Archive for the 'Uncategorized' Category

مدخـل إلى علوم التربية

Jeudi, février 5th, 2009

www.ensb.dz/IMG/doc/—_1_-_2_-_3.doc 

مدخـل إلى علوم التربية

 

مـن إعداد الأسـتاذيــن :

                        - كمـال عبـد اللــه

                        - عبـد اللـه قـلــي

 

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها- السنة الأولى- الإرسال 1

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

المحور الرابع : الأسس الاجتماعية للتربية

         

 

 

 

مدخل إلى علوم التربية

 

الإرسال الأول

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الأول: مفهوم التربية

 

 

معنى التربية لغة واصطلاحا

 

الأهداف العامة والخاصة للتربية

 

تحديد أهم المفاهيم والمصطلحات المتداولة في علوم التربية

 (التربية-التعلم-التعليم-الإستراتيجية-التعليمية-التكوين-المنهاج-بيداغوجيا-الدعم-الدعم البيداغوجي)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التربية: مفهومها- تطورها - أهميتها

 

معنى التربية لغة واصطلاحا:

لغة جاء في لسان العرب لابن منظور: “ربا يربو بمعنى زاد ونما”، وفي القرآن الكريم، قال تعالى: “فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج” (سورة الحج، الآية 5) ، أي نمت وازدادت، ورباه بمعنى أنشأه، ونمّى قواه الجسدية والعقلية والخلقية. و جاء في قوله تعالى: “وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت”.  وفي قوله تعالى: “ألم نربك فينا وليدا ولبث فينا من عمرك سنين”. وأيضا قوله تعالى: “وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرة”. إشارات إلى ذلك المعنى اللغوي للتربية، فهي بمعناها الواسع تعني كل عملية تساعد على تشكيل عقل الفرد وجسمه وخلقه باستثناء ما قد يتدخل فيه من عمليات تكوينية أو وراثية، وبمعناها الضيق تعني غرس المعلومات والمهارات المعرفية من خلال مؤسسات أنشئت لهذا الغرض كالمدارس، كذلك فإن تعريف التربية يختلف باختلاف وجهات النظر ويتعدد حسب الجوانب والمجالات المؤثرة فيها والمتأثرة بها.

والتربية الصحيحة هي التي لا تفرض على الفرد فرضا، بل هي التي تأتي نتيجة تفاعل عفوي بين المعلم والمتعلم، أو بالأحرى بين التلميذ والمربي الماهر.

وقد يشار إلى التربية بالبيداغوجيا Peedagogy  التي ترجع إلى أصلها الإغريقي الذي يعني توجيه الأولاد حيث تتكون هذه الكلمة من مقطعين Pais  وتعني ولد وOgogé  وتعني توجيه والبيداجوج يعني عند الإغريق المربي، أو المشرف على تربية الأولاد، وفي معجم العلوم السلوكية إن التربية تعني التغيرات المتتابعة التي تحدث للفرد، والتي تؤثر في معرفته واتجاهاته وسلوكه، وهي تعني نمو الفرد الناتج عن الخبرة أكثر من كونه ناتجا عن النضج.

وقد جاء تعريف اليونيسكو في مؤتمرها بباريس لكلمة التربية إنها مجموع عملية الحياة الاجتماعية التي عن طريقها يتعلم الأفراد والجماعات داخل مجتمعاتهم الوطنية والدولية ولصالحها أن ينموا وبوعي منهم كافة قدراتهم الشخصية واتجاهاتهم واستعداداتهم ومعارفهم وهذه العملية لا تقتصر على أنشطة بعينها”

اصطلاحا:

ورد في “الصحاح” في اللغة والعلوم أن التربية هي: “تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية كي تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف”.

التربية هي عملية هادفة لها أغراضها وأهدافها وغاياتها، وهي تقتضي خططا ووسائل تنتقل مع الناشئ من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى.

أما التربية بالمعنى الواسع، فهي تتضمن كل عملية تساعد على تشكيل عقل الفرد وخلقه وجسمه باستثناء ما قد يتدخل في هذا التشكيل من عمليات تكوينية أو وراثية. وإذا رجعنا إلى مفكري التربية عبر العصور، فإننا نجد عدة تعريفات للتربية منها:

عرفها أفلاطون بأنها تدريب الفطرة الأولى للطفل على الفضيلة من خلال اكتسابه العادات المناسبة.

أما ميلتون (1608-1674) فإنه يقول، بأن التربية الصحيحة هي التي تساعد الفرد على تأدية واجباته العامة والخاصة في السلم والحرب بصورة مناسبة وماهرة، أما توماس الاكويني، فيقول: “إن الهدف من التربية هو تحقيق السعادة من خلال غرس الفضائل العقلية والخلقية”.

ويرى هيجل: “أن الهدف من التربية هو تحقيق العمل وتشجيع روح الجماعة”، أما بستالوتزي فشبه التربية الصحيحة بالشجرة المثمرة، التي غرست بجانب مياه جارية.

ويرى جون ديوي أن التربية هي: “عملية مستمرة لإعادة بناء الخبرة، بهدف توسيع وتعميق مضمونها الاجتماعي”.

فالتربية عموما تعتبر عملية شاملة، تتناول الإنسان من جميع جوانبه النفسية والعقلية والعاطفية والشخصية والسلوكية وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحياة، وتعامله مع الآخرين، كذلك تناوله في البيت والمدرسة وفي كل مكان يكون فيه، وللتربية مفاهيم فردية، واجتماعية، ومثالية.

التربية بالمعنى الفردي:

هي إعداد الفرد لحياته المستقبلية، وبذلك فهي تعدّه لمواجهة الطبيعة، كما تكشف بذلك عن مواهب الطفل واستعداداته الفطرية، وتعمل على تنميتها وتفتحها وتغذيتها.

 

أما بالمعنى الاجتماعي:

 فهي تعلم الفرد كيف يتعامل مع مجتمعه وتعلمه خبرات مجتمعه السابقة، والحفاظ على تراثه لأن التراث هو أساس بقاء المجتمعات، فالمجتمع الذي لا يحرص على بقاء تراثه مصيره الزوال، وبذلك فالتربية بالمعنى الاجتماعي تحرص على تمكين المجتمع من التقدم وتدفعه نحو التطور والازدهار.

وبالمعنى المثالي:

فهي تعني الحفاظ على المثل العليا للمجتمع، الأخلاقية والاقتصادية والإنسانية النابعة من تاريخ الأمة ومن حضارتها وثقافتها ومن خبراتها الماضية ومن دينها، وعن طريق تعاملها وعلاقتها بالأمم الأخرى، وعلاقات الأفراد فيها وغيرها.

عموما فالتربية ما هي إلا وسيلة للتقدم البشري في كل مكان وللعملية التربوية ثلاثة أطراف هي: المربي والمتربي والوسط الذي تتم فيه العملية التربوي، وهي عملية هادفة لا عشوائية، أي أنها عملية نمو اجتماعي وإنساني لا تقوم على التلقين، وإنما هي مبنية على التفاعل بين طرائقها الخاصة للوصول إلى عقل المتربي ولتوجيهه وتربيته.

أما التربية بمفهومها الحديث فتنظر إلى الطفل كنقطة انطلاق في عملية التربية التي ترتبط بالحياة سواء في بنائها كعملية تربوية أو في نتائجها المعرفية والسلوكية، فالطفل هو مركز العملية التربوية وتنميته هي هدفها.

ولقد أقر مجمع اللغة العربية في مصر تعريف التربية: “بأنها تبليغ الشيء إلى كماله، أو هي كما يقول المحدثون تنمية الوظائف النفسية بالتمرين حتى تبلغ كمالها شيئا فشيئا”.

وهي كذلك عملية تهذيب للسلوك، وتنمية للقدرات حتى يصبح الفرد صالحا للحياة، فهي عملية تغذية، وتنشئة، وتنمية جسدية وخلقية وعاطفية.

وعندما نتكلم عن التربية، فنعني بها تلك التي تعوّد الطفل على التفكير الصحيح والحياة الصحيحة بما تزوده من معارف، وتجارب، تنفع عقله، وتغذي وجدانه، وتنمي ميوله ومواهبه وتعوده العادات الحسنة، وتجنبه العادات السيئة، فينشأ قوي الجسم، حسن الخلق، سليم العقل، متزن الشخصية، قادر على أداء رسالته في الحياة.

خصائص مفهوم التربية:

-إن التربية عملية تكاملية.

-عملية فردية اجتماعية.

-تختلف باختلاف الزمان والمكان.

-عملية إنسانية.

-عملية مستمرة.

 و يرى توفيق حداد أن التربية هي عملية مستمرة لا يحدها زمن معين، وهي تمس كل جوانب حياة الفرد والمجتمع، وهي أساس صلاح البشرية، وهي قوة هائلة يمكنها القضاء على أمراض النفس وعيوبها، وأمراض المجتمع وعيوبه، ولذلك فهي كل مؤسسات المجتمع كالأسرة، والمدرسة، والسجد، ودور الحضانة.

أهمية التربية :

لقد برزت أهمية التربية وقيمتها في تطوير هذه الشعوب وتنميتها الاجتماعية والاقتصادية وفي زيادة قدرتها الذاتية على مواجهة التحديات الحضارية التي تواجهها، كما أنها أصبحت إستراتيجية قومية كبرى لكل شعوب العالم، والتربية هي عامل هام في التنمية الاقتصادية للمجتمعات، وهي عامل هام في التنمية الاجتماعية، وضرورة للتماسك الاجتماعي والوحدة القومية والوطنية، وهي عامل هام في إحداث الحراك الاجتماعي، ويقصد بالحراك الاجتماعي في جانبه الإيجابي، ترقي الأفراد في السلم الاجتماعي. وللتربية دور هام في هذا التقدم والترقي لأنها تزيد من نوعية الفرد وترفع بقيمته ومقدار ما يحصل منها. كما أن التربية ضرورية لبناء الدولة العصرية،وإرساء الديمقراطية الصحيحة والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.كما أنها عامل هام في إحداث التغير الاجتماعي.

 

 

 

 

 

 

الأهداف التربوية

لمحة تاريخية عن تطور حركة الأهداف التربوية:

إن الأهداف التربوية كانت دائما موجودة عبر العصور، لارتباطها بالعمل التربوي ولو في أبسط صوره البدائية كتنشئة الآباء للأبناء من أجل إعدادهم للحياة وما تتطلبه من خصائص مهارية في شتى مجالات البيئة ومعطياتها في كل زمن. ولعل نظرة بسيطة لتطور النظريات التربوية والفكر التربوي عموما كافية لملاحظة تطور وتنوع أهداف التربية، فنظرة الفلاسفة اليونان مثلا لملامح شخصية الرجل المراد تكوينه، محاربا كان، أو فيلسوفا حكيما، وهدف التربية المسيحية لتكوين الراهب المتعبد، وغيرها من الأفكار التربوية. كل ذلك لم يكن وليد زمن محدد بل يمتد امتداد تاريخ الإنسان. غير أن الدراسة العلمية للأهداف، ظهرت في وقت متأخر نسبيا. وخضعت لتطور كان نتيجة تراكم دراسات ومحاولات عديدة، قام بها علماء كثيرون.

لقد تميزت الأهداف التربوية بصفة عامة قبل الحرب العالمية الأولى بالعمومية والتجريد، إلى أن ظهرت الاتجاهات الأولى في التفكير لما يجري داخل القسم مع أعمال بوبيت سنة 1918، الذي اهتم بوضع منهج أكثر توافقا مع الوقت وكيفية استخدام الطرق الجديدة، وهو يقول بخصوص الأهداف:

“طالما أن الأهداف لا تخرج أن تكون تخمينات غامضة، فيجب أن نتوقع أن تكون الطرق والوسائل غامضة أيضا، ولكن عصر الرضا الكامل بالعمليات غير المحددة يمر بسرعة وعصر العلم يطلب الدقة والتحديد”.

وكان الهدف عنده هو رسم منهج مدرسي، ثم رأى أنه من الضروري تحديد الأهداف لكل منهج تحديدا أدائيا واضحا.

 وتعتبر أعملا رالف تايلور(1929) أول خطوة هامة في حركة الأهداف التربوية وتصنيفها، فقد وضحها في عبارات سلوكية. وتأثر الكثير من المفكرين بهذه الأفكار التربوية، واعتبروا الأهداف أساسا لكل منهج مدرسي أثناء بنائه والتخطيط لتنفيذه. وهذا يعني أنه أثناء التخطيط للتدريس ينبغي تحديد الأهداف أولا، ثم وضع المادة التعليمية، فوضع الخطة، فتحديد الوسائل، فالتنفيذ، ثم التقويم. ولعل أهم دراسة، اتخذت شكلا متميزا في تاريخ حركة الأهداف التربوية، وكان لها أثرها الواضح في تحديد المسار العلمي الموضوعي للأهداف التربوية، وتصنيفها، ومحاولة التحكم فيها علميا، هي ما قام به بلوم وزملاؤه من دراسات في هذا المجال، وما توصلوا إليه من نتائج. ذلك أنهم حاولا ربط الأهداف التربوية بمكونات الفرد البشري مثلما صنف سابقوهم سلوك البشر في ثلاث مجالات أساسية: الفكر، الانفعال، العمل. وهي أهم الوظائف التي يقوم بها الكائن البشري، والتي يتوجه الفعل التعليمي إلى إنمائها.

وتلتها أعمال ودراسات أخرى عديدة، تهدف إلى تخصيص الأهداف وإجراءاتها كالنتائج التي توصل إليها ماجر (1962)، والتي تؤكد ضرورة توفر ثلاثة عناصر أساسية في الهدف التربوي جيد الصياغة، وهي: تحديد السلوك المرغوب، تحديد الشروط التي يتحقق بها الهدف، تحديد المعايير ومستوى الأداء المقبول، على أن يكون هذا السلوك بمثابة الدليل على التغير الذي حدث في شخصية المتعلم نتيجة تعلم ما.

من خلال هذا العرض التاريخي لتطور حركة الأهداف، يستنتج بأن الأهداف التربوية تعكس فلسفة المجتمع وقيمه وثقافته وعاداته وتقاليده واتجاهاته في كل مجالات الحياة، فبعد ما كانت تتميز بالعمومية والتجريد الفلسفي صارت تتميز بالخصوصية والدقة نتيجة تطور الدراسات النفسية والتربوية التي تهتم بملاحظة السلوك وقياسه قياسا علميا.

كما أن هناك من يستعمل عبارة الأهداف العامة للتعبير عن الغايات، ومن يستعمل الأهداف الخاصة ليدل بها على الأهداف الإجرائية.

إن تحليل الأهداف التربوية يمر عبر مستويات مختلفة تتدرج من العام إلى الخاص، ومن المجرد إلى المحسوس، ومن التخمينات العقلية إلى الفعل السلوكي الذي يتجلى لدى المتعلم.

الغايات:

 هي عبارات فلسفية عامة وواسعة، طموحة، تتسم بالتجريد والمثالية والتعقيد، بعيدة المدى غير محددة من حيث مدة تطبيقها.

إنها تمثل المستوى النظري الذي يضبط التوجهات الكبرى للنظام التربوي اعتمادا على فلسفة وقيم مجتمع ما.

يعرفها مادي لحسن: “عبارة عن صيغ يطبعها التجريد والعمومية تعبر عن المقاصد العامة والبعيدة المدى التي تريد التربية أن تحققها”.

إنها نواتج مستقبلية متعلقة بالفرد والمجتمع، ترغب في تحقيقها سلطة سياسية قائمة، في ضوء مقومات فلسفية، دينية، أخلاقية لمجتمع ما، وعليه فهي تختلف من مجتمع لآخر باختلاف الأنظمة السياسية والتربوية السائدة.

وتمثل بذلك المجال الذي يتم فيه العمل التربوي مراعيا طبيعة الفرد والمجتمع الذي يطمح إليهما. وتزود المربين بالمرجعية والمسار القيمي وهذا ما جاءت به أمرية 16 أفريل 1976 التي ترسم الأبعاد المعبرة عن خصائص المواطن الجزائري.

المرامي-المقاصد:

 وهي أقل عمومية وتجريدا وأكثر وضوحا وتحديدا من الغايات، لكنها لا تخلو من العمومية والتجريد، وترتبط بالنظام التربوي والتعليمي. وتظهر على مستوى التسيير التربوي، وهي تعبر عن نوايا المؤسسة التربوية ونظامها التعليمي، وتتجلى في أهداف البرامج والمواد التعليمية وأسلاك التعليم. وتعتبر المرامي وسيلة لتحقيق الغايات، كما أنها أكثر تعرضا للإصلاح والتغيير. وأنها تلك النوايا التي تعلن لآفاق أقصر أمد من الغايات وتبقى نوعية.

وبذلك فالمرامي أقل أمد من الغايات، وأنها عبارات مجزأة وتحليلية للغايات، وترتبط المرامي بالقرارات والمناشير السياسية والتربوية.

 

 

الأهداف العامة:

إذا كانت الغايات هي ما يريد المجتمع تحقيقها في أبنائه، فإن ذلك لا يتم إلا بعد المرور بأهداف صغيرة تتحقق عبر حلقات تفضي السابقة منها إلى اللاحقة. فتحقيق أهداف حصص مادة ما يفضي إلى تحقيق الأهداف العامة لتلك المادة، وتحقيق مرامي مواد التعليم يفضي إلى تحقيق الغايات التي ضبطها المجتمع لتكوين الناشئة على أساسها.

إن الهدف العام هو صياغة وتعيين المعطيات العامة للتعلم التي يمكن توقعها من تعليم وحدة تعليمية أو مقرر. والأهداف العامة تمثل قائمة من المعطيات للعمل بها، وليست قائمة من ألوان السلوك يحققها كل المتعلمين. وكل هدف تعليمي عام يتطلب تحديدا دقيقا لعينة من السلوك التي تتطلب بدورها تحديدا أكثر دقة، تمثل إنجاز أنماط سلوكية معينة من طرف المتعلم.

والهدف العام هو عبارة على درجة متوسطة من حيث التعميم والتحديد والدقة، وهو يمثل الأداء النهائي المتوقع صدوره عن المتعلم بعد تدريس مادة دراسية أو منهج دراسي معين. ويكون مرتبطا بوحدة دراسية أو نشاط محدد، وهو يمثل جملة من القدرات والمهارات العامة التي يكتسبها التلميذ بعد انتهائه من منهج أو برنامج معين. ويعلن عن الأهداف العامة عند بداية وضع البرامج والمقررات الدراسية، وهكذا يمكن الاطلاع عليها في مقدمة الكتب التي تقررها وزارة التربية الوطنية. “فهي تبحث في أنشطة التعليم والتعلم، مستعينة بالجرد والاصطفاء والتبويب، لاستخلاص طائفة من القدرات والمهارات والمواقف وأنواع السلوك. ثم تتناولها بالتوضيح والتحديد، ويجعلها أهداف تسعى التربية إلى إثارتها وتنميتها لدى التلاميذ”. يستنتج من هذا التعريف أن الأهداف العامة تصف مجالات سلوك شخصية المتعلم: العقلية، الوجدانية، الحسحركية، وتتجلى في القدرات والمهارات والتغيرات، التي يراد إحداثها لدى المتعلم. ويتوجه عمل المدرس بكل وعي إلى تنمية هذه الجوانب خلال فترة تعليمية معينة أو خلال سنة دراسية أو فصل.

الأهداف الخاصة:

وهي ترجمة الأهداف العامة إلى أهداف للدروس، وهي تمثل مجال التنفيذ على المدى القصير والعاجل وعلى مستوى حصة دراسية معينة في مادة ما، حيث يتحصل فيها المتعلم على قدرة أو مهارة ما، عند الانتهاء من تعلم معين.

ويتضمن الهدف الخاص مجموعة من الأهداف الإجرائية التي تتحدد بشروط ومعايير معينة في الموقف التعليمي.

من خلال عرض مستويات الأهداف التربوية نلاحظ أن الأهداف التربوية تتجه نحو الدقة والتخصص بدءا من الغايات إلى الأهداف التربوية الخاصة فتتفرع الغايات إلى مرامي وتتضمن هذه الأخيرة مجموعة من الأهداف العامة التي تتجزأ إلى أهداف خاصة التي تحلل إلى أهداف إجرائية تمثل السلوك الذي سينجزه المتعلم بعد نهاية مقطع أو درس. ويظهر هذا السلوك في جانب واحد أو أكثر من جوانب شخصية المتعلم.

 

 

أسباب الفشل في تحقيق الأهداف التربوية:

هناك عدة أسباب تعيق الأهداف التربوية، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي. إن فشل الطالب في تحصيل مستوى معين من المعارف بعد فترة تعليمية معينة قد يعود إلى مجموعة من الأسباب نذكر منها ما يلي:

*أسباب تتعلق بالطالب نفسه، وهذه تكون على ثلاثة أشكال:

-محدودية إمكانياته الذهنية.

-مشاكل صحية ونفسية.

-ضعف المجهود المبذول.

*أسباب تتعلق بالمعلم، وهي أيضا تكون على ثلاثة أشكال هي:

-محدودية الإمكانيات الذهنية التي تسمح بمساعدة الطالب على تحقيق الأهداف المسطرة.

-مشاكل صحية ونفسية.

-ضعف المجهود المبذول في إعداد وتقديم دروسه.

*أسباب تتعلق بالتفاعل بين المعلم والتلميذ، إن سوء التفاعل بين خصائص المعلم وتلامذته قد يؤدي إلى سوء التوافق الذي ينعكس سلبا على تحصيل التلاميذ.

*أسباب تتعلق بالطرق والوسائل المستعملة في تحقيق هذه الأهداف.

*أسباب تتعلق بالأهداف نفسها كأن تكون صعبة جدا فوق مستوى التلاميذ أو غامضة أو غير واقعية.

*أسباب تتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات التعليمية.

 

تحديد أهم المفاهيم والمصطلحات المتداولة في علوم التربية:

التربية:

التربية في التصور الإسلامي كما يراها علي أحمد مدكور هي “عملية متشعبة، ذات نظم وأساليب متكاملة، نابعة من التصور الإسلامي للكون، والإنسان، والحياة، تهدف إلى تربية الإنسان، وإيصاله-شيئا فشيئا- إلى درجة كماله، التي تمكنه من القيام بواجبات الخلافة في الأرض، عن طريق إعمارها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله”.

ويتم تنفيذ هذا المفهوم عن طريق عملية التعليم والتعلم. فالتعليم وسيلة، والتعلم غاية، لأنه تعديل في السلوك في الاتجاه المنشود، فكل عمل تعليمي جيد لابد أن يكون له هدف تربوي في نفس الاتجاه.

وكما أن التعليم وسيلة للتربية، فالعلم أيضا وسيلة للتربية. فالتربية علم إخبار، حيث إنها إخبار عن الحقائق الكلية والمعايير والقيم الإلهية الثابتة التي يتلقاها الإنسان، فيسلم بها، ويتكيف معها. وهي أيضا علم حيث إنها معرفة بقوانين الله في الكون التي تم اكتشافها من قبل.    

التعلم:

يعرف التعلم بأنه تغير في الأداء أو تعديل في السلوك ثابت نسبيا عن طريق الخبرة والمران.وهذا التعديل يحدث أثناء إشباع الفرد لدوافعه وبلوغ أهدافه، وقد يحدث أن تعجز الطرق القديمة والأساليب المعتادة عن التغلب على الصعاب أو عن مواجهة المواقف الجديدة، ومن هنا يصبح التعلم عملية تكيف مع المواقف الجديدة، ويقصد بتعديل السلوك أو تغيير الأداء المعنى الشامل أي عدم الاقتصار على الحركات الملاحظة والسلوك الظاهر، وإنما ينصرف التغيير أيضا إلى العمليات العقلية كالتفكير، ويقصد بالخبرة والمران، أوجه النشاط المنسقة التي تخطط لها المؤسسات التعليمية وتنفذها.

ويصنف التعلم من حيث أشكاله وموضوعاته إلى ما يلي:

-تعلم معرفي:

ويهدف إلى إكساب الفرد الأفكار والمعاني والمعلومات التي يحتاج إليها في حياته.

-تعلم عقلي:

ويهدف إلى تمكين الفرد من استخدام الأساليب العلمية في التفكير سواء في مجال المشكلات أو في مجال الحكم على الأشياء.

-تعلم انفعالي وجداني:

ويهدف إلى إكساب الفرد الاتجاهات والقدرة على ضبط النفس في بعض المواقف الانفعالية.

-تعلم لفظي:

ويهدف إلى إكساب الفرد العادات المتعلقة بالناحية اللفظية كالقراءة الصحيحة لمقال معين، أو نص قصير، أو أبيات شعر من قصيدة معينة، أو حفظ الأعداد والمعاني.

 

 

 

- تعلم اجتماعي وأخلاقي:

ويهدف إلى إكساب الفرد العادات الاجتماعية المقبولة في مجتمعه، وتعلم النواحي الخلقية، كاحترام القانون، واحترام كبار السن، والدقة في المواعيد، والتعاون مع الآخرين.

أما من حيث السهولة والتعقيد فإن التعلم يصنف في نوعين هما:

-التعلم بطريقة آلية غير شعورية:

 ويطلق عليه التعلم البسيط، ويحدث هذا النوع من التعلم بطريقة غير هادفة أو مقصودة، كخوف الطفل من الفأر نتيجة لاقتران الفأر بشيء مؤلم أو صوت مزعج، أو خوفه من الطبيب نتيجة اقتران الطبيب بالإبرة والخوف منها.

-التعلم المقصود:

 ويطلق عليه التعلم المعقد وهذا النوع من التعلم يتطلب من الفرد القيام بالجهد والفهم والتدريب والانتباه، واستخدام بعض وسائل الإيضاح، سواء أكان حركيا أو عقليا كلعبة الشطرنج أو قيادة السيارة أو السباحة أو ركوب الدراجة.

ومن خلال ما تقدم يمكن تعريف التعلم تعريفا بسيطا بأنه تعديل للسلوك من خلال الخبرة، وقد أشار جيتس Gates  أن التعلم هو عملية اكتساب الوسائل المساعدة على إشباع الحاجات والدوافع، وتحقيق الأهداف، وهو هو كثيرا ما يتخذ صورة حل المشكلات، ومعنى ذلك أن الشخص يتعلم في الغالب إن كان لديه هدف واضح يتجه إليه بنشاطه، فيسخر ما عنده من استعدادات في اكتساب الوسائل التي تساعده على الوصول إلى هذا الهدف وحل الموقف (المشكل).

إن تعريف جيتس Gates  يبين أن الموقف التعليمي يكون نتيجة لدافع معين، لكن توجد في حقيقة الأمر بعض المواقف التعليمية يتعلمها الإنسان بدون قصد.

ويرى جيلفورد Guilford  أن التعلم ما هو إلا تغيير في السلوك ناتج لاستثارة معينة، وقد يكون نتيجة لأثر منبهات بسيطة، وقد يكون نتيجة لمواقف معقدة.

وعموما نجد أن تعريف جيلفورد Guilford  شامل أكثر مما يجب، فأحيانا تحدث مثيرات فجائية، لكن لا يتعلم منها الإنسان، فمثلا إغلاق الإنسان لعينه نتيجة لضوء قوي، أو سحب الفرد يده نتيجة لوجود شيء ساخن.

وبشكل عام فإنه يمكن تعريف التعلم على أنه “تعديل ثابت نسبيا في السلوك ناتج عن الممارسة”

وفي المراحل الأولى تعلم مهارة معينة تكون استجابات الفرد مشتتة غير منتظمة يعوزها التناسق والانتظام وعن طريق التدريب الصحيح تتناقص الاستجابات غير الضرورية وتحذف الاستجابات غير المنتظمة حتى يقوم الفرد بالمهارة في يسر وسهولة، ويحدث التعلم أيضا عندما تتضح جزئيات الموقف الذي لم يفهمه الفرد من قبل إلا بصورة عامة… ويركز هذا التعريف على التعلم المقصود الهادف، على أن من المعروف أن الفرد قد يتعلم شيئا لم يقصد تعلمه، يقول ديوي في كتابه الخبرة والتربية “لعل من أكثر الآراء التربوية سخافة الرأي القائل إن الشخص لا يتعلم إلا ما يحصل وقت الدرس، بل إن ما يتصل بدروس الهجاء أو الجغرافيا أو التاريخ من معلومات تتفرع منها وتكملها، وتؤدي إلى تكوين الاتجاهات النفسية، وتحديد ما يحبه الإنسان وما يكرهه، قد يكون بل كثيرا ما يكون أكثر أهمية من هذه الدروس نفسها، لأن هذه الاتجاهات النفسية هي الأسس التي سوف يكون لها شأن في المستقبل، وأهم اتجاه نفسي يمكن تكوينه هو الرغبة في متابعة التعلم. 

مفهوم التعليم:

للتعليم معاني كثيرة تختلف باختلاف قائلها وفلسفته التربوية ومحور اهتمامه. فمن المربين من يركز جل اهتمامه على المعارف والمعلومات التي يحاول المدرس أن يوصلها لتلاميذه، في حين يعني البعض الآخر بنمو شخصية المتعلمين ويهتم فريق ثالث بمخرجات التعلم، كما تنعكس في سلوك الأطفال عقليا/معرفيا ووجدانيا ونفسحركيا.

وفيما يلي مجموعة من التعريفات لمفهوم التعليم يعكس كل واحد منها فلسفة تربوية معينة:

-التعليم عملية نقل المعارف والمعلومات من المعلم إلى المتعلم في موقف يكون فيه للمدرس والدور الأكثر تأثيرا، في حين يقتصر دور التلميذ على الإصغاء والحفظ والتسميع. وتخدم الطرق الإلقائية مثل المحاضرة والشرح والوصف والتفسير هذا المفهوم للتعليم.

-التعليم عملية تسهيل تفاعل المتعلم مع بيئته بهدف تحقيق النمو المعرفي، وذلك من خلال ما يقوم به من بحث وتحليل وتركيب وقياس واكتشاف.

يدخل ضمن هذا التعريف ما يسمى بمعالجة المعلومات، وهي عملية تتطلب دورا نشطا إيجابيا من قبل المتعلم الذي يحول ما يكتسبه من معلومات إلى مفاهيم ومدركات تدخل نطاق السكيمات والتنظيم المعرفي القائم، وذلك من خلال عمليات التمثيل والتوفيق والاستدماج.

  ودور المعلم في ظل هذا التعريف هو تهيئة البيئة التي تساعد الطفل الاكتشاف وتوجيه نشاطه العقلي بحيث يحقق الهدف الأساسي المتمثل في نمو الذكاء.

-التعليم عملية غرضها الأساسي مساعدة الطفل على تحقيق ذاته ونمو شخصيته وتلبية حاجاته النفسية ومطالب نموه. وكما في التعريف السابق، يكون دور المتعلم إيجابيا وفعالا، في حين يقوم المعلم بدور الأب و الأخ الأكبر الموجه والمرشد والمساعد على النمو بما يوفره من مناخ نفسي يساعد على الانطلاق والتعبير عن الذات ومواجهة مواقف الإحباط وتحمل المسؤولية والشعور بالنجاح وتكوين مفهوم ذات إيجابي.

-التعليم عملية هدفها مساعدة الطفل على تحقيق النمو الاجتماعي ومواجهة مطالب الحياة في جماعة. وهذا يتطلب من المعلم أن يقوم بدور توجيهي لمساعدة الأطفال على الاندماج في جماعة واكتساب الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية، وتسليط الضوء على المشكلات الاجتماعية للمساهمة في إيجاد الحلول المناسبة لها بمشاركة المتعلمين الفعالة.

والملاحظ أن التعريف الأول أقرب ما يكون إلى المفهوم التقليدي لعملية التعليم في حين أن التعريف الثاني ركز على النواحي العقلية. ويدور التعريف الثالث حول حاجات ومطالب النمو، في حين تستهدف عملية التعليم في التعريف الرابع النمو الاجتماعي للطفل وتفاعله مع البيئة المحيطة به. ومهما يكن من أمر فإن تركيز عملية التعليم حول الطفل-حاجاته وطبيعته ومطالب نموه- أصبح من المسلمات في ممارستنا التربوية. فإذا أخذنا بالاعتبار أن الغاية أو الغرض الأساسي من التعليم تحقيق النمو الشامل والمتكامل للطفل فإن مفهومنا يجمع بين التعريفات الثلاثة الأخيرة.

مفهوم الإستراتيجية:

يقصد بالإستراتيجية المنحى والخطة والإجراءات والمناورات (التكتيكات) والطريقة والأساليب التي يتبعها المعلم للوصول إلى مخرجات أو نواتج تعلم محددة منها ما هو عقلي/معرفي أو ذاتي/نفسي أو اجتماعي أو نفسي/حركي أو مجرد الحصول على معلومات.

وعملية التعليم تتضمن جميع هذه الأهداف، إلا أن التأكيد على بعضها دون غيرها مسألة بالأساس فلسفية، ففي حين تؤكد التربية على التنمية الشاملة والمتكاملة، وتسعى إلى توفير المناخ والأنشطة التي تنمي التفكير ومهارات التعبير الحركي واللغوي والانفعالي وفرص التفاعل الاجتماعي، تركز مراحل التعليم على الجوانب العقلية/المعرفية بشكل خاص.

ولابد من تحديد الأهداف التعليمية أولا إذ عليها تتوقف عملية اختيار الاستراتيجيات المناسبة للخروج بنواتج تعلم معينة، على سبيل المثال، فإن المعلم الذي يؤمن بأن الهدف من التدريس ينحصر في تزويد التلاميذ بأكبر كم من المعلومات سيختار الإستراتيجية التي تضمن وصول المعلومات بأقصر الطرق وأسرعها ألا وهي الإلقاء، ومن تكتيكاتها المحاضرة والشرح والتفسير والوصف. أما إذا كان يهدف إلى تنمية عقل الطفل وتفكيره فإنه سيؤكد على إستراتيجية معالجة المعلومات للتوصل إلى استنتاجات ومفاهيم وتفكير منطقي من خلال تحليل المعلومات وإيجاد العلاقات بينها وإعادة تنظيمها أو تركيبها بالشكل الذي يؤدي إلى المزيد من التعلم. ويكون دور المتعلم في هذا الموقف فعالا وإيجابيا، في حين بقوم المعلم بتوجيه نشاط المتعلمين العقلي مستخدما أسلوب الحوار والتساؤل، ويعد البيئة التعليمية بأدواتها وإمكاناتها بما يسمح بالاكتشاف ويعزز ويشجع ويساعد لتحقيق الأهداف المحددة.

وهكذا بالنسبة للمخرجات الاجتماعية، فإن أنسب إستراتيجية ما كان منها يتيح الفرصة للأطفال للتفاعل فيما بينهم والمشاركة في الحياة الاجتماعية من حوله، ويوفر جوا من التعاون والمشاركة في الأنشطة الجماعية مثل الرحلات ومشروعات البيئة والألعاب بأنواعها.

