفة المدرسة يجب أن تشمل التعريف بالتراث الثقافي للمجتمع وبالخبرات التربوية التي تدور حول المشكلات التي تواجه الطلاب في حياتهم.

إن المتعلم ابن بيئته الاجتماعية والطبيعية، وكذلك القول عن المعلم والممارس التربوي، ومعنى ذلك أن المتعلم يجلب معه إلى ساحة التعلم محمولات ثقافية متنوعة، قد ترفد ما يتعلمه أو تعيقه عن التعلم . ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الأفكار والمعتقدات التي يكونها المتعلم عن الظواهر الطبيعية ، بناء على ما استقاه مباشرة من بيئته ، فقد يكون بعض هذه الترسبات وهمياً ، وغير علمي ، مما يعقد مهام معلم العلوم الطبيعية خاصة.

وبناء على ذلك ،لابد أيضاً في استراتيجيات التنمية والتطوير التربوي، من أن يلتفت أيضاً إلى إحداث ألوان من التغير الثقافي الإيجابي في المجتمع كله، إن شئنا لخطط التنمية والتطوير أن تعطي أكلها. ومع أن مثل هذا الجهد على مستوى المجتمع كله أمر معقد وصعب، إلاً أن صعوبته يمكن تذليلها، بالتخطيط الاستراتيجي في المدى البعيد، ولابد للمدرسة من أن تقوم أيضاً بمحاولات جادة لتغيير عادات المتعلمين والمعلمين، ضمن المجتمع المدرسي على الأقل .

 

معاودة تجديد الثقافة المدرسية :

 

      تمثل معاودة تجديد الثقافة المدرسية قمة المقاربة الكلية في العمل التربوي ضمن المجتمع المدرسي، وذلك لأهمية الدور الذي تلعبه ثقافة المؤسسة في درجة تقبل العاملين فيها للرؤى التربوية الجديدة واستجابتهم للتغيير أو تعاونهم معه. وقد يقتضي الإصلاح الحقيقي للتعليم تعديل الثقافة المدرسية، وربما تغييرها تغييراً شبه كامل، بحسب طبيعة القضايا المطروحة. لذلك تسمى مثل هذه العملية تحويلية ولا بد أن تجري بصورة تدريجية، وأن تستقطب لها الجهود، وتتم لها المتابعة والتقويم ومعاودة التقويم تكوينياً، إذا شئنا تحقيق الأهداف التربوية الإنمائية. والمغزى من هذا إجراء التغيير اللازم في مجمل العمل التربوي ليتناغم مع الأهداف التربوية ، ويحققها بفاعلية كبرى وبرضا دون قسر أو إرهاق.

 

المحور الخامس: المنظومة التربوية الجزائرية

 

تطور التعليم ومؤسساته في الجزائر :

 

للتعرف على مقومات تربية شعب من الشعوب، لا بد من العرف على تطور مؤسساته ونظمه التربوية،والتي هي مفتاح فهم حضارته ومقومات شخصيته.

  ليست المدارس الحديثة و برامجها في الجزائر وليدة الأمس القريب، أو عملا من أعمال “التحضير الفرنسي” للجزائريين كما يدعى، بل إن للمؤسسات التربوية الجزائرية تاريخ طويل. انتقلت عبره من الكتاتيب البدائية والوحيدة الصف إلى الجامعات الضخمة والمتطورة.

لتسهيل فهم و تطور التربية ومؤسساتها في الجزائر يمكن تقسيم موضوعنا إلى ثلاثة مراحل متباينة، وذلك للتطورات الكبيرة في الميدان السياسي، وأثرها على الازدهار التربوي في الجزائر.و يمكن حصر هذه المراحل فيما يلي :

 

أ - المؤسسات التربوية ما قبل الاستعمار الفرنسي :

 

لم تكن هنالك وزارات مختصة بالتعليم خلال هذه المرحلة، فالتعليم كان مسؤولية جماعية يتعاون الكل لإنشاء المساجد والكتاتيب، ومن أهم مؤسسات هذه المرحلة :

1- المساجد : تكون كبيرة نسبيا، لذلك غالبا ما تكون في المدن وفي أماكن التجمعات السكنية الكبيرة والمتوسطة، حيث يتفنن البناءون في بنائها وزخرفتها، ويطلق عليها اسم “جوامع” في الجزائر العاصمة.

2- الكتاتيب : يطلق عليها اسم ” المسيد “، وهي غالبا ما تحتوي على حجرة أو حجرتين، وهدفها الأساسي تحفيظ القرآن الكريم، ولصغر حجمها فهي تنتشر في القرى والمناطق النائية.

3- الزوايا : انتشرت خاصة في العهد العثماني نتيجة للتخلف واستبداد الحكام، وظهور ظاهرة التصوف، فإذا اشتهر أحد الناس بالورع والتقوى وشيء من العلم أسس له مكان لاستقبال الزوار والطلاب، فيغدق عليه المحسنون بعطاءاتهم وهكذا يشتهر المركز بزاوية “اسم صاحبها” حتى بعد موته، وللزاوية مهمات عدة منها قراءة القرآن، الندوات العلمية، والصلاة، وتقوم مقام مؤسسات الدراسة الثانوية، ينتقل إليها طلاب العلم والفقه.

4- الرابطات : وتشبه الزوايا في وظائفها الاجتماعية والثقافية،إلا أنها تكون قريبة من مواقع الأعداء،ويقوم المرابطون بها بدورهم الجهادي إلى جانب المهام الأخرى من تعلم وتعليم.

 5 – المدارس : لم تبدأ المدارس كما نعرفها اليوم والمختصة بالتعليم في مراحله المختلفة، كما أن هناك اختلاف بين المؤرخين في تحديد عدد المدارس بدقة، وذلك نتيجة لعدم استقلالها كمؤسسات مستقلة تحت اسم مدرسة، بل كانت إما كتابا أو تابعة لمسجد أو زاوية.

ولم تتكون خلال هذه الحقبة من الزمن جامعة في الجزائر، كما هو الحال بالنسبة للأزهر بمصر والزيتونة بتونس، لقد كان الجامع الكبير للعاصمة نواة للجامعة الجزائرية بمركزه وكثرة حلقاته الدراسية. ولم يكن التعليم في هذه الحقبة من الزمن  ينتهي بشهادات، وإنما كان يختم بإجازة شفوية من عند الأستاذ وتعبير صريح عن رضاه. 

بـ -  المؤسسات التربوية في عهد الاستعمار الفرنسي :

لقد كان التعليم بمؤسساته المختلفة مزدهرا نسبيا قبل دخول الاستعمار الفرنسي نتيجة لضخامة الأوقاف المخصصة له، وذلك باعتراف الفرنسيين أنفسهم، ومن أولى الخطوات التي قام بها الاستعمار الفرنسي الاستيلاء على أملاك الأوقاف التي تمول الخدمات الثقافية والدينية والاجتماعية للمسلمين، حيث أصدر كلوزال (Clauzel) الحاكم الفرنسي العسكري قرارا يوم 7ديسمبر 1830- بهذا الشأن-  مما أدى إلى أثر جد سلبي على نشاط التعليم الذي كان يعتمد على الأوقاف في مصاريفه، كما استشهد كثير من علماء الدين وتشتت شملهم وهاجر غالبيتهم ممن بقوا على قيد الحياة إلى المشرق العربي، وإلى تونس وتركيا. كما حول المستعمر الفرنسي عدد من المساجد الكبيرة إلى كنائس للمسحيين مثلما هو الحال بالنسبة لجامع كتشاوة بالعاصمة، والمدرسة والزاوية التابعة للجامع الكبير حولت إلى حمام فرنسي، وهكذا عملت فرنسا على القضاء على التعليم في الجزائر معتمدة التجهيل والتفقير بهدف الفرنسة والتنصير. لقد كانت أول مدرس فرنسية لتعليم أبناء الأهالي الجزائريين، هي المدرسة الفرنسية الإسلامية 1836 بمدينة الجزائر، ثم تلتها بعد ذلك مدارس في أهم المدن التي تخضع للسلطة الفرنسية، حتى بلغ تلاميذ هذه المدارس بعد 20 سنة من الاحتلال- 1850-  646 تلميذ جزائري فقط.

 وتبقى الكتاتيب القرآنية والمساجد والزوايا تستمر في دورها التعليمي،وتعتبر بمثابة الدرع الواقي من صدمات الاستعمار ومن محاولاته الاستعمارية، وارتبط اسمها باسم جمعية العلماء المسلمين بزعامة عبد الحميد ابن باديس، و قد عملت هذه الجمعية على بناء مدارس تابعة لها لمحاربة الجهل والأمية في مختلف أنحاء الجزائر،رغم استفزازات المستعمر الفرنسي لها، وقد آمن ابن باديس أن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ومقومة الزيف والخرافات ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار.

تنبهت فرنسا إلى خطر هذه الجمعية فعطلت المدارس وزجت بالمدرسين في السجون وأعطت تعليمات بمراقبة علمائها.

ففرنسا منذ أن وطأت قدمها الجزائر(1830) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية، فأغلقت نحو ألف مدرسة ابتدائية وثانوية كانت تضم أكثر من 150ألف طالب،ووضعت قيودا لفتح المدارس واقتصرتها على حفظ القرآن لا غير مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن خصوصا الآيات التي تدعو إلى التحرر، وعدم دراسة تاريخ الجزائر وتحريم المواد العلمية والرياضية.حتى المدارس المفتوحة للجزائريين فقد كان مضمونها يختلف عن مضمون المدارس التي كان يدرس بها الفرنسيين، فالسنة الأولى من التعليم الابتدائي(خاصة بالأهالي) يتعلم فيها الأهالي مبادئ اللغة الفرنسية، ولا يتم تسجيلهم إلا بعد تجاوزهم سن السادسة، فضلا عن ذلك كان التعليم يتسم بالتباين من منطقة إلى أخرى، والفوارق كانت موجودة بين نسب البنين والبنات، أما أبواب مدارس الحضانة ورياض الأطفال فكانت مسدودة في وجوه الأطفال الجزائريين ولم تفتح إلا للفرنسيين.