أما إذا كانت المخرجات المحددة نفسية ذاتية فإن إستراتيجية المعلم ينبغي أن تؤدي إلى تكوين وتنمية مفهوم إيجابي عن الذات من خلال إحساس المتعلمين بأهميتهم كأفراد، والعمل على تحقيق مطالب نموهم وتلبية حاجاتهم وإتاحة الفرصة لهم لتحمل المسؤولية والمشاركة الفعالة في الأنشطة التعليمية التي تتناسب وقدراتهم.

التعليمية:

اعتبرت التعليمية ولا زالت كفن التدريس، وهذا المفهوم يحمل في طياته كثير من المعاني والأفكار والتصورات التي نحاول تلخيصها فيما يلي:

ليست التعليمية طريقة أو منهج واحد وموحد للتدريس ولكن له طرق خاصة تابعة لصاحبها ويعني هذا أن لكل معلم أسلوبه الخاص في تأديته للعمل التعليمي شريطة أن يكون هذا العمل مكلل بالنجاح يعني أن هذا “الفن التعليمي” يكون معترف به من خلال نتائجه لدى التلميذ وتأثيره العميق والمثمر على تفكيره وسلوكه.

تكاد أن تبنى التعليمية على قدراتها للبروز بعلاقة تربوية ناجحة بين المعلم والتلميذ بفضل وسائل مدروسة وليس -كما هو منتظر منها عادة- قواعد منطقية ومقننة متعلقة أساسا بتلقين المعارف للنشئ الصاعد ونشير في هذا الصدد ما هي أهمية الجانب اللامنطقي واللاشعوري في العلاقة التربوية كما هو عادي في كل الفنون التي يلعب فيها الجانب العاطفي والمحسوس دورا حاسما.

فيحتمل أن تكون للتعليمية كفن-عند بعض الاختصاصيين-طرق ووسائل خاصة لتلقين المعارف أو المعلومات والتي ينصح استعمالها لنجاح عملية التدريس حسب المنوال التالي:

-خلق لدى التلميذ حاجة ماسة للتعلم بفضل حوافز مختلفة وجذابة.

-ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات القديمة أو السابقة.

-الاطلاع على الجديد والتعمق فيه.

-استيعاب الجديد عن طريق التكرار والاستظهار.

-استعمال الجديد في أعمال تطبيقية متنوعة.

-فتح مجالات متعددة وفرص مختلفة لاسترجاع ما هو محفوظ.

رغم استعمال هذه التقنيات كلها تبقى التعليمية كفن مرهونة بشخصية المعلم وبالكيفية التي يطبق بها المعلومات وباختيار الوقت المناسب لاستعمالها.

تطور مفهوم التعليمية:

لابد من الإشارة إلى أننا نجد في اللغة العربية عدة مصطلحات مقابلة للمصطلح الأجنبي الواحد، ولعل ذلك يرجع إلى تعدد مناهل الترجمة، وكذلك إلى ظاهرة الترادف في اللغة العربية، وحتى في لغة المصطلح الأصلية، إذ ترجم إلى لغة أخرى نقل الترادف إليها من ذلك: تعدد المصطلحات المستقاة من الإنجليزية في شقيها البريطاني و الأمريكي، و الشواهد على هذه الظاهرة كثيرة في العربية سواء تعلق الأمر بالإنجليزية أم بالفرنسية وهما اللغتان اللتان يأخذ منهما الفكر العبي المعاصر على تنوع خطاباته و المعارف المتعلقة به، منها مصطلحDidactique  الذي تقابله في اللغة العربية عدة ألفاظ و هي : تعليمية ، تعليميات، علم التدريس، علم التعليم، التدريسية، الديداكتيك. تتفاوت هذه المصطلحات في الاستعمال ففي الوقت الذي اختار بعض الباحثين استعمال “ديدلكتيك” تجنبا لأي لبس في مفهوم المصطلح ، نجد باحثين آخرين يستعملون علم التدريس و علم التعليم و باحثين آخرين لكنهم قلائل يستعملون مصطلح تعليميات ، أما مصطلح تدريسية فهو استعمال عراقي غير شائع .

كلمة تعليمية Didactique اصطلاح قديم جديد ، قديم حيث استخدم في الأدبيات التربوية منذ بداية القرن 17، و هو جديد بالنظر إلى الدلالات التي ما انفك يكتسبها حتى و فتنا الراهن ، وفيما سيأتي نحاول تتبع التطور التاريخي لهذا المصطلح بداية من الاشتقاق اللغوي وصولا إلى الاستخدام الاصطلاحي.

يقول الأستاذ حنفي بن عيسى، كلمة تعليمية في اللغة العربية مصدر لكلمة “تعليم” و هذه الأخيرة مشتقة من علّم أي وضع علامة أو سمة من السمات للدلالة على الشيء دون إحضاره. أما في اللغة الفرنسية فإن كلمة ديداكتيك صفة اشتقت من الأصل اليوناني Didaktikos و تعني فلنتعلم أي يعلم بعضنا بعضا، أو أتعلم منك و أعلمك و كلمة Didactiko تعني أتعلم و Didaskein تعني التعليم، وقد استخدمت هذه الكلمة في علم التربية أول مرة سنة 1613 من قبل كل من كشوف هيلنج(K.helwing) و رتيش والف كانج(Ratich wulf gang)  في بحثهما حول نشاطات راتيش التعليمية ، و قد استخدموا هذا المصطلح كمرادف  لفن التعليم، و كانت تعني عندهم نوعا من المعارف التطبيقية و الخبرات ، كما استخدمه كومنيسكي (Kamenski)  سنة 1657 في كتابه “الديداكتيكا الكبرى” حيث يقول أنه يعرفنا بالفن العام لتعليم الجميع مختلف المواد التعليمية، ويضيف بأنها ليست فقط فن التعليم بل للتربية أيضا.

واستمر مفهوم التعليمية كفن للتعليم إلى أوائل القرن 19 حيث ظهر الفيلسوف الألماني فردريك هيربارت، الذي وضع الأسس العلمية للتعليمية كنظرية للتعليم تستهدف تربية الفرد، فهي نظرية تخص النشاطات المتعلقة بالتعليم فقط، أي كل ما يقوم به المعلم من نشاط، فاهتم بذلك الهربرتيون بصورة أساسية بالأساليب الضرورية لتزويد المتعلمين بالمعارف، واعتبروا الوظيفة الأساسية للتعليمية هي تحليل نشاطات المعلم في المدرسة.

وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر تيار التربية الجديدة بزعامة جون ديوي (Dewey)  وقد أكد هذا التيار على أهمية النشاط الحي والفعال للمتعلم في العملية التعليمية، واعتبروا التعليمية نظرية للتعلم لا للتعليم.

الديداكتيك اشتق من البيداغوجيا موضوعه التدريس وقد استخدمه لالاند (Laland)  كمرادف للبداغوجيا أو للتعليم.

كما أن الديداكتيك علم تطبيقي موضوعه تحضير وتجريب استراتيجيات بيداغوجية لتسهيل إنجاز المشاريع، فهي علم تطبيقي يهدف لتحقيق هدف عملي لا يتم إلا بالاستعانة بالعوم الأخرى كالسوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والابستيمولوجيا، فهي علم إنساني مطبق موضوعه إعداد وتجريب وتقديم وتصحيح الاستراتيجيات البيداغوجية التي تتيح بلوغ الأهداف العامة والنوعية للأنظمة التربوية.

فالديداكتيك نهج أو أسلوب معين لتحليل الظواهر التعليمية، فهو الدراسة العلمية لتنظيم وضعيات التعلم التي يعيشها المتربي لبلوغ هدف عقلي أو وجداني أو حركي، كما تصب الدراسات الديداكتيكية على الوضعيات العلمية التي يلعب فيها المتعلم الدور الأساسي، بمعنى أن دور المدرس هو تسهيل عملية تعلم التلميذ، بتصنيــــــــف المادة التعليمية بما يلائم حاجات المتعلم وتحديد الطريقة الملائمة لتعلمه مع تحضير الأدوات المساعدة على هذا التعلم، وهذه العملية ليست بالسهلة، إذ تتطلب مصادر معرفية متنوعة كالسيكولوجيا لمعرفة الطفل وحاجاته، والبيداغوجيا لاختيار الطرق الملائمة، وينبغي أن يقود هذا إلى تحقيق أهداف على مستوى السلوك، أي أن تتجلى نتائج التعلم على مستوى المعارف العقلية التي يكتسبها المتعلم وعلى مستوى المهارات الحسية التي تتجلى في الفنون والرياضيات وعلى المستوى الوجداني.

كما يمكننا أن نقول أن الديداكتيك علم ينشئ نماذج ونظريات حول التدريس قصد تفسير ظواهره والتنبوء بها.

نستخلص من هذه التعاريف أن الديداكتيك تهتم بكل ما هو تعليمي تعلمي، أي كيف يعلم الأستاذ مع التركيز على كيف يتعلم التلميذ، ودراسة كيفية تسهيل عملية التعلم وجعلها ممكنة لأكبر فئة، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة لفة التلاميذ ذوي صعوبات في التعليم، وبالتالي فهي دراسة التفاعل التعليمي التعلمي.

يمكن لنا أن نستعين بشكل وضعه رونييه ريشتريش (René Richterich)  لفسير العملية التعليمية، إذ يقول أنها عملية تفاعلية من خلال: متعلمون في علاقة مع معلم لكي يتعلموا محتويات داخل لإطار مؤسسة من أجل تحقيق أهداف عن طريق أنشطة وبمساعدة وسائل تمكن من بلوغ النتائج.

فالتعليمية بهذا تقنية شائعة، تعني تحديد طريقة ملائمة أو مناسبة للإقناع أو لإيصال المعرفة.

تعريف المنهاج:

تعريف المفهوم التقليدي للمنهاج لغة:

ومن خلال استعراض معنى المنهاج في بعض القواميس العربية (لسان العرب، القاموس المحيط، المعجم الوسيط) نجد أنها مأخوذة من (نهج) ومنهاج بمعنى: الطريق الواضح. وجاء في منجد اللغة والإعلام كلمة نهج، ونهج الرجل نهجا، بمعنى انبهر، ومنه أنهج فلانا، بمعنى ينهج، أي يلهث، وكذلك نهج الأمر بمعنى أبانه، وأوضحه، والطريق سلكه، ومنه أنهج الطريق أو الأمر، بمعنى أوضح واستبان، ومنه أيضا انتهج الرجل بمعنى سلك، وقيل طلب النهج أي الطريق الواضح ومنه المنهج، والمنهج والمنهاج يفيد بمعنى الطريق الواضح ومنه منهج ومنهاج التعليم أو الدروس. وقد وردت في القرآن الكريم في سورة المائدة الآية 48 “لكل جعلنا شرعة ومنهاجا” بمعنى الطريق الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض.

وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما قوله: “لم يمت رسول الله (ص) حتى ترككم على طرق ناهجة” أي طريق واضحة. إن كلمة منهاج الواردة في الآية الكريمة، وفي قول ابن عباس رضي الله عنه تعني الطريق الواضح، وناهجة تعني واضحة.

أما في الإغريقية فتعني الطريقة التي ينهجها الفرد حتى يصل إلى هدف معين. وفي الإنجليزية تقابل كلمة منهاج (Curriculum)  ، وهي كلمة مشتقة من جذر لاتيني ومعناها مضمار سباق الخيل. وهناك كلمة أخرى تستعمل أحيانا مرادفة لكلمة منهاج أحيانا تستعمل بمعنى خاص وهي كلمة “المقرر” وتقابل هذه الكلمة بالإنجليزية كلمة Syllabus ، ويقصد بهذه الكلمة في العربية وبالإنجليزية المعرفة التي يطلب من الطلبة تعلمها في كل موضوع خلال سنة دراسية.

إذا كانت كلمة “المقرر” تعني كم المعرفة، فماذا تعني كلمة “المنهاج”؟ إنها تعني “كم المعرفة” المسمى أحيانا بالمحتوى، وتعني الأنشطة التعليمية التعلمية التي ستوصل هذا المحتوى إلى المتعلم، وتعني التقويم، وأخيرا الأهداف المتوخاة من تعلم هذا المحتوى، بالإضافة إلى المعلم والمتعلم والظروف المحيطة بهما، نلاحظ أن المنهاج مفهوم واسع جدا  يتسع حتى يكاد أن يشتمل على كل ما تحتويه التربية، بعكس “المقرر” المشتمل على عنصر واحد من عناصر المنهاج ألا وهو كم المعرفة أو المحتوى.

ويفضل البعض في الحقل التربوي استخدام كلمة منهج لتدل على منهجية التفكير والحصول على المعرفة، بينما يستعمل كلمة منهاج للدلالة على الوثيقة التربوية.

تعريف المنهاج اصطلاحا:

أما اصطلاحا فإن المهتمين بحقل التربية يخلفون فيما بينهم، كل حسب مدرسته الفكرية التربوية، أو حسب اتجاهاتهم الدينية، أو القومية، أو المعرفية، ويمكن إجمال أسباب الاختلاف، وبالتالي صعوبة الوصول إلى تعريف موحد إلى الأمور التالية:

-اختلاف الآراء التربوية ومدارسها عبر العصور وباختلاف الأمم.

-التطور الذي لحق مفهوم المنهج بمرور الزمن، شأنه في ذلك شأن معظم العلوم والفنون وكان نتيجة لهذين السببين ظهور عدة مفاهيم للمنهج لعل أوضحها الفرق بين المنهج التقليدي، والمنهج الحديث.

-صعوبة التفريق بين المنهج عند تخطيطه، والمنهج عند تطبيقه.

فالمنهج على مستوى التخطيط هو وثيقة مكتوبة تشتمل عناصر المنهج الأساسية (الأهداف، والمحتوى، وطرق التدريس والتقويم).

فالمنهاج هو مجموعة من المواد الدراسية وموضوعاتها التي يتعلمها التلاميذ، وهذا هو المفهوم التقليدي للمنهج، حيث فهمه الدارسون على أنه الكتاب المدرسي.

وهو عبارة عن مجموعة حقائق ومعلومات ومفاهيم منظمة بشكل جيد، بحيث يسهل فهمها وتعلمها. وهذا أيضا مرتبط بالمفهوم الأول، حيث يركزان على المحتوى الدراسي.

أما جونسون فيعرفه على أنه “سلسلة منظمة ومتتابعة من المهارات التي سيتعلمها التلميذ”. وهذا مفهوم قريب من تحليل المهمات الذي أكد عليه العالم الأمريكي (سكنر)، ويتفق أيضا مع المربي الأمريكي (جيمس ميكدانلد) الذي يعتبر المنهج خطة مكتوبة جاهزة للتنفيذ (التدريس).

كما أن المنهج هو مجموعة من الأساليب التقليدية العامة متمثلة في تعليم التلميذ الأساسيات العامة في : الرياضيات، والكتابة، والقراءة، والمنطق، وقواعد اللغة، وكتابات الأديان العظام.

كما أن هناك من يعرفه على أنه تفاعل دائم ونشط بين البشر من جهة (مدرسين، وإداريين، وتلاميذ، وعلماء نفس)، وبين الأشياء الأخرى من معلومات ووسائل تعليمية، وطرق تدريس، وتجهيزات مادية من جهة أخرى.

وهو نظام محدد المعالم له مدخلاته (التلاميذ والمواد الدراسية). وله عمليات (طرق التدريس)، وله مخرجاته (معارف ومهارات متعلمة).

وهذا المفهوم جاء نتيجة للتطورات التقنية، وتطور نظريات التعلم، وهو يمثل وجهة نظر السلوكيين وعلى رأسهم سكنر أبو تكنولوجيا التعليم، والتعليم المبرمج.

كما أن المنهج هو عبارة عن خبرة تربوية متنوعة المجالات. 

ويعرفه بينيه: “هو بيان مفصل عن العلوم التي تلقى في المدرسة، وهو الذي يشغل الآراء بالدرجة الأولى تضعه السلطة العامة، ولكن كلما كانت هناك أسباب سياسية واقتصادية أو غير ذلك اتجهت إليه الأنظار وارتفعت الأصوات بتعديله”.

يشير بينيه في هذا التعريف إلى نقطتين أساسيتين أولهما العلوم والمعارف وما تحمله من نظريات، وقوانين، وقواعد علمية، وثانيها الأفكار والآراء الفلسفية وما تحمله من مبادئ فلسفية وقيم أخلاقية اجتماعية.

وقد أهمل هذا التعريف الظروف التي يطبق بها البرنامج وكذلك بالنسبة للوسائل التي تساعد على إنجازه، ولم يشير هذا التعريف إلى المتعلم لا من قريب ولا من بعيد وهو عنصر مهم في العملية التربوية، لذا يتطلب أثناء بناء المنهاج أخذ بعين الاعتبار خصائص نمو الطفل والمراهق.

ويعرف البرنامج كانساس بقوله: “هو ما يحدث للأطفال في المدرسة نتيجة لما يفعله المعلمون”.

هذا التعريف يشير إلى التغيرات التي تحدث للتلميذ في المدرسة، ومجمل هذه التغيرات التي تحدث من خلال الأثر الذي يتركه المحتوى في التلميذ، ولم يشير هذا التعريف إلى الأهداف والطرق التربوية والتقويم التربوي والخبرات.

ويعرفه عبد اللطيف فؤاد إبراهيم حيث يقول: “مفهوم المنهج الدراسي غالبا ما يعني المواد الدراسية”.

ركز هذا التعريف على المادة الدراسية وأهمل الجوانب الأخرى من المنهاج كالأهداف والطرق التربوية والخبرات، والمحتوى والتقويم، ويعرفه بيونشامب بأنه: “تشكيل الجماعة للخبرات المرئية داخل المدرسة”.

ركز هذا التعريف على الخبرة، ولم يوضح دور الأهداف والمحتوى والطرق والتقويم.

تعريف المنهج:

تعريف نيجلي و ايفان (Neagly & Evans) : “كل الخبرات المرسومة والمخطط لها مما تقدمه المدرسة لطلابها لكي يحققوا النتائج المرجوة مستغلين أقصى ما لديهم من قدرات”.

تعريف هاريست (Hirsts) : “برامج الأنشطة الموضوعة لكي تساعد الطلاب على تحقيق أقصى ما يستطيعون من الأهداف والغايات”.

ويعني المنهاج المدرسي في مفهومه التقليدي مجموع المعلومات والحقائق والمفاهيم والأفكار التي يدرسها الطلبة في صورة مواد دراسية، اصطلح على تسميتها بالمقررات المدرسية.

وقد جاء هذا المفهوم كنتيجة طبيعية لنظرة المدرسة التقليدية إلى وظيفة المدرسة، حيث كانت ترى أن هذه الوظيفة تنحصر في تقديم ألوان من المعرفة إلى الطلبة، ثم التأكد عن طريق الاختبارات، ولا سيما التسميع، من حسن استيعابهم لها. ولعل السبب الرئيس في تشكيل تلك النظرة الضيقة لوظيفة المدرسة يعود إلى تقديس المعرفة باعتبارها حصيلة التراث الثقافي الثمين الذي ورثه الجيل الحاضر عن الأجيال السابقة، والذي لا يجوز إهماله أو التقليل من قيمته بأي حال من الأحوال.وقد جرت العادة على تنظيم المادة الدراسية (المعارف، والمعلومات، والحقائق، والإجراءات) في موضوعات، وتوزيع تلك الموضوعات على السنوات الدراسية للمراحل التعليمية المختلفة، وكان يطلق على المواد الدراسية التي تدرس في سنة دراسية معينة المقررات الدراسية. وقد ساعد عمل الكتب ما يدرسه الطلبة في كل صف دراسي، بل وفي كل مادة تحديدا واضحا، وأصبحت الكتب هي المصدر الوحيد الذي يتلقى منه الطلبة علومهم.

أما مهمة إعداد المنهاج في مفهومه التقليدي، أو إدخال تعديلات عليه، فقد كانت تناط بلجان من المتخصصين بالمواد الدراسية، أو بلجان معظم أعضائها من هؤلاء المتخصصين، وكان المسؤولون في جهاز التعليم يشددون على ضرورة التقيد التام بالموضوعات التي يتم تحديدها من قبل اللجان، وعلى عدم جواز إدخال أي تغيير أو تعديل فيها تحت أي ظرف من الظروف، على أساس أن إتقان دراسة هذه الموضوعات واستظهار ما بها من معارف ومعلومات، يمثل الهدف الأسمى والغاية المتوخاة.

وهذا الفهم القاصر للمنهاج كان يمثل اتجاها عاما متفقا عليه، ومستعملا في العمليات التربوية حتى وقت قريب، بل وإلى وقتنا الحاضر في كثير من البلدان، وبخاصة تلك التي لم تنل حظا كافيا من الرقي والتقدم، ولم تتح لها الفرصة للإفادة من الدراسات التربوية والنفسية التي شملت مختلف ميادين العملية التربوية.

 

 

والنقد الموجه للمنهاج التقليدي:

-التركيز على المواد الدراسية المنفصلة، انطلاقا من نظرية الملكات العقلية والتي تؤكد على أن كل مادة دراسية تدرب ملكة عقلية محددة، وبذلك يجب أن تكون منفصلة عن غيرها.

-اهتم المنهج التقليدي بالجانب العقلي للتلميذ، من خلال حفظه لمجموعة المعارف والمفاهيم، وأهمل الجوانب الأخرى.

-ركزت المواد الدراسية على جانب الحفظ والتلقين وأغفلت النشاطات التي تؤدي إلى الخبرات.

-يقوم بوضع المنهج، الذي يعني المحتوى فقط، مجموعة من المختصين بالمواد الدراسية، دون أخذ لوجهة نظر المعلم، والتلميذ، وأولياء الأمور، الذين يعتبرون ركنا هاما من أركان العملية التربوية وهم بذلك يهملون جانب الفروق الفردية بين التلاميذ.

-نتيجة للتركيز على المادة الدراسية. فإن المنهج القديم أهمل كل نشاط يتم خارج حجرة الدرس، وأهمل طرق التفكير العلمي، وأهمل تنمية الاتجاهات والميول الإيجابية، وأعتبر النجاح في الامتحانات التي يعقدها المعلم والتي تركز على حفظ المادة هي الأساس، وبذلك أهمل اعتماد الطالب على نفسه وميله إلى الاعتماد على المدرس في شرح المادة وتبسيطها وبالتالي حفظها، وجعل التلاميذ يميلون إلى تلخيص المواد الدراسية حتى يسهل حفظها، وهذا يؤدي إلى طمس روح التفكير العلمي والابتكار.

-اعتمد المعلم على طريقة واحدة في التدريس، وهي التلقين والتحفيظ، وفي هذا تحجيم لدور المعلم الموجه والمرشد، والمخطط للبرامج.

-اعتبار نجاح الطلاب في المواد الدراسية، أساس لنجاح المعلم، وفي هذا إغماض لدور المعلم، وإغماض للفروق الفردية بين التلاميذ.

-كثرة المواد الدراسية وضخامة مادتها، حتى أن الدارسين من الجيل السابق يفتخرون بأنهم حفظوا قصائد الشعراء العظام في المرحلة الابتدائية، أو حفظوا القرآن الكريم ولم يبلغ سنهم العاشرة، وأن فشل الطالب في أي ناحية من نوحي حياته ما هو إلا نتيجة فشله في حفظ دروسه.

-وهذا المنهج يغفل استخدام الوسائل التعليمية.

المنهاج حديثا:

 تطور مفهوم المنهاج القديم كثيرا، ولعل يعود ذلك إلى الأسباب التالية:

-كثرة الانتقادات الموجهة للمنهج التقليدي.

-التطورات في القيم والعادات الاجتماعية، وبالتالي أدت إلى تغيرات في أساليب وطرق حياة المجتمعات.

-نتيجة لذلك حدث تغير في أهداف التربية وفلسفتها، ودور ووظيفة المدرسة، وبالتالي لابد من نظرة جديدة للمنهج.

-أظهرت بعض البحوث التربوية الميدانية جوانب القصور في المنهج التقليدي، والذي لم يعد يصلح للمجتمعات الحديثة.

-نتائج الدراسات النفسية المتعلقة بالمتعلم، والتي أكدت على إيجابية المتعلم ومشاركته النشطة في عملية التعلم، وأنه ليس متلقيا سلبيا كما كان سائدا، وشمولية جوانب شخصية المتعلم: العقلي، والجسمي، والانفعالي، والاجتماعي.

-طبيعة المنهج التربوي المتغيرة والمتأثرة بالتغيرات التي تحدث في المجتمع، ونتيجة لكل التغيرات السابقة طال المنهج تغير نوعي.

المنهاج التربوي الحديث هو جميع الخبرات (النشاطات أو الممارسات) المخططة التي توفرها المدرسة لمساعدة الطلبة على تحقيق النتاجات التعليمية المنشودة إلى أفضل ما تستطيعه قدراتهم. وهو كل دراسة أو نشاط أو خبرة يكتسبها أو يقوم بها المتعلم تحت إشراف المدرسة وتوجيهها سواء أداخل الصف كان أم خارجه. وهو جميع أنواع النشاطات التي يقوم الطلبة بها، أو جميع الخبرات التي يمرون فيها تحت إشراف المدرسة وبتوجيه منها سواء أداخل أبنية المدرسة كان أم خارجها. كما أن المنهاج مجموعة من الخبرات المربية التي تهيؤها المدرسة للطلبة تحت إشرافهم بقصد مساعدتهم على النمو الشامل وعلى التعديل في سلوكهم. كم أنه مجموع الخبرات التربوية الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية والعلمية…الخ التي تخططها المدرسة وتهيئها لطلبتها ليقوموا بتعلمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطا من السلوك، أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتجاه المرغوب، ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلم الخبرات نساعدهم في إتمام نموهم.

وفي هذا المجال يورد تومبس وتيرني 1993 (Toombs & Tierney)  تعريفا للمنهاج الحديث ويقولان أنه “اسم لكل مناحي الحياة النشطة والفعالة لكل فرد بما فيها الأهداف، والمحتوى، والأنشطة، والتقويم”.

مميزات المنهاج الحديث:

-يهتم المنهج الحديث بالمتعلم، ويثق بقدرته على المشاركة النشطة الفعالة الإيجابية.

-يؤكد على الاهتمام بجميع جوانب شخصية المتعلم، وقدرته على التعلم الذاتي.

-المدرسة في المنهج الحديث لها دور متعاون مع المؤسسات الأخرى لخدمة البيئة الاجتماعية، ولا يقتصر دورها على تلقين المواد الدراسية للطلبة بمعزل عن بيئتها والمؤسسات الأخرى مثل: المؤسسات الدينية والنوادي وغيرها.

-العلاقة بين المدرسة والبيت في مفهوم المنهج الحديث علاقة وطيدة، ولكل دوره التكميلي للآخر، وذلك من خلال تنظيم مجالس الأباء والمعلمين والزيارات المتبادلة وإشراك أولياء الأمور في بعض النشطات.

-إعداد المنهج: يشترك في إعداده فريق متكامل من المختصين بالمواد الدراسية، والمختصين في مجال علم النفس التربوي، والتلاميذ، وأولياء الأمور، والمعلمين.

-يراعى عند التخطيط للمنهج ما يلي:

*الأخذ بعين الاعتبار فلسفة المجتمع وطبيعة المتعلم وخصائص نموه.

*شموله على مختلف أنواع النشاط التي يقوم بها التلميذ تحت إشراف وتوجيه المدرسة.

*تأكيده على التعاون والعمل الجماعي.

-يساعد التلاميذ على التكيف الاجتماعي، وبذلك لا يشعر التلميذ بغربته داخل مجتمعه.

-التركيز على استخدام الوسائل التعليمية ضمن مفهوم النظام.

-التنويع في طرق التدريس التي يستخدمها المعلم، بحيث يختار الطرق الأكثر ملاءمة للمادة الدراسية والتلاميذ مراعيا الفروق الفردية بينهم.

-تغير دور المعلم بحيث لم يعد الملقن والمستخدم للعقاب البدني، بل أصبح موجها ومرشدا ومخططا للبرامج، مبتعدا عن العقاب البدني، محترما لآراء التلاميذ وأفكارهم، ومؤكدا على استعدادهم للتعلم.

-المنهج لا يعني المادة الدراسية فقط، بل تمثل المادة الدراسية جزءا من نظام المنهج.

-التقويم جزء من المنهج، ولا يركز على الاختبارات القائمة على الحفظ وحدها، ولا يعتبر الاختبارات غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لمعرفة نتاجات التعلم وليست سوطا للترسيب أو العقاب.  

بيداغوجيا:

كلمة يونانية مركبة من مقطعين الأول PED وأصله PAIS أو PAIDOS بمعنى طفل، والمقطع الآخر Agogie وأصله Ogogé  بمعنى القيادة والتوجيه (action de conduire) .

فالكلمة إذن تعني توجيه الأطفال وقيادتهم أو تربيتهم.

الدعم:

أقول دعمت الشيء دعما، إذن أسندته وأعنته، والدعامة، عمادة البيت، وادعم اتكأ على الدعامة، واستند، والدعامة، جمع دعائم.

ودعم فلان فلانا أي أعانه وقواه.

التعريف الاصطلاحي:

الدعم البيداغوجي هو مجموعة من الوسائل والتقنيات التربوية التي يمكن اتباعها داخل الفصل (في إطار أنشطة المدرسة ككل) لتلافي بعض ما قد يعترض تعلم التلاميذ من صعوبات (عدم فهم، ثغرات، تأخر) تحول دون إبراز القدرات الحقيقية، والتعبير عن الإمكانيات الفعلية الكامنة، ويشمل الدعم منطلقات الفعل التربوي مثلما يشمل سيرورته ونتائجه.

أما بيداغوجيا الدعم في نظامها الأساسي، فهي الأسلوب أو النظام التربوي الذي ينبغي أن يعتمد لإسعاف المتأخرين دراسيا، ومساندتهم، لجعلهم يسايرون أقرانهم في مستوى التحصيل أو يقتربون من مستواهم على الأقل.

التحديد الإجرائي:

الدعم البيداغوجي يعني اكتشاف التعثر الدراسي، تشخيص أسبابه، ثم تصحيحه، من أجل تقليص الفارق بين الهدف المنشود في فعل التعليم والتعلم، والنتيجة المحققة.  

 مفهوم التكوين:

فقد عرفه فاخر عاقل في معجم علم النفس: “بأنه يدل على مجموعة العوامل الوراثية التي تحدد النمو المقبل للفرد، أو يدل على هذه العوامل الوراثية مضافا إليها مكتساباته السابقة التي تحدد سلوكه”

إن هذا التعريف رغم تفسيره للتكوين من الناحية العضوية إلا أنه يبين لنا عناصر التكوين التي تعد بمثابة مجموعة عوامل موروثة إلى جانب العوامل المكتسبة.

وقد يؤخذ مفهوم التكوين مأخذ مفهوم التدريب في كثير من الأحيان. لذا فإن عبدالرحمان عيسوي في تعريفه يرى أن المقصود بالتدريب المهني نوع من التعلم واكتساب المهارات والخبرات والمعارف المختلفة المتعلقة بمهنة معينة.

وقد ذهب كل من بيزنار وليتار Biznord & Lietard في تعريفهما للتكوين مذهبا ثالثا، إذ اعتبراه “مجموعة النشاطات التربوية التي تتجاوز معنى التكوين المبدئي، حيث يسمح لكل شخص أن يدعم نفسه في كل الميادين على مستوى المهارات المكتسبة في الحياة العائلية أو المهنية أو الاجتماعية أو المدنية، وأن يكتسب أيضا أكبر قدر ممكن من الاستقلال الجسمي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي بقدر استطاعته”.

ويتفق بيزنار Biznord مع كل من ريمون فاتي Raymand Vatier  والفيلسوف التربوي دوركايم الذي يرى “أنها عملية تربوية تمثل مجهودا مستمرا لتفرض على الطفل نماذج من الرؤى والتفكير والسلوك، التي لا يمكنه أن يدركها بصفة تلقائية، إلا عن طريق المجتمع بكل عناصره والمحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه بصفة خاصة.

ومما سبق يتحدد بكل وضوح المفهوم الإجرائي للتكوين كما يلي: “أنه يعبر عن الجهود المتوازنة والمتكاملة من جميع الأطراف أو المعنيين بالتكوين، قصد مساعدة التلميذ على معرفة المحيط الذي يعيش فيه عن طريق دراسة العلوم المتخصصة والتي لها علاقة بميدان طموحاته، ومساعدته على معرفة نفسه عن طريق دراسة العلوم الإنسانية، ومختلف العلوم الأخرى.”

  

المحور الثاني : فلسفة التربية

 

ماهية الفلسفة

علاقة الفلسفة بالتربية

علاقة التربية بالعلوم الأخرى 

 

 

 

 

 

فلسفة التربية

معنى الفلسفة:

يمكن القول بصفة عامة أنه لا يوجد اتفاق حول تعريف الفلسفة أو تحديد مضمونها ومباحثها.

ولعل من أقدم التعريفات للفلسفة ذلك التعريف الذي يمتد بأصل الكلمة إلى الإغريق في معناها اللغوي “حب الحكمة”، وعلى هذا يكون الفيلسوف هو الحكيم أو محب الحكمة.

وربما كان هذا التعريف مناسبا عندما كانت الفلسفة تمثل جماع المعرفة آنذاك من طب وفلك ولاهوت وقانون وغيره.. وعلى الرغم من أن تطور العلوم والمعرفة قد أدى في النهاية إلى انفصال هذه العلوم عن الفلسفة واحدا تلو الآخر، فقد بقى تعريفها “حب الحكمة” كما هو.

التعريف المعجمي:

يورد المعجم الوسيط في تفسير كلمة فلسفة أنها “دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرا عقليا وكانت تشمل العلوم جميعا واقتصرت في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة”.

ويورد معجم التربية تعريفا للفلسفة مشابها للتعريف السابق فيقول في تعريف الفلسفة بأنها: “العلم الذي يرمي إلى تنظيم وترتيب كل مجالات المعرفة باعتبارها وسائل لفهم وتفسير الحقيقة في صورتها الكلية. وهذا العلم يشمل عادة المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ونظرية المعرفة”.

تعريف الفلاسفة:

*تعريف كونت (A. Compte)  :

“ناد الفيلسوف الفرنسي كونت بأن الفلسفة في هذا العالم الجديد للعلم تقتصر فائدتها على توضيح مفاهيم ونظريات العلم، وأن على الفلسفة أن تتخلى عن مجال الميتافيزيقا، لأن القضايا التي يتناولها هذا المجال لا تسمح بالتحليل العلمي أو التجريبي أو البرهنة”.

 *تعريف فينيكس(Phenix)

وهو من فلاسفة التربية الأمريكيين، يقول في كتابه “فلسفة التربية” : “إن الفلسفة ليست مجموعة من المعارف، ولا تؤدي دراستها إلى تجميع عدد من الحقائق، وهي ليست طريقة من طرق النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلا، وهي تتضمن تنظيم وتفسير وتوضيح،ونقد ما هو موجود بالفعل في ميدان المعرفة والخبرة، وتستعمل كمادة لها ما تتضمنه العلوم والفنون المختلفة، والدين والأدب ومن معارف، كما أنها تستعمل المفاهيم العامة العادية”.(يرى أن هناك أربع مكونات للفلسفة-الشمول، اتساع النظرة، البصيرة،التأملية-.