والنظام التعليمي الفرنسي المعمول به قبل الاستقلال بلغ إلى حد منع التلميذ الجزائري التلفظ في القسم أو حتى في فناء المدرسة بعبارة غير فرنسية وإجباره على حفظ التاريخ الفرنسي_و هو تاريخ غريب عنه وعن أجداده_وذلك بقصد عزله عن محيطه الطبيعي وتشويه انتمائه التاريخي والحضاري.وتتلخص المراحل التعليمية فيما يلي :

1 - مرحلة التعليم الابتدائي :  تمتد على مدى 8سنوات -  سنتين منها فرصة للإعادة - (6-14سنة)، ويرشح التلاميذ الذين تجاوز سنهم 14سنة إلى شهادة التعليم الابتدائي(CEP).

2 - مرحلة التعليم التكميلي : ويدوم أربع سنوات في نهايتها تجاز الدراسة بشهادة الأهلية، و التي تمكن حامليها الالتحاق بشعب دراسية كمسابقة الدخول لمدارس إعداد المعلمين.

3 - مرحلة التعليم الثانوي : يدوم ثلاث سنوات وغالبا لا يصل إليه إلا القليل من الجزائريين.   

    

جـ - التعليم و مؤسساته في عهد الاستقلال :

 

كان التعليم الابتدائي سنة 1962 في حالة يرثى لها على غرار الميادين الأخرى،و الجدير بالذكر أن نسبة الانتساب إليه كانت تقارب 20% من مجموع التلاميذ الذين بلغوا سن الدراسة، فقد كانت مهمة المدرسة تتلخص في تكوين ما يحتاج إليه الاستعمار من مساعدين، وقد كان أول دخول مدرسي في أكتوبر 1962 اتخذت وزارة التربية قرارا يقضي بإدخال اللغة العربية في جميع المدارس الابتدائية بنسبة سبع ساعات في الأسبوع. وقد تم توظيف 3452 معلما للعربية و16450 للغة الأجنبية، منهم عدد من المرنين قصد سد الفراغ المدهش الذي أحدثه عمدا أكثر من 10.000معلم فرنسي غادروا الجزائر بصفة جماعية.

وقد ورثت الجزائر قلة هياكل الاستقبال و قلة الإطارات و مشكلة سيطرت اللغة الفرنسية وانحصار التعليم على مناطق و طبقات دون أخرى، وقد عمدت السلطة الجزائرية تعديلات مختلفة منذ 1962، ومن الإجراءات الفورية التي اتخذتها اللجنة الوطنية التي عقدت اجتماعها الأول في 15 ديسمبر1962 - الجزأرة، ديمقراطية التعليم، التعريب، والتكوين العلمي      و التكنولوجي.واستمر تطبيق مجموع الإجراءات السنة تلو الأخرى، ففي أكتوبر1967طبق القرار القاضي بتعريب السنة الثانية الابتدائية تعريبا كاملا تدرس كل المواد المبرمجة باللغة العربية وحدها بتوقيت 20ساعة أسبوعيا.

و يمكن تلخيص النظام التربوي الجزائري في فترتين :

 

*الفترة الأولى(1962-1976) : وهي فترة انتقالية كان يسودها عدة نقائص، فاقتصرت على إدخال تحويلات تدريجية تمهيدا لتأسيس نظام تربوي يساير متطلبات التنمية، ومن أولويات هذه الفترة :

- تعميم التعليم بإقامة منشآت تعليمية وتوسيعها للمناطق النائية.

- جزأرة إطارات التعليم (أي إزالة آثار العناصر الدخيلة الوافدة من المجتمعات والثقافات التي لا تمت بصلة للمجتمع الجزائري، كما يعني جزأرة نظام التعليم ومناهجه والبعد عن الاستعارة من المجتمعات الأخرى، جزأرة الإطارات غايتها الاعتماد على أبناء البلاد من أهل الاختصاص لتحقيق الكفاءة التعليمية).

- تكييف مضامين التعليم الموروثة عن النظام التعليمي الفرنسي.

- التعريب التدريجي للتعليم.

و قد أدت هذه التدابير إلى ارتفاع نسبة المتمدرسين الذين بلغوا سن الدراسة، إذ قفزت من 20% إبان الدخول المدرسي الأول إلى 70% في نهاية هذه المرحلة.

* الفترة الثانية(1976-2002) : ابتدأت بصدور أمر 76-35 المؤرخ في16 أفريل 1976 بتنظيم التربية والتكوين بالجزائر،وأدخلت إصلاحات على النظام لتتماشى و التحولات الاقتصادية والاجتماعية، كما كرس الطابع الإلزامي ومجانية التعليم، وتأمينه لمدة 9 سنوات، قد شرع في تعميم        وتطبيق أحكام هذا الأمر ابتداء من السنة الدراسية 1980- 981 (المدرسة الأساسية).

وقد عرفت المنظومة التربوية الجزائرية خلال الموسم الدراسي 2003 - 2004 تعديلات تتمثل في :

- تنصيب السنة الأولى من التعليم الابتدائي  2003- 2004، وقد تم تغيير محتويات بعض الكتب لنفس السنة في 2004 - 2005 (كالتربية الإسلامية).

- تنصيب السنة الثانية من التعليم الابتدائي 2004-2005، أضيفت إليها اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى، استعمال الترميز العلمي والمصطلحات العلمية، استعمال الوسائل التعبيرية(العربية والفرنسية).

- تنصيب السنة الأولى من التعليم المتوسط في إطار الإصلاح التدريجي والتربوي(نظام الأربع سنوات) ابتداء من الموسم الدراسي2003 -2004، وظهور اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية.

أما التعليم الثانوي فعرف تعديلات في هيكلته في سنة 2005 - 2006.

أما التعليم العالي فقد عرف تعديلات على ضوء توصيات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية والتوجيهات المتضمنة في مخطط تطبيق الإصلاح التربوي الذي صودق عليه في مجلس الوزراء يوم 20أفريل 2002، سطرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كهدف استراتيجي لمرحلة2004-2013إعداد ووضع أرضية لإصلاح شامل للتعليم العالي (LMD) بحيث يمثل بنية العليم العالي المستلهمة من البنيات المعمول بها في البلدان الانجلوسكسونية، والمعممة في البلدان المصنعة،تتمثل هذه البنية حول ثلاثة أطوار للتكوين يتوج كل منها بشهادة جامعية :

- الطور الأول بكالوريا+ثلاث سنوات، يتوج بليسانس(أكاديمية-مهنية).

- لطور الثاني  بكالوريا + خمسة سنوات، يتوج ماجستير(أكاديمية -مهنية).

- الطور الثالث بكالوريا + ثمان سنوات، يتوج بدكتوراه.

و لا تزال المنظومة التربوية الجزائرية إلى حد الآن تجري تعديلات على نظمها التربوية قصد التحسين من المردود التربوي و الرفع من مستواه.

 

 

 

المشاكل التي تواجه المنظومة التربوية في الجزائر :

 

تعاني المنظومة التربوية من عدة مشاكل، و لا يمكن إسناد مصدر هذه المشاكل إلى طرف دون آخر، و من بين هذه المشكلات :

* ضعف المستوى الدراسي.

* ارتفاع نسبة التسرب المدرسي.

* حصر التربية على المدرسة وغياب الأولياء عنها.

* غياب منهجية علمية للتقويم.

* اكتظاظ الأقسام مما يعرقل السير الحسن للدرس واستيعاب التلاميذ.

* مشكلات مصدرها الأستاذ نفسه.

* مشكلات مصدرها التلميذ.

* مشاكل مادية ومعنوية يعني منها الطرفين(معلم،متعلم).

* نقص الإمكانات المادية والوسائل البيداغوجية.

* نقص دراسات علمية ميدانية قبل إجراء تعديلات معينة.

* غموض سياسة التخطيط.

        

 

 

 

الإصلاح التعليمي وضرورة التغير الايجابي

إن الإصلاح التعليمي وضرورة التغير الاجتماعي يساهم في بناء المؤسسة التعليمية، بناءً صحيحاً يبعدها عن الانحطاط والتخلف التي غرقت فيه على مدى العقود الماضية، والتي كانت فيه المؤسسة التربوية عرضة للانتهاك والتجاوز الأخلاقي، مما جعل الهوة واسعة بيننا وبين المجتمعات الأخرى التي استطاعت التخلص من الفردانية في الحكم، والسيطرة والشمولية وإخضاع المجتمع للرأي الواحد، الذي احتكر الفعالية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية، وقام بتقنينها منهجاً وسلوكاً لتصب في منافعه وتطبل لشعائريته الزائفة، مما أدى بالعملية التربوية إلى الانكماش والتقوقع في الوقت الذي نرى أن المجتمعات المتقدمة رأت في التعليم ما يوطد الحياة الديمقراطية، لأنها اعتقدت وآمنت بأن نشر العلم بين طبقات الشعب من الأسس المتينة التي يقوم عليها صرح الحرية والاستقلال الوطني، لأن الحرية لا تستقيم مع الجهل، لأن دعامتها (التعليم الذي يشعر الفرد بواجبه وحقه وبواجبات نظرائه وحقوقهم الديمقراطية.