*تعريف كونور (O. Connor)

 هو من الفلاسفة البريطانيين المعاصرين في كتابه “مقدمة في فلسفة التربية”: “إن الفلسفة ليست نظاما من المعرفة ذات الطابع الإيجابي (أي له مضمون معرفي) كالقانون أو علم الأحياء أو التاريخ والجغرافيا، وإنما هي نشاط نقدي أو توضيحي…”.

كما يختلف الفلاسفة فيما بينهم حول تحديد مفهوم الفلسفة، ومع هذا فإنه يمكننا بصفة عامة أن نميز اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول:

يرى أن الفلسفة هي أسلوب للتفكير وطريقة للمناقشة في تناول المشكلات وتحليلها ومعالجتها. وهذا يعني أن الفلسفة ليس لها مضمون علمي يقوم على مجموعة الحقائق كما هو الحال في باقي العلوم.

الاتجاه الثاني:

 يرى أن الفلسفة هي أكثر من كونها طريقة أو أسلوب للتفكير. فهي إلى جانب ذلك لها مباحثها الخاصة وميادينها المعرفية.

مباحث الفلسفة:

*الانطولوجيا (Ontology) :

أي دراسة طبيعة الحقيقة، وتتعلق بالبحث في الوجود والكون والحياة والإنسان، ومن المرادفات الشائعة للانطولوجيا الميتافيزيقا-ما وراء الطبيعة- الإلهيات، الغيبيات.

 

 

 

*الابستمولوجيا (Epistemology) :

 أو نظرية المعرفة أي تبحث في طبيعة المعرفة، حدودها وأنواعها، وكيف نتحقق من هدف المعرفة، كما تبحث في مصادر المعرفة وأهميتها النسبية.

*الاكسيولوجيا (Anxiology) :

 تتعلق بالبحث في القيم -طبيعتها، مصادرها، أنواعها-  بمشكلات الخير والجمال، وفي القيم الجوهرية الخالدة ككرامة الإنسان، القيم الإجرائية مثل تفضيل منهج معين كالمنهج العلمي….

الاكسيولوجيا :

-علم الأخلاق(أخلاقيات الإنسان، الشر، الخير.)

  -علم الجمال، معايير الجمال، والإنسان، والبيئة.

 علاقة الفلسفة بالتربية:

التربية هي الموضوع أما علوم التربية فتعتبر المنهج أو مجموعة المناهج التي تدرس عن طريقها الموضوع، وهي كسائر ميادين المعرفة والعلوم الإنسانية ذات الصلة الوطيدة بالفلسفة على اختلاف مذاهبها ومدارسها.

فما هو الفرق بين التربية كموضوع فلسفي وبين علم التربية؟

قبل القرن 19 كانت كل القضايا المعرفية تطرح على مستوى الفلسفة حيث كانت الفلسفة أم العلوم والمعارف كالفيزياء والطب وغيرها من العلوم، وكانت من اختصاصات الفلاسفة إذ كانوا يعتقدون أن الفلسفة تجمع كل شيء.

علاقة التربية بالفلسفة:

يذهب بعض المؤلفين من بينهم جايمس روس في الأسس العامة للنظريات التربوية للقول أن هناك علاقة وطيدة بين التربية والفلسفة إذ يعتبرهما وجهان لعملة واحدة. أما نحن فنفرق بينهما على أننا معه على شدة الارتباط، بحيث إذا حاولنا دراسة التربية عند اليونانيين أو الصينيين، فإننا لا نستطيع دراسة التربية الصينية دون التعرف على فلسفة كونفوشيوس، كذلك لا نستطيع التعرف على إبراز المفكرين أمثال سقراط وأريسطو، ولا نستطيع التعرف على التربية الإسلامية دون التعرض إلى القرآن الكريم والتعرف عليه.

إن التربية تقوم على رافدين، إما على أساس عقلاني، أو على أساس الوحي والشرع ومن ثم تعتمد على الشرع ومن الأدلة التي جاء بها جايمس روس لتأكيد فكرته، هي أنه:

1-يرى أن التربية والفلسفة شيء واحد لأن التربية بدون فلسفة لا تكون، إذ أنها تستمد مفاهيمها وموضوعها أو مفهوم موضوعها من الفلسفة، بل تستمد العقيدة التربوية التي تحتويها على مجموعة المفاهيم والقيم التربوية.

2-كون التربية تختلف في مفاهيمها وقيمها باختلاف المذاهب الفلسفية.

3-كون التربية والفلسفة كلاهما تعتمد على أيديولوجية واحدة.

إن العلاقة موجودة بين التربية والفلسفة لكن هذا لا يعني أنهما وجهان لعملة واحدة، إذ أن هناك فروق كثيرة تتمثل في:

*تنطلق الفلسفة من الشك والنسبية، بينما التربية تنطلق من اليقين وتخرج عن نطاقه.

*تعالج الفلسفة الإنسان المطلق، بينما التربية تعالج الإنسان كما هو في أي زمان ومكان.

*يمكن للتربية أن تلتزم بالتربية، كما يمكن أن لا تلتزم بها.

*يمكن للتربية أن تلتزم بالديانات، وهي ليست فلسفة.

مجال الفلسفة التربوية:

أصبحت فلسفة التربية مجال اهتمام حيوي لكثير من الفلاسفة الغربيين المشهورين، فقد قدم أفلاطون وأريسطو، ولوك، وروسو، وكانت، وديوي خدمات عظيمة في هذا المجال، حتى أن ديوي قال: “يمكن وصف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية”. فالفلسفة التربوية تعمل على فهم التربية في مجموعها مفسرة إياها بواسطة مفاهيم عامة ونظريات.

علاقة التربية بعلم النفس:

إن التربية تتأثر وتؤثر في نتائج العلوم الأخرى، وسوف نقتصر عن علاقة التربية بعلم النفس عامة وبعلم نفس التربوي وعلم نفس النمو خاصة.

ونبدأ طرح السؤال التالي: ما دخل التربية بالنسبة إلى علم النفس؟

يمكن القول بأن مجال اللقاء بين التربية وعلم النفس هو الميدان. كما أن علم النفس هو دراسة الخبرة النفسية، وما تطلبه من دوافع مختلفة لكي تتبلور بشكل سلوك ، نزوع، فعادة، فشخصية.

بينما نجد التربية هي الأخرى تحاول أن تعنى بالإنسان من حيث هو ذو إمكانات فطرية نفسية جسمية وغيرها ليمكن له التكيف الأفضل مع المحيط الطبيعي، الاجتماعي…الخ، لا يستطيع التكيف إلا على أساس المساعدة الموضوعية البيئية التي تقدم له من طرف الآخرين الراشدين لكي يجنبه الأخطاء ويشجعون قدراته العقلية والحركية ويساعدونه على الخبرة التي تتبلور فيها شخصيته، فالتربية تهتم بهذه الأمور، فهي تعد الإنسان لا ليستغل ثمرات الأجداد والآباء وكل الأجيال الإنسانية بل ليساهم هو الآخر في الجهد الإنساني في البناء الحضاري بمعناه الشامل.

والمربي لا يستطيع أن يعرف حاجات المربي إلا بمعرفته. كما نجد علم النفس يحاول أن يقدم لنا معلومات صحيحة، فما هو مقدار المعلومات التي يقدمها علم النفس؟ كما أن التربية تحتاج إلى كل العلوم الإنسانية مع اختلاف في الطريقة. والتربية تعتمد على الدين بحيث تستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان من الدين، كما أنها تعتمد على الفلسفة وتستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان منها.

إن ميدان التربية هو ملتقى الطرق، الذي تصل إليه كل الروابي-روابي المعرفة- لأن التربية كالعامود الفقري، بحيث أننا نلاحظ أن كل ما له علاقة بالثقافة والحضارة له علاقة بالتربية. 

إن الاهتمام بالتربية واكبه تطور هائل في مجال علم النفس التربوي ذلك أن علم النفس التربوي يتناول الاهتمام بالفرد في المواقف التربوية.

ولقد اهتم علماء النفس التربويين بالمشكلات التربوية مثل الممارسات التربوية، كالتعلم، الدافعية، التوجيه التربوي، التحصيل المدرسي وقياسه وتقويمه.

كما أن علم النفس التربوي هو فرع من علم النفس يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس ونظرياته ومناهج البحث الخاصة به في مجال التربية والتدريس والتعليم والتدريب وما يظهر فيه من مشكلات وظواهر في حاجة إلى دراسة أو علاج أو حلول. ويهدف هذا الفرع من كل هذا إلى رفع كفاية العملية التربوية أو التعليمية وجعلها أكثر عائدا وأقل تكلفة وأفضل نجاحا.

التربية والانتروبولوجيا (علم الإنسان):

إن العلاقة بينهما وثيقة من حيث أن التربية تحافظ على هذا الميراث وتنقحه وتعززه وتبسطه وتنقله للأجيال اللاحقة، وتعلم الأجيال أيضا كيفية التكيف مع الثقافة. بالإضافة إلى أن الأنثربولوجيا تهدف إلى دراسة سمات الحياة الاجتماعية ومعرفة طبيعتها ومكوناتها لإعادة بناء تاريخ المجتمعات أو تاريخ الحضارة، مع تحديد معالم التركيب التاريخي والحضاري لثقافة ما ومقارنتها مع المجتمعات والثقافات الأخرى، وهنا تدخل العلاقات التربوية ودورها في مجمل هذه العمليات.

إن مجمل العلوم الأنثروبولوجية سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم فيزيقية تركز على دراسة الإنسان ككائن اجتماعي أو حضاري، فتدرس أشكال الثقافة وأبنية المجتمعات البشرية، من خلال دراسة هذه المجتمعات الأولية، ومعالجة ما يسمى بأنماط الثقافة البدائية والتربية هي العوامل الأساسية التي يجب أخذها بالاعتبار عند دراسة التطور الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية.

والتربية ما هي إلا العملية التي تؤمن للفرد القدرة على التلاؤم بين دوافعه الداخلية وظروفه الخارجية النابعة من بيئة ثقافية واجتماعية معينة (هذا ما يدرسه علم الاجتماع التربوي) ، وهذا ما تركز الأنثروبولوجية على دراسة الإنسان من الناحية الثقافية والجسمية، وتهتم بسلوك هذا الإنسان ضمن إطار اجتماعي ثقافي متراكم عبر الصور.

صلة التربية بالتاريخ:

التاريخ يسجل الجهود الفكرية للإنسان في محاولاته تفسير الحياة البشرية وفهم صلتها بالوجود، وهو علم ضروري ومهم للعلوم الإنسانية. ووجود البعد التاريخي يساعد العملية التربويةعلى فهم ما ورثه من الماضي وما أعدته للحاضر وكيف تخطط للانطلاق إلى المستقبل، وأيضا يساعد على فهم المشكلات التي مرت على البشرية في مراحل تطورها، والابتعاد عما هو غير صالح لتجنبه والبحث عما هو مفيد، وكذلك الإطلاع على المفاهيم التربوية التي اتبعها الإنسان قديما وكيف تطورت. إن التربية في علاقتها مع التاريخ تكوّن ما يسمى بتاريخ التربية الذي يدرس حركة المجتمعات البشرية وتفاعلاتها وتأثيرها على التربية.

 

 

التربية والبيولوجيا:

تعتبر البيولوجيا ذلك العلم الذي يبحث في دراسة الكائنات الحية من الناحية العضوية وتلاؤمها مع الوسط الذي تعيش فيه، والتربية تبحث في معرفة قوانين الحياة العامة والنمو والتكيف وهي وثيقة الاتصال مع ما يدرسه علم الأحياء (البيولوجيا)، وهذا أدى إلى وجود اتجاه بيولوجي في التربية، وخاصة في التركيز على مفهوم التكيف المرن والمبني على وجود دافع داخلي يسعى إلى تلاؤم الكائن الحي مع مطالب البيئة المحيطة به من مختلف أوجهها والتي هي جوهر الحياة نفسها.

التربية وعلم الاجتماع:

العلاقة بينهما وثيقة، ومما يدل على أهميتها وضرورتها وجود ما يسمى “علم الاجتماع التربوي” الذي نشأ وتطور في القرن العشرين، وهو العلم الذي يجمع ما بين علم الاجتماع وعلم التربية، ويعتبر أحد فروع علم الاجتماع العامة والكثيرة، ويهدف للكشف عن العلاقات ما بين العمليات الاجتماعية والعمليات التربوية. ويستخدم علم الاجتماع باعتباره علم المجتمع وعلم دراسة الظواهر الاجتماعية وتفاعلاتها المختلفة لمساعدة التربية في تأدية مهامها ووظائفها. وجميع الأسس الاجتماعية هي أسس مهمة في العملية التربوية ذلك أن التربية لا توجد في فراغ، وإنما في مجتمع له أسسه وعلاقاته الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية، كما أن المجتمع محتاج إلى التربية، وخاصة أن التربية تهدف في جملة ما تهدف إليه إلى تكيف الإنسان مع مجتمعه بما فيه من أنماط ثقافية وعادات مختلفة، وذلك باستفادتها من النتائج التي توصل إليها علم الاجتماع وتسعى إلى تطبيقها في الميدان.

المحور الثالث : تطور الفكر التربوي

 

التربية في المجتمعات البدائية والقديمة

النظرية المثالية في التربية

النظرية الإسلامية في التربية

النظرية الطبيعية في التربية

النظرية البراجماتية في التربية

 

التربية لدى الأقوام البدائية

أهم ما يميز التربية لدى الأقوام البدائية، أنها تهدف إلى أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خاصا، فالطفل عندهم يتدرب على الأعمال التي تمارسها القبيلة كأعمال البيت، وصناعة الأدوات الضرورية، وحياكة الأقمشة، والصيد والحرب، وحمل السلاح، والرعي، والزراعة، فهي بهذا تعتبر تدريبا آليا تدريجيا على معتقدات الأسرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها، غير أن تربية الجنس البشري لدى الأقوام البدائية احتلت مكان الصدارة فيها الخصائص الثلاث المتمثلة في الإله والطقوس واللغة، وأن الذي يمارس التربية كما لاحظ المربي الأمريكي ديوي المجتمع بأسره بصورة غير مباشرة تتمثل في عمليات التمثيل والرقص والتقليد التي يقوم بها الصغار محاكاة الكبار لغرض نقل حركاتهم وتصرفاتهم، إلا أن هناك طقوسا تلي الولادة مباشرة، وهي مظاهر لدمج الوليد بزمرته التي ينتمي إليها، فالوليد يبقى في أيام حياته الأولى في حضن وكنف النساء وبالتالي فهو لا يندمج بالصورة المطلوبة في مجتمعه، لذلك فإنه لا بد من وجود طقوس جديدة لتحقق له الاندماج، وهذه عادة ما تكون عند البلوغ، وهذه الطقوس تغير حياته وتعتبر ولادة جديدة بالنسبة له، ويتم إعداد هذه الطقوس لفترة طويلة ومراقبة دقيقة يقوم بها شيوخ القبيلة، وهم الذين يتولون في نهاية الأمر الحفاظ على المعتقدات والطقوس التقليدية. وهذه الطقوس تجعل الخاضعين لها يتلقون تجارب قاسية وأليمة، وكثيرا ما يتم إجبارهم وإكراههم على الخضوع والصمت والصوم، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يتلقوا تعاليم تنقل إليهم تقاليد مرعبة مخيفة. ويقول هامبلي أن هذه التجارب والمحن القاسية مفيدة جدا وضرورية لدى المجتمعات التي يتطلب تحصيل القوت فيها الكثير من العناد والإرادة الصلبة.

والتربية البدائية لا تميل للقسوة إلا فيما يتعلق بالطقوس.

والأقوام البدائية بالنسبة للتربية الجسدية يتركون لأولادهم الحرية حيث يركن هؤلاء الأولاد إلى الكثير من الألعاب الممتعة التي يتم فيها تقليد الكبار، حيث يتدربون عليها منذ نعومة أظفارهم، ففي المجتمعات المحاربة يسهمون في صنع السيوف والرماح والقسي وأدوات الحرب وآلاته، ويقلدون الكبار فيما يقومون به من معارك، أو ينصبونه من كمائن.

أما في المجتمعات المسالمة فهم يقلدون الكبار في النسيج وبناء الأكواخ وصنع الأواني والصيد والتجديف، وهم بهذا ينمون أفكارهم، ويشبع خيالهم حتى درجة الإبداع. وفيما يتعلق بالتربية الفكرية لدى الأقوام البدائية فهي تختلف تبعا لجنس الطفل ولطراز حياة القبيلة.

وتمتاز الأقوام البدائية بإدراكات حسية، فالسمع مرهف، والبصر حاد، والشم قوي، ينافس الكلاب، والخيال حاد يقظ، والذاكرة قوية.

أما عن التربية الخلقية والدينية فالأجداد والأباء يحرصون بشدة على نقل مبادئ السلوك السوي والتصرف السليم إلى أبنائهم، والأوامر عندهم تتصل بتقديس الأجداد واحترام الشيوخ والأباء والشرف.

 

 

 

الإرسال 2 ، 3

 

المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية بوزريعة

 

مدخل إلى علوم التربية

           

                             

مـن إعداد الأستاذيـن :

                            -  كمـال عبـد اللــه 

                            -  عبـد اللـه قـلــي

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها - السنة الأولى -  الإرسال 2 -3

 

 

 

 السنة الجامعية

 

2005 /2006.

 

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

 

المحور الثالث :  تطور الفكر التربوي

 
- التربية في المجتمعات البدائية والقديم
- النظرية المثالية في التربية

- النظرية الإسلامية في التربية

-  النظرية الطبيعية في التربية

- النظرية البراجماتية في التربية

 

 

 

 

 

 

تطـور الفكـر التربـوي :

 

يحظى الفكر التربوي باهتمام متميز، كونه المنطلق الأساسي لتكريس قيم الأصالة في المجتمع، والمرتكز الأهم في بناء مستقبل يحقق استثمارا أمثل لمعطيات الحاضر، مجسداً من خلال ذلك تطلعات الفرد والمجتمع على حد سواء، في إطار مشروع حضاري متكامل.

وإذا كان الهدف الأساسي للفكر التربوي، هو ذلك المشروع الحضاري، فإنه يستند بالضرورة إلى عملية التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل من جهة، والتفاعل مع معطيات المجتمعات البشرية، على اختلاف نماذجها، زمنياً ومكانياً، من جهة أخرى.

من هنا يبدو البحث في موضوع الفكر التربوي العربي، مرتبطاً بالبحث في مضامين الفكر التربوي العالمي، في ماضيه وحاضره، وفي اهتماماته وتطلعاته، وفي أساليبه وأغراضه، على أن ذلك الارتباط لا يعني بأي شكل، الالتزام بتوجهات تربوية تخالف طبيعة المجتمع العربي، أو تعد غريبة بالنسبة لأبنائه، وإنما تعني التفاعل مع ما أنتجته البشرية من نظريات تخدم التوجهات العامة للشعوب، وتقع في إطار الأنسنة، بحيث يتحول هذا التفاعل باتجاه تطوير النظريات المحلية، وتعميق علاقتها مع طموحات أبناء المجتمع.

يقول د، رضوان السيد في دراسة نشرها في مجلة الفكر العربي بعنوان (جدليات التجربة التربوية التاريخية) :

” تاريخ التجربة التربوية لأي أمة ـ ولأمتنا على الخصوص ـ هو تاريخ لجدليات علاقة الخاص بالعام في المجال الحضاري للأمة وثقافتها، والخاص في هذه الحالة هو مصالح وتفاصيل حياة الجماعات والفئات التي تشكل البنية الداخلية للأمة، والعام هو المنطق الداخلي الجامع للأمة في بُناها، الذي يشكل إطارها الأيديولوجي، أما العلاقة  ـ من وجهة نظر العام ـ فهي علاقة شمول وجمع وضبط، والعلاقة ـ من وجهة نظر الخاص ـ هي علاقة ضغط على جوانب الإطار، ورغبة في التوافق في النهاية معه”.

حدد علماء القرن التاسع الميلادي في مجال التربية الاجتماعية مبادئ خمساً سمّوها بديهيات أو مسلمات رأوا أنها المرتكز في مجال عملية ضبط الفرد في قلب فئته الاجتماعية، وضبط الفئة في قلب الجماعة، وضبط الجماعة في قلب الأمة، إنها الحقوق الخمس: حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق العرض، وحق المال، والواضح أنه وإن كانت هذه الحقوق للأفراد في فئاتهم ومجتمعاتهم فإن مجتمعهم هو مجال ممارستها، حيث لا يمكن تصور هذه الحقوق إلا في إطار الجماعة، هكذا كانت التربية في المساجد والمدارس والدور همها التنشئة على الفهم الجماعي لهذه الحقوق.

من هنا كانت النظرة للفرد تنطلق من كونه عضواً في الجماعة، فإذا فهم الأمر على غير هذا النحو وقع في «سوء استعمال الحق»، إن المنطق الداخلي للتجربة العربية هو الذي يُحدِّد المفاهيم لهذه الحقوق، وهو منطق جمعي، ولكي لا يبدو الأمر نظرياً بحتاً يمكن استلاب حق العقل والدين للنظر إليهما من وجهتي النظر الجماعية الشاملة، والنخبوية الفردانية، كما بدتا في المجرى الواقعي لصراع الأفكار في الجماعة وعليها، فقد رأى أكثر فلاسفة الإسلام أن العقل جوهر فرد وارد على الجسد والفرد من خارج ومنفصل عنه طبيعة ومصيراً، وهو سلطان الجسد والفرد فقط، هذه وظيفته وهي التدبير، بينما رأى فقهاء ومحدثون أن العقل غريزة شائعة في الجسد والإنسان داخله في صراع الغرائز، ولا تدبر الإنسان بمفردها بل يفكر الإنسان ويتصرف بوحي من توازن يقوم بين غرائزه التي يمثل العقل جزءاً منها، وكان مردود ذلك على المستوى السياسي أن رأى الفلاسفة نخبوية فئتهم هم اجتماعياً وتفوقها وانفصالها عن المجتمع، ونخبوية السلطة في المجتمع وجبريتها وانفصالها عن الناس، في حين رأى الفقهاء شيوع العقل في المجتمع كشيوعه في الفرد، وشيوع السلطة في الجماعة كشيوع العقل في المجتمع، وفي المجال الديني فإن التجربة التاريخية للأمة اعترفت بالواقع الذي ظهرت فيه دون أن تستسلم له أو تسحقه، ورأت أن هذا الواقع الديني يمكن تطويره نحو الأفضل والأكثر وحدة، لكن أفراداً وفئات صغرى رأت ابتداع فرق جديدة اجتهاداً، ومع أن التجربة التربوية الإسلامية تعلّم الالتزام بحق الدين لكل فئة، فإن مبتدعي الفرق هؤلاء لاقوا ضغوطاً شديدة من جانب الجماعة على اختلاف مذاهب فئاتها للتخلي عن بدعهم، لا لأن الديانات القائمة كانت مهددة بالجديد الطارئ بل لأن الفردانية في فهم الحق كانت تهدد بضرب المنظومة كلها عن طريق زعم العقلانية والاستئثار بالحق ونفي الآخر، إن حق الدين ـ مستغلاً بطريقة فردية ـ فشل في إنتاج ديانات فأنتج فرقاً كان همها ضرب منظومة الجماعة لكي تتمكن هي من تثبيت أقدامها والاستمرار والسيطرة اجتماعياً.

وأنتجت التجربة التربوية العربية الإسلامية أدوات وقنوات لتربية فئاتها وناشئتها على البديهيات الخمس في إطار مبدئيات العدالة والمساواة والوحدة والرحابة، فكانت الكتاتيب والمساجد والجوامع والخانات والمدارس والأربطة والخوانق تعبيرات متنوعة عن الصيرورة المتجددة للناس والتاريخ والمصالح على أرض الإسلام، وكانت دعوات التربويين تتوسل طريقة لاستيعاب الحقوق الخمس هي (كما قيل عن كتب الجاحظ) تعليم العقل أولا والعلم ثانياً، وإذا ارتبط العقل بالروح العام للجماعة باعتبار غريزتها الشائعة فيها، والمكتنه لعمقها وثرائها ورحابتها، فإن العلم كان الاسترجاع المتجدد للتجربة التاريخية للجماعة، وبداياته هي التي تحدد مرماه ومعناه، كان يبدأ تحفظاً للقرآن وتعلماً للحديث والآثار فرواية للأخبار والشعر فيكتمل استرداد التجربة الجامعة في جوانبها الدينية والتاريخية والعقلية فيتفتح عضو الجماعة عليها من ناحية، وينضبط داخلها من ناحية أخرى، فإذا تمايز عضو في جماعة أو تمايزت فئة في مستقر فإن وحدوية التجربة، ووحدوية الاسترجاع، ووحدوية الفهم للحقوق، كل ذلك كان كفيلاً بأن يبقي التمايز في حدود، ويضبط حركيته، ويوضح علله، فيضعه على جادة الاستيعاب أو الجدل أو الضغط، وهكذا فإن الوحدوية التي تميز التجربة التربوية الإسلامية تضبط من ناحية، لكنها لاتحجر من ناحية أخرى لأنها تجربة في إطار صيرورة لحركية جماعة ضخمة من الناس، ولأن مبدئياتها الخمس تحول دون التجميد باسم الوحدوية.

وهنا تبدو جوانب التجربة التربوية التاريخية للجماعة في ثلاثة مواقع :

موقع وحدة التجربة من ناحية، وموقع تجددها في الإطار الشامل لصيرورة الأمة من ناحية ثانية، وموقع قدرتها على مواجهة الخارج المقتحم لرؤيتها الحضارية من ناحية أخيرة، وإذا كان لنا أن نحدد الملامح التربوية التي أنتجتها البشرية، في مختلف عصورها فإننا نشير إلى تصارع رؤيتين تربويتين : رؤيتنا التاريخية التي لخصها الإمام الغزالي بأنها عقل في شرع في جماعة، والرؤية الأخرى التي لخصها ماكس فيبر بوصفها فرداً يواجه آخر في فئة تواجه أخرى في مجتمع يواجه آخر من أجل السلطة والدولة والهيمنة على الداخل والخارج.

 

تطور الأفكار التربوية :

 

يرى عمر محمد الشيباني في كتابه (تطور النظريات والأفكار التربوية) في المجتمعات البدائية، عمليتين رئيسيتين للتربية، هما:

·        الإعداد للحصول على ضرورات العيش وللتكيف مع علاقات القبيلة

·        تدريب الفرد على عبادة الطواطم والأرواح، وهاتان العمليتان تتكاملان بما هما تلبية لحاجتي الجسد والروح.

ويرى الشيباني أن مفهوم التربية في الثقافات التاريخية الأولى لم يكن واحداً، ويستند في ذلك مفهوم التربية في الصين، كنموذج من الشرق ويرى فيه سلبياً محافظاً على ما هو كائن، ومتحفظاً تجاه أي اختراق يقوم به الفرد : «وتعتبر التربية الصينية عملية تلخيص للماضي، ترمي إلى أن تركز في الفرد حياة الماضي كي لا يتخلف عنه أو يتخطاه، وهي تعمل في كل مرحلة من مراحلها على أن تحدد للفرد ما يعمل وما يشعر به وما يفكر فيه، وهي ترسم له الطريقة المثلى التي يتم بها العمل وكيفية التعبير عن انفعالاته».

 أما المفهوم التربوي في الثقافة اليونانية القديمة فهو أكثر حيوية، ذلك أن هذه الثقافة «تعتبر بحث الأصل للثقافات الغربية والثقافات المعاصرة بصورة عامة»، أما اسبرطة فقد تأثرت بظروف ولاية اسبرطة الجغرافية في ذلك العصر، فهي منطقة سهلية داخلية تحيط بها الجبال من كل جانب، وانعزالها هذا دفعها لإعداد جيش قوي ونقلها من مجتمع بدائي إلى ديكتاتورية عسكرية تعمم سلطة الدولة، ولذا فقد كان المثل الأعلى التربوي هو إعداد المحاربين والتركيز على التربية البدنية، وأما الشعر والموسيقى والأناشيد فهي وسائل لتقوية الإعداد العسكري وتعزيز الروح المعنوية، وينقد أرسطو في سياساته دولة اسبرطة ومثيلاتها فيقول: «إن معظم هذه الدول العسكرية تكون في مأمن مادامت في زمن الحرب، ولكنها تفشل حينما تحصل على إمبراطوريتها، فهي في هذه الحال تصبح مثل النصل غير المستعمل الذي يفقد حدته في زمن السلم، واللوم في هذا يقع على مشرِّعيهم الذين لم يعلموهم مطلقاً كيف يعيشون في زمن الحرب».

 

 وعند الرومان، ورثة الحضارة اليونانية القديمة، أصبحت التربية «عملية مقصودة منظمة» ولعل من أهم أعلامها : كاتو (224 ـ 149 ق، م) وشيشرون (106 ـ 43 ق، م) وكوينتليان (35 ـ 95 م) وكان هدف هؤلاء هو إعداد المواطن الروماني ليكون أهلاً لهذه المواطنية في حياته العملية.

 أما التربية المسيحية فتميزت في البدء بنظام رهباني صارم يشتمل على قدر من العلم والعمل اليدوي «وكانت تتبع كل دير تقريباً مدرسة تقبل الأطفال في سن العاشرة وتستمر الدراسة فيها لمدة ثماني سنوات، يتعلم التلاميذ أثناءها القراءة والكتابة وبعض المبادئ في النحو والمنطق والبلاغة والحساب والهندسة والفلك والموسيقى».

  وما لبثت التربية المسيحية أن واجهت خطوتين تطوريتين: الأولى حركة لإحياء العلوم الأولى قام بها شارلمان وملوك جاءوا من بعده، واعتبرت الحركة «أن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لتوحيد الشعب وتحسين أحواله، ومن أجل ذلك عقدت صلة قوية بين المعرفة الدينية الروحية والتعليم الحر»، والخطوة التطورية الثانية هي الحركة الكلامية المدرسية Scholasticism التي أعلت من شأن المنطق الأرسطي واعترفت بإمكانية التوفيق بين الدين والعلم، وإن جرى الخلاف في تقديم أحدهما على الآخر.

 

  ولقد أثرت الحركة المدرسية في التربية مما ترتب عليه خروج المدرسة إلى كافة أطراف المجتمعات وفئاتها، وتوسعت المناهج «ولعل أهم وأعظم منجزات العصر الوسيط هو نشأة الجامعات الأوروبية وازدهارها، ومن أمهات هذه الجامعات الأوروبية جامعة بولونيا في إيطاليا، وجامعة باريس في فرنسا وجامعة أكسفورد في بريطانيا».

 وفي القرن السابع عشر الذي تميز نصفه الأول بالحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، نمت المفاهيم التربوية وتطورت نحو نزعة مؤسساتية شمولية عبرت عنها الجمعيات المسيحية التعليمية، ومن أبرزها الجمعية اليسوعية التي كان قد أسسها انياس لوايولا في باريس عام 1534 وتطورت في القرن السابع عشر.

 في القرن المذكور وُجدت مذاهب ثلاثة: الأول هو المذهب الإنساني الواقعي الذي نقد أتباعه النزعة الشيشيرونية، ورأوا أن الآداب الكلاسيكية ليست مطلوبة بحد ذاتها إنما هي وسيلة لكسب المعرفة، وبالتالي تحقيق إنماء الفرد، ومن أبرز أتباع هذه المذهب، الشاعر الإنكليزي جون ملتون الذي قال: «إني اعتبر التربية الكاملة الصالحة هي التي تعد الرجل لأداء جميع الأعمال، الخاص منه والعام بعدل وإحكام في أيام السلم والحرب»، وقد وضع ملتون منهجاً دراسياً قسم فيه مواد التدريس بحسب أعمار المتعلمين.

 

  والمذهب الثاني هو المذهب الاجتماعي الواقعي الذي يرى التربية وسيلة لإعداد «الجنتلمان» أي الرجل المتعلم المهذب أي الناجح اجتماعياً، وقد ركز أتباع هذا المذهب على ضرورة الرحلات والأسفار استعداداً لحياة عملية سعيدة وناجحة.

  أما المذهب الثالث فهو المذهب الحسي الواقعي الذي قدم بذوراً حقيقية للتربية الحديثة، وقام على احترام العلوم الطبيعية واستخدام المناهج العلمية للمعرفة، هذا المذهب يعتمد الوسيلة الحسية في الإدراك ويرى ضرورة تحقيق إنماء شامل للطفل، وأتباع المذهب هم أول من نادى بطريقة الاستقراء في عملية التعليم، وكان من أبرز مفكريه فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) الفيلسوف التجريبي الذي آمن بهدف عملي للمعرفة ورأى أن عدة عقبات تحول بين العقل البشري والمعرفة، ومن أبرزها: «أوهام القبيلة» وهي الإرث الجماعي القديم عند الفرد و «أوهام الكهف» وهي ميول الفرد الخاصة و«أوهام السوق» وهي تقاليد الجماعة وقصور وسائل الاتصال اللغوي      و«أوهام المسرح» وهي العقبات العقيدية، ورأى بيكون أيضاً أن المنهج الاستقرائي التجريبي هو المنهج الناجع لدراسة الطبيعة والعلوم التجريبية.

 وفي القرن السابع عشر برزت أيضاً نزعة التهذيب الشكلي في التربية، ويعتقد أصحاب هذه النزعة أن التربية هي وسيلة لتدريب الملكات النفسية وتهذيبها، وليست الذات الإنسانية سوى مجموعة من الملكات يجب تدريب كلٍّ منها على حدة باعتباره وحدة مستقلة.

 

وحفل القرن التاسع عشر بنظريات تربوية هامة، وأثر في تطور التربية إلى هذا الحد عوامل منها، جهود المفكرين السابقين وتطور الطرق العلمية بما يجعلها تشمل ميادين الدراسات النفسية والتربوية، والتوسع في مجالات التعليم مع الثورة الصناعية، والنظر إلى التربية باعتبارها وسيلة لإعداد المواطن الصالح.

 

آراء في التربية :

 

    كانت التربية وما تزال، تستحوذ اهتمامات العلماء، وفي هذا ما يدعونا إلى الاطلاع، لتحقيق مزيد من التفاعل بين رؤية الماضي ورؤية الحاضر:

 أفلاطون: من أقدم الفلاسفة الذين عنوا بالتربية وكتبوا عنها الفيلسوف اليوناني أفلاطون، فقد بين في كتاب الجمهورية النظام التربوي الذي يختاره لمدينته الفاضلة، وغرض التربية عنده هو أن يصبح الفرد عضواً صالحاً في المجتمع، وتربية الفرد ليست غاية في ذاتها وإنما هي غاية بالنسبة للغاية الكبرى، وهي نجاح المجتمع وسعادته، وهو يرى أن صلاح الفرد لا يكون إلا بمعرفته الخير وتقديره إياه.

 أرسطو: يرى أرسطو أن الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال، وبذلك يصل الفرد إلى حالة السعادة.

 فيتورينو دافلتر: من أشهر المربين الإيطاليين في عصر النهضة وهو يرى أن الغرض من التربية هو تنمية الفرد من جميع نواحيه العقلية والخلقية والجسمية لا لمهنة، ولكن ليكون مواطناً صالحاً، مفيداً لمجتمعه قادراً على أداء الواجب العام والخاص، وهذا الغرض شبيه بما ننادي به في القرن العشرين.

 فرانسيس بيكون: فيلسوف انجليزي كتب في مواضيع شتى، وغرض التربية عنده هو أن يعود الفرد على طريقة الوصول إلى المعارف، لا أن يجمع المعارف بأية طريقة كانت، وقد استخدم بيكون لهذا الغرض نوعاً جديداً من الأسلوب العلمي وهو الاستقراء.

 جون كومنيوس: وهو احد رجال الدين، ولد وعاش في مورافيا، وقد أثرت تربيته وحياته الدينية في آرائه التربوية، والغرض من التربية، يرى كومنيوس أن النهاية التي يرمي إليها الإنسان هي السعادة الأبدية عند الله، وعلى هذا يجب أن يكون الغرض من التربية تحقيق هذه السعادة، ولايتم ذلك إلا بالتخلص من الرغبات الفطرية، ومقاومة الغرائز وتزويد الفرد بالرياضة العقلية والخلقية التي توصله إلى هدفه، وبقدرة الفرد على ضبط نفسه الذي يتم عن طريق المعرفة، وعلى هذا أيضاً كان الغرض عنده تحصيل المعرفة والفضيلة والصلاح، وهذا الغرض يشبه ما كانت عليه التربية في الأزهر، حتى عهوده الأخيرة.

 جون لوك: وهو من أنصار المذهب التهذيبي، ويرى أن التربية لها أغراض ثلاثة: وهي التربية الجسمية التي ترمي إلى تقوية الجسم ونشاطه، والتربية العقلية التي ترمي إلى تزويد العقل بالمعرفة، والتربية الخلقية التي ترمي إلى غرس الفضيلة في النفوس.

 جان جاك روسو: هو زعيم المذهب الطبيعي الذي نقل مركز اهتمام التربية إلى طبيعة الطفل وميوله، والغرض من التربية عنده هو تكوين رجال كاملين، لا تكوين مجرد أعضاء في مجتمع.

 بستالوتزي: وهو من رجالات التربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، والغرض من التربية عنده هو إعداد الإنسان للقيام بواجباته المختلفة في الحياة، فهو إذن يهدف إلى غرض عملي اجتماعي، يجمع بين إعداد الفرد، وبين حاجاته في المجتمع الذي يعيش فيه.

 هربرت سبنسر: والغرض من التربية عنده هو إعداد الفرد لحياة كاملة، أما عناصر الحياة الكاملة فهي تزويد الفرد بتربية صحيحة، وتربية مهنية، وتربية عائلية، وتربية وطنية، وتربية استجمامية.

التربية عند ديوي: فقد آمن ديوي بأن «التربية هي الحياة نفسها وليست مجرد إعداد للحياة، وهي عملية نمو وعملية تعلّم وعملية بناء وتجديد مستمرين للخبرة، وعملية اجتماعية، ولتكون التربية عملية حياة لا بد أن ترتبط بشؤون الحياة، ولتكون عملية نمو وعملية تعلم وعملية اكتساب لخبرة لابد أن تراعى فيها شروط النمو وشروط التعلم وشروط اكتساب الخبرة، ولتكون عملية اجتماعية لابد أن تتضمن تفاعلاً اجتماعياً ولابد أن تتم في جو ديمقراطي وجو اجتماعي صالح».

 إن عامل الخبرة هو الأساس في العملية التربوية عند ديوي وفي جميع نصوصه التربوية يرد هذان التعبيران: «الخبرة والمهارة»، إن الخبرة لديه هي وسيلة للتربية، وينبغي أن تتميز الخبرة بالاستمرار، ولقد أهمل ديوي ذكر أهداف التربية، ذلك أن المتعلم في رأيه هو الذي يشارك مشاركة أساسية في تعيين هذه الأهداف، وهنا تبرز نزعته الديمقراطية التي ترى أن غرض التربية هو تحقيق ذاتها، وما سوى ذلك فهو قرار يشترك في صياغته أطراف العملية التربوية جميعاً.

 

 واعتبر ديوي أن المنهج التربوي يستند إلى أن مركز الاهتمام هو خبرات التلميذ ومهاراته، وربط هذه الخبرات داخل المدرسة وخارجها ومراعاة الفروق الفردية، يقول: إن التعليم الفعّال يتحقق عندما يكون الشيء المراد تعلمه يعني شيئاً بالنسبة للمتعلم.

 

التربية عند آلان : يوازن الفيلسوف الفرنسي آلان بين المألوف التربوي والمطلوب الإنساني، معلناً لا إنسانية «المألوف» مركزاً على أولوية التعلُّم، مشيراً إلى أن هذا كشف واكتشاف لكنوز وخبايا، فهو مثلاً يتساءل «كيف تتعلم إحدى اللغات؟»، ثم يجيب «بمؤلفيها الكبار لا غير، وبالجمل المرصوفة جداً، الغنية جداً، العميقة جداً، لا بترهات مبادئ المحادثة»، وغاية العلم الأولى هي تطور العقل الإنساني وإغناؤه باستمرار، ومعنى ذلك أن على العقل التخصص أي التثقف في شيء معين، بدلاً من اللهث وراء كل شيء، فتكون الحصيلة المعرفة مألوفاً عاماً لا يساعد على التقدم في العمق، وعلى هذا، يكون دور المدرسة مقرِّراً: «إن المدرسة مكان رائع» يقول آلان ـ ويضيف: «ولا استصوب أبداً أن تعلّق أشياء للنظر ولو كانت جميلة، لأن الانتباه يجب أن يلفت إلى العمل، ليقرأ الطفل او ليكتب أو ليحسب، إن هذا العمل المجرَّد هو عالمه الصغير الذي يجب أن يكفيه»، ويحسم آلان تحديد دور المدرسة بالعمل، فالعمل عنده هو المؤدي التربوي، وهو بذلك المؤدي الصعب إن لم نقل الأصعب والأخطر، ويترتب على ذلك تعيين مهنة الطالب بالعمل الصعب، وتعيين مهنة المربي بوصل الأفكار الجديدة بالقديمة، وتتقاطع المهنتان هاتان فيما يسميه آلان مدرسة الشعور أي المدرسة الطبيعية كالأسرة، والمختلفة عنها في آن، المدرسة التي تطور كمالها الذاتي بنفسها.

من جهة ثانية، ينتقد آلان السلوك الطفولي لدى الكبار، فيرسم صورة المعلم اللامبالي، القوي بذلك كأنه المُناخ، ويشير إلى ظهور العدالة التي تفوق المحبة في المدرسة، فالفعل التربوي، بنظر آلان، هو فعلٌ وجوبيٌ، ضروري ولا مجال للمخادعة أمام الضرورة، ومن الضرورات هذه أن يتنبه الكبار لنوع علاقتهم بالصغار: «إن على كبار الأشخاص ألا يلعبوا قط مع الأولاد، ويخيل إلي أن الموقف الأكثر تعقلاً هو التزام الأدب والتحفظ معهم على نحو ما يكون مع الشعب الأجنبي، عندما يجد الطفل نفسه منفصلاً عن أطفال في مثل عمره، فإنه لا يلعب جيداً إلا وحده»، وينفي آلان وجود الفكر الحق خارج المدرسة بمعناها التعلُّمي الأوسع، ويقابل الهندسة بالشعر، بوصفهما مفتاحين للنظام في الطبيعة وفي النفس، مادحاً التناظم الإنساني الشامل للعقل والشعور في آن واحد.

  أما المعلِّم الأكبر، الأول، فهو الخبرة في كل حال، لأن الحقيقة تحقق، وما تبرزه الخبرة حقيقياً، وصحيحاً يكتسب مصداقيته من وقوعه واختباره، والمتعلّم، الذي تصاغ شخصيته في الحضور المتصل بالماضي، يحتاج دائماً وأبداً إلى المستقبل، أي إلى الانطلاق من المعطى المحدد إلى اللامحدد، الآتي، ويحذر آلان مما يتعلمه الجمهور على نحو خاطئ، لأن الجمهور «يتخيل أن الحقيقة الأخيرة هي التي تلائمه، ولكن الحقيقة لا يمكن أن تفرغ هكذا من فكر إلى آخر، وهي ليست شيئاً إزاء ذلك الذي لم يكتسبها ابتداءً من الظواهر…» وينتقد آلان الاتجاه المشدّد على معرفة العالم للمتعلم، مفضلاً على ذلك «معرفة ماذا نعلّم» بوصفها هي الأهم في العملية التعليمية.

 

 ويصل آلان إلى مقولة هامة تقول بجماعية أو اجتماعية التربية، وحاجة الإنسان الدائمة إلى محيطه الإنساني، حيث التحاور والتخاطب بين البشر يولّد عندهم عوامل التغيّر البطيء، المتصاعد، أو الطفرة، وينصح آلان باستشفاف الإنسان في سبيل معرفته، يقول: «إذا أردتم ان تعرفوا إنساناً فيجب أولاً أن تُجالسوه، وان توقفوا موجات الحرارة أو البرد، والضجيج المسيء ابتداءً من صوتك أنت، وبالتالي أن تزيح جميع العقبات الصغيرة المعيقة، وبعد ذلك تجد الطبيعة الثابتة..» ثم يعقد مقارنة أدبية فريدة بين تاريخ الأفكار (العقول) وتاريخ الأدوات (الأيدي)، مبرزاً وسيلتين للثقة بالنفس: التدريب والتعليم كنقيضين، فالتعلم لا يفوق المعرفة، لأن فيه كثيراً من التقليد، وصورته الآلة التي توجه إليه وكأن التعلم يد آلية، أما مصدر الثقة، مرجعها الاجتماعي، فاثنان: المدرسة والمصنع، المدرسة تجعل الإنسان يثق بنفسه، والمصنع يجعله لا يثق بنفسه أبداً، وبهذا النمط التقريري أيضاً، يطرح آلان مسلسلاً مألوفاً من الشعارات التربوية مثل «السير من المعلوم إلى المجهول» «من البسيط والمجرّد إلى الحسي والفردي»، «كل معرفة حقيقية اختبار» الخ، ثم يميِّز بين مهنة المعلم ومهنة المفتش، مظهراً أن الأخير يتولى التحقق من كون التلامذة تعلّموا شيئاً، ومن كون المعلم يعلّم، ويحرِّض على القراءة بالنظر، ويشجع على الإملاء الذاتي (الإملاء الصامت)، والسلوك العرفي والعادي في التعلُّم، لأن «الشذوذ يحرّض على الفتنة والرعب حول الإنسان وفي الإنسان..، فيجب إذن على الإنسان أن يلبس تبعاً للعرف، ويسلّم تبعاً للعادة، ويتحدث ولا يصيح، ويكتب في النهاية تبعاً لأصول الإملاء: يقال: «إن ضبط الإملاء عسير، ولكن الرقص والتأدب عسيران أيضاً، إنهما مفيدان عندما يعرفهما الإنسان ومفيدان، كذلك، عندما يتعلَّمهما».

التربية لدى الأقوام البدائيون

إن التربية في المجتمعات البدائية-التي عاشت منذ خمسة أو ستة آلاف سنة، قبل اختراع الكتابة وقبل أن تصبح للتربية مدارسها ومؤسساتها الخاصة بها- تمتاز ببساطتها وبدائية وسائلها، مثلها في ذلك مثل الحياة العامة التي كانت تحياها تلك المجتمعات البدائية في فجر الحضارة الإنسانية. وتلك المجتمعات وإن تباينت في كثير من الأمور فإنها تتشابه في كثير من المميزات العامة التي من شأنها أن تلقي ضوءا على طبيعة العملية التربوية وعلى أهدافها في تلك المجتمعات. ومن بين تلك المميزات العامة نسبة الحياة إلى الجماد أثناء تفسيرهم للبيئة المحيطة بهم، فكان الرجل البدائي يعتقد أن وراء كل قوة مادية قوة أخرى غير مادية هي القوة الروحية. ومن هذه المميزات أيضا بساطة الحياة البدائية وقلة مطالبها حيث أنها لا تعدو إشباع حاجات الجسم من طعام وشراب وكساء ومأوى، وإلا من ضد عالم الأرواح. ولما كانت عملية التربية في تلك المجتمعات لا تختلف عن عملية الحياة نفسها، فإن أهدافها هي الأخرى كانت نفس أهداف الحياة العامة. ومن أبرز الأهداف العامة للتربية البدائية: المحافظة على الخبرة الإنسانية والتقاليد السائدة، وتحقيق المطالب التي يتوقف عليها استمرار حياة الفرد وأمنه النفسي. والتربية البدائية على هذا تتكون من عمليتين رئيسيتين، هما :

- الإعداد اللازم للحصول على ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، ولتمكين الفرد من نفسه وممن يعتمدون عليه ومن بناء علاقات طيبة مع أفراد قبيلته.

     - تدريب الفرد على ضروب العبادة التي يستطيع بواسطتها أن يرضي عالم الأرواح وينير إرادته الطيبة وبذلك يحقق لنفسه الأمن والسلام. وإذا كانت الناحية الأولى هي عماد التربية العملية لدى الرجل البدائي فإن الناحية الثانية هي عماد التربية النظرية عنده.

تلك هي طبيعة العملية التربوية في المجتمعات البدائية. وهدف التربية في ضوء هذه الطبيعة-هو تحقيق التوافق والانسجام بين الفرد وبيئته المادية والروحية. ولتحقيق هذا الهدف، كانت تعتمد على التلقين والتدريب العملي والتقليد اللاشعوري فمن خصائصها أنها كانت تتم بطريقة غير مقصودة، بمعنى أنها غير مقصودة، بمعنى أنها لا يتولى القيام بها معاهد ومؤسسات خاصة بها، بل يقوم بها المجتمع بأسره. كما أن من خصائصها أيضا أنها تربية مباشرة تتم عن طريق الخبرة العملية والاشتراك النشيط للمتعلم أثناء تقليده لما يقوم به الكبار من نشاط، سواء في سبيل إشباع حاجاتهم الجسمية، أو في سبيل حاجاتهم الروحية. ثم إن من خصائصها أيضا غلبة روح المحافظة عليها وسلبيتها حيث أنها كانت تسعى لاستمرار العرف السائد في الجماعة دون تغيير أو تعديل، وتحاول تشكيل الفرد بالثقافة المحيطة به تشكيلا ثابتا سلبيا وتؤدي به إلى أن يتشرب ويستبطن كل الأوضاع القائمة في مجتمعه دون أن يحاول تغييرها أو تعديلها ودون أن يكون له مجال للحرية والاختبار.  إذن أهم ما يميز التربية لدى الأقوام البدائية، أنها تهدف إلى أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خاصا، فالطفل عندهم يتدرب على الأعمال التي تمارسها القبيلة كأعمال البيت، وصناعة الأدوات الضرورية، وحياكة الأقمشة، والصيد والحرب، وحمل السلاح، والرعي، والزراعة، فهي بهذا تعتبر تدريبا آليا تدريجيا على معتقدات الأسرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها، غير أن تربية الجنس البشري لدى الأقوام البدائية احتلت مكان الصدارة فيها الخصائص الثلاث المتمثلة في الإله والطقوس واللغة، وأن الذي يمارس التربية كما لاحظ المربي الأمريكي ديوي المجتمع بأسره بصورة غير مباشرة تتمثل في عمليات التمثيل والرقص والتقليد التي يقوم بها الصغار محاكاة الكبار لغرض نقل حركاتهم وتصرفاتهم، إلا أن هناك طقوسا تلي الولادة مباشرة، وهي مظاهر لدمج الوليد بزمرته التي ينتمي إليها، فالوليد يبقى في أيام حياته الأولى في حضن وكنف النساء وبالتالي فهو لا يندمج بالصورة المطلوبة في مجتمعه، لذلك فإنه لا بد من وجود طقوس جديدة لتحقق له الاندماج، وهذه عادة ما تكون عند البلوغ، وهذه الطقوس تغير حياته وتعتبر ولادة جديدة بالنسبة له، ويتم إعداد هذه الطقوس لفترة طويلة ومراقبة دقيقة يقوم بها شيوخ القبيلة، وهم الذين يتولون في نهاية الأمر الحفاظ على المعتقدات والطقوس التقليدية. وهذه الطقوس تجعل الخاضعين لها يتلقون تجارب قاسية وأليمة، وكثيرا ما يتم إجبارهم وإكراههم على الخضوع والصمت والصوم، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يتلقوا تعاليم تنقل إليهم تقاليد مرعبة مخيفة. ويقول هامبلي أن هذه التجارب والمحن القاسية مفيدة جدا وضرورية لدى المجتمعات التي يتطلب تحصيل القوت فيها الكثير من العناد والإرادة الصلبة.

والتربية البدائية لا تميل للقسوة إلا فيما يتعلق بالطقوس.

والأقوام البدائية بالنسبة للتربية الجسدية يتركون لأولادهم الحرية حيث يركن هؤلاء الأولاد إلى الكثير من الألعاب الممتعة التي يتم فيها تقليد الكبار، حيث يتدربون عليها منذ نعومة أظفارهم، ففي المجتمعات المحاربة يسهمون في صنع السيوف والرماح والقسي وأدوات الحرب وآلاته، ويقلدون الكبار فيما يقومون به من معارك، أو ينصبونه من كمائن.

    أما في المجتمعات المسالمة فهم يقلدون الكبار في النسيج وبناء الأكواخ وصنع الأواني والصيد والتجديف، وهم بهذا ينمون أفكارهم، ويشبع خيالهم حتى درجة الإبداع. وفيما يتعلق بالتربية الفكرية لدى الأقوام البدائية فهي تختلف تبعا لجنس الطفل ولطراز حياة القبيلة.

 

وتمتاز الأقوام البدائية بإدراكات حسية، فالسمع مرهب، والبصر حاد، والشم قوي، ينافس الكلاب، والخيال حاد يقظ، والذاكرة قوية.

    أما عن التربية الخلقية والدينية فالأجداد والآباء يحرصون بشدة على نقل مبادئ السلوك السوي والتصرف السليم إلى أبنائهم، والأوامر عندهم تتصل بتقديس الأجداد واحترام الشيوخ والآباء والشرف. 

 

 

 

 

التربية الشرقية القديمة

 

وتتضمن التربية الهندية.- التربية لدى بني إسرائيل.-التربية اليابانية.-التربية الصينية.- التربية لدى قدامى المصريين.

التربية الصينية :

فهي نموذج واضح للتربية الشرقية.

خصائصها :

    - تتصف بروح المحافظة.

    - تنشئ الفرد على عادات فكرية وعملية ماضية.

    - لا تقوي أية ملكة، ولا تغير أية عادة وفق مقتضيات الظروف الجديدة.

    - الحياة رتيبة.

    - السكون المطلق والجمود الفكري، فكل شيء محدد بالتقاليد الموروثة.

التعليم :

    - آلي يكسب التلميذ مهارات آلية.

    - الاعتناء بالمظهر واللياقة.

    - الاعتناء بتمرين الذاكرة - لا بتكوين الفكر- من خلال التكرار والحفظ

      الأصم.

في القرن السادس قبل الميلاد ظهر في الصين مصطلحان هما :

 لوتسي (Lao-tsee) يمثل روح التحرر والتقدم والبحث عن المثل الأعلى والثورة على العادات، لذا كان الإخفاق نصيبه.

أما الثاني كونغ تسي (Cong-tsee)، واشتهر باسم كونفوشيوس (551 -478 ق . م )، فقد نجح في أفكاره التي تقول بالأخلاق العملية والنفعية القائمة على سلطة الدولة والأسرة، وعلى منفعة الفرد.

 

يمكن القول أن التربية الصينية ركزت على نشر التعليم حتى غدت الصين أغنى بلاد العالم بالمدارس رغم أنها كانت تنشر ثقافة سطحية.

 

التربية لدى قدامى المصريين :

 

كان المصريون القدامى يؤمنون بالبعث بعد الموت، وبخلود الروح، والثواب والعقاب في الدار الآخرة، وكانوا يعتقدون أن الأرواح تعود لتسكن الأجساد من جديد، ولهذا لجئوا إلى التخطيط، وبنو الأهرام، ليحفظوا فيها جثث ملوكهم.

 

خصائص التربية لدى قدامى المصريين :

 

- يعيش الطفل – في سن الرابعة- مع ألعابه.

- التربية لم تكن لينة ، فمنذ السنة الأولى من عمر الطفل يمشي عاري القدمين، حليق الرأس، طعامه من خبز الذرة.

- تقدم الم للطفل شيئا من المبادئ الدينية والخلقية.

- الدراسة تشتمل على الدين وآداب السلوك، القراءة والكتابة، الحساب، السباحة، الرياضة البدنية.

- يتم الانتقال من المدرسة الأولية إلى المدرسة العليا بعد امتحان يؤديه الطالب.

- كان يغلب طابع الدراسة الفنية والمهنية في التعليم العالي.

- كان الأساتذة يستعملون الضرب بالعصا ، فالنظام المتبع كان قاسيا، ومن حكمهم الشائعة “إن للطلاب صلبا وهم يفهمون الأمور فهما أفضل عندما يضربون”.

من إسهامات المصريين في فن التعليم :

  - استخدموا طرقا حسية في تعليم العد، وكانوا يستخدمون الأشكال في تعليم الهندسة.

- هم من أنشؤو أولى المكتبات العامة الغنية بالكتب العديدة في شتى الموضوعات.

فالحضارة المصرية أولت عناية كبيرة للتربية، وقد كانت وصية أحد حكمائهم لابنه “امنح قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا يعلو على الثقافة شيء”، ويضيف “أذكر يا بني أن أية مهنة من المهن محكومة بسواها، إلا الرجل المثقف، فإنه يحكم نفسه بنفسه”. فالمعرفة حسب المصريين القدامى وسيلة لبلوغ الثروة والمجد.

 

 

 

 

النظرية المثالية في التربية

الفلسفة المثالية :

 

يعتمد النموذج المثالي الذي يشكل مناهج التربية لدى المثاليين على رؤية أفلاطون من أن الأفكار أبدية وأزلية ونهائية، وهي لذلك في غاية الأهمية. وليس المقصود بالأفكار هنا - بالطبع- تلك الخواطر العقلية التي يترجمها العقل من الرموز اللفظية، ولكن أفلاطون يقصد بها في هذا المقام جوهر الأشياء والمثل العليا الموجودة في العالم العلوي، والتي يقاس بها كل شيء في هذا العالم المادي. إذا كانت الأشياء في هذا العالم المادي من وجهة النظر هذه تعرف عن طريق الحواس، فإنها قد صيغت على مثال سبق عند خلق الكون ونبعت فكرتها من خالقه. والعقل وحده هو الذي يستطيع أن يحكم عليها بأنها مطابقة للنماذج المثالية التي وضعت أزلا أم لا. وبهذا المعنى، فإن الأفكار أزلية لا تقبل التغير أو التطور. ومها قيل من أن عناصر هذا العالم مستحدثة ومتغيرة تبعا للظروف والملابسات التي تظهر من آن لآخر، فإن الأفكار والأشكال المثالية التي صيغت على مثالها هذه العناصر الموجودة في عالمنا موجودة من الأزل وستظل إلى الأبد دون تغير أو تطور.

 

حقيقة المذهب المثالي :

 

“المذهب المثالي” من مذاهب التربية الغربية فهو ـ في حقيقته ـ صدى لفلسفة أفلاطون، وتعبير عن نظريته المسماة بـ “المثل”، ومؤدى هذه النظرية أن ثمة عالمين اثنين : عالماً حسياً يتألف من “الأجسام”، وعالماً معقولاً يتألف من المجردات التي هي “المُثُل”. وبناء على ذلك قال الغربيون: إن الإنسان يعيش في عالمين : عالم مادي متغيّر، وعالم روحاني خالد، وهذا الأخير هو عالم المثل العليا التي تشكل الهدف الأسمى للتربية والحياة. وهكذا رأى الغربيون في الإنسان جانبيْن : جانباً روحياً سامياً، وجانباً جسدياً تحكمه النوازع الدنيا والشهوات، وهذان الجانبان كالخطين المتوازيين يتجاوران ولا يلتقيان، ويتناقضان ولا يتكاملان، وهو ما أدى إلى قيام سلطتين في بلاد الغرب: سلطة روحية تشرف عليها الكنيسة، وسلطة زمنية قوامها حكم الواقع مفصولاً عن الدين، وترتّب على ذلك الاعتقاد بأن الإنسان أوْلى بالدرس من العالم الخارجي، وأن العلوم الإنسانية أهم من العلوم الطبيعية.
على أنّ دراسة الغربيين للإنسان ـ سواء قُدِّمت أم أُخّرت ـ في ظل عقيدتهم القائمة على فصل الدين عن الحياة لا تأتـي بخير، لأن المقدمات الخاطئة لا تقود إلى نتائج صحيحة؛ ولذا لم تستطع الدراسات الغربية في مجال النفس والتربية والاجتماع الرقي إلى مستوى العلم، وإن سُمّيت باسم العلم، وهو ما يؤكده إخفاق الغربيين في وقف التدهور السلوكي الذي يُنذر المجتمعات الغربية بأوخم العواقب.

والنظرة المثالية الغربية بما ترتب عليها من فصل بين الدين والحياة خاطئة ومدمرة، وهي ـ كما يقول (علي عزت بيجوفيتش) رئيس جمهورية البوسنة والهرسك في كتابه المعروف : (الإسلام بين الشرق والغرب) ـ هي المسؤولة عن إخفاق الأيديولوجيات الكبرى في العالم؛ فهذه النظرة هي التي شطرت العالم شطرين متصادمين بين مادية ملحدة، وكاثوليكية مغرقة في الأسرار، والصواب أنها “وحدة ثنائية القطب، تضم القضيتين المتصادمتين في العقل الغربي ألا وهما: الروح والمادة، السماوي والأرضي، الإنساني والحيواني، الدين والدنيا. وهذان المتناقضان يوجدان معاً وجود تفاعل وتزاوج وتكامل.. كما تتفاعل ذرات الأوكسجين مع ذرات الإيدروجين لتنتج الماء الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والنبات”.

وقد نبّه بيجوفيتش على أن طبيعة العقل الأوروبي (أحادي النظرة) كانت سبباً في عجزه عن فهم حقيقة الإسلام؛ ولذا أنكر الغربيون الإسلام لسببين متعارضين؛ فقد أنكره الماديون منهم بوصفه اتجاهاً يمينياً أي دين غيبيات، بينما أنكره المتدينون لأنهم رأوا فيه اتجاهاً يسارياً أي حركة اجتماعية سياسية.

ولا تغني عن المذهب المثالي دعـواه أنه إنما يريد ـ من خلال التربية ـ أن يحيط الطفل بالمثل العليا؛ لأنه لا يدري ما المثل العليا على وجه التحديد. يقول سير برسي نن : ” نستطيع أن نحكم بأنه لا يمكن أن يكون هناك غرض عام للتربية ما دام هذا الغرض يحقق مُثُلاً عليا؛ لأن هذه المثل تتعدد بتعدد الأفراد “.

وهذا الاتجاه العقلي للفلسفة المثالية قد وضع العقل-بلا شك- في مرتبة ذات أهمية كبرى، بحيث لا يكون العقل شيئا آخر غير الروح مادام يشارك في طبيعة المطلق. وبالرغم من وجود الجسم والبيئة الاجتماعية والطبيعية إلا أنهما في النهاية يدخلان في دائرة العقل ويذوبان داخله. ولذلك فالطبيعة الإنسانية لا ينظر إليها على أنها جسم منفصل يستجيب لدوافع بيئية، ولكنه جوهر لا يتأثر بعامته إذا تأثر جزءه. ولهذا تنادي هذه النظرية بتربية الإنسان من جميع جوانبه حتى يصبح كلا مستقيما، ولكن يبقى العقل هو صاحب الاهتمام الأكبر في مناهج هذه النظرية.

إن الواقع بالنسبة للمثالي هو عالم العقل، والواقعية شيء خيالي أو روحي وليس ماديا، ويعتقد المثاليون أن الطبيعة تعتمد على العقل الشامل لله. وبناء على هذه النظرة، فالتعلم ليس ابتكارا وإبداعا- ولكنه تحقيق الفكرة المطلقة بالنسبة للحقيقة والخير والمثل التي وضعت سلفا. وليست قيمة الأفكار مبنية على ما لها من أهمية في حياة التلاميذ أو ضرورة في إنجاز مشروعاتهم، أو في ترقية حياتهم، بل إن قيمة الأفكار في ذاتها، حيث إنها تصور الواقع الممثل للحقائق اللانهائية، ومن أجل ذلك فالأفكار جديرة بالتعلم. وهي تستحق أن يكون تعلمها هدفا في حد ذاته.

والمثالية –عموما- وثيقة الصلة بالدين. وتؤمن هذه النظرية بأهمية الحق والخير والجمال. ويهتم المثاليون بالرياضة البدنية، لا من أجل الجسم، فهم لا يهتمون بالمادة، وإنما من أجل العقل.

إن أصحاب هذا الاتجاه يهتمون بالمثل العليا بالدرجة الأولى.. فهم ينظمون تجارب الجنس البشري ويركزونها ليقدموها لقمة سائغة إلى الطفل.

وهذه الخبرة بحسب مروجي النظرية هذه هي نوعين منها ما يختص بالبيئة الطبيعية ومنها ما يختص بالإنسان أي العلوم والإنسانيات.

وتعتبر المثالية من أقدم الفلسفات في الثقافة الغربية، التي ارتبط ظهورها ارتباطا وثيقا بزعيمها المفكر اليوناني أفلاطون، وهي كما عرفها لالاند : ” الاتجاه الفلسفي الذي يرجع كل وجود إلى الفكر بالمعنى الأعم لهذه الكلمة “. بمعنى آخر هي المذهب الذي يقول أن الأشياء الواقعية ليست شيئا آخر غير أفكارنا، وهي الفكرة التي نجدها عند أفلاطون في المثل العليا، إذ يرى أن أنفسنا كانت تسبح في هذا العالم، أين عرفت أسماء الأشياء بصورتها التامة، الكاملة، قبل نزولها إلى الأرض. وولوجها في الجسد أنساها أسماء الأشياء، فأصبحت تحاكي ما رأته وتعلمته في المثل العليا أو العالم الحقيقي، ومن أبرز أعلامها: أفلاطون.هيجل…الخ.

ولد أفلاطون في سنة 427 ق.م في جزيرة قريبة من شاطئ أثينا، واسمه في الأصل أرسطوقليس. ينحدر من أشراف أثينا ذوي المنزلة والثراء. تعلم القراءة والكتابة، حفظ شعر هوميروس، ومبادئ الحساب والهندسة والموسيقى. كان ذو ذكاء حاد، عميق الفكر، حسن الحديث، بارع النكتة، ومحبا للجمال. عاش حتى الثمانين من عمره، توفي سنة 347 ق.م.

 

لقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات :

 

- طبقة الحكام ويتميزون بالحكمة، ويسييرون شؤون الدولة.

- طبقة الجند، ويتميزون بالقوة، وتسهر على أمن الحكام.

- طبقة العبيد، وهي الطبقة الخادمة، التي تقوم على خدمة طبقة الحكام.

وعلى كل طبقة احترام الطبق الأعلى منها، فلا يجوز مثلا لطبقة العبيد التطلع إلى طبقة الجند أو الحكام، وكذا الحال بالنسبة لطبقة الحكام فلا يجوز للحاكم أن ينزل إلى طبقة الجند أو العبيد، فما خلق إلا ليكون حاكما، وليحكم الشعب وعليه وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ليقوم بالعمل المناسب.

المنهاج وطريقة التدريس في نظر المثالية :

يرى المثاليون أن المنهاج (المنهج) الذي يدرس للتلاميذ ينبغي أن يكون موضوعات ثابتة غير قابلة للتطور وتنقل من جيل إلى جيل. حيث تعمل على توسيع فهم الطفل للكون وللإنسان نفسه، فتنظيم قدرات الطفل وتنمية ذكائه يمكن أن تتحقق من دراسة الفنون الحرة والقراءة، وكذا الإطلاع على الكتب العظيمة التي أنتجتها عقول الحكماء والمفكرين التي يمكن أن تخلق الإنسان المثالي وتوسع فهمه للكون ولذاته.

ومن ثم يجب أن يوجه اهتمام أكبر إلى دراسة مواد معينة كالتاريخ    والأدب والفلسفة تهتم بالمشاكل الدائمة للإنسان، وتعبر عن اعتقاداته وأفكاره على مر العصور التاريخية، وهي تعتبر كنزا للمعرفة والحكمة وتراثا معرفيا.

ولقد اهتمت المثالية بالمادة الدراسية أكثر من اهتمامها بالمتعلم، فهي لا تقيم وزنا إلا للمعرفة والحقيقة أما التلميذ فقد لا يكون له قيمة على الإطلاق، فمنهج المدرسة المثالية هو منهج مقفل يعتمد على المعرفة والكتاب ويتقيد بحدود لا يمكن تعديلها، حيث يبقى القديم على قدمه للحفاظ على المعرفة والتراث ونقله إلى عقول المتعلمين. ولا تؤمن المثالية بأهمية النشاطات الخارجة عن الكتاب في منهجها الدراسي لأن مثل هذه النشاطات لا تساهم في تدريب عقول التلاميذ وملئها بالحقائق، بل تهتم بجوانب أخرى ليست موضوع اهتمام المثالية.

أما النظام المدرسي، فقد أصبح المدرسين يواجهون مشكلة بحيث أن الجسم والعقل نوعان مختلفان، فإنهما يسلكان مسالك متعارضة تعوق بعضها البعض، فالطفل لا يستطيع أن يذهب إلى المدرسة بعقله فقط فلا بد أن يحمل معه جسمه.

إذا أصبح ينظر إلى التلميذ على أنه شيء أو بالأحرى آلة تتلقى المعارف بالطريق الإلقائية في سكون وهدوء، فإذا حاول أن يحرك جسمه قسا عليه المدرسون بالعقوبات البدنية المختلفة، وبذلك كان التلميذ المثالي هو الذي يجلس صامتا ساكنا، حتى يعمل عقله على استيعاب المعلومات. ومنه كان هدف التدريس ليس حمل التلميذ على معرفة مجموعة من المعلومات بقدر ما هو محفز له على اكتشاف معناها لنفسه، عن طريق خبراته الشخصية السابقة، بحيث يصبح لما يتعلمه معنى ومغزى.