وهذا يدفعنا للقيام 1( بتغيير جذري في نظام التربية والتعليم من أجل بناء الفرد والمجتمع ) كي نتمكن من بناء شخصية قوية منتجة لا تعاني من العقد والإحباطات، وتستشرف المستقبل، لا من خلال الأماني والخطاب الديماغوجي، وإنما بالنزوع (لدراسة المستقبل بهدف التنبؤ والاستعداد والتأثير فيه)، منطلقين في ذلك من عملية استقراء تعتمد العلمية والمنطق للحاضر وإشكالياته، لأنه لم يعد التعليم في ضوء الدراسات الحديثة، وما أثمر تمعن نظريات جديدة في مجال تعريف التعليم، وما أتاحه التقدم التكنولوجي من وسائل مساعدة للاختبار والقياس ينظر إليه لتحصيل للمعرفة والمهارات، أو أنه تدريب عقلي! بل أصبح ينظر إليه بأنه عملية تربوية تهدف إلى إحداث تغيير في السلوك معتمداً على(عوامل عدة في بيئة المتعلم الكلية وأثر الخبرة التعليمية على شخصية وسلوك الإنسان). وهذا في حالتنا الآن يستوجب للوصول إلى المسار الاجتماعي/الحضاري الصحيح، القيام بالإصلاح والتغيير الجذري لنظام التربية والتعليم من أجل قيام مجتمع جديد متوازن وواع، وهذا يتطلب القيام بمهمتين أساسيتين هما (التخطيط والتنفيذ، مع تهيئة الضمانة الإجرائية اللازمة) لتغيير الفرد الذي هو النواة الأساسية في المجموعة الاجتماعية وجعله إنساناً جديداً متوافقاً مع المفاهيم والأفكار الجديدة التي تتيحها له الحرية التي استعادها بعد أن فقدها لعقودٍ من الزمن.

وعملية التغيير والإصلاح هذه لا يمكن أن تتم بعفوية أو بالعصا السحرية، بل إنها تتطلب (عملية شاملة من التربية والإرشاد) تفسح المجال للفرد بالوصول بقدراته واستعداداته إلى أقصى طاقاتها، وذلك من خلال نظام يسمح بالمرونة في إعداد وتخطيط المناهج وتنظيمها بما يتوافق والطيف المجتمعي للعراق وحاجاته، مؤمنين (بأن الشيء المهم في التعليم ليس فيما تحتويه المادة ذاتها بل في القدرة العقلية الهامة التي تنمو نتيجة لها، فقد وجه علم النفس الوظيفي أنظار المربين إلى رأي جديد، وهو أن الإنسان يتعلم طرقاً معينة نتيجة لاستجابته لمواقف معينة، أي أن استجابة الفرد تتنوع تبعاً لنوع المواقف التعليمية) لأن الإصلاح والتغيير الذي نريده لمجتمعنا الجديد، لا ينبغي أن يكون عشوائياً، بل يجب أن يسير وفق القيم التي يرسمها الدستور للمجتمع، من أجل إقامة المجتمع الديمقراطي، لأن إصلاح النظم المدرسية القائمة (بين الفينة والفينة مطلب ضروري، لاسيما وأن الشروط الاجتماعية الجديدة، وتطور العلوم الإنسانية، تجعل التغيير والتطور ضرورياً).

على ضوء ما تقدم سوف نتناول في بحثنا هذا محورين يشكلان العصب والعمود الفقري للعملية التربوية التعليمية هما(المدرسة والمنهج) مؤكدين أن الإصلاح لا يمكن أن يتم دون وثائق كافية ودون اتصال حي فعلي بالواقع المدرسي، لذلك لابد من اعتماد أصول البحث العلمي المنظم، وإلا كنا أمام اجتهادات شخصية، يمكن أن تدحضها اجتهادات شخصية أخرى، إذ أن من شروط نجاح الإصلاح والتغيير أن يتم(التعاون بين القائمين بالبحث وبين الهيئة التعليمية والإداريين والباحثين المختصين وسائر الأشخاص المعينين بالحياة المدرسية).

 

دور المدرسة في الإصلاح والتغيير :

 