 

المعلم :

 

المعلم في نظر المثالية ينبغي أن يكون فيلسوفا مفكرا كسقراط، وغيره من الفلاسفة، وقد ركزت المثالية على دور المعلم، وجعلته يحتل المركز الرئيسي في العملية التربوية، في حين نظرت إلى المتعلم نظرة سلبية، فالمعلم يجب أن يكون قدوة لتلاميذه بما يملكه من معارف وخبرات واسعة، تجعل الطلاب ينهلون منهله، بمعنى على المعلم أن يكون موسوعة يعمل على إيصالها إلى الطلبة، وأن يكون مخلصا جادا في عمله، والمعلم بفطنته وبصيرته يعمل على كشف استعدادات تلاميذه، وبذلك يعطيهم القدر المناسب من المعارف، وتقتصر عملية التعليم على التذكر والاسترجاع لذا يجب على المعلم في نظر أفلاطون تنمية هذه القدرة.

 

النقد :

 

لقد غال أفلاطون في تربيته المثالية وطريقة التدريس إلى درجة يصعب تحقيقها على أرض الواقع، فمثلا تربية أفلاطون للأطفال على أساس الفضيلة حتى يصبحوا خيرين، تناسى أن في الإنسان بذرتين، بذرة الخير وبذرة الشر، ويستحيل أن نجد شخص خير محض، كما أن نظام الطبقات الذي فرضه أفلاطون على المجتمع فيه ظلم لفئة عن فئة.

كما فصل أفلاطون بين الجانب العقلي والجسمي، بل حتى أنه فصل الجانب العقلي وأعطاه الأهمية أكثر من اهتمامه بالجانب الجسمي، وكأننا نستطيع أن نتصور الإنسان بعقله دون جسده.

المثالية كفلسفة تربوية أكدت على:

- الجانب المعرفي وأهمية المعرفة بالنسبة للمتعلم.

- الاهتمام بالثقافة والحفاظ عليها.

- وضع المعلم في مرتبة سامية واعتباره أهم عنصر في العملية التربوية.

- التأكيد على أهمية الجوانب الخلقية والدينية في تنمية شخصية المتعلم .

غير أنها فشلت و قصرت في:

- فهم طبيعة المتعلم (النظر إليه على أنه عقل أو روح خالصة، الاهتمام بالمعرفة أو تنمية العقل فقط).

- اقتصار الأهداف التربوية على تدريب عقل الإنسان دون النظر إلى الجوانب التي تتصل بالنواحي الجسمية .

 - النظر إلى التلميذ على أنه سلبي يتلقى المعلومات التي يلقيها عليه المعلم (آلة) وكذا استخدام العقوبات البدنية لا يتفق مع ما تذهب إليه الفلسفات الأخرى، فالموقف التعليمي موقف تفاعل و ليس موقف جامد ثابت فيه طرف ايجابي هو المعلم و آخر سلبي هو التلميذ.

 

النظرية الإسلامية في التربية

 

التربية الإسلامية :

 

يعرفها حلمي طه رشيد إبراهيم بأنها تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه بغرض تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة.

ويعرفها مقداد يالجن بأنها إعداد الفرد المسلم إعدادا كاملا من جميع النواحي في جميع مراحل نموه للحياة الدنيا والآخرة في ضوء المبادئ والقيم وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي جاء بها الإسلام.

ويعرفها سعيد إسماعيل علي بأنها تلك المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في إطار فكري واحد يستند إلى المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام والتي ترسم عددا من الإجراءات والطرائق العملية يؤدي تنفيذها إلى أن يسلك سالكها سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام.

ويعرفها علي خليل أبو العينين بأنها النشاط الفردي والاجتماعي الهادف لتنشئة الإنسان فكريا وعقيديا ووجدانيا واجتماعيا وجسديا وجماليا وخلقيا، وتزويده بالمعارف والاتجاهات والقيم والخبرات اللازمة لنموه نموا سليما طبقا لأهداف الإسلام.

ويعرفها عبد الرحمان صالح عبد الله بأنها عملية مقصودة تستضيء بنور الشريعة، تهدف إلى تنشئة جوانب الشخصية الإنسانية جميعها لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، ويقوم فيها الفرد ذو كفاءة عالية بتوجيه تعلم أفراد آخرين وفق طرق ملائمة مستخدمين محتوى تعليميا محددا وطرق تقويم ملائمة.

والملاحظ على تلك التعريفات جميعها أنها تؤكد على أن التربية الإسلامية لابد أن تستمد توجيهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهي ترفض أن تكون التربية الإسلامية بمعزل عن توجيهات الإسلام وتعاليمه سواء في إطارها النظري أو تطبيقاتها العملية. والتربية الإسلامية بهذا المعنى هي تربية هادفة مقصودة لتكوين الفرد المسلم والمجتمع المسلم والأمة المسلمة المستخلفة على حمل رسالة الله في الأرض، سواء تمت تلك التربية في مؤسسات نظامية كالمدرسة والجامعة، أو غير نظامية كالمنزل ووسائل الإعلام.

والتربية الإسلامية بهذا المعنى حسب محب الدين أحمد أبو صالح هي النظام التربوي الذي فرضه الله على المسلمين أن يربوا أنفسهم وأولادهم عليه ويوجهوا أهاليهم ويرعوهم في ضوئه دون غيره من الأنظمة التربوية الكافرة الملحدة، أو العلماني اللادينية المنحرفة.

والتربية الإسلامية وفق التصور الشامل شأنها في ذلك شأن كل تربية أخرى في العالم موضوعها تربية الإنسان المسلم، ومجالها هو جميع مجالات البحث التربوي من فلسفة وتاريخ ومناهج وطرق تدريس وإعداد معلم وإدارة وتمويل..الخ، منظورا إلى ذلك كله من المنظور الإسلامي الذي يؤدي تنفيذه لإلى إيجاد الفرد الذي يسلك سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام.

 

وتتكون النظرية التربوية الإسلامية من المصادر التالية :

 

     1- القرآن والسنة، ومنهما تتزود النظرية التربوية بمجموعة من المبادئ الموجهة، وهذه ليست فرضيات تثبت عن طريق التجربة، وبالتالي فهي ليست قابلة للرفض.

     2 - الدراسات التاريخية والدراسات التربوية لآراء العلماء المسلمين.

     3 - دراسة الشخصيات الإسلامية اللامعة في مجال التربية كابن خلدون، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم.

     4 - معطيات البحوث العلمية الصحيحة التي تلقي الضوء على طبيعة الإنسان، وطريقة تعلمه، وكذلك كل خبرات البشر التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية.

 

….لكل نظرية عناصر ثلاثة :

 

     أ – مصادر.

     ب - وسائل وأساليب وطرائق.

    ج - مقاصد وغايات.

ولا شك أن أصحاب أية نظرية قد يختلفون أو يطورون أو يغيرون في عناصرها الثلاثة، ابتداء من المصادر، ومرورا بالوسائل والأساليب والطرائق، وانتهاء بالمقاصد والغايات.

     أما التصور الإسلامي للتربية”فالمصادر ثابتة، والأهداف أو المقاصد والغايات ثابتة، والشيء الوحيد المتحرك والمتغير هو الطرائق والوسائل و الأساليب التي تتغير كلما ترقى فهم الإنسان للأصول، وكلما اجتهد في الوصول إلى المقاصد والغايات، من هنا فقط يأتي اختلاف “التصور الإسلامي لمناهج التربية” من جيل إلى جيل، ومن زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان.

وإذا كان علم النفس العام والتربوي قد جاء متلازمين من مصدر واحد هو كتاب الله وسنة رسوله (ص)، فإنهما قد جاءا وبينهما فاصل زمني في علم النفس الغربي بسبب اعتمادها على تطور الفكر في مصادر ونظريات شتى مختلفة ومتناقضة. وإذا كان علم النفس الإسلامي العام والتربوي قد صدرا من علم شامل محيط بالنفس الإنسانية من الأبد إلى الأزل.

وبمعنى آخر حسب محمد رشاد خليل فإن علم النفس التربوي هو تطبيق لنظريات التحليليين والسلوكيين والجشتلطيين وغيرهم من المؤمنين بالمذهب الطبيعي على اختلاف أشكالهم. وهذه المدارس كلها لا تعرف الإنسان المخلوق، وإنما تتكلم عن إنسان طبيعي لا روح له.

 

فلسفة التربية، ونظرية التربية :

 

تعتمد مناهج التربية كلها تقريبا-ما عدا منهج التربية الإسلامية - على نظريات تربوية. و النظريات التربوية تعتمد بدورها على فلسفات عامة، فما الفلسفة، وما النظرية، وما العلاقة بينهما، وهل يحتاج منهج التربية الإسلامية إلى فلسفة أو إلى نظرية؟ هذا ما نجيب عنه فيما يلي :

 

مفهوم الفلسفة :

 

الفلسفة مصطلح يوناني الأصل مكون من كلمتين: “فيلو”، ومعناها حب، “صوفيا” ومعناها الحكمة، فالفلسفة إذن هي حب الحكمة أو محبة الحكمة، وبالرغم من جاذبية هذا المفهوم للوهلة الأولى، إلا أن الفلاسفة والمفكرين قد اختلفوا بل وتناقضوا في ماذا تعني محبة الحكمة؟ وما زال هذا الاختلاف والتناقض قائما منذ أن نشأ هذا المصطلح إلى يومنا هذا، فالبعض يرى أن الفلسفة هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، والبعض يرى أنها مفهوم جامع للكون بما فيه من جماد وحيوان ونبات، وثالث يرى أنها علم دراسة الغيبيات وما وراء الطبيعة. والراجح أن الفلسفة هي تصور للكون والإنسان والحياة ولطبيعة العلاقات بين هذه العناصر. وقد ظل مفهوم الفلسفة يحمل طابعا فرديا، وبقيت مذاهبها مجرد وجهات نظر تحمل شارة أصحابها إلى يومنا هذا. ومع ذلك فلكل فلسفة تصور خاص للكون والإنسان والحياة.

أما فلسفة التربية الغربية فهي باختصار الجانب التطبيقي للفلسفة العامة في ميدان التربية. ومن وجهة النظر هذه يصبح من وظائف الفيلسوف التربوي تطبيق مبادئ الفلسفة المثالية أو الواقعية أو البراجماتية أو ما إلى ذلك على التربية. ولذا فإن من ينظر في أسماء مدارس فلسفة التربية يجد أنها ذات المدارس الفكرية التي يتحدث عنها الفلاسفة.فهناك فلسفة مثالية عامة،و هناك أيضا فلسفة مثالية في التربية، وهناك فلسفة براجماتية عامة، هناك فلسفة براجماتية في التربية…وهكذا.

 

مفهوم النظرية التربوية :

 

النظرية بمعناها العام الذي يشيع في الغرب، هي تفسير بعض الأمور في الماضي أو الحاضر أو المستقبل استنادا إلى اعتقاد ثابت أو مفترض.

والنظرية العلمية بمعناها الدقيق، هي محاولة لتفسير عدد من الفروض أو قوانين الطبيعة من خلال وضعها في إطار عقلي عام.

والنظرية التربوية هي مجموع المبادئ المترابطة التي توجه العملية التربوية و تحكم الممارسات التعليمية.

فإذا كانت النظرية العلمية وصفية وتفسيرية في الأساس، فإن وظيفة النظرية التربوية-كما يقول بول هيرست - هي التشخيص والعلاج. وإذا كانت النظرية العلمية تحول وصف وتفسير ما هو قائم، فإن النظرية التربوية تصف وتقرر ما ينبغي عمله مع الناشئة، وتوجه وترشد الممارسات التربوية.

ومن هذا المنطلق فإن بول هيرست وغيره من المربين الغربيين الذين يرفضون بناء النظرية التربوية؛ لأنها تمدهم بالقيم التي يريدون غرسها في الناشئة.  

التربية عند العرب المسلمين

 

تعتبر التربية المرآة التي تعكس أنظمة المجتمع على اختلافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعقائده وتقاليده وعاداته، والتربية العربية الإسلامية تعكس وضوح تعاليم الإسلام السمحة وعقائده السامية.ذلك أن الإسلام - إلى جانب ما دعا إليه من الإيمان بعقائده السامية - دعا إلى التمسك بتعاليم الأخلاق الفاضلة التي عدها شرطاً أساسياً للحياة الدينية الصالحة. وهناك عدة مبادئ قد أثرت بصفة خاصة في تطور النظرية التربوية منها مبدأ “المساواة”…؛المساواة بين معتنقي الدين الجديد، بغضّ النظر عن جنسياتهم وألوانهم. وثيقة المساواة هذه أيدها الله تعالى بقوله الكريم: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. الآية/13/ من سورة الحجرات. وأتبع ذلك بمبدأ “الإخاء والأخوة”: “إنما المؤمنون إخوة”. (الآية/10/ من سورة الحجرات). والطابع العام للتربية الإسلامية يتجلى في نزعتها المثالية في تقديم العلم والحث على طلبه، وفي الاهتمام بالفضائل الخلقية، ثم في مرونتها في طرق التحصيل واصطباغها بروح الديمقراطية التي قضت على الفروق بين الشعوب والأجناس والطبقات في مجال التعليم والدّين، وإعطاء الأفراد فرصاً متساوية في التحصيل.

 

أغراض التربية الإسلامية :

 - الغرض الديني :

 

منذ أن نزل القران الكريم وهو مرجع المسلمين في أمور العبادة والتشريع والحياة الاجتماعية بشتى مظاهرها.. حيث يعود إليه الفضل في انتشار القراءة والكتابة، وتأسيس المدارس، ونشأة العلوم المختلفة لخدمته وتفسيره وفهمه. غير أن الطابع العام للتربية عند المسلمين لم يكن دينياً بحتاً ولا دنيوياً بحتاً وإنما كان يلاءم بين الدين والدنيا، فكانت التربية تهدف إلى إعداد النشء للحياة الدنيا وللآخرة معاً في إطار الآية الكريمة: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”. (الآية /77 / من سورة القصص).

 

- الغرض الاجتماعي :

 

هدفت التربية بجانب الدين والأخلاق إلى معانٍ اجتماعية عبرت عنها مأثوراتهم.. فقد قال (مصعب بن الزبير) لابنه ” تعلم العلم، فإن لم يكن لك مالاً كان جمالاً… وإن لم يكن لك جمالاً كان لك مالاً”. ونجد أنه حينما بدأ العلماء يَكْثُرون ويتميزون في علومهم تبعاً لنمو الحركة العلمية وازدهارها، ظهرت طبقة جديدة في المجتمع هي طبقة العلماء التي نالت مكانة رفيعة عند الخلفاء والأمراء، مما دعا الناس إلى الإقبال على التعلم لينالوا هذه الحظوة الممتازة في المجتمع. وقد شجع ذلك على التنافس على الابتكار وانتشار الثقافة وازدهارها.

 

 غرض المنفعة :

 

كان من زيادة التدين أن ظهر التحرّج من أخذ الأجر في العلوم الدينية المباشرة، مثل تحفيظ القرآن الكريم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قَبِلَ أن يفدي بعض الأسرى نظير قيامهم بتعليم بعض أطفال المسلمين القراءة والكتابة مما يوضح أن المبدأ صحيح بذاته…

       هذا وكانت وظائف القضاء والتعليم غايات سعى إليها كثير من الناس وأعدوا أنفسهم لها، وقد كان لرغبة الناس في حفظ القرآن والتفقه في الدين أثرها في نشوء الحاجة الى المدارس حيث كانت المدرسة الأولى هي المسجد، فكان عامة الناس الذين يرغبون في تعليم أولادهم يبعثون بهم إلى المساجد حيث كانت تعقد حلقات لدراسة القران والحديث.. وكانت المساجد في معظم المدائن الإسلامية مراكز التعليم لها.. ولم تكن المسائل الدينية فحسب هي موضوع الدرس في هذه المجالس بل كانت تعالج فيها أيضاً الموضوعات اللغوية والشعرية إلى جانب الندوات الأدبية التي تنعقد في بيوت المثقفين والأدباء التي عرفت باسم “مجالس الأدب”.

ومن أنواع المدارس- غير الكتاتيب- لتعليم الصبيان: بعض المنازل والحوانيت التي كانت تكمل عمل المساجد والكتاتيب. وكانت المدارس العالية ك”بيت الحكمة” ببغداد للتعليم العالي: الذي يعتبر أول معهد هام في الإسلام، فكان مكاناً للترجمة ومجمعاً علمياً ومكتبة عامة، وكان فيه مرصد متصل به لتعليم الفلك.

وكان أول مجمع علمي حقيقي هو” المدرسة النَّظَّامية” التي أسسها نِظَام الملك والتي اهتمت بحاجات الطلبة البدنية، وأصبح فيما بعد نموذجاً لمعاهد التعليم العليا. أما المدارس فقد نشأت في العصر العباسي وانتشرت في البلاد الإسلامية وتنوعت. وكانت التربية الإسلامية تعنى بالمعلم الذي ستوكل إليه مهمة التعليم عناية خاصة، حيث كانت شديدة الفطنة لما يجب أن يؤخذ به في هذا السبيل، فعنيت أول ما عنيت ببيان ما يجب أن يتحلى به المعلمون من مكارم الأخلاق ومحاسن المزايا، يقول ابن سينا: “ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلاً ذا دين، بصيراً برياضة الأخلاق، حاذقاً بتخريج الصبيان، وقوراً، رزيناً، حلواً، لبيباً، ذا مروءة ونظافة ونزاهة”.

ولقد رسم كثير من الأئمة شخصية المعلم بدقة وحددوا أبعادها النفسية وأفاضوا في الصفات التي يجب أن تتوافر في المعلم والواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها المربون نحو طلبتهم. فقد كان على المعلم أولاً الاطلاع والتنقيب والمراجعة.

والعنصر الثاني في عملية التربية هو التلميذ، وهو العنصر الأهم، فلقد اهتم أساتذة التربية العربية بكل ما يساعد التلميذ على التعلم، فالغزالي يرى أن من آداب الطالب أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا، فإن العلائق شاغلة وصارفة، ويستدل على وجهة نظرة هذه ببعض المأثورات التي تقول إن” العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك”. كما اهتم الأئمة بالمناظرة التي تساعد التلميذ على تنمية قدرته على التعبير عن نفسه وترتيب أفكاره وتجديد نشاطه التلقائي. ومن العوامل المساعدة على التعلم: اختيار الوقت وتحديد الساعات الملائمة للقراءة. وأما المكان المناسب للدراسة والحفظ فأجود أماكن الحفظ هي الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومن العوامل الأخرى التي دعوا إليها ألاّ يكتفي الطالب من الاستفادة وأن يكون دائماً مستعداً لتحصيل العلم وألاّ يتكبر على العلم ولا يتآمر على المعلم فهو لن ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع. كما أن الأئمة قد نصحوا الطلبة ألا يدركهم الحياء من سؤال ما يُشْكِل عليهم لأن الاستحياء يفوت عليهم مصلحتهم. كما اهتموا أيضاً بالفهم فلا ينبغي أن يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه فإنه يُذهب الفطنة ويضيع أوقاته، وإذا تهاون في الفهم يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير.

أما بالنسبة لأساليب الدراسة كما هو متبع في القرن الرابع الهجري، أي تنظيم الوقت الدراسي للتلاميذ، فقد كان الصبي يذهب مبكراً إلى الكُتّاب فيبدأ بحفظ القرآن ثم يتعلم الكتابة، وعند الظهر يعود إلى المنزل لتناول الغداء ثم يرجع بعد الظهر ويظل حتى آخر النهار، وكانت عطلة الصبيان تبدأ من ظهر يوم الخميس وسحابة يوم الجمعة ثم يعودون في صباح يوم السبت. كان الطفل يذهب إلى المكتب وسنه قريبة من السابعة ثم يقضي ما يقارب ثلاث سنوات أو أربعاً في استظهار القرآن والوقوف على أصول الدين وتعلم بعض مبادئ اللغة والشعر، وبعد ذلك ينقل إلى المدارس. أما منهج المرحلة التالية فكان يشتمل على القرآن والتفسير والفقه والنحو والأدب والشعر والحساب والهندسة والحديث.

وتشتمل مرحلة التعليم الثالثة علوماً متنوعة كالطب والكيمياء والرياضيات والفلك والطبيعيات والإلهيات والمنطق والموسيقى والحيوان والنبات. وقد جرت طريقة التدريس في تعليم التلاميذ على ثلاثة أساليب هي: الإلقاء الذي يمكن أن يسمى (المحاضرة)، والإملاء أو التلقين، ثم المناقشة أو المذاكرة أو المناظرة. وقد فطن الأئمة إلى أن من شروط التفكير الصحيح أن تكون الألفاظ صحيحة محددة في الذهن لأن تجارب الطفل محدودة وانتباهه ضيّق المجال، والمعلم هو الذي يساعده على ربط الأشياء بعضها ببعض وعلى فهم ما لا يعلم في ضوء ما يعلم. والمدرس لا يستطيع أن يجعل تلاميذه مهتمين بموضوع ما اهتماماً عميقاً إلا إذا كان هو نفسه مهتماً كل الاهتمام بهذا الموضوع ومتحمساً له، فالمدرس العالم هو وحده القادر على تزويد سِواه بالعلم.

ويرى خالد روشه أن العملية التربوية تظل قاصرة عاجزة على أن تؤتى ثمارها مادامت الحركة الإسلامية لم تستطع أن تنتج المربين الأكفاء الذين يستطيعون التطبيق العملي للأطر النظرية المنهجية للعمل الإسلامي.

وعملية إنتاج المربي الكفء عملية معقدة للغاية تتشابك فيها عدة محاور إنسانية واجتماعية ونفسية تخرجها عن كونها عملية معملية قياسية بالمعنى الذي ينص عليه المنهج التجريبي العلمي المعملي..فالعناصر الإنسانية المتكاثرة - كمدى رسوخ العقائد والقيم والمبادئ الشرعية ومدى الاستقرار النفسي للمربي وقربه أو بعده عن الشخصية السوية ومدى تشربه للأخلاق النبوية ومدى الاستعداد للبذل في سبيل تلك العقائد والقناعات - والتي لا يمكن اختبارها معملياً، حيث يستحيل تثبيت بعض العوامل المؤثرة في الاختبار وتغيير الأخرى تجعل هناك ما يشبه الاستحالة في قبول معادلات كتلك المعادلات الكيميائية ثابتة النتائج أو التطبيقات الفيزيائية ثابتة التجريب في عملية التربية الإنسانية!

وإذا اعتبرنا العملية التربوية الناجحة هي ” ما يجب أن تقوم على عدة خطوات متتالية ومتجانسة ومتبادلة بين القائم بها (المربي) والمستقبل لها (المتعلم أو المتربي) وأن يكون ذلك في إطار نظري منهجي مقبول يعتمد على أساليب مختلفة بما يتناسب وظروف التطبيق “.. فإننا ندرك مدى أهمية القائم المحرك لتلك العملية وهو المربي.

- نظرات التربويين.. رؤية مقارنة :

اختلفت نظريات التربويين فيما هو أساسي وما هو فرعي من العناصر الأولية المطلوب وجودها لإنجاح عملية تكوين وإنتاج المربي الكفء، وكان من نتيجة هذا الخلاف أن نادى البعض بتحويل المجتمع المسلم كله إلى مربين ورأى هؤلاء إمكانية تحويل أي مسلم أياً كانت صفاته وإمكاناته إلى مرب لأجيال وموجه لأمة… ولاشك أن هذا الاتجاه – وهو الاتجاه السائد الآن بين طوائف العمل الإسلامي – لا يفرق بين الأدوار التي يجب أن يقوم بها الأفراد كل على حده وما هي المواصفات المطلوبة لكل دور، فإنه ولاشك يجب أن يفرق بين دور المسلم كداعية إلى الله وبين دوره كإداري وقيادي ميداني وبين دوره كمرب ومعلم..

فالداعية وصف عام يجمع شتى الأدوار وأما القيادي الميداني والإداري فيحتاج إلى مواصفات قد تخصه بالذات دون غيره, من الخبرة     والحزم الشديد والجرأة والشجاعة والمغامرة والمبادرة والتتبع والاستقصاء   والحكمة والفراسة… إلى غير ذلك مما هو معروف مما كان يتصف به وبأكثر منه القادة المغاوير أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ في غزواتهم وحروبهم وفتوحاتهم.. فلك أن تتصور شخصية كشخصية خالد بن الوليد أو عمرو بن العاص أو غيرهم في مقابلة شخصية مدار عملها على التربية والتعليم والتقويم والتوجيه للأمة كمعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس _ رضي الله عنهم أجمعين _..

- اتجاهات اختيار الصفات.. فشخصية القائد إذن هي تلك الشخصية التي تستطيع تحقيق إنجازات الأهداف المعينة لها من خلال توجيه الأفراد التابعين لها، فهي إذن شخصية ينتهي دورها المعين عند بلوغ الهدف المحدد، أما شخصية المربي : فهي تلك الشخصية التي تستطيع تشكيل الأفراد وتهيئتهم على شتى المستويات العلمية والإيمانية والسلوكية وغيرها.. وبالعموم فإن هناك اتجاهين في طريقة اختيار المربين :

الأول: اتجاه التشدد في الانتقاء والمبالغة في تحديد الصفات الخاصة بالمربي، وهو اتجاه تغلب عليه المثالية في تصور حال المربي؛ بحيث ينتهي الأمر عند مطابقة هذه المواصفات واقعياً إلى صورة نظرية على الأوراق لا علاقة لها بالتطبيق في الواقع.

الثاني: يقوم على التساهل في انتقاء صفات المربي؛ بحيث تتسع الدائرة لتشمل أعداداً كبيرة جداً، ودافع ذلك الاتجاه تغليب احتياجات الدعوة وتبعات انتشارها وانفتاحها وزيادة أعداد المتلقين
وكلا الاتجاهين قد أثبت الواقع التطبيقي فشله..!

فالاتجاه الأول تعطيل للعمل التربوي إذ يربطه بالمثال النادر التحقق، وإعاقة لجهود الارتقاء به، ومدعاة لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية أن يتراجع ويترك العمل، أما الاتجاه الثاني يؤدي إلى إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية وهي مهلكة لهم، فوق أنها مضيعة للعمل. وهنا تبرز الحاجة لوضع نموذج للقائمين على العملية التربوية يسترشدون على أساسه بحيث يتلافى سلبيات النموذجين السابقين ويسهل تطبيقه واقعيا.

- العناصر الأساسية المطلوبة لإنتاج المربي الكفء ونستطيع أن نقول من خلال الاستقراء العملي والعلمي: إن هناك معطيات معينة تقترب - إذا اجتمعت - من عملية ناجحة لإنتاج مرب ناجح، وهذه المعطيات هي (العمق الإيماني، الشخصية السوية، العلم التطبيقي، البيئة المناسبة للتربية، المهارات المخصوصة، التقويم) ونحاول أن نتلمس أهم مواصفات كل عنصر من تلك العناصر:

أولاً: العمق الإيماني:

وهو العنصر الأول الذي ينبغي توافره في الشخصية المرشحة للقيام بالعملية التربوية، فبدونه تفشل الشخصية في تحقيق أهدافها، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن العملية كلها تتعرض للفشل الذريع، ومن عجب ما رأينا في بعض أوساط العمل الإسلامي أن تسند العمل التربوي إلى بعض المربين لا لشيء غير أنهم نشطاء حركيين – كما يحلو للبعض تسميتهم – وتناسى من كلفهم بتلك الأعمال شرط الإيمان العميق الذي هو الشرط الأول في الشخصية التربوية، والذي يقوم أساسه على عدة محاور نذكر بعضها :

 

أ - الإخلاص:

فكلام المربي الذي يفتقر إلى الإخلاص كدخان في الهواء لن ينتفع به أحد، وإنما الإخلاص زينة الكلام وعطره، يجذب إلى سماعه السامعين ويقرب منه اللاهين، سمع الحسن يوماً واعظاً يعظ الناس، فقال له: يا هذا إما أن يكون في قلبك شراً أو في قلبي، إن حديثك لا يمس قلبي!! والمربي المخلص يوفقه الله في انتقاء كلامه وموافقة المناسب من أوقاته والمؤثر من ألفاظه والحديث المخلص هو أشد الأحاديث إقناعاً وثباتاً في قلب السامع، يروي أحد تلاميذ القعنبي شيخ البخاري يقول: كان الشيخ يحدثنا ولحيته ترتش بالدموع!!

 

بالصبر:

 

ودافع الصبر هو الإيمان العميق الذي نتحدث عنه وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، ومقصودنا في الصبر كعنصر أساسي من عناصر شخصية المربي المكونة أن يستطيع الصبر على متعلميه ومتربيه والمجتمعات التي يتوجه إليها، وكذا الصبر على دعوته وأن يثبت عليها وعلى مبادئه وقيمه ومعتقداته، روى عبد الله بن الإمام أحمد أنه سأل أباه يوماً : يا أبت متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم أضعها في الجنة!

 

ج – الزهد :

وهو مطلب هام وعنصر أساس في شخصية المربي، ومعناه الإعراض عن الزينة والالتفات عن المتاع ورجاء الجنة في الآخرة، فليس شيئاً أسوأ من مرب غارق في ملذات الدنيا ومتاعها وزخرفها وما من شيء أسوأ أثراً على المتربين من مرب منكب على جمع الدينار والدرهم وتغيير الثياب وتبديلها، وتعمير البيوت وبنائها، ومهما اختلف الناس في تعريف الزهد والنظر له يبقى حال النبي _صلى الله عليه وسلم_ والصحابة والتابعين والعلماء هو النموذج المثالي الأوضح للاقتداء به، ولقد علمنا أنه ما من أحد منهم إلا وكان معرضا عن الدنيا وزينتها راغباً في الآخرة وجنتها … وللأسف فكم رأينا من أحوال لمن يشتغلون بالعملية التربوية في هذه الأزمان وهم غارقون في الإسراف والزخرف، فكيف إذن نتصور صفات الجيل الناتج من هكذا مربين؟! يروي الذهبي في السير أن الإمام أحمد لما سافر إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة فاشتغل حمالاً بأنصاف الدراهم ليشترى طعاما يتقوت به، فرآه عبد الرزاق وهو يحمل على ظهره المتاع، فانفرد به خلف باب بيته وهو قادم للدرس فقال له: يا أحمد إنه عادة لا تجتمع عندي النفقة ولكنني جمعت لك من أهل البيت بعض الدراهم فخذها وانتفع بها فقال أحمد: لو كنت آخذاً من أحد لأخذت منك يا إمام، ولكنني معي نفقتي التي تكفينى وتزيد حتى أعود!!

موقف النظرية التربوية الإسلامية..
من النظرية التربوية الغربية

يقدم عبد المجيد بن مسعود موقف النظرية التربوية الإسلامية من النظرية التربوية الغربية، فلعل من الثوابت التي أصبحت راسخة في وجداننا الحضاري وسلوكنا الفكري ـ نحن المسلمين ـ في العصر الحديث، وباتت تتحكـم بقدر غير يسير في منهج دراستنا للظواهر، وتحليلنا لمختلف القضايا الفكرية والتربوية، لعل من تلك الثوابت: أن نعرض الأنساق والنظم الإسلامية المرتبطة بشتى مجالات النشاط النظري والفكري، في سياق المقارنة بينها وبين مثيلاتها في عالم الغرب، ولا شك أن هذا الثابت النسبي ستستمر مسوغاته وفعالية تأثيره على تحليلاتنا ودراستنا الفكرية والنظرية، ما دام هناك في واقعنا المعاصر فئات عريضة من الناس تنظر إلى الغرب على أنه مركز الحضارة والإشعاع الفكري المستنير الذي لا نملك إزاءه إلا أن نطأطئ رؤوسنا في خشوع! من هنا رأيتني أُقبل على دراسة موقف النظرية التربوية الغربية ومناقشتها في ضوء معالم التربية الإسلامية؛ بغرض إبراز التصور التربوي الإسلامي للتربية. والواقع: أن منهجية المقابلة هذه لا يمكن للتصور الإسلامي إلا أن يخرج منها منتصراً مرفوع الرأس؛ لأنه ينطلق من موقع قوة يستمدها من ربانية مصدره التي تمنحه التنزه عن التجاوز والضعف، والاهتزاز والقصور، لأن منهجية المقابلة تقتضي عرض الصـورة كاملة أمام الناس ـ بكلى طرفيها ـ فيتضح الطرف الهزيل من الطرف القوي، من خلال إبراز العناصر والمكونات التي تدخل في نسـيج كل بناء نظري على حـدة.

النظرية التربوية عرض وتقديم:

 

هناك قواسم مشتركة بين النظريات التربوية الغربية تتمثل فيما يلي :

أولاً : الاعتماد المطلق على العقل :

منذ البداية يمكننا أن نلفت النظر إلى حقيقة أساس مفادها :  أن النظريات الغربية على تعددها وتباينها في بعض الخصائص والصفات، تكاد يجمعها قاسم مشترك هو : كونها صادرة عن مصدر وحيد في المعرفة هو : العقل البشري في حركته ومعاناته وقلقه المأساوي في البحث عن الحقيقة، وكونها صادرة عن تصور واحد للكون والإنسان والحياة. والجدير بالاعتبار أنه ما من نظرية في التربية إلا وهي انعكاس لمذهب فلسفي ما، وهذه قاعدة عامة لا يمكن أن يند عنها أي مذهب تربوي . ولا تعدو الاختلافات التي تظهر بين نظرية وأخرى أن تكون تعبيراً عن الاختلاف والتنوع في الملابسات والتطورات التاريخية التي مرت بها المجتمعات الغربية، بكل ما تحمله تلك التطورات من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وغيرها.

 ثانياً : النظريات التربوية الغربية ضيقة الأفق أحادية النظرة، فالنظرية التربوية المثالية هي صدى للفلسفة الأفلاطونية حيث يقول أفلاطون بعالمين : (العالم المحسوس) ويتألف من الأجسام أو الماديات، و (العالم المعقول) وهو يتكون من الموجودات المجردة. فتلك النظرية تنطلق أساساً من (الصدارة المطلقة للروح على المادة) وهي تفضي إلى تصرف تأملي يهمل المشكلات الزمنية، وطبيعة الإنسان الأرضية، وتعنى أساساً بكمال الروح ونجاتها.

وانطلاقاً من هذه المعطيات يتجلى لنا الطابع النظري الذي يكتسيه التعليم في إطار النظرية المثالية؛ حيث إن الهدف من التربية يرمي بالدرجة الأولى إلى (تمرس العقل بالتراث الفكري والعقلي الذي خلفته الأجيال السابقة، بل اكتسب هذا التراث صبغة القداسة وأصبح ينقل بحرفيته، وارتبطت موضوعات الدراسة بضرورات التراث بدلاً من ضرورات الواقع، وصارت صلتها الوثيقة بالماضي في تحوّل دون ارتباطها بالحاضر والمستقبل.

أما المذهب الطبيعي، فإنه على العكس من المذهب المثالي؛ إذ يركز على الجسد وما به من عواطف وغرائز وميول، فيعطيها الأهمية القصوى على حساب العقل. وإن كان من المعلوم أن هذا المذهب قد تجاوز من طرف التيار النفسي في التربية الذي يستمد أسسه من رائد المذهب نفسه ( روسو)، حيث يرى ( بأن اللجوء إلى علم النفس هو الإمكانية الوحيدة لتوفير المعيار الحقيقي لموضوعية البيداغوجيا ). ومما يؤخذ أيضاً على هذه النظرية تضييق نطاق التربية بحيث ينحصر في الطفل، الأمر الذي أدركت التربية المعاصرة خطأه وقصوره فوسّعت نطاق التربية ليشمل المراهق والراشد والشيخ، وهذا ما أكدت عليه الرابطة الدولية الجديدة - للتربية الجديدة. أما المذهب البرجماتي، وهو ذلك المذهب الذي يحوّل  (النظر بعيداً عن الأشياء الأولية والمبادئ والقوانين والحتميات المسلّم بها، (ويوجه) النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار. فـإن مركـز الثقـل فـي اهتمامـه لا ينصبّ على الحقائق الثابتة، وإنما على ما يحصله الإنسان من منافع يستثمرها في حياته العلمية حتى إنه ينظر إلى الحقيقة على أنها هي المنفعة وفي هذا (خلط واضح بين الحقيقة نفسها، والهدف الأساس من محاولة الظفر بها، فقد ينبغي أن يكون الغرض من اكتساب الحقائق هو استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة، ولكن ليس هذا هو معنى الحقيقة بالذات، فإعطاء المعنى العلمي  - البحت - للحقيقة، وتجريدها من خاصية الكشف عما هو موجود وسابق! استسلام مطلق للشك الفلسفي الذي تحارب التصورية والسفسطة لأجله، وليس مجرد الاحتفاظ بلفظة الحقيقة في مفهوم آخر كافياً للرد عليه، أو التخلص منه، وما دام تيار الحياة متنامياً في سيره، فإن حقائق جديدة تلغي وتتجاوز الحقائق القديمة، فلا شيء يبقى ثابتاً!، وفي ضوء هذه القناعة فإن أصحاب هذا المذهب يرون أن التربية والنمو صنوان وليس للنمو غاية تتجاوزه أو تعلو عليه، فغاية النمو هو النمو ذاته.        إن من عيوب هذا المذهب جعله الحياة الحاضرة محوراً وحيداً للتربية دون الالتفات للحياة المستقبلية، الأمر الذي جعله يفتقد قاعدة صلبة من المبادئ والأهداف الثابتة التي تضبط حركة الحياة، وتحمي الإنسان من التيه والقلق والتأرجح بين أحداث الحياة وتطوراتها المتلاحقة، وتلك نتيجة حتمية لإغفاله للجانب الروحي في الإنسان ورفضه للإيمان بما وراء المادة، وهذا ما حكم على نظريته التربوية بالدوران في حلقة مفرغة، فهي تدور مع حركة الحياة المادية حيث دارت من غير الاستناد إلى مبدأ عميق ومقياس دقيق تفصل بواسطته بين الغث والسمين، والصالح والطالح ضمن تراث الإنسانية المترامي الأطراف، وتنفذ بواسطته وراء أسوار الحياة المادية الضيقة.

 

 

سمات عامة في التربية الغربية:

 

       وهكذا فإننا إذا تأملنا المذاهب التربوية الثلاثة تبين لنا بوضوح انطباعُها بطابع النظرة الأحادية الجانب، التي تركز على بُعد واحد من أبعاد الكيان الإنساني على حساب الأبعاد الأخرى؛ فقد لمسنا كيف يضخم المذهب المثالي جانب الروح على جانب الجسد بكل ثقله، مستهيناً بما يستشعر ذلك الجسد من حاجات، عازلاً الإنسان عما تموج به الحياة، مغرقاً إياه في صور وخيالات غريبة لا قِبَلَ له بها، مخرجاً إياه من فطرته التي فطره الله (تعالى) عليها، وهذا في مقابل المذهب الطبيعي الذي يفعل العكس تماماً؛ فليس هناك في ظل ذلك المذهب مُثُلٌ عليا يتجه إليها، غير الانسياق وراء ما تمليه عليه الطبيعة، ولا مكانٌ مرموق لقوى العقل وضوابط الأخلاق، والثغراتُ نفسها تشكو منها النظرية التربوية البراجماتية؛ إذ إن إعداد الإنسان عندها هو الإعداد لحياة هادرة يتقلب الإنسان بعنف وراء أمواجها المتلاطمة دون تحديد لقواعد ثابتة يتم الرجوع إليها وللكمال الذي يأوي إليه.

إن نتيجة مهمة يمكن استخلاصها مما سبق، وهي أن تضارب الأفكار والمواقف الذي تعبر عنه النظريات الغربية، هو برهان ساطع على أن المنطلقات التي تصدر عنها تلك النظريات خالية تماماً من اليقين العلمي، وإلا لانتهت إلى قناعات مشتركة حول قضايا الإنسان والمجتمع، فهذا التخبط الذي تعاني منه هذه النظريات وغيرها نابع من الجهل بحقيقة الوجود وحقيقة الإنسان محور الحياة فيه، وهذا ما يؤكد عليه الدكتور (ألكسيس كاريل) في قوله: (إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة. من سمات النظرية التربوية الإسلامية: إن التصور الإسلامي في التربية تجاوز ذلك التخبط الرهيب، الذي ظل يلاحق النظريات الغربية؛ لأنه ينطلق من أسس وأصول محكمة وفهم شامل حول الكون والإنسان والمجتمع بني على وحي ممن خلق الإنسان ويعلم حقيقته وجوهره : “أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ “[الملك :14] ، وهو يتعامل مع الإنسان على بصيرة، بمكوناته كلها، دون إغفال إحداها لصالح الأخرى؛ لأن مطبقيه يعلمون أن ذلك الإغفال هو مدخل الخلل في الكيان البشري وانعدام التوازن فيه، وبالتالي إفلات الزمام تماماً من قبضة المربين الذين يتولون تنشئة الإنسان، وتعرّض هذا الأخير للدمار والانتكاس. فالتربية الإسلامية التي تنبثق من الإسلام ونظرته الشاملة في الكون والإنسان والمجتمع، تميز في المعرفة بين مجال يرتاض فيه الإنسان بطاقاته العقلية، ويصل فيه إلى اكتشاف حقائق وأسرار، وهو مجال الطبيعة الفسيح الذي لا قِبَلَ للإنسان بمعرفته إلا عن طريق الوحي الإلهي: أي عن طريق الدين الصحيح، وهو مجال (ما وراء الطبيعة)، والكيان البشري بتعقيده الهائل وتفاعل عناصره جزء من ذلك المجال، وبتعبير واضح: مجال تنظيم حيـاة الإنسان وعلاقاته بالآخرين في دوائرها المختلفـة وكيفية معاملته لذاته.
فإصرار الفكر الغربي على أن بوسعه معرفة كل شيء عن الإنسان هو الذي قاده إلى الطريق المسدود، والأزمة الخانقة التي تضرب الغرب بعنف شديد. العلوم الكونية بين ذانك المنهجين :

وتقودنا المسألة الآنفة الذكر إلى البحث عن الدافع الذي كرس لدى الإنسان الغربي هذا الاعتداد بالعقل. ومن الميسور لنا أن نقول بأن التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان الغربي أدى إلى إصابته بالغرور والانبهار؛ فاعتقد ـ خطأً ـ أن العلم هو الآلة السحرية التي لا يند عنها شيء، ولا يعزب عنها مثقال ذرة، وخيل إليه من فرط إعجابه باكتشافات العلم أن هذا الأخير أصبح بديلاً عن الدين في تحقيق السعادة للإنسان. أما التربية الإسلامية، فإنها تنظر إلى العلوم الكونية على أنها مجال لتعميق الإيمان بالخالق (عز وجل)؛ إذ إن المعرفة ليست معزولة عن الحكمة، بل هي على العكس من ذلك المحراب الذي يقود إليها، قال (تعالى): ((إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)) [فاطر: 28]، وقال (تعالى) : ((إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (آل عمران،190) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) ، (آل عمران، 190-191). وإننا بنظرة عميقة إلى كلمة الشهادة التي هي إعلان لدخول الإنسان في الإسلام نتبين حقيقتين عظيمتين في الوقت ذاته: الحقيقة الأولى: هي مسؤولية الإنسان الفردية في فعل الشهادة، والحقيقة الثانية : تعني أن تعبيري عن الشهادة بقولي : (أشهد أن لا إله إلا الله) (لا يحدث في فراغ أو في انعزال عن عالم الطبيعة، وإنما يحدث في عالم الطبيعة وبه، فالمعرفة المطلوبة في الشهادة لا تحدث في الإنسان وحده كعارف، وإنما تحدث فيه بوجود موضوع المعرفة أو وجود عالم المخلوقات بما فيها هو نفسه كأحدها. أهداف التربية بين المنهجين: إن الخصائص المذكورة التي ميزت النظريات الغربية في التربية، ومن بينها وقوع الفصام النكد بينها وبين الدين، وبالتالي التعويل على العقل وتأليه العلم، كل ذلك أوقع التربية الغربية في الذاتية والهوى ومحدودية الأفق في تحديد الأهداف الكبرى التي تتوخاها، ورغم الشوط الذي قطعته العلوم الإنسانية في الغرب، فإنها لم ترتق بتلك الأهداف (فعلى الصعيد الفردي دعت هذه العلوم الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنها منبع القيم المستقل والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده، وأصبحت الحرية في نظر الغرب متساوية مع الممارسة التي لا تخضع لمبدأ أو قانـون، بل تصدر عن الإرادة الشخصية مجردة)، وقد تأثرت نظرية التربية بهذه النزعة إلى التمركز حول الذات؛ فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجانس في الرغبات بين أفراد المجتمع الواحد، أما إذا تجانست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها. لقد استقرت التربيـة الغربية على أن الهدف الأسمى (للتربية) الذي ينبغي العمل على تحقيقـه هـو إعـداد المواطن الصالح، وشتان بين هذا الهدف الضيق والهدف الرفيع الذي ترمي إليه التربية الإسلامية، وهو إعداد الإنسان الصالح (الإنسان بجوهره الكامن في أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان؛ وذلك معنى أشمل ـ ولا شك ـ من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين. من إيجابيات النظريات التربوية الغربية : وإذا كانت النظريات الغربية ـ موضوع النقاش ـ تشكو من تلك العيوب والثغرات التي رأيناها، وهي عيوب وثغرات مترتبة حتماً عن طبيعة الأسس الفلسفية التي يشيد عليها أعلام الفكر والتربيـة في الغرب أبنيتهم ونظرياتهم التربوية، فإن الإطار العام لتلك النظريات قد اشتمل على بعض الاجتهادات في مجال التنظير والتطبيق التربويين، التي مكنت الفكر التربوي الحديث من تجاوز بعض العناصر المثبطة؛ فاهتداء التربية الحديثة في شخص أحد أقطابها المرموقـين (روسو) إلى أهمية وضرورة تحرير الطفل من عوائـق الآباء والمجتمع، وتحذير (البراجماتية) ـ مستفيدة في ذلك من تراث(روسو) من سلب الطفل فاعليته وقصر نشاطه على تقبل آراء المعلم ومتابعـة أفكـاره، بـدل إشراكـه بطريقة ديمقراطيـة في التفكير والبحث والتمحيص ليصـل إلى الحقائق بنفسه، كل ذلك شكّلَ مكاسب في إطار الفكر التربـوي الغربي أزاحت مجموعة من العوائق التي كبلت الفعل التربوي مما تسبب عنه ارتقاء في المردود التربوي وتحسن في وتيرته.

ملحوظة مهمة : ومن خلال بحث هذا الموضوع أرى ـ من الأمانة العلمية والإخلاص للحق ـ أن نورد ما انتهى إليه أحد الباحثين من أن هذا الذي أصبحت تنادي به التربية الحديثة من ضرورة تخفيف (آثار البيئـة وآثار الآباء على نمو الأطفال من ناحية، وتنظيم البيئة التي تتطابق أكثر من غيرها مع خير نمو لنموهم العقلي والخلقي من ناحية أخرى، إن هو إلا تعبير عما جاء به الإسلام ممثلاً في مفهوم الفطرة الواردة في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه…إن التأمل في واقع الإنسان يدلنا على قابليته للتطبـع بعقائد البيئـة التي تكتنفه في مراحله الأولى؛ مما يترتب عنه تشكّل عقليته ونظرته للحياة في قوالبها، كما يدلنا على حرص الآباء على أن يكون أبناؤهم على غرار النماذج المرضية عندهم المألوفة لديهم. في خضم هذا الوضع يعلن الإسلام عن مبدأ الفطرة التي تعني أن مصير الولد في عقيدته وأخلاقه كامن فيه وليس في المجتمع الذي يولد فيه و (هذا التركيز على ما أوجد في خلق الإنسان من قدرات ترشحه لحب الحق وللتوجه نحوه وبه، نَقَلَ مهمة التربية نقلاً جذرياً وغيّـر غاياتها تغييراً أساساً، فبعد أن كانت مهمتها نَقْلَ ما توارثه الآباء والمجتمع صارت مهمتها توفير ما يلاءم فطرة الإنسان من نمو عقلي وخلقي ووجداني، وصارت غايتها كمال هذه الفطرة، وبهذا الانتقال ارتقت التربية من ضيق وتعدد نسبية المجتمعات المختلفة إلى تربية عالمية ترتبط بحقيقة الإنسان أينما كان وفي أي عصر كان.

خلاصة واستنتاجات: يَتَبَينُ من المعطيات السابقة أن في الإسلام تصوراً يمتلك مقياساً دقيقاً يُعْرَض عليه ما توصل إليه التراث الإنساني في المجال التربوي، يقبل منه ما يقبل مما هو داخل في نسيج الحقائـق المعبرة عن واقع الإنسان، ويرفض منه ما يرفض مما لا تتوفر فيه شروط الصدق وموافقـة قوانين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ومن هذا المنطلق : فإن التصور الإسلامي يتبنى بكل ثقة ما تتوصل إليه الإنسانية من كشوف متميزة ومناسبة في عالم التربية بما لا يناقض أسسها ومنطلقاتها معتبراً إياها جزءاً من نسيجها الشامل على اعتبار أن في ذلك النسيج ما يدل دلالة واضحة عليها، ويهدي إليها.

النظرية الطبيعية في التربية

يُعدّ (روسو) رائد (المذهب الطبيعي) وواضع أصوله؛ ومن أصول ذلك المذهب أنّ الفرد هو شعار التربية، وأنّ التعبير عن الذات هو الهدف النهائي لها؛ وبنى الطبيعيون على هذا أنّ التربية القويمة لا تتحقق إلا بإطلاق الحرية التامة للأطفال، وأنّ من مقتضيات الحرية أن يكون التعليم مختلطاً، وأن يُسْمح بالرقص والسباحة والتعري ومناقشة مسائل الجنس بلا تحفظ، أما المشكلات الجنسية فترجع أسبابها ـ بزعمهم ـ إلى رغبة الآباء الذين يريدون حمل أبنائهم على مبادئ الدين وقواعد الأخلاق! والصواب ـ بزعمهم أيضاًَ ـ أن تكون تربية الطفل بين سن الخامسة والثالثة عشرة سلبية، لا يُعلَّم فيها الطفل شيئاً ولا يُربّى خلالها أيّ تربية، بل يُترك للطبيعة، محاطاً بأجهزة وأدوات مـن شأنها أن تُوسِّع مداركه. ويـؤمـن الطبيعيون بأنّ التربية هي عملية إعداد للحاضر لا للمستقبل، ومن الخطأ ـ عندهم ـ أن يُضَحّى بالحاضر المتيقَّن في سبيل مستقبل مضنون.

ولد  جون جاك روسو في عصر كانت فيه أوروبا تعيش عصر التسلط الكنسي المتحالف مع الإقطاع، عصر سادت فيه الأنظمة الإقطاعية والاجتماعية الجامدة، التي ولدت أنواعا من الظلم والبؤس عانت منها الطبقات الفقيرة، فرنسا كانت نهبا لصراعات داخلية من أبرزها محاولة الطبقة البرجوازية(المتوسطة) الجديدة التحرر من الحكم الملكي الاستبدادي الممثل لتحالف رجال الدين مع الإقطاع.

وقد غذت محاولات التحرر هذه عدد من المفكرين والفلاسفة باسم “حركة التنوير” التي كانت تتطلع إلى فك قيود الفكر من سيطرة التقاليد والخرافات في عصر متنوع الاتجاهات والمذاهب.

حياته: ولد سنة 1712 في جنيف بسويسرا من أب فرنسي وأم سويسرية توفيت مباشرة بعد الولادة، وقد قال روسو في هذا الشأن في كتابه “اعترافات” لقد كلفت أمي حياتها وكانت ولادتي هي سوء حظي في هذه الحياة”.

في السادسة من عمره علمه والده القراءة والكتابة، ومساء يقرأ على مسمعه ما تركته أمه من كتب التاريخ والروايات و الأدب فنمت لديه عاطفة وحب للخيال وعشق للحرية. دخل المدرسة لفترة قصيرة في قرية بوزي (Bossey) قرب جنيف، لكن ما لبث أن تركها.

بعد ستة عشر من عمره عاش سنوات من البؤس والتشرد والبطالة.

في التاسعة عشر من عمره تعرف على السيدة دي وارنز (De Warnes)  رعته وأعادته للمدرسة من جديد وحببت إليه القراءة، وساعدته في إيجاد عمل في إحدى الدوائر الحكومية عرف نوعا من الاستقرار هذه العشر سنوات.

في الثلاثين من عمره غادر جنيف إلى باريس حيث كان أصحاب حركة التنوير ينشرون أفكارهم في الحرية والمساواة والعدالة، فتعرف روسو إلى بعضهم وعقد صدقات من ديدرو وفولتير (Voltaire & Didero).

فاز ونال جائزة على بحث كتبه، عنوانه “مقالة في الفنون والعلوم”، وهنا نقطة تحول له حيث كتب مقالات كثيرة وألف كتبا عديدة جلبت له الشهرة ونقمة رجال الدين وأهل الحكم وأمرت السلطات بحرق كتبه والقبض عليه، ثم هرب إلى بروسيا إلى أن دعاه الفيلسوف البريطاني دافيد هيوم للإقامة في بريطانيا، لكن سرعان ما عاد إلى باريس، حيث عاش حياة البؤس والشقاء حتى وفاته عام 1778.

ولا يخفى خطأ هذه الآراء (الطبيعية) وضلالها، ومخالفتها للفطرة السليمة؛ فكون التربية إعداداً للحاضر لا للمستقبل لا معنى له؛ لأنّ الحاضر والمستقبل متصلان اتصال الليل بالنهار، ولأنّ التربية عملية اجتماعية، والأفراد لا يعيشون أشتاتاً كنبتات بريّة في صحراء، فإنّ أمكن ـ جدلاً ـ إعداد الطفل للحاضر بوصفه الشخصي لم يتأتَّ ذلك بوصفه الاجتماعي، وإلا كانت العملية التربوية نفسها عبثاً لا طائل تحته. ولا معنى ـ كذلك ـ لإطلاق الحرية التامة للأطفال ما داموا يجمعهم مكان واحد وزمان واحد، وإنما يُتَصَوّر إطلاق الحرية التامة لطفل واحد، أو لأطفال مبعثرين قد تقطّعت بينهم الأسباب! ولا معنى لانتهاء حرية الفرد عندما تبدأ حرية الآخرين إلا انتفاء الحرية المطلقة التي يدّعيها أو يدعو إليها الطبيعيون، والحرية المطلقة ـ إنْ وجدت ـ عاقبتها تحويل المجتمع برمّته إلى بؤر فساد وإفساد. والقول بأن التربية المقصودة هي إفساد لطبيعة الطفل الخيّرة.. تحكّمٌ بلا دليل، وإذا كان الصغار كما تفترض المدرسة الطبيعية ملائكة فلِمَ لا يحافظ خريجو المدرسة الطبيعية على نقائهم؟ ولِمَ لا يكونون هم المؤثرين فيمن سواهم من الناس، إذ هم كبار راشدون؟! بل الصواب كما قال (المناوي) في شرح حديث الفطرة الذي رواه البخاري: “… أنّ الإنسان مفطور علـى التهيّؤ للإسلام بقـوة، ولكـن لا بد من تعلُّمه بالفعل؛ فمن قدَّر الله كونه من أهل السعادة قيّض الله له مَن يعلّمه سبيل الهدى فصار مهذّباً بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبَّب له مَنْ يغيّر فطرته ويثني عزيمته”. واكتساب المعرفة ليس رهناً بإتباع أسلوب التعلم كما يزعم الطبيعيون، وإلا فمتى يكتسب كل طفل بذاته ذلك الكمّ التراكمي الهائل من المعارف والخبرات التي جمعتها البشرية عبر العصور؟! أما إطلاق الحريات للغرائز الجنسية، والأخذ بالتعليم المختلط، وإباحة التعري لمن شاء من الطلبة والطالبات فلا ريب أن ذلك هو ـ عينه ـ المتسبب في إنتاج المشكلات وترويجها، ولا يمكن أن تكون مبادئ الدين وقواعد الأخلاق هي المتسببة فيه، لا، حتى ولو كان الدين مُحَرَّفاً كدين الغربيين، والأخلاق منحرفة كأخلاقهم! ومعلوم أن الغريزة الجنسية لا تثور من تلقاء نفسها، بل لا بد لها من مثير يثيرها؛ فكان القصد إلى إثارتها سَفَهاً وضلال رأي، وقد تواترت الأدلة، وأثبتت الوقائع أنّ عاقبة ذلك لا تكون إلا الفتنة والفساد الكبير، وانظر تَرَ أن أكبر نسبة من الأطباء النفسيين في العالم متجمّعون في (هوليود) مدينة صناعة السينما الأمريكية والإباحة الجنسية، وأن السويد ـ صاحبة قصب السبق في الحرية الجنسية ـ هي أكثر دول العالم اكتظاظاً بالمشكلات الناشئة من تلك الحرية، وأن دائرة هذه المشكلات قد اتسعت فيها لتشمل الزنا بالبنات والأخوات والأمهات.. وكانت الإحصاءات قد أحصت في أوائل الخمسينيات من هذا القرن في إنجلترا وحدها أكثر من نصف مليون طفل من أبناء الزنا؛ فكم أصبح العدد في إنجلترا وأخواتها الأوروبيات، وقد أصبحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين؟!

كلّ من كان لديه صبرٌ لقراءة « إميل » بأكمله – وليس من خلال بعض الاستشهادات- يعلم أن هذا الكتاب يتحدث عن كلّ ما يهم الفلسفة في القرن الثامن عشر، وأن «إميل» ليس ما أعتيد على تسميته «كتاب في النظرية التربوية»، بالرغم من هذه السمعة الراسخة. تسعى هذه المقالة بتواضع كبير أن تلقي بعض الشكوك على أسس هذه السمعة.

لنلاحظ أن تصنيف «إميل» بين كتب النظريات التربوية كان متأخراً. فقد ذُكر، أثناء الثورة، ميرابو وتاليران Talleyrand وكوندورسه Condorcet و الأب غريغوار L’abbe Grégoire عدة مرات خلال المناقشات حول المدرسة، أما روسو فقلما دخل الجمعية الوطنية، وحين تدخل روبسبير بنفسه في المناقشات، لم يكن ذلك من أجل أن يشيد بنموذجه الذي قاده باكياً إلى البنتيون، لكن من أجل أن يقترح نصاً طُبع بعد وفاه صاحبه لبيلتيه دو سانفارجو Lepelletier de Saint Fargeau. أما الإشارات إلى روسو فقد اقتصرت على نصه المتعلق ببولونيا. أما المقولات التي تشيد بـ«كاتب إميل الخالد، والتي غالباً ما تذكر، فإنها لا تشير إلى روسو إلا كأثر ماض وليس كمصدر إلهام. ولم يجد إميل مكانته التربوية العظيمة إلا مع إنشاء المدرسة الجمهورية العلمانية الإجبارية.

 

إميل وكتب التربية :

من الجيد التذكر أن كل كتب النظريات التربوية ينبغي أن تحقق عدداً من المبادئ :

 1- اقتراح أهداف (لماذا التربية، وفي أي هدف).

2- اقتراح أسلوب (كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف، وأي ترتيب ينبغي أن يراعى)  

3- دراسة الصعوبات واقتراح الحلول (ماذا ينبغي أن نفعل في حالة ما، كيف يمكن التصرف في حالة فشل ما).

أولاً : تختلف الأهداف من نظرية تربوية إلى أخرى، غير أن كلها ترتبط بالمجتمع الواقعي. مع أفلاطون كان الهدف تشكيل مجتمع منسجم، ومع أرسطو مواطنين قنوعين، أما إكسنوفون Xenophon و بلتارك Plutarque فإنهم قد وعدا بأسر سعيدة، وأما سانت بازيل Saint Bazile وفينلون Fenelon فإنهما كانا يريدان مسيحيين مثاليين، أما نظام رابله Rabelais أو بورت رويال Port Royal أو لوك Locke فهدف إلى تشكيل نخب متنورة. أما كوندياك Condillac وإلفيتيوس Helvetius فقد أرادا تكوين علماء مفيدين للتقدم. فيما يتعلق بإميل، فإنه لا يقترح أي غاية، هناك مسألة «صنع إنسان» ليس مسيحيا أو مسلماً أو تاجراً أو فارساً: مجرد إنسان. إن كلّ فلسفة تربية تهدف إلى إعطاء الإنسان صفات نوعية (شريف، تقي، عالم، وطني) وليس ما تم «صنعه» من قبل. وحين يلح روسو أيضاً: «العيش هي المهنة التي أريد له أن يتعلمها» لا يوجد هنا أي انشغال بأي إشكالية في الفكر التربوي، ولكن إعلان طلاق يضع إميل خارج هذا الفكر.

ثانياً : لننظر في الأساليب. ينظر الفكر التربوي حول الفائدة من فصل الأطفال عن عائلاتهم، استعمال السوط أو قطعة الحلوى، التعلم بجدية أو عن طريق اللعب، الحديث بالفرنسية أو باللاتينية، تعلم الهندسة بالاستبصار او عن طريق التلقين. حين أراد فينلون تعليم الثالوث الأقدس لبنت صغيرة، لم يتردد فينلون من تكريس عدة صفحات دون أن ينسى أي تفاصيل صغيرة، تماماً مثل تأملات لوك حول استعمال السوط. أين إميل من ذلك؟ إن روسو، كما قيل، كان مع فصل الطفل عن عائلته، رفض السوط مثلما رفض الثواب، واستبعد فكرة الحديث بعدة لغات، ولا سيما اللاتينية، الخ. غير أن إميل يجيب عن هذه الأسئلة دون أن يطرحها بنفسه. إن إيجاد مثل هذه “الإجابات” مشروع، فمن الممكن دائماً تناول أفكار من نص ما لإغناء إشكاليات مختلفة. يمكن لقطعة الشمع عند ديكارت وصنع الأداة عند سبينوزا وجنون النحوي حسب إراسم Erasme ومملوك أفلاطون إلهام الكثير من المربين بشكل سليم. ويمكن أن يكون هناك التلاقح ما بين نظريات التربية. إن كل فلسفة كبرى تجيب على أسئلة التربية دون أن تكون فلسفة تربية.

هل يوجد في إميل أسلوب حقيقي؟ تكثر في الكتاب الثاني والثالث أمثلة قوية بحيث يمكن أخذها كأمثلة متعاقبة لتطبيقها. حكاية الجنائني روبرت: كيف يمكن تعليم طفل ذو ثمان سنوات لا يعرف القراءة والحساب مبادئ القانون التجاري والعقود القانونية. يجعله المشعوذ ذو صاحب البط الممغنط اكتشاف البوصلة، أما بطاقات الدعوة الصغيرة بالتأكيد ستكون أسلوباً قوياً لتعليم القراءة! أيمكن أن نغفر لهذه النبرة المستهزئة، أما هذه الاسكتشات غير قابلة للتطبيق حقيقة، ليس نتيجة غفلة أو أوهام الكاتب ولكن لأن مسألة تطبيقها لم تطرح، فإنها لا تشكل نماذج تربوية ولكن أدوات موجهة لاستعمال آخر.

«إن تفصيل القواعد ليس موضوعي. أعطوا الطفل هذه الرغبة (القراءة).. سيكون كلّ أسلوب مناسباً له… أأتكلم الآن عن الكتابة. لا، أشعر بالعار لأنني أتلهى بهذه الترهات . لا يهمني إن نجح في أو لم ينجح في اللغات القديمة، في الآداب الجميلة أو الشعر… لا يراد كلّ هذا العبث في تربيته.»

كتاب في نظرية التربية دون تفاصيل، أمثلته لا طائل منها، يعطي أسلوباً وحيداً للقراءة «رغبة» القراءة، يصف تعليم الكتابة بالترهات، والنجاح في البلاغة بالعبث، كل هذا سيدفع المربين إلى إدانة هذا الكتاب بالحرق. يعد روسو بتعليم الطفل « فن أن يكون جاهلاً »، بحيث أنه في عمر الثانية عشرة لا يعرف التمييز يده اليمنى من اليسرى، أن لا يكون له أي خيال في الخامسة عشرة، الخ. لا بد أن تُدهش العيون حين يعهد أحد الآباء ابنه لمثل هذا المربي!

ثالثاً : تفرض عقبات مثل العصيان والكسل والغفلة تصنيفات متنوعة وحلول مختلفة (تتراوح ما بين العقاب والثواب)، ويكون الهدف دائماً تربية الطفل بالرغم من طبيعته. يوفر إميل في حالات واقعية عن أطفال غير محتملين مغرورين. يتم حبس هذا الطفل في خزانة، يجبر على البقاء في السرير، يهان من قبل عابرين متواطئين، ينام في غرفة باردة سيكسر نوافذها، الخ. غير أن إميل، يريد، أساساً، «تربية سلبية» ضد الأخطار التي تهدد الطفل. لا تصدر هذه الأخطار عن الطفل، من طبعه أو من عمره، ولكن من تأثير الآخرين الذين يهددون «القلب الإنساني». ليست الصعوبة في تربية الطفل رغم طبيعته، ولكن الصعوبة هي الحفاظ على طبيعته رغم التربية. هنا أيضاً يكون إميل عكس ما تمثله نظرية تربوية : لا أهداف، لا أسلوب، لا علاج.

 

أفكاره التربوية :

كانت آراؤه تعبيرا عن أراء الفلسفة في الطبيعة البشرية والتي هي بدورها رد فعل متطرفة لفساد المجتمع في تلك الحقبة.

يعتقد روسو أن الطبيعة خيرة، وأن الشر والفساد من صنع البشر “كل ما يخرج من يدي الله يكون خيرا ويد الإنسان تفسده.

الفصل الأول لكتاب إميل (تحدث فيه عن تربية الطفل من الميلاد إلى خمس سنوات)

انتقد روسو التربية التقليدية في كتابه إميل بشدة وعنف ورفض عادة اللفافة وتعجب كيف نقيد الطفل منذ ولادته بلفافة، ونقيده في حياته بالعادات والتقاليد، ثم نقيده بعد مماته بكفن فيولد الإنسان ويعيش ويموت مقيدا.

التربية الطبيعية هي ترك الطفل يعيش بحرية.

يركز روسو على بناء جسم الطفل بناء سليما بالغذاء والألعاب الرياضية.

يرفض تلقين الطفل مفردات لغوية كثيرة، وأن يردد ألفاظا لا يفهمها، إذ يرى أنه من الخطأ أن نعلمه نطق الكلمات أكثر من قدرته على التفكير.

الفصل الثاني (من ستة سنوات إلى اثنى عشرة سنة)

يعتبرها روسو من أهم المراحل التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا يترك الطفل يعيش في الطبيعة، يستمد معلوماته عن طريق الحواس ومن ملاحظاته، فالمربي الحقيقي هو الطبيعة وموجودتها ودور الإنسان هو مساعدة الطفل على فهم دروس الطبيعة، دعامة التربية في هذه المرحلة هي الحواس والمحسوسات، فيقول: “اجعل المسائل في متناوله ودع حلها له ولا تجعله يعلم شيئا عن طريقك واجعله يفهم كل شيء بنفسه.” ويقول أيضا: “لا تقدم لتلميذك أي نوع من الدروس الكلامية، فعليه ألا يتلقى مثل هذه الدروس إلا من التجربة.”

الفصل الثالث (يتناول فيه الدروس ما بين اثنى عشرة سنة حتى الخامسة عشرة سنة)

في هذه المرحلة يتعلم إميل ما هو عملي ومفيد له، لذا لابد من اختيار المواد بدقة وحذر، ويوصي روسو بتعلم العلوم الطبيعية وعلى رأسها الفلك ثم الجغرافيا ولا يتعلمها الفتى من الكتب والخرائط بل من ملاحظة الطبيعة وعن طريق الأسفار، ورغم هذا ينصح بكتاب روبرسون كروزي   (Robinson Crusee)  فهو ينصح في الابتعاد عن الخطب الرنانة… تمثل هذه المرحلة النشأة العقلية عند الإنسان في الاستطلاع والقدرة على المناقشة والفهم والتحليل من أهم ما يميز هذه المرحلة، وتعلم حرفة يدوية أو مهنة منسجمة مع هذه المرحلة.

الفصل الرابع (تناول فيه الحديث عن تربية الشباب من الخامسة عشرة سنة إلى العشرين سنة)

وهو ما أسماه بالتربية الوجدانية والأخلاقية، ينصب الاهتمام على تنمية العواطف والأحاسيس والمشاعر وإيقاظ الضمير، و أن الأخلاق مكتوبة في أعماق كل إنسان بشكل طبيعي؛ ويعطي روسو قيمة كبيرة للضمير ويراه مبدأ الأساس للعدالة.

الفصل الخامس (من عشرين سنة إلى خمسة وعشرين سنة)

يتحدث فيه عن تربية الفتى والفتاة، في هذه يلتقي إميل ب “صوفي” التي تربت كما تربى إميل، مما جعلها أهلا للزواج منها لكنهما لا يتزوجا إلا بعد أن يقوم برحلة لمدة سنتين، ينتقلا خلالها في الدول ويتعرفا على أنظمتها الاجتماعية وعلى شعوبها وعاداتهم وتقاليدهم.

 

التربية في فكر روسو :

 

بالتأكيد، أن مسألة التربية لم تكن غريبة عن فكر روسو، فقد تناولها في إطار تفكيره السياسي: غايتها إنشاء مواطنين وطنيين صالحين. فقد تناولها في مقالته الاقتصاد السياسي التي حررت للموسوعة وفي مقالته حول حكومة بولونيا. كان فكره صارما، أراد أن تتم تربية الأطفال بعيداً عن عائلاتهم في إطار الدولة. وحين قال روسو أن كتاب الجمهورية لأفلاطون هو نظرية في التربية، كان ذلك بفهمه أن الدور الأول للدولة هو تعليم المواطنين. وأن التربية قضية هامة جداً لا يمكن تركها للمدرسين والآباء.