بما أن المدرسة هيئة اجتماعية تساهم في تحقيق أهداف وقيم المجتمع الذي تعمل فيه، فهي مؤهلة لأن تقود الإصلاح والتغيير الاجتماعي، الذي تؤثر فيه(المدرسة أثراً كبيراً في تطور وإصلاح شأنه، لأن إصلاح وتغيير المجتمع لا يمكن أن يكون ناجحاً ومثمراً إلا إذا وعاه الناشئون وعياً أكيداً وعملوا على تحقيقه) ،لأن بين المدرسة والمجتمع في كل زمان ومكان ارتباطاً وثيقاً وتفاعلاً شديداً.مما يمكن المدرسة من (تغيير وتعديل قواعد السلوك لتلاميذها، لأنها تعمل في وسط ثقافي يؤثر كثيراً في التلاميذ) بحيث يؤدي إلى تحسين ورفع نوع المعيشة في المجتمع، لأنه كما يقول تشارلز بيرز (بأن السلوك الاجتماعي للتلاميذ يمكن أن يتغير،إذا هدف التعليم لتحقيق هذا التغيير). كما أن المدرسة تساعدهم على تكوين فلسفة صحيحة للحياة، ونظام للقيم يساعدهم على أن يأخذوا أماكنهم كمواطنين أذكياء ناضجين، وهذا الأمر لا يتحقق إلا عن طريق إدخال الخبرات التعليمية الصالحة في المناهج، وعن طريق أوجه النشاط المختلفة والنقاشات ذات الخطة الواضحة التي تدعو إلى الاهتمام بالتراث الثقافي للمجتمع واستخدامه في حل مشكلاتنا الحاضرة، لكن علينا أن نوضح بأن هذا يستلزم إعادة تنظيم المواد المدرسية تنظيماً يكفل للمدرسة القيام بهاتين الوظيفتين المزدوجتين(نمو الفرد وإشباع حاجاته وميوله والنقل الثقافي، واستخدام الثقافة استخداما وطنياً)، وهذا يدعونا إلى إعادة تنظيم المعارف الإنسانية من خلال المدرسة لأنها بيئة تربوية صاهرة، بمعنى أن هذه المؤسسة تعمل على نشر(التواصل والتفاهم بين التلاميذ) تبعاً للأهداف التربوية التي تسعى المدرسة الجديدة إلى تحقيقها من أجل أن تعمل المدرسة على مساعدة التلاميذ في الوصول إلى المبادئ العامة والقوانين والخبرات البشرية المنظمة تنظيماً منطقياً، (والعمل على إمكانية التوفيق بين موقف وظيفة المدرسة إزاء النواحي السيكولوجية للتلميذ، ووظيفة القيام بالنقل الثقافي)، كما نطمح أن تتمكن المدرسة من أن لا تصب اهتمامها على التراث الثقافي لمجتمعنا الذي نعيش فيه فحسب، بل ينبغي أيضاً أن توجه عنايتها إلى التراث الثقافي للجنس البشري، (لكي تحقق المدرسة ما يجب أن تكون عليه من أنها انعكاسا للنظام الاجتماعي للمجتمع)، وذلك لأن دور المدرسة كقوة اجتماعية تربوية تبرز أهميتها في تخريج القادرين على قيادة المجتمع الواعين بدورهم الإيجابي في حل مشكلاته، حين يصبحون جزءاً أساسياً ومهما فيهً، شريطة أن يكون منهجها انعكاساً فاعلاً لجميع العناصر الثقافية للمجتمع مع وجوب أخذ دور محايد إزاءها، لاسيما المشكلات المتعلقة بالقيم والمعتقدات الدينية، وهذا لا يتم إلا من خلال إعداد التلاميذ وتعويدهم على الإيجابية في حل مشكلات المجتمع، وهذا لا يتم إلا من خلال إدارة مدرسية تتبنى منهجاً مدرسياً تربوياً ينمي في التلاميذ الفهم للقيم والتقاليد الديمقراطية، كما يعرفهم بالخصائص التي تحير المواطنين في ظل النظام الديمقراطي، وصولاً إلى ظهور السلوك الديمقراطي لدى التلاميذ، الذي يدفعهم للالتزام والعمل بالقوانين والنظم الديمقراطية، وهذا يقودنا إلى أن يكون تنظيم إدارة المدرسة تنظيماً ديمقراطياً، لأن من الصعب والتناقض أن يخضع التلاميذ لنظم كلها سيطرة وضغط في المدرسة وفي البيت والهيئات الاجتماعية الأخرى.

من هنا ومن أجل الوصول بعملية الإصلاح والتغيير لأهدافها، فعلى القائمين على إدارة المدرسة والمشرفين على العملية التربوية التعليمية، احترام شخصية التلميذ وقيمته، مما يفرز في نفسه الشعور بالقيمة الاجتماعية باعتباره فردا مشاركا في بناء وتطور المجتمع، وعنصرا فاعلا لا يمكن الاستغناء عنه أو إهماله في عملية الإصلاح والتغيير والبناء، لأن المدرسة هي التي ( تعد فيها دوافع وميول الطفل أساساً لبرامج المدرسة، وهي في هذا تسير على أساس الحرية غير المقيدة التي تنادي بها الفلسفة الطبيعية ) على أساس أن الهدف الأساسي للتربية في المدرسة هو تيسير أقصى نمو لفردية كل طفل، على أن يتلاءم هذا النمو كلية وبطبيعته مع النمو الاجتماعي، من خلال تشجيع المدرسة للطفل على ( أن يصبح شخصية خاصة وأن يدين بالفردية وأن يعتقد في قدرته ) كما يرى رج وشو ماكر، دون أن ننسى بأن المدرسة ملزمة أيضاً بأن تهيئ له المواقف التي تعطيه مراناً مستمراً على الحياة التعاونية، كما تقدم له أنواع النشاط التي تساعده على المساهمة في الأعمال الجماعية، من أجل تنمية إحساسه بالانتماء إلى الجماعة وبأنه عضو مقبول ومحترم من المجتمع وهذا يستلزم وضع خطة كاملة للعمل المدرسي لكنها يجب أن لا تكون نهائية أو مغلقة، بل قابلة لإعادة النظر على ضوء مدى تحقيقها لأهداف المدرسة، والخطة المدرسية تعتمد على عناصر هي التدريس الصفي والنشاط الصفي و اللاصفي والتوجيه والعلاقة بين المدرسة والمجتمع والعلاقة الإنسانية بين العاملين المسئولين عن إدارة المدرسة (مدير، معلمين، مدرسين، عمال، مشرفين) من جهة وبين التلميذ من جهة ثانية بعد أن نسلم المدرسة إلى مدير ومعلمين تم إعدادهم أو إعادة تأهيلهم بما يتوافق وما نريده من أهداف جديدة أفرزها الإصلاح والتغيير لتكون عملية التغيير ذات جدوى.

 

المنهج ودوره في عملية الإصلاح والتغيير :  

 

إن المدرسة كما رأينا هيئة اجتماعية مهمتها الاهتمام بتربية الطفل وتعليمه والاستمرار في ذلك حتى المرحلة الجامعية، والمدرسة لا تعمل بطريقة عشوائية أو اعتباطية وهي تمارس عملية التربية والتعليم، بل إنها تخضع لنظم وتقنيات محددة تعرف بالمنهج، الذي يعني لغوياً الطريق الواضح… كما يعني اصطلاحاً مجموعة الخبرات والمواد(العلمية والأدبية والاجتماعية و…الخ) المخطط لها والتي توفرها المدرسة لمساعدة التلاميذ(وهو ما يتصل اتصالاً وثيقاً بالأهداف التربوية بل أن تحقيقها هو الغرض من وجوده) ؛لذلك على المنهج أن يستوحي حاجات المتعلم وثقافة المجتمع، وأن يكون محوره شؤون الحياة ومشاكلها، وأن يعنى بالنواحي الذهنية والعملية والإنسانية، ولأجل الاقتراب مما نريده من عملية الإصلاح والتغيير يصادفنا سؤال مهم جداً علينا أن نجيب عليه، وهو (من الذي يصنع المنهج الذي يتواءم وعملية الإصلاح والتغيير التي يراد كما أن تناسب المرحلة الجديدة لمجتمعنا؟) لقد قدم المعنيون والمختصون بشؤون التربية والتعليم العديد من الآراء والمقترحات والإجابات لهذا السؤال، غير أنهم اتفقوا- وعلى ضوء معايير التطور الحالي التي ترى أن الذي يساهم بوضع المنهج وتخطيطه كل من له علاقة بالطفل الطالب باعتبار الغاية التي من أجلها يوضع المنهج، وهؤلاء هم المعلمون والمدرسون والتلاميذ أنفسهم والآباء والمواطنون العاديون والخبراء المختصون والمشرفون التربويون، غير أننا لا يمكننا اعتبار أي منهج تم وضعه والاتفاق عليه بأنه منهج نهائي، لأننا نعتقد بأن المنهج يجب أن يكون عرضة للتقويم طالما أننا نعيش في عالم متحول وسريع التطور، يفرز مواقف وقيما ومعلومات متجددة دوماً، لكن على شرط أن تتضمن عملية التقويم تقدير التغييرات السلوكية الفردية والجماعية، والبحث في العلاقة بين هذه التغييرات السلوكية وبين العوامل المؤثرة فيها(من خلال نظرتها للفرد وكفايته، والجماعة وعلاقتها الديناميكية، والبيئة وظروفها المؤثرة في الفرد والجماعة)، على أن تقوم عملية التقويم كذلك على الأسس العلمية التي تعتمد التجريب والبحث المعملي والميداني لقياس مدى ما يحققه البرنامج التربوي من أهداف ومدى مساعدته في نمو الفرد والجماعة، وكشف المعوقات والتعرف على الإشكاليات التي قد يكون لها دور في إعاقة تطبيق المنهج بصورة صحيحة والعمل على ( تطوير المنهج تبعاً لتطور أهداف التربية بحيث لا تبقى هذه المناهج متخلفة عن ذلك التطور )، وهذا لا يتم إلا إذا أعددنا الكوادر المؤهلة من الهيئات العلمية والتربوية والإدارية (لدراسة منهج كل مادة من المواد الدراسية، دراسة متكاملة، وذلك بمتابعة منهاج المادة الواحدة من خلال السنوات التالية ومعرفة مدى الترابط والوحدة بينها )، مؤكدين على تقديم هذه المواد وفق طرائق التعليم الحديثة التي تتلاءم مع الحاجة إلى تعليم الملايين المتكاثرة من الطلاب والتي تزداد بشكل كمي، وتستدعي تطوير وسائل فعالة لكي تضمن تعليمها وتغيير سلوكها وبحيث يواكب التطور الحضاري للمجتمع.

 

حتمية التغير:

 

     يشهد العالم اليوم، تسارع كبير نحو التطور والتغير، لتحقيق مستوى معيشي أفضل، وإذا أرادت امتنا العربية أن تخطو نحو مجتمع المستقبل بكل عزم وثبات عليها أولا أن تعمل بكل جد وإصرار شديدين للانتقال من مرحلة التخلف والتبعية إلى مرحلة الوحدة العربية وتطبيق الديمقراطية.

     ولذلك فهي مطالبة بان يكون لها شخصيتها الاعتبارية المتميزة، والمحددة زمانيا ومكانيا، وان تؤكد على أهميتها وسط العالم الذي تعيش فيه. علاوة على أن تمتلك القوة والقدرة على مدار العقود القادمة، وهذا ما يجعلنا نأخذ باعتبارنا ما يلي:

أولا : القوى الذاتية : بامتلاك الأمة العربية من تراث وموارد اقتصادية وبشرية هائلة وإمكانات مادية ضخمة، يمكنها أن توفر كل أسباب المدنية الحديثة لها وبناء مجتمع عربي عصري.

ثانيا : حقائق التغير العالمي السريع : يوجد على هذه الأرض من يعيش في زمن الماضي والحياة البدائية وهناك أيضا من يعيش حياة صناعية متقدمة وهناك من وصل التقدم. ليعيش حالة عالم المستقبل وممثلي تقدم الإنسانية، وهو من يمتازون بقدراتهم على التغير السريع، وعليه فان قدرة الأمة العربية يجب أن تكون احد عناصر أو مكونات تفكيرها ودراستها. 

    من المفروض أن الهزائم المستمرة للوطن العربي توقظه من التردي، وتكون محطات تحول في تاريخه، إلا أن الواقع العربي لا يزال كما هو مؤلم في تدهوره وتخلفه، إن لم يكن أصبح أسوا من السابق، مما جعل البعض يعتبره عصر الانحطاط والانهيار العربي، ومن الخطورة أن هذه المرحلة تبلور عملية انهيار قيمة الإنسان دائما في شكل ظاهر.

ومهما امتلك العرب من ثروات، إلا أن التبذير في هذه الثروات بدون دراسة وتخطيط جعلهم يضيعون فرص ذهبية في تاريخهم المعاصر لتطوير أنفسهم.

     

إن التربية أولا هي وحدها الوسيلة الأساسية لتحقيق التطور وإنها هي أولا وأخيرا أداة تنفيذه وتحقيقه. وهذا ما يجعلنا أن نقرر أننا بحاجة إلى تربية تمكن الأجيال العربية من تحقيق وتحرير ذاتها، ومن بناء مشروعها الحضاري العربي وصناعة مستقبلها، وتأكيد هويتها وشخصيتها المستقبلية. وإطلاق قدراتها وطاقاتها الإبداعية.

توجيهات السياسات التربوية العربية

وأما المرحلة الثالثة في نمو وتطور السياسات التربوية والتعليمية في الوطن العربي فهي المرحلة الحالية التي يمكن تسميتها (بناء مجتمع المستقبل)، وهذه المرحلة تبدأ منذ التسعينات وحتى الوقت الحاضر، وهي فيما نعتقد المرحلة الحرجة التي شهد فيها العالم بما فيه الوطن العربي تغيرات واسعة الأثر والتأثير منها تغيرات وتطورات معرفية وعلمية وتقنية والتي على التربية العربية أن تواكبها وتغير وتطور أنظمتها التعليمية، وهي التي تحتاج بالفعل إلى تحديث وتطوير إستراتيجية التربية العربية، وهذه المرحلة لا تزال فيما نعتقد متعثرة في الوطن العربي، ولم تبدأ بفعالية وكفاءة فهي تحتاج إلى إستراتيجية عربية مختلفة تماماً عن الاستراتيجيات والسياسات السابقة للتعليم والتربية في الوطن العربي، إنها إستراتيجية تربوية يجب أن تسعى إلى بناء مجتمع المعرفة بمعنى الكلمة وإلا فإن مصير العرب التهميش والفناء الحضاري.

وعلى أية حال ورغم الإنجازات السابقة الكمية والنوعية التي حققتها التربية العربية خلال العقود الماضية، لا تزال هناك معضلات ومشكلات تربوية على السياسات التربوية أن تواجهها بالدراسة وإيجاد الحلول المناسبة بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة، ومن أهم هذه الاختناقات ما يلي :

 

1 ـ لا تزال السياسات التربوية العربية غير واضحة الأهداف العامة والخاصة لكل مرحلة تعليمية، وبالرغم من وجود أهداف تربوية عامة في كل بلد عربي على حده تقريباً،