«بالتأكيد، أن الشعوب، مع الوقت تكون مثلما أرادتها الحكومات .إنها لنقطة مهمة. إن التربية ينبغي أن تعطي النفوس القوة الوطنية، وتوجيه آرائها وأذواقها بحيث تكون وطنية بالرغبة والعاطفة والضرورة»

إن التربية إدماج، تدمر «أنا» الفرد وتعوضها بـ «أنا» الجماعة بحيث يفكر كلّ فرد بالمصلحة الجماعية قبل المصلحة الفردية، وهذا ما يدعى« الفضيلة». وقد أعطي هذا المعنى في السطور الأولى لإميل.

«إن المؤسسات الجيدة هي المؤسسات التي تعرف تغيير الإنسان.. نقل الأنا إلى الوحدة الجماعية . »

بالتأكيد أن إميل يتناول التربية، حتى أنها كانت العنوان الفرعي للكتاب! ماذا يعني إذاً هذا المفهوم. تمثل الصفحات الأولى منظومة من التعاريف، تتناول الطبيعة، الإفساد، العادة، الإنسان والمواطن. بشكل عام فإن هذه المفاهيم تمثل فلسفة القرن الثامن عشر، هذه الفلسفة التي اتجهت نحو التمييز ما بين الطبيعي و المصطنع، والتي كانت مفتونة بسلطة العادة ومتركزة على العلاقة ما بين العواطف الطبيعية والعواطف السياسية.

ومن ثم، أن كلّ هذه الأسئلة تتضح في مفهوم التربية. في المقام الأول، إن التربية في المفهوم الشائع ليست صالحة، إنها صناعة لشواذ، إنها تهذيب يخرق الطبيعة، إنها صالحة للسياسة، حيث إنها تكيف الفرد مع جماعته وتدمج أناه في الأنا الجماعية.

بعد تربية الواقع، يحدد روسو التربية في ماهيتها حسب ثلاثية : التربية والطبيعة، تربية الأشياء، تربية الآخرين. ويعطي في بقية الكتاب مضموناً محدداً لهذه الثلاثية : تعزز الطبيعة الجسد وتحرر المواهب الإنسانية، وتطور الأشياء المحيطة بالإنسان والمتوفرة لسلوكه ذاكرته وعقله، ويتدخل الآخرون بدءاً من التنبه الجنسي عند نشوء المشاعر الترابطية (الصداقة، الشفقة، التقدير).

بهذه الثلاثية «التربوية» يضع روسو انتربولوجيا اجتماعية ذات قاعدة طبيعية. فيستبعد اجتماعية طبيعية تجعل الإنسان في الدولة مثل النحلة في خليتها، وفكرة اجتماعية تعاقدية التي تجعل من الدولة قراراً ناتجاً عن الحساب الإنساني. ليست هناك حاجة لقلب الطبيعة ليصبح الإنسان اجتماعياً، إنها طبيعته التي تجعله كذلك، ولكن بالعودة، هذه الاجتماعية لا يمكن أن تستغني عن فعل الآخرين، إن الوحيد لا يمكن أن يكون اجتماعياً أبداً. إن فعل الآخرين على الإنسان ليس مصطنعاً، تفرضه الطبيعة، طبيعة تجعل الناس يعملون ما تريد أن يعملوه دون أن يكون لها قدرة على فعله بنفسها.

إذاً ما يدعوه روسو «بالتربية» ليس سوى فلسفة السببية : بأي آليات، حسب سياق الزمن، تتطور الطبيعة الإنسانية في اتجاه المجتمع، وفي أي آليات تستطيع هذه الطبيعة أن تفسد وأن تهدم الصلات الحقيقية للإنسانية؟ إن مفهوم التربية يجيب على هذين السؤالين.

إن تربية إميل هي تاريخ الإنسانية، كان ينبغي على الإنسانية أن تتربى بنفسها، أي أنه في كل إنسان مبادئ تربيته الذاتية ، وانتقاله من الطبيعة البرية (الوحشية) إلى الطبيعة الإنسانية. إن القلب الإنساني هو ذاته في النوع الإنساني وفي الفرد، ومهمة إميل هي وصفه، وهو، في هذا المعنى كتاب انتربولوجيا، تاريخ النوع الإنساني كما أرادته الطبيعة وكما كان ينبغي أن يظهر.

 

مبادئ التربية الطبيعية عند روسو:

 

1- الإيمان ببراءة الطفل، وهو تأكيد لاعتقاده بخيرية الطبيعة البشرية، إنه يذكر أن الإنسان ابن الخطيئة.

2 - الإعلاء من شأن الطبيعة: فالطبيعة يتعلم منها الإنسان ما يحتاج، والتربية الصحيحة هي السير وفق قوانينها.

3 - مبدأ الحرية : ترك الطفل يتدبر أمره بنفسه يحمله على التفكير واكتشاف المفاهيم والحقائق، على المربي أن يخلق مأزقا للطفل ثم يترك له الحرية للخروج من المأزق، وبهذا تتم عملية التعلم التلقائي الراسخ.

4 - مبدأ التربية السلبية: أي ألا نعلم الطفل شيئا لا يطلب تعلمه، فترك له الحرية في الحركة والاحتكاك واكتشاف الخبرة العملية والابتعاد عن الدروس اللفظية فيقول: “لا ينبغي أن نلقن الطفل دروسا لفظية، فالتجربة وحدها هي التي يجب أن تتولى تعليمه وتأديبه.

5 - مبدأ الطفل هو محور التربية: أي معاملة الطفل كطفل لا كراشد، وأن ميوله وخصائصه وحاجاته الحاضرة ومصالحه يجب أن تكون مركز العملية التربوية لا رغبات وطموحات الكبار.

إن أصحاب هذا المذهب يهتمون بطبيعة الطفل وأساس التربية عندهم لا يتمثل في الإعداد للمستقبل حيث يقول روسو:” إن الطبيعة تتطلب منهم أن يكونوا أطفالا قبل أن يصبحوا رجالا وعلى المربين أن لا يحملوا الطفل ما لا طاقة به، وإلا عاش تعيسا”

ومن هنا ينحصر دور المربي عندهم في ملاحظة نمو الطفل نموا طبيعيا وتهيئة الفرص والظروف الملائمة لهذا النمو والتشديد على خبرة الطفل وميوله.

أي إشراك الطفل في العمل والتجريب في المعامل.. وتهيئة الظواهر لإدراكها وإلغاء النظام التعليمي القائم على السلطة العليا.

وبالعودة إلى السياسات التعليمية في بلدنا نجد أنه من الناحية النظرية فإن القائمون على العملية التربوية يؤمنون بأن هذه النظريات السابقة بمجملها تكمل بعضا .

أما من الناحية العملية فأعتقد أنهم لم يأخذوا بهذه النظريات.. وهذا يظهر ويتضح لنا بسرعة بالنظر إلى النتائج المخيبة التي وصل إليها واقع التعليم والتعلم.

وإلا كان يمكن أن نشهد نفس النجاحات التي تحققها المدارس في فرنسا أو الولايات المتحدة.. أو أية دولة أخرى.

 إذا فنحن لم نشهد الكمال في مدارسنا .. ابتداء بإنشاء مبان مدرسية لائقة من حيث توافر الشروط الصحية ومراعاة توافر ساحات اللعب والمناشط المختلفة وانتهاء بموضوع الاستيعاب والصفوف المكتظة التي تحتم أن يصبح المدرس شرطيا لا مربيا.

 

 

 

 

 

 

 

النظرية البرجماتية في التربية

 

جون ديوي : حياته وأفكاره الفلسفية العامة :

 

يعتبر جون ديوي من أبرز ممثلي ومؤسسي الحركة أو الفلسفة البراجماتية.

لقد ولد في مدينة بورلنجتن (Burlington)  من ولاية فيرمونت (Vermont)  سنة 1859، وقد تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدينته وتعليمه الجامعي في جامعة ولايته. وبعد إتمامه لتعليمه الجامعي في ولايته عام 1879 اشتغل بالتدريس لفترة من الزمن في إحدى المقاطعات، ثم ما لبث أن تاقت نفسه لمواصلة دراسته العليا في ميدان الفلسفة والعلوم السياسية والتاريخية. وقد استطاع في سنوات قليلة أن يحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جون هوبكنز عام 1884.

وبمجرد حصوله على الدكتورة انضم إلى “جامعة ميتشجين” كمحاضر بها في الفلسفة. وقد بقي في هذه الجامعة لم يغادرها إلا فترة قصيرة إلى جامعة “مينيسوتا” حتى دعى عام 1894 لتولي رئاسة قسم الفلسفة بجامعة شيغاغو. وقد استمر في رئاسة قسم الفلسفة في هذه الجامعة حتى انتقل منها في عام 1904 إلى جامعة “كلومبيا”، ثم استمر في جامعة كلومبيا منذ هذا التاريخ حتى تقاعده عام 1930.

وقد نال “ديوي “شهرة فائقة كفيلسوف مفكر وكمصلح تربوي كبير لا في الولايات المتحدة وحدها، ولكن في جميع أنحاء العالم. وقد دفعت هذه الشهرة كثيرا من البلدان المتقدمة لدعوته ليحاضر في جامعاتها وليساعدها في تنظيم تعليمها. فدعته مثلا اليابان في عام 1919 ليحاضر في الفلسفة في “جامعة طوكيو الملكية” ودعته الصين ليحاضر في جامعة بكين لمدة سنتين، كما دعته الحكومة التركية ليساعدها على تنظيم تعليمها. وقد ظل ديوي في نشاط علمي دائب حتى توفي عام 1952.

ومن أبرز أعماله في الميدان التربوي إنشاؤه لمدرسته النموذجية في مدينة شيكاغو سنة 1896، وقد اتخذ ديوي من هذه المدرسة الابتدائية النموذجية حقلا لتجربة نظرياته وآرائه التقدمية في التربية. وفي سنة 1902 ضمت هذه المدرسة لكلية التربية بجامعة شيكاغو لتكون مدرسة تطبيقية تجريبية لها. وقد حاول ديوي أن يقيم برامج هذه المدرسة وإدارتها على مبادئ الفلسفة البرجماتية التي من بينها وجوب الاتصال والتعاون بين المدرسة والبيت، ووجوب  اتصال خبرات التلاميذ في المدرسة وإدارتها على مبادئ الفلسفة البرجماتية التي من بينها وجوب اتصال خبرات التلاميذ في المدرسة بخبرتهم خارج المدرسة، ووجوب جعل الأطفال يتعلمون عن طريق خبرتهم ونشاطهم الذاتي ووجوب احترام ميول التلاميذ وحاجاتهم وحريتهم في التعبير عن أنفسهم، ووجوب مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، واعتبار التربية عملية اجتماعية، والتركيز على التعاون بدلا من التنافس، إلى غير ذلك من المبادئ التي كانت مطبقة في هذه المدرسة التجريبية.

وقد كان لهذه المدرسة أثر بالغ في التمهيد للتربية التقدمية التي سادت أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين، كما كان لها فضل كبير في إقناع الآباء بأهمية المبادئ التربوية التقدمية وإمكانية تطبيقها وقد شجع ديوي بمدرسته هذه إنشاء العديد من المدارس التقدمية الخاصة في أمكنة متعددة من الولايات المتحدة.

ويمكن أن يضاف إلى أعماله التربوية مئات المقالات وعشرات الكتب في الفلسفة والتربية :

- المدرسة والمجتمع.

- الطفل والمنهج.

- الديمقراطية والتربية.

- الخبرة والتربية.

- كيف نفكر.

- الطبيعة البشرية والتربية.

وإذا كان ديوي قد اشتهر بأعماله وكتبه التربوية كمرب من أعظم مربي هذا القرن- فإنه قد كانت له نفس الشهرة تقريبا في عالم الفلسفة. فقد ألف العديد من الكتب في الفلسفة وكتب المئات من المقالات فيها.

العوامل التي أثرت في أفكاره:

من هذه العوامل أفكار الفلاسفة والعلماء والمربين الذين اتصل بأفكارهم جورج موريس، الذي كان من بين أساتذته في الفلسفة، ثم زميلا له في التدريس في جامعة متشيجن. فعن طريق هذا الفيلسوف تعرف ديوي على الفلسفة المثالية الهيجلية وقبل بالتدريج كثيرا من عناصر هذه الفلسفة. ولكنه بعد تعرفه ودراسته لنظرية التطور كما شرحها تشارلز دارون (1809-1882)، وتوماس هنري هاكسلي (1825-1895)، وغيرهما من أنصار هذه النظرية التي سادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر-تحول إليها مفضلا لها على الفلسفة الهيجلية، لأنه وجد فيها ما يتفق مع ميوله العلمية التجريبية. ولكن تفضيله للفلسفة الداروينية لم يمح تماما تأثره بالفلسفة المثالية الحديثة التي من أبرز مظاهرها الفلسفة الهيجلية. ويظهر تأثره بالفلسفة المثالية بجانب تأثره بالفلسفة الداروينية في الاسم الذي أطلقه بادئ الأمر على فلسفته عندما أصبحت له فلسفته الخاصة المحددة. فقد سمى فلسفته “بالفلسفة المثالية التجريبية”. وهذا الاسم يحمل في طياته التأثر بالفلسفة العلمية الواقعية معا.

وكما تأثر بأفكار “جورج موريس” و”دارون” فإنه تأثر أيضا بأفكار “تشارلس بيرس” و”وليام جيمس” اللذين كان لهما الفضل في تأسيس المذهب البرجماتي في الولايات المتحدة الأمريكية وبأفكار “ستانلي هول”، وبعض أفكار “روسو” و”بستالوتزي”، و”هربارت”، و”فروبل”، وغيرهم من المربين وعلماء النفس المحدثين.

وبجانب تأثره بأفكار الفلاسفة والعلماء والمربين السابقين عليه والمعاصرين له فقد تأثر أيضا بعوامل كثيرة أخرى، من بينها: المبادئ التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية، والقيم السائدة في المجتمع الأمريكي، وخصائص ومتطلبات المجتمع الصناعي الذي عاش فيه.

وقد كان لهذه العوامل جميعا تأثيرها في فلسفته العامة وفلسفته التربوية. وستتضح لنا بعض آثار ومظاهر هذا التأثير في المجموعة التي ستناقشها من أفكاره ومعتقداته الفلسفية والتربوية.

 

 

 

أفكار الفلسفية العامة :

 

- أفكاره ومعتقداته المتصلة بطبيعة الكون وطبيعة الإنسان :

 

ومن أبرز أفكاره المتصلة بطبيعة الكون هو إيمانه بأن العالم ليس ثابتا جامدا ولا نظاما مقفولا، ولكنه عملية ديناميكية من التغير والتطور المستمر. والميزة الأساسية للحياة - في نظره - هو التغير.

أما أفكاره المتصلة بالإنسان فإنها تتفق مع المبادئ الديمقراطية ومع المبادئ التي تقررها نظرية التطور والأبحاث الطبيعية والبيولوجية والنفسية. فهو يحترم الإنسان إلى أبعد حد ويعتبره غاية في حد ذاته، ويحترم حريته واختلافه عن غيره. وهو لا ينظر إليه على أنه عضو في جماعة وجزء لا يتجزء من المجتمع.

 

- أفكاره المتصلة بنظرية المعرفة :

 

ومن أفكاره المتصلة بنظرية المعرفة إيمانه بأن المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية هو الخبرة والنشاط الذاتي للفرد.

 

- أفكاره المتصلة بالقيم الأخلاقية فإن من أهمها :

 

إيمانه بأن القيم الأخلاقية هي أمور إنسانية تنبع من صميم الحياة التي يعيشها الإنسان على ظهر هذه الأرض، وليست أخلاقا متعالية تفرض على الإنسان فرضا من جهة عليا. وبهذا الاعتقاد يخالف ديوي الأديان السماوية والنظريات الأخلاقية القديمة التي تقوم على الإعلاء من شأن الحياة الروحية، وعلى فرض معايير أخلاقية تعد مثلا عليا ينبغي على الإنسان أن يتسامى إليها ويتمثل بها، وعلى أن سعادة المرء هي في تصفية النفس وتزكية العقل.

وهو يؤمن بأن المصدر الأساسي للقيم الأخلاقية هي الخبرة والتجربة.

 و يرى جون ديوي بأن ” النشاط الحر هو من مميزات الطفولة وعلى الطفل أن ينشط.. وبذلك يزداد خبرة ويحصل على تهيئة حسنة لمواجهة المستقبل” فأصحاب هذا المذهب يرفضون أن يكون الطفل سلبيا يتقبل آراء الآخرين ونتائج تفكيرهم بل عليه(الطفل) أن يبحث.. ينقب عن الحقيقة ويفكر ويتحرى بنفسه ليكتسب خبرة في مواجهة مشكلات الحياة. وقد دعا ديوي في سبيل تحقيق ذلك إلى استغلال ميل الطفل إلى:

1 -  الاتصال الاجتماعي

2 - البحث واقتناء الأشياء

3 - التعبير الفني

4 - العمل

من أجل أن ينمو نموا طبيعيا.

و” المذهب النفعي الذرائعي ” المعروف باسم البراجماتية أو البراجماسية فقد ارتبط باسم (جون ديوي) أشهر التربويين المعاصرين، وهذا المذهب ذو صبغة عملية تجريبية لا يبدو فيها أي أثر
للقيم أو الأخلاق. هدف التربية في نظر (ديوي) هو النمو، والهدف ـ بزعمه ـ جزء لا يتجزأ من عملية النمو، وليس أمراً خارجياً تتجه إليه خبرة المتعلم، فلا هدف لعملية النمو إلا المزيد من النمو؛ ولذا أنكر (ديوي) أي هدف نهائي وقال : ” الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغيّر ولا يتبدل هي آخر أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى الحياة إلى نظرة مُفْعمة بالحركة” ومعنى هذا أن النمو والتربية والحياة هي مسميات لاسم واحد في نظر ديوي! ولا ريب أن “التسليم بوجود أهداف ثابتة يزود القائمين على التربية بمعايير ثابتة وصادقة يستعينون بها للحكم على مدى تقدم التلاميذ في عملية التعلم، أما القول بأن الأهداف جزء من عملية النمو ذاتها فإنه يزيد من حيرة المربين؛ فاللص الذي يكتسب المزيد من المهارات في السلب والنهب ينمو في هذا المجال؛ فهل تعتبر اللصوصية عملية تربوية هادفة؟! وإذا سلمنا جدلاً بصحة ما ذهب إليه فإن السؤال الذي يظلّ قائماً هو: ما هي المعايير التي بها للحكم على نمو إنسان نموا شاملا؟ ومتى يكون النمو مرغوبا فيه، ومتى لا يكون كذلك؟ وطريقة التدريس في هذا المذهب هي طريقة المشروع التي تُنسب إلى الأمريكي (كلباترك) تلميذ (جون ديوي). والمشروع يأخذ شكلاً فردياً أو جمعياً، وفي المشروع الجمعي يتعاون الأطفال لحل مشكلةٍ ما بتقسيم العمل بينهم.ولـ (هيلين باركهرست) طريقة أخرى تسمّى طريقة (دالتن)، وتقوم هذه الطريقة على ثلاثة أسس هي: الحرية، والتعاون، وتحمل المسؤولية؛ وبمقتضى هذه الطريقة يتمتع التلميذ بكامل حريته بعد أن يتفق على إنجاز قدر معين من المقرر في مدة معينة، يستعين أثناءها بالمدرس متى شاء.وقد قيل في الكلام عن مساوئ طريقة المشروع إنها سائبة ومتميعة وتجرّ التلاميذ إلى دراسات متشعبة لا حصر لها، وإنها تكلّف كثيراً من الوقت والمال، وتحتاج إلى مدرسين مدرّبين تدريباً خاصاً، وتنتج معلومات مفككة يصعب معها وضع المناهج والأطر التعليمية. كما قيل في طريقة (دالتن) إنها تجانب الحكمة إذ تحمِّل التلاميذ منذ الصغر مسؤولية إنجاز المقرر، وإنّ بينهم من الفروق الفردية ما قد يُزكي روح الحسد والبغضاء، ولا سيما أنّ هذه الطريقة توازن بين التلاميذ عن طريـق الرسوم البيانية، ثم إن من التلاميذ مَنْ لا يميل بطبعه إلى العمل، ومن شأن هذه الطريقة أن تشجّع هؤلاء على التمادي في الكسل، والتلاميذ عموماً مضطرون في حياتهم الواقعية إلى مواجهة ما لا اختيار لهم؛ بالإضافة إلى أن هذه الطريقة ـ كغيرها من الطرق الحديثة ـ تحتاج إلى مدرس موسوعي ليس من اليسير إعداده.

ترتبط البرجماتية بالتراث الفلسفي اليوناني القديم والأوروبي الحديث, إذ عرفت بنحو غير متماسك ومحدد على أيدي السوفسطائيين, وعلى كل من أفلاطون وأرسطو, وأبيقور, وواجستين, وبيكون وجاليلو وبسكال وكانت وكومت ومل فقد كانت البراجماتية تعبر عن أسلوب الحياة أياً كان هذا الأسلوب.

والبرجماتية تؤمن بحقيقة التغير على الديمومة ونسبية قيم الطبيعة الإنسانية والبيولوجية للإنسان وبأهمية الديمقراطية كطريقة في الحياة , وأخيراً قيمة الإنسان الناقد في السلوك الإنساني كله.

دعت البرجماتية إلى أن تعود الفلسفة إلى وظيفتها الحقيقية التي كانت عليها في الماضي, وهي أن الفلسفة أسلوب حياة أو خطة عمل أو مشروع نشاط. ونادت البرجماتية بالخبرة ويمكن التخطيط للواقع والتغلب على مشكلاته لا بد من الخبرة وبهذا الصدد يقول ديوي (إذا جاز لنا أن نصوغ فلسفة التربية التي يقوم عليها ممارسات التربية الحديثة، فمن الممكن فيما أعتقد أن تكشف عن طائفة من الأسس المشتركة بين المدارس القائمة المختلفة).

ترفض البرجماتية أن تكون التربية عملية بث للمعرفة للطالب من أجل المعرفة إنما ترى أنها تساعد الطفل على مواجهة احتياجات البيئة البيولوجية الاجتماعية.

ويرى البرجماتيون أن التربية هي الحياة وليست إعداد للحياة، وأن واجب المدرسة كمؤسسة تربوية أن تستخدم مواقف الحياة في العملية التربوية، ويعرف جون ديوي التربية بأنها عملية مستمرة من إعداد بناء الخبرة بقصد توزيع محتواها الاجتماعي وتعميقه، وأن الفرد في الوقت نفسه يكتسب ضبطاً وتحكماً في الطرائق المتضمنة في العملية.

وتعد الفلسفة البرجماتية من أبرز الفلسفات التي ركزت على المتعلم والتي انعكست بصورة واضحة على تنظيم المنهج باعتبار أن الفلسفة تدخل في كل قرار مهم بالنسبة للمنهج والتدريس. والطالب في منظور البرجماتية ما هو إلا حزمة من نشاط الاتجاهات النظرية والمكتسبة للفعل، وأن نشاطه أساس كل تدريس وكل ما يفعله التدريس له أنه يوجه الطالب الذاتي وأن تعليم الطالب ليس ما ينبغي أن يتعلمه وإنما تشجيعه باتجاه معرفة نتيجة نشاطه الذهني والتجريبي.

والمهم في رأي البرجماتية في العملية التربوية التأكيد على أمرين الأول: العناية باهتمام الطالب والثاني: العناية بحب الاستطلاع لديه وذلك لأنهما يحفزانه على التعلم بصفة أساسية.أما فيما يخص المعلم عند أصحاب هذه النظرية فإن وظيفته تكون في قدرته على تنظيم الخبرة وبيان الاتجاه الذي تسير فيه فضلاً عن قدرته على شحذ أذهان التلاميذ وهو بذلك يكون عوناً للحرية لا قيد لها.

والبرجماتية لم تجعل من المعلم محوراً للعملية التربوية ووظيفة المعلم من وجهة نظر البرجماتية ليس مجرد تدريس الأفراد , بل تكوين الحياة الاجتماعية الصحيحة.

وقد انعكست النظرية البرجماتية على المنهج وذلك باختيار الخبرات لكل فرد أو جماعة من الخبرات المناسبة التي تساعدهم أن يبنوا منهجاً عقلياً متكاملاً.

وأحد الأهداف الرئيسية في المنهج البراجماتي هو إقرار الدراسات ذات الطبيعة الحديثة والمعاصرة والمفيدة في إعداد الشباب لظروف المجتمع المتغيرة دوماً وخاصة ما يتعلق منها بالعمل والتعامل ودراسة المواقف بما تتضمنه من موضوعات وليس القراءة منها فحسب.

لا يفرق المنهج البرجماتي بين الفعاليات المنهجية وغير المنهجية، فكل ما يمر بخبرة التلميذ هو جزء من المنهج سواء أكان نشاطاً ترويحياً أم اجتماعياً أم عقلياً.

 

تلخيص واستنتاج :

 

- ترى البرجماتية أن الإنسان كائن طبيعي يعيش في بيئة اجتماعية وبيولوجية ويستجيب إلى المثيرات البيولوجية والاجتماعية وهي ترفض كون الإنسان كائناً روحياً.

- تؤمن بأن للإنسان طبيعة محايدة فهو لا خير ولا شر بفطرته وإنما لديه الاستعداد أن يكون هذا وذاك ويتوقف ذلك على نوع التربية التي تتاح له ولهذا تركز البرجماتية على المتعلم وتعده المحور الأساسي في بناء المنهج وتنفيذه, ولأن المتعلم محور العملية التعليمية فالبرجماتية ترفض التحديد السابق للمادة العلمية, وترفض التخطيط للعملية التعليمية ومراحلها مما يجعلها تعد تنظيم العملية التربوية مواد وفصول ودروس ويصل المتعلم إلى محتوى المادة التعليمية, ومن خلال خبراته الجديدة القائمة على خبراته السابقة وكذلك من خلال مجموعة من التفاعلات مع البيئة.

- المعرفة عملية تفاعل بين الإنسان وبيئته, فالإنسان لا يقتصر على مجرد استقبال المعرفة، بل إنه يصنعها والحقيقة فيما يخص الإنسان ليست مستقلة عن الأفكار التي يقترحها بقصد تفسيرها والحقيقة نسبية وقابلة للتغيير وترى أن الطريقة السليمة هي أسلم وأفضل طريقة لاختيار الأفكار.

- وتؤكد الخبرة الذاتية للفرد كوسيلة للعالم الخارجي وكذلك التعامل معه وترى أن مفهوم الصدق يطابق مفهوم النجاح والفاعلية تطابق المنفعة فكل ما يحقق فائدة عملية ويقود إلى تحقيق أهداف الفرد يعد صادقاً وصحيحاً وكل ما يحدث له بعد ذلك عملية تعلم واكتساب من خلال تاريخه الحضاري وتراثه وثقافته من خلال عملية التعليم المقصودة التي تتم نظامياً داخل المدرسة أو بطرق غير نظامية كالتعرض لأجهزة الإعلام المتنوعة والمتاحف والمعارض والأسفار إذن الإنسان لا يمكن عده محكوماً بحتمية بيولوجية فالتعلم والذكاء والتفكير وكل ما يسمى بالعمليات المعرفية تصنع من مؤثرات مدروسة ومقصودة خارج الفرد والبيئة والتربية تفرز أفراد متميزين بالضرورة وأن افتقار البيئة إلى هذه المميزات تؤدي بالضرورة إلى التخلف.

- التربية هي الحياة وليست إعداد للحياة فالتربية السليمة هي تلك التي تحقق النمو المتكامل للإنسان وتقوم على سلسلة من الخبرات وتؤكد على الأهمية التربوية للعمل والممارسة، وأن تكون المدرسة مجتمعاً صغيراً كالمجتمع الكبير ومن هذا إن من العسير جداً النظر إلى المدرسة على أنها نسخة طبق الأصل من الحياة لأنها مؤسسة تعليمية مصطنعة محفوفة بالمخاطر والقيود ومختلفة عما تصادفه في الحياة بصفة عامة.

- استبعدت البرجماتية الطرق الشكلية في التدريس واعتمدت على ميول الأطفال وخبراتهم وإثارة ميول جديدة وخبرات أكثر تنوعاً مع التأكيد على الفردية بين الأطفال واعتمدت طريقة النشاط.

- الاهتمام بالطالب من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية والعمل على توفير كل الفرص الممكنة التي تشبع حاجات الطالب وتمكنه من التعبير عن ذاته وتأكيد حرية المتعلم في اتخاذ القرارات بشأن ما يتعلمه والذي هو ضروري لنمو الذكاء نمواً حراً كاملاً.

- يتمثل دور المعلم البرجماتي في النصح والاستشارة وتنظيم ظروف الخبرة والإمكانات التي تساعد على تعلم الفرد وهذا يعني إهمال الكثير من طاقات المعلم وإمكاناته لأنه عنصر فاعل في العملية التعليمية مما يكسب العملية التربوية قدرة على بناء المتعلم وتعليمه.

 

الانتقادات التي وجهت إلى الفلسفة البراجماتية :

 

1- تركز البرجماتية على المتعلم وتعده المحور الأساس في بناء المنهج وتنفيذه وترفض الاتجاهات التربوية التقليدية التي اتخذت المادة الدراسية محوراً لها في بناء المنهج وتنفيذه، ولأن المتعلم محور العملية التعليمية وترفض البرجماتية التحديد السابق للمادة العلمية وترفض التخطيط للعملية التعليمية ومراحلها، مما يجعلخا تبتعد عن تنظيم العملية التربوية مواداً وفصولاً.

2 - تؤكد الخبرة الذاتية للفرد بوصفها وسيلة لمعرفة العالم الخارجي والتعامل معه, وترى أن مفهوم الصدق يطابق مفهوم النجاح والفاعلية تطابق المنفعة فكل ما يحقق فائدة عملية ويقود إلى تحقيق أهداف الفرد صادقاً وصحيحاً.

3 - أنها تؤكد النمو التلقائي للفرد بحكم العوامل الوراثية الحتمية والبيولوجية وتنظر إلى أهمية التراكم الكمي للخبرات الفردية في تكوين الشخصية. وعلى هذا الأساس تتعامل مع التربية بالانتقاء الاجتماعي والتوزيع وفقاً لقدرات الأفراد الطبيعية، ولا سيما الذكاء. وعليه لا يمكن بناء الشخصية المتكاملة بحكم إغفالها للتراث الحضاري والعوامل الاجتماعية والعوامل الأخرى تؤدي أثراً في بناء شخصية الإنسان وهذا يناقض منطق العلم , ويؤدي بالمتعلم إلى تشتت اتجاهاته.

4 - لا تتقيد التربية البرجماتية بمعايير روحية فليس في رأيها وجود سابق للقيم والمعايير الروحية، ولكنها تنشأ في أثناء القيام بالتجارب الناجحة،  وتتولد في أثناء حل المشكلات المتنوعة. وترى أيضاً أن الخبرة الذاتية للفرد والنجاح الفردي هما الأساس للأخلاق، وليس تراكم التراث الثقافي للإنسانية، أو لمصلحة المجتمع وقيمته، فهي بذلك ت}كد التنافس، وتنمي الفردية والنجاح الفردي والمنفعة والبقاء للأقوى.

5- النظرية البرجماتية تركز على الجانب العملي لعملية التعليم فإن نشاط المتعلم وفاعليته في النشاط والمشروعات والوحدات التي خططها المتعلم وينفذها فهي بذلك تقدمه للمعرفة بدلاً من أن تقدم المعرفة له. وهذا سيؤدي إلى تحطيم التنظيم المنطقي للمادة العلمية، فضلاً عن أنها لا تقدم للتلاميذ إلا المعلومات الجزئية والسطحية ذات الهدف النفعي مما يؤدي إلى ضعف المستوى العلمي للتلاميذ.

6- يتمثل دور المعلم البرجماتي في النصح والاستشارة وتنظيم ظروف الخبرة والإمكانات التي تساعد على تعلم الفرد. وهذا يعني إهمال الكثير من طاقات المعلم وإمكاناته وإبداعاته لأنه عنصر فاعل في العملية التعليمية مما يكسب العملية التربوية قدرة على بناء المتعلم وتعليمه.

7- إن هذه النظرية ما هي إلا تعبير عن واقع المجتمع الأمريكي وتطوره الاقتصادي والاجتماعي في تطوره العلمي وتقدمه الصناعي , وهي محور القيم الحضارية والاجتماعية التي تؤكد الربح والنجاح , ونمو الروح الفردية والنزعة العلمية والواقعية والنفعية معبرة عن ازدهار الرأسمالية وقوة البرجوازية.

ويقدم سليمان بن صالح الخراشي نقد للبراجماتية من طرف بعض المتخصصين في الفكر الغربي :

يقول سماح رافع محمد في كتابه ” المذاهب الفكرية المعاصرة “:(البراجماتية فلسفة عملية انبثقت من الروح المادية للقرن العشرين…وهي أمريكية النشأة، رأسمالية الاتجاه).( وكلمة البراجماتية في أصلها اللغوي مشتقة من كلمة يونانية تعني العمل النافع، أو المزاولة المجدية، ويصبح المقصود منها هو ” المذهب العملي ” أو ” المذهب النفعي”). ومؤسسها ” تشارلز بيرس ” الذي ( كان أول من ابتكر كلمة البراجماتية في الفلسفة المعاصرة ).

ويقول الدكتور مصطفى حلمي الذي يقول في كتابه ” الفكر الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي” :

- ( تنسب ” البراجماتية ” كفرع فلسفي إلى أصل شجرتها المسماة  بـ ” الوضعية ” ، فيجب أن نعرف أولاً بالوضعية ليسهل علينا بعد ذلك فهم معالم الفلسفة البراجماتية.

إن الوضعية ” هي اتجاه فكرى يقتنع بما هو كائن ويفسره ويرفض : أن ينبغي أن يكون ” ، ثم أخذت الوضعية الشكل الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية واسمه ” البراجماتية ” هذا الشكل الجديد يحدده الدكتور توفيق الطويل بقوله ” إذا كانت الوضعية قد رفضت التسليم بالحقائق المطلقة والقضايا الميتافيزيقية ، فإن الفلسفة العملية لا تتردد في قبولها واعتبارها صادقة متى كانت مفضية إلى نفع يتحقق في حياة الناس ” .

ولفهم مضمون هذه الفلسفة ، ينبغي أن نعرف أولا أصلها اللغوي ثم ننتقل إلى التعريف بمؤسسها ” تشارلز بيرس ” ثم بيان تفصيل الفلسفة عن أبرز فلاسفتها وهو ” وليم جيمس ”  :
الأصل اللغوي يفيد ” ما هو عملي ” ومن هنا أطلق عليها اسم ” الفلسفة العملية ” ، ولذلك فإنها تهتم بالعمل على حساب النظر.

إن مؤسس هذا المذهب الفلسفي هو تشارلز ساندر بيرس ” 1839 ـ 1914 ” م،  وهو صاحب فكرة وضع ( العمل ) مبدأ مطلقًا ؛ في مثل قوله: “إن تصورنا لموضوع ماهو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر ” .

ويتوسع فى دائرة العمل بحيث يشمل المادي والخلقي أو التصور ، وتثمر هذه النظرة للعمل اتساع العالم أمامنا ، إنه عالم مرن ، نستطيع التأثير فيه وتشكيله ، وما تصوراتنا إلا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل .

أما أشهر فلاسفة البراجماتيزم فإنه ” وليم جيمس” (1842ـ1910) الذي تدرج في اهتماماته العلمية والفلسفية التي تلقاها في معاهد وجامعات أوربية وأمريكية حتى حصل على درجة ” الدكتوراه” في الطب من جامعة هارفارد سنة 1870، وعين أستاذاً للفسيولوجيا والتشريح بها، ثم أستاذاً لعلم النفس فبرز فيه.

ويتبين من ترجمة حياته أن سبب اتجاهه إلى الفلسفة يرجع إلى سماعه لمحاضرة فلسفية ألقاها ” بيرس ” الذي كان يعرض فيها مذهبه ، فشعر وليم جيمس على أثرها وكأنه ألقى عليه رسالة محدده، وهى تفسير رسالة ” البرجماتية ” .

ويعرف وليم جيمس الحقيقة بأنها ” مطابقة الأشياء لمنفعتنا، لا مطابقة الفكر للأشياء “.

ولاختصار الإحاطة بهذه الفلسفة فإن مدخل دراستها يقتضي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية في النظم والقيم، فنحن أمام مقولتين :

الأولي : ازدراء الفكر أو النظر.

الثانية : إنكار الحقائق والقيم.

أي بعبارة أخرى أكثر وضوحاً ، فإن العمل عند جيمس مقياس الحقيقة ” فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة . ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها ” .

وقد نبتت فلسفته منذ بداية اهتماماته بها من حاجاته الشخصية، إذ عندما أصيب في فترة من عمره بمرض خطير، استطاع بجهوده أن يرد نفسه إلى الصحة، فاعتقد أن خلاص الإنسان رهن بإرادته، وكان الموحي إليه بالفكرة المفكر الفرنسي ” رنوفيير ” الذي عرف الإرادة الحرة بأنها ” تأييد فكرة لأن المرء يختار تأييدها بإرادته حين يستطيع أن تكون له أفكار أخرى “.

وكانت تجربة شفائه من المرض قد هدته إلى أهمية العمل ورجحت عنده الاجتهاد في العمل بدلاً من الاستغراق في التأمل ” لأن العمل هو الإرادة البشرية استحالت حياة “. وتلون هذه الفلسفة نظرة أتباعها إلى العالم . فإن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات ، بل هو شئ كائن، وهو في الحق مجموعة من أشياء كثيرة، وليس من شئ يقال له الحق دون سواه ! . إن الذي ندعوه بالحق إنما هو فرض عملي ـ أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام.

ويلزم من هذا التعريف للعالم، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال ” فما كان حقاً بالأمس ـ أي ما كان أداة صالحة أمس ـ قد لا يكون اليوم حقاً ـ ذلك بأن الحقائق القديمة ، كالأسلحة القديمة ـ تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع “.

 

نقد البرجماتية من وجهة النظر الفلسفية :

 

1- في نقدنا لهذه الفلسفة، سنبدأ بالمنهج المقارن حيث يتبين أنها في جوهرها الفلسفة هي الرواقية القديمة، التي أسسها زينون (343 ـ 270 الميلاد) !!فإذا أباح وليم جميس لنفسه بعث الحياة فيها من جديد، فإن ذلك يقوض دعائم فكرته عن استبعاد ” الحق القديم ” كما سنوضح بعد قليل !

2- الحق قيمة مطلقة ـ وليست نسبية ـ وإلا فإن المجتمع يصاب بالفوضى المدمرة لكيانه وبعلاقاته مع غيره من المجتمعات بسبب الحرب .

وبغير الاعتقاد في ثبات المبادئ، فإننا لسنا أمام فلسفة جديدة وإن بدت كذلك، ولكنها مجرد إعادة للنظرية الرواقية القديمة ” مضافاً إليها الروح النضالية الحديثة ” فإن الخير الحقيقي عند الرواقي القديم في حكمة الاختيار وحدها وليس في الشيء المختار الذي يصطفيه ” مثله كمثل ضارب القوس يهدف إلى عين الثور فغايته ليست في إصابة الهدف نفسه، بل إظهار مهارته في إصابته ” !!

إن تعليق الحكمة هنا في مظهرها العملي ـ أي على النجاح فى ذاته بصرف النظر عن إصابة الهدف ـ تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضاً إذ تتنافس على ” التفوق”و ” الغلبة ” ولا تتفق إرادتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة : كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة فى ذاتها .

فهل نحن مرة أخرى أمام دليل جديد يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم ؟!

3- يرى وليم جيمس أن ” الحق ” إنما هو فرض عملي ، أي مجرد أداة يختبر بها ” تصوره ” السابق ، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة !!والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة : أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابته خارج مقولتي ( الزمان ) و ( المكان ) .

ونراه أيضًا يخلط خلطاً معيباُ بين المبادئ والأهداف حيث يصبها في قالب ” المنفعة “، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولاً عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية ، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات ، فضلاً عن افتقاد ” المنافع ” وهذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام .

يقول توفيق الطويل في تقييم هذه الفلسفة ” ويكفي أن تعتبر البراجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلاً ، فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها ! ولم يجد أصحاب البراجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفى الأخلاق وفى السياسة وفى كل مجال”ونضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة . ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح ـ كما يرى الدكتور فؤاد ذكريا - في ثلاثة :

أ‌- اللاأخلاقية : بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد ولكنها ـ كفضائل ـ ليست مقصودة لذاتها ، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير ، وتظهر ” اللاأخلاقية ” بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام .

ب‌- الارتباط الوثيق بالحروب.

ج- الانحرافات السلوكية : وأظهرها الإجرام ، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف ، ويتضح الانحراف بصورة أخرى في شرب المسكرات والمخدرات وعقارات الهلوسة وغيرها ” وتفسيرها أنها ظاهرة هروبية من واقع العنف والمنافسة المريرة التي لا ترحم “.

4 - ولم يسلم ( الدين ) أيضاً من التفسير ( النفعي ) في ضوء الفلسفة البراجماتية، ” فإن اعتبار شروط وجود الدين وأصوله ونشأته لا أهمية لها عند من يسأل عن قيمة الدين ؛ لأن قيمته فيما ينتجه”.

 

الفرق بين نظرته للدين وعقيدتنا الإسلامية :

 

لم يكن ” الدين ” عند وليم جيمس كموضوع للبحث في ذاته ، ولكن في آثار الانفعال الديني ، وهل هذه الآثار حسنة تحقق الأمل ؟ وهل يمكن الحصول عليها بطريق آخر خلاف الديني ؟

إنه يرى أن للدين أثراً أخلاقياً ، كما أنه يتفوق على أي مصدر آخر للحث على النشاط والمثابرة وفعاليته تظهر بإيحائه المؤثر في الغالب أكثر من الأساليب المادية ، ويضرب على ذلك مثالاً بالطبيب الذي يعترف بأن شفاء المريض لا يتحقق بالعلاج المادي وحده، بل بالإيحاء الناجم عن قوة الإيمان .

وهذا الرأي ـ كما يقول ” برتراندرسل ” ـ لا يقنع مؤمناً مخلصاً في إيمانه ، لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وإيمانه، إن المؤمن لا يقول : إني إذ آمنت بالله سعدت ـ ولكنه يقول إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد …. إن الاعتقاد بوجود الله ـ تعالى ـ في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتمل أن يترتب على وجوده من نتائج وآثار “.

 أما نحن معشر المسلمين فإننا - بحمد الله - نمتلك أعظم ثروة للعقيدة والقيم تضمنها كتاب الله عز وجل ونفذها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛حيث حقق في عقيدته وسلوكه وأخلاقياته الأسوة الحسنة ـ وجمع بين ” الحق ” عقيدة وإيماناً ، و ” العمل ” أخلاقاً وسلوكاً ، وحدد الأهداف ، ووضع المنهج وأحصى القيم ، مبيناً الطريق الذي يجتازه المسلمون من دنياهم إلى أخراهم، وقد ألف علماؤنا مجلدات في هذه الأغراض كلها. ولكن يكفينا أن نسجل بهذه المناسبة بعض التعليقات التي تصلح لعلاج آفات ” البراجماتية “، التي تبرهن على أن العقل البشرى لا يستطيع الوقوف وحده بغير عون من الوحي :

أولاً : أ‌- إن الخير هو الذي يحدد الشرع ويستمد إلزامه منه للتسليم بأن الله تعالى هو العليم الحكيم . قال تعالى : ” كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )، يفسر ابن كثير هذه الآية ببيان وجوب الجهاد وآثار قتال أعداء الإسلام من النصر والظفر ثم يمضي في تفسير قوله تعالى: ( وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) فيذكر أن ” هذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة ، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون) .

ب‌- كذلك قد يجهل الإنسان الفروق المرجحة لما يفيده مما يضره ، قال تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) :

أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية، ولكن هذه المصالح لا توازي المضرة والمفسدة الراجحة لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة للتحريم على البتات كما في سورة المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) .

ثانياً : إن النجاح مطلوب ، والسعي والتنافس على فعل الخيرات مرغوب، فإن المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، ولكن ينبغي أن يستظل السعي هدفاً وطريقاًُ بأوامر الشرع والالتزام بآدابه، وسنورد هنا بعض الآيات للاسترشاد :

أ - قد يوسع الله تعالى الرزق للعبد استدراجاً له ، ثم ينزل به عقابه الشديد ، قال تعالى : (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين).

وقال عز وجل : ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين ).

وقال سبحانه وتعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مالٍ وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) .

ب - لا يصلح الله حال أمة إلا إذا صلحت قلوبها وأعدت نفسها للتقوى ، قال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

جـ - تكثر المصائب عند فساد الأخلاق ، قال تعالى : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ ) .

د - وفيما يتعلق بتقوية الإرادة فهناك آية تبين كيف يربى الله تعالى المسلم على تحمل الشدائد حتى يكون قوي العزيمة معداً لتحمل كل خطر : قال تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .

ثالثاُ : ” ضرورة أعمال الخير لإقامة المجتمعات الإنسانية :

إن إقامة المجتمع على موازين المكسب والخسارة وحدهما كفيل بهدمه مادامت العلاقات بين أفراده لا تقوم إلا على أساس المصلحة ، والكسب المادي، فكم من علاقات أخرى تقوم على الإيثار والتضحية وحب الخير لذاته، وهي التي تكفل تحقيق السعادة للمجتمع ؛ لأن التعاطف والتعاون هما الرائدان في حركة المجتمع الإنساني، وإلا تحول إلى غابة من الغابات التي يأكل فيها القوى الضعيف.

ومن الصعب ـ بل يتعذر ـ إقناع النفوس بأعمال الخير، التي لا تقوم بالمال، إلا بناءً على عقيدة إيمانية راسخة تتحقق أعمالاً خيرة، وتسعى لاكتساب فضائل أخلاقية وتنميها ابتغاء مثوبة الله تعالى وجنته.

إن الحديث عن هذه الأعمال يحتاج إلى مجلد كامل ، ونكتفي بالإرشاد هنا إلى نزر يسير منها ونحيل القارئ إلى المصادر للتوسع في معرفتها وتنفيذها، لتحقق لنفسه الطمأنينة النفسية والسعادة المرجوة ، ولمجتمعه المثالية على المستوى الإنساني الذي تحقق في عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة، مع العلم بأنه كثيراُ ما تشتمل هذه الأعمال على الجزاءين الدنيوي والأخروي :

- عن أبى موسى رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم : ” على كل مسلم صدقة ” قال: أرايت إن لم يجد ؟ قال : يعمل بيديه ، فينفع نفسه، ويتصدق ، قال : أرايت إن لم يستطع ؟ قال : يعين ذا الحاجة الملهوف، قال : أرايت إن لم يستطع ؟ قال : يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرايت إن لم يفعل ؟ قال : يمسك عن الشر فإنها صدقة ” متفق عليه.

- عن جابر رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقه ، وما سرق منه له صدقه ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقه ” رواه مسلم. وفى رواية له ” فلا يغرس المسلم غرساً ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة “. وفي الحديث المتفق عليه : ” اتقوا النار ولو بشق تمرة” .

أما إبراهيم مصطفى إبراهيم فيقول في كتابه (نقد المذاهب المعاصرة ) :

( يمكن توجيه سهام النقد لفلسفة جيمس الدينية في النقاط الآتية :

1 - بدأ جيمس آراءه الدينية بقوله : إن الذي يكون صميم الدين ليس الطقوس ولا الفرائض ولا المعتقدات بل يكون صميم الدين العاطفة والشعور الديني ولكن هذا الرأي يحتاج منا إلى وقفة : فالإيمان لا يتوقف فقط على العاطفة ؛ ذلك لأن العاطفة والوجدان من المعروف عنهما أنهما عواطف متقلبة دائماً ، وبالتالي فالإنسان سوف يؤمن في حالة مزاجية عاطفية وجدانية، ويعود إلى الإلحاد عندما تتغير حالته المزاجية !

2 - وبالطبع فالإيمان ليس كذلك، إنما هو صرح يقوم على أسس عقائدية يؤمن الإنسان ويلتزم بها ويسلم بها لأنها تأتيه من الله تعالى لصالحه.

3- يذهب جيمس إلى أن التجربة الدينية تشارك الله تعالى في خلقها ! وهذا ما يتنافى مع يتنافى مع الوحدانية التي لله تعالى . فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا خالق إلا هو ، سبحانه وتعالى .

4 - يذهب جيمس إلى أن الله تعالى شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان!!
سبحان الله ! أي إله هذا الذي يتكلم عنه جيمس ؟ تعالى الله. إن الإنسان يتصف بالتناهي والنقص والضعف ، والله تعالى عكس ذلك تماماً؛ فهو الكامل القادر والقاهر فوق عباده ،عنت له الوجوه ودانت له رقاب العباد والبلاد ، فسبحان الله عما يصفون .

5 - يقول جيمس : إن الله تعالى لا يستطيع أن يضمن لنا خيرية العالم!! ولن أرد هنا على جيمس بل سأدع القرآن يرد عليه ويبين بعض خير الله النازل على عباده : يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون . أفرأيتم ما تمنون . أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وتنشئتكم في ما لا تعلمون . ولقد علمتم النشأه الأولى فلولا تذكرون . أفرأيتم ماتحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون . أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجاً فلو لاتشكرون . أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون . نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين . فسبح باسم ربك العظيم ) .

6 -  ترى البراجماتية بوجه عام وبراجماتية بيرس وجيمس بوجه خاص أن الاعتقاد لا الإيمان لا ينفصل عن الشك، ومن ثم فالإيمان على مذهب البراجماتيين لا يفارقه الشك .

7 - من الخطأ في زعم جيمس التمسك الدائم بالمعتقدات ، فالإيمان الراسخ عنده يحجب يحجب عن الإنسان المعرفة الصحيحة !! وهذه مقولة يطرب لها الملاحدة والعلمانيون والمنافقون أينما ثقفوا .

8 - لذلك فإنه يلزم ـ فيما يزعم جيمس ـ اختيار صحة العقائد من وقت لآخر ، واستبعاد ما يتضح للمرء عدم صحته منها أو عدم صلاحيته !! إن معيار اختيار صحة العقائد عند جيمس ومن حذا حذوه هو إخضاعها لمحك التجربة ، فهي التي تميز الحق من الباطل وليس حكم الله تعالى ! فإذا أردنا أن نطبق المنهج البراجماتي على إحدى العقائد، كاعتقادنا أن الله تعالى هو الرازق على سبيل المثال ، فلا ينبغي على مذهب جيمس البراجماتي أن نظل متمسكين دائماً بهذه العقيدة ، وإنما يتعين علينا اختبارها تجريبيا، فإذا تبين لأحدنا أن الله تعالى قدر عليه رزقه ، ولم يعطه ما سأل من رزق في أي صورة من صوره ، فعليه أن يتخلى فوراً عن هذه العقيدة !! لأن التجربة أثبتت عدم جدواها ، وهكذا يكون المؤمن على طريق البراجماتية إنه كمن يعبد الله على حرف ! ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ). إن المسلم الحق لا يضع عقيدته موضع الشك ، ولا يجعل إيمانه بالله تعالى موضع اختيار ، بل على العكس تماما ، يؤمن بأن الله عز وجل يختبر عباده ) ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) . ويقول تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ). والله تعالى يبتلي العباد بالنعم كما يبتليهم بالنقم ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) فلقد خلق الله الإنسان ليبتليه ليرى هل يصبر أو يكفر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” ( رواه مسلم ).

أما محمد مهران رشوان فيقول في كتابه ” مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة ” :

( الفلسفة البراجماتية اسم يطلق على عدد من الفلسفات المختلفة التي تشترك في مبدأ عام ؛ وهو أن صحة الفكرة تعتمد على ماتؤديه هذه الفكرة من نفع أيًا كان نوع هذا النفع ، أو على ما تؤدي إليه من نتائج عملية ناجحة في الحياة ) .

( أهم الانتقادات التي توجه إلى البراجماتية، نوجزها في التالي :

1 -  أن البراجماتية لا تقدم لنا بحثاً إيجابيا عن الحقيقة. إذ إنها مجرد منهج لاكتشاف الأفكار الخاطئة، وهي التي ليست لها آثار عملية . وهذا منهج سلبي لا إيجابي ، لأنها لا تهدف إلا إلى استبعاد الأفكار الخاطئة ، تلك التي لا تكون لها هذه الآثار العملية . والاستبعاد ـ كما هو واضح ـ منهج سلبي للكشف عن الحقيقة وليس إيجابيا بحال من الأحوال .

2 - يلاحظ بعض الباحثين ذلك الامتداد غير المشروع لفكرة المنفعة، فقد كان ” جيمس جيمس ” والبراجماتيون يفخرون باتساع أفقهم ، ولكن الحق أن هذه الروح الفضفاضة تبلغ حداً يؤدي إلى القضاء على كل معني لكلمة ” النافع ” عندما كانوا يعرفون الحقيقة عن طريق المنفعة . فالنافع في اللغة المتداولة هو ما يفي بحاجة ” حيوية “، إلا أن البراجماتيين قد أضفوا على كلمة الحاجة معان بلغت من الكثرة حداً لم تعد معه تدل على شيئ ، حتى ولا كلمه ” النافع ” ذاتها. فهناك حاجات ترمي إلى حفظ الحياة والعمل على استمرارها ، ولكن من الممكن أن نطلق اسم ” الحاجة ” على ما يعبر عن أكثر الميول الوجدانية تنوعاً : فالمرء بحاجة إلى أن يكون محترماً ، محبوباً، كما أنه بحاجة إلى أن يحب، والى أن يرى من يحبهم سعداء. والغيورون الحاقدون بحاجة إلى أن يروا الآخرين تعساء وأقل سعادة منهم. والمرء بحاجة إلى الإيمان بوجود الله، وخلود النفس. كما أن هناك حاجات عاطفية وعقلية كالحاجة إلى المعرفة والفهم … وهكذا نلاحظ أن ” حاجات ” الإنسان و” المنافع ” التي تناظرها تبلغ من التنوع حدا يجعل كل تعريف للحقيقة بالمنفعة ينتهي آخر الأمر إلى أنه لا يوضح من طبيعتها أي شيء .

3 - لا شك في أن ” الحقيقي ” نافع على نحو ما ، إلا أن ذلك لا يستتبع القول بأن المنفعة هي أساس لتعريف الحقيقة . فالحقيقي نافع لأنه ” حقيقي ” قبل أي اعتبار للمنفعة .وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المذهب البراجماتي يعرف الحقيقة بأنها ما يفي بالحاجة ، غير أن أول ما نحتاج إليه عندما نبحث عن الحقيقة هو ألا نكون براجماتيين !! ومعنى ذلك أن القاعدة الأساسية التي نضعها عندما نشغل أنفسنا بالكشف عن الحقيقة هي أن نصرف كل اعتبار للمنفعة ، ولو تطرق الشك إلى نفوسنا وآمنا بشيء لأننا بحاجة إلى هذا الإيمان ، لفقد الإيمان إذن كل قيمة له . ومرة أخرى نقول ” إن الحقيقي نافع لأنه حقيقي ، وليس حقيقياً لأنه نافع “. ولنتصور الحالة العقلية لمريض يقول لطبيبه ” لا تقل لي سوى ما أحتاج إلى تصديقه ” ، ألا يكون قوله هذا توسلا إليه أن يكذب ؟ وهكذا ينتهي الأمر بالبراجماتية إلى أن تكون نظرية الأكذوبة الحيوية التي تقوم على أساس من نزعة الشك . إن جيمس ـ ومعه بقية البراجماتيين ـ يلعبون لعبة خاسرة مع الحقيقة . فهو إذ يجعل من الحقيقة : حقنا في الاستمرار في الاعتقاد بما ينفعنا ، إنما يرفض مفهوم الحقيقة بأسره . إن وضع الفكرة ذات النتائج المرضية مكان مفهوم الحقيقة معناه فتح الباب لأي خيال لذيذ . فماذا يمكن أن يرضي الإنسان أكثر من استمراره في الاعتقاد بأنه ذكي بينما هو في الواقع أبله ؟!! ان العالم مليء بالكثير من السخف الذي يستشعر معه الإنسان قسطا من المتعة. وإذا كان تقديم الأفكار يتم على أساس ما تؤدي إليه من نتائج عملية ، فعند أي حد نستطيع أن نحكم على فكرة معينة بناء على هذا الأساس ؟ فلو كان هناك شخص يعتقد أن الطريقة لحل مشكلاته الاقتصادية هي السيطرة على أحد البنوك ، لكانت هذه الفكرة صحيحة أحياناً، لما يترتب عليها من نتائج عملية. إلا أن البراجماتيين يصرون على أن المرء لا بد أن يضع في حسبانه لا مجرد النتائج المباشرة التي تترتب على الفكرة، بل آثارها البعيدة أيضاً. وهنا قد نقول إننا لا نستطيع أن نعرف النتائج العملية لهذه الفكرة ، مادامت النتائج البعيدة قد تستمر إلى غير ما حد. فقد تعمل الفكرة بنجاح في وقت معين ، ثم تفشل في وقت آخر ، ثم تعود للنجاح بعد ذلك . ومعنى هذا أننا ينبغي علينا أن ننتظر بلا نهاية لكي نتمكن من تقييم نتائج أي اعتقاد ، ومن تقرير ما إذا كانت له نتائج عملية أم أنه يفتقر إلى مثل هذه النتائج .

4 - أما تطبيق النظرية البراجماتية عن الحقيقة في مجال العلم ، وما ذهب إليه جيمس جيمس والبراجماتيون من أن قضايا العلم قضايا حقيقية لأنها مفيدة عملياً، فيبدو نسفاً للحقائق العلمية من أساسها ! إن قبول نظرية معينة واعتبارها صحيحة بدون برهان ولمجرد أنها نافعة أو أنها ترضينا من ناحية ما، هو نقيض الموقف العلمي تماما. إن الفرض المرضي فحسب هو في أغلب الأحيان أقرب الفروض إلى الخطأ .

5 - أما تطبيق الفكر البراجماتي على المعتقدات الدينية، فيبدو بالنسبة لنا كارثة! فإننا لا نسلم بالحقائق الدينية لمجرد أنها نافعة – في نظرنا القاصر-. بل لأنها حقائق في ذاتها بصرف النظر عن فائدتها ونتائجها العملية الناجحة – بحسب النظرة القاصرة -. لأننا لو سلمنا بهذا المعيار البراجماتي ـ كما فعل جيمس ـ لكانت أية عقيدة ـ مهما تكن أسباب إنكارنا لها ـ حقيقة لمن يرى أنها نافعة له، فتستوي بذلك النحل والبدع والديانات المحرفة مع الدين الحق ( الإسلام )!! لقد تنفس جيمس الصعداء لاستطاعته إزالة العراقيل التي كانت تقف في طريق معتقداته الدينية، ولكنه كما قال ” سنتايانا ” بقسوة ” لم يكن يؤمن حقيقة ، كان يؤمن بأن من حق الإنسان أن يؤمن بأنه يمكن أن يكون على حق لو آمن ” ! إننا لو قلنا لشخص ما ” إنني أعتبر عقيدتك خرافة ، ولكن إذا كانت مفيدة لك فهي عقيدة حقيقة بالنسبة لك “. أليس في ذلك سخرية به ؟!

6 - إن البراجماتية تركز على الفرد ، وتعلي من ” الفردية ” إلى أقصى حد . وهي بذلك تعكس الفردية الممزقة التي سادت أمريكا في القرن التاسع عشر . وهذه الفردية بما يرتبط بها من فوضى وغموض تجعل الأفراد عاجزين عن تحمل النظام والرقابة والمهام الاجتماعية. إن هذه الفردية هي التي جعلت أواصر قربى بين البراجماتيين وبين الفيلسوف السوفسطائي ” بروتاجوراس ” حين قال : ” إن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً ” . وقد كتب ” شيلر ” يقول ” ينبغي علينا أن نعود مرة أخرى إلى ما فعله بروتاجوراس ، فنتخذ الأحكام الفردية لأشخاص مفردين نقطة بدء لنا ” . لكن ليس لنا أن ننسى أن بروتاجوراس هو أحد هؤلاء الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل، لكي يتصيد في الماء العكر ما هو زائف ومريح ، ويشيد صرح الخطابة على أنقاض الفلسفة . لقد لاحظ أفلاطون بحق في ” ثيتاتوس ” أننا لو سلمنا بمبدأ بروتاجوراس، لكان معنى ذلك التسليم بأن حجج المجنون تعادل في صدقها حجج العاقل ، وأن أحط الحيوانات شأنا قد يكون له رأي في الكون لا يقل حصافة عن رأي الإنسان الحكيم!! وبعد … إن البراجماتية قد تصلح لأولئك الذين يتمتعون بروح عدوانية ، تسعى إلى السيطرة النابليونية . أما بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بالروح الإنسانية ، ويتمسكون بالمثل العليا ، والقيم الدينية، فإن البراجماتية تبدو لهم ضيقة الأفق ، محدودة الإطار، مخيبة للآمال )

المدرسة العليا للأساتذة في الآداب والعلوم الإنسانية

بوزريعة - الجزائر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مدخـل إلى علوم التربية

 

مـن إعداد الأسـتاذيــن :

                        - كمـال عبـد اللــه

                        - عبـد اللـه قـلــي

 

 

لطلبة اللغة العربية وآدابها- السنة الأولى- الإرسال 3

ملمح أساتذة التعليم الأساسي (عن بعد)

المحور الرابع : الأسس الاجتماعية للتربية

 

-         مفهوم الأسس الاجتماعية

-         الوظائف الاجتماعية

-         المؤسسات التربوية

 

 

 

 

الأسس الاجتماعية للتربية

تخضع المجتمعات الإنسانية في الوقت الحاضر لكثير من التغيير والتطور- سرعة ومدى-  بما لم يسبق أن مارسته في أية فترة من فترات التاريخ الإنساني هذه التغيرات والتطورات التي شملت كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي فرضت نفسها على قيم الأفراد وسلوكهم، وعلى المؤسسات الاجتماعية المختلفة فارتفعت بها- أو تحاول ذلك - شكلا ومحتوى- إلى مستوى المسؤولية لمقابلة التحديات والمطالب التي تفرضها هذه التغيرات والتطورات.

 

مفهوم الأسس الاجتماعية :

 

هي القوى الاجتماعية المؤثرة في وضع المنهج وتنفيذه وتتمثل في التراث الثقافي للمجتمع والقيم والمبادئ التي تسوده والحاجات والمشكلات التي يهدف إلى حلها والأهداف التي يحرص على تحقيقها. وهذه القوى تشكل ملامح الفلسفة الاجتماعية أو النظام الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات وفي ضوئها تحدد فلسفة التربية التي بدورها تحدد محتوى المنهج وتنظيمه وإستراتيجيات التدريس والوسائل والأنشطة التي تعمل كلها في إطار متسق لبلوغ الأهداف الاجتماعية المرغوب في تحقيقها

وهذه القوى تشكل ملامح الفلسفة الاجتماعية أو النظام الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات, وفي ضوئها تحدد فلسفة التربية التي بدورها تحدد محتوى المنهج وتنظيمه واستراتيجيات التدريس والوسائل والأنشطة التي تعمل كلها في إطار متسق لبلوغ الأهداف الاجتماعية المرغوب في تحقيقها.

فدور المنهج هو أن يعكس مقومات الفلسفة الاجتماعية يحولها إلى سلوك يمارسه التلاميذ بما يتفق مع متطلبات الحياة في المجتمع بجوانبها المختلفة, ولما كانت المدرسة بطبيعة نشأتها مؤسسة اجتماعية أقامها المجتمع من أجل استمراره وإعداد الأفراد للقيام بمسؤولياتهم فيه, فمن الطبيعي تتأثر بالمجتمع والظروف المحيطة به. ومعنى ذلك أن القوى الاجتماعية التي يعكسها منهج ما في مدرسة ما إنما هي تعبير عن المجتمع في مرحلة ما, ولذلك تختلف المناهج من حيث الشكل والمنطق من مجتمع لآخر تبعاً لتباين تلك القوى.

1 ـ تمكين المتعلم العربي من فهم ذاته الاجتماعية، وفهم وطنه العربي وديناميكية تطوره، ومشاكله وتحدياته الاجتماعية بموضوعية وواقعية ونظرة متفائلة، وفي سياق ذلك تمكين المتعلم العربي من فهم أسرته وبيئته المحلية متدرجاً لفهم وطنه والعالم، مع تنمية القدرة لفهم الحضارات والمجتمعات الأخرى في العالم، ومع تأكيد الإحساس بالانتماء للآخرين وقبول اختلافهم وخصوصياتهم الثقافية والتعامل الإيجابي معهم .

2 ـ تأكيد بناء قدرات ومهارات اجتماعية من أهمها :

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي نحو حب العمل والإخلاص فيه .

ـ وإدراك ضرورته لحياة الفرد وأسرته ووطنه .

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي الإيجابي نحو العمل اليدوي والمهني لاكتساب مهاراته الأساسية وضرورته لحياة العصر الحديث .

ـ تنمية الاتجاه الاجتماعي للاعتماد على النفس والقدرة على العمل مع الآخرين والتعاون معهم لإنجاز هذا العمل.

ـ خلق الحافز لقبول التغير والتجديد الاجتماعي في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي لم تعد تتفق وحياة العصر الحديث أو التي تعيق النمو والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ـ تنمية وتأكيد الاتجاه الاجتماعي لقبول المساواة بين الرجل والمرأة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية، في إطار من ثوابت وقيم الثقافة العربية الإسلامية الصحيحة، ونبذ النظرة إلى المرأة على أنها أقل مكانة من الرجل.

3 ـ تطوير إستراتيجية التربية العربية بما يحقق تأكيد المبادئ التالية:

ـ تكوين إنسان معتز بأنه عربي ومسلم أو مسيحي من أبناء الأمة العربية .

ـ تكوين إنسان معتز بكرامته وذاته الفردية والاجتماعية .

ـ تكوين إنسان يقبل الاختلاف الاجتماعي والثقافي ويحترم الآخرين في أسرته ومجتمعه والعالم، وله القدرة على التعايش والتعامل معهم بروح إيجابية بناءة .

والمدرسة مؤسسة اجتماعية أساسية تمثل جزءا هاما من المجتمع الذي تعيش فيه، تتأثر به، مستجيبة للمطالب التي تفرضها قيم المجتمع عليها، بعد شخصيات الصغار وتشكلها للمعيشة في المجتمع والمساهمة في حياته.

ولقد أنشأ المجتمع المدرسة لكي تعد الجيل الصغير للاشتراك في المنشط الإنسانية التي تسود حياة الجماعة وللتكيف معها، وللإحساس بالأمن والطمأنينة في رحابها، ولذلك فشخصية المدرسة تتحدد أبعادها بأبعاد المجتمع الذي تخدمه.

ولا يقتصر عمل المدرسة على إعداد الجيل الصغير للاشتراك في حياة الجماعة والتكيف معها، ولكن هذا الإعداد يتضمن أيضا القدرة على تجديد هذه الحياة وعلى تطعيمها بالدم الجديد، الذي يبعث فيها الحركة والنمو.

وعلى هذا الأساس تستجيب المدرسة لمطالب التغير الاجتماعي وتحدياته في المجتمع الذي تعيش فيه، وتعمل في الوقت نفسه على أن تكون رائدة بهذا التغير الاجتماعي ومبشرة به وموجهة إليه، عن طريق هذا الجيل الصغير الذي تعده وتشكله.

 

 الجمود الاجتماعي :

 

على أن كثيرا من الناس- ومن بينهم كثير من المدرسين -  ينظرون إلى الأوضاع القائمة في المدارس على أنها مستمرة ويجب ألا تتغير وهم يتساءلون دائما : لماذا هذا التغيير في نظام التعليم وقوانينه ولوائحه؟ لقد تعلمنا في الماضي في المدرسة وسلكنا طريقنا ونجحنا في الحياة، وتعلم المدرسون مادة تخصصهم ونالوا شهادة تعترف فيها الدولة لهم بهذا التخصص. وهم بهذا كله يحاولون أن يعزلوا المدرسة عن التطورات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، ناظرين إلى المدرسة نظرة ضيقة تنحصر بين حدود مادتهم العملية التي تخصصوا فيها. وهنا يبرز سؤال هام خاص بعمل المدرسة: مداه وأهدافه. هل يجب على المدرسة أن تحذر نفسها وتقصر أهدافها على نقل أنواع المعارف والمهارات إلى التلميذ ؟ أم أنها يجب أن تتعدى هذه الأهداف الضيقة لتعنى بتشكيل تخصصات تلاميذها سلوكا واتجاهات وعادات وقيما؟ وفي الحالة الأولى ما هي أنواع المعارف والمهارات التي تحتل الأهمية العظمى؟ وفي الحالة الثانية ما هو نوع الشخصية الإنسانية الذي تعمل على تشكيله؟

ولكن لماذا فشل المدرسون في أن يروا هذه الحقيقة الهامة وهي أن نمط المدرسة يرتبط باستجابة تاريخية لمطالب اجتماعية_قد تكون متساندة وقد تكون متعارضة- تفرض نفسها على تربية الصغير؟ قد يرجع هذا إلى نقص في تعليمهم المهني، وإعدادهم الفني، إذ أن كثيرا من المدرسين قد أعدوا من ناحية تخصصهم في مادتهم، ولكنهم لم يتعلموا أن ينظروا إلى المدرسة كمؤسسة اجتماعية في ظل نظام اجتماعي معين، وأنها تعمل في حدود هذا الإطار في علاقاته المتشابكة المتعددة المعقدة.

إن إحساس المدرس بالأسس الاجتماعية للمدرسة، ومعرفته بالإطار الاجتماعي لمادته، وإدراكه للنظام الاجتماعي القائم وانعكاساته المختلفة على المدرسة في أهدافها ومناهجها وإدارتها وعلاقاتها، من أهم ما نهدف إليه.

 

المجتمع  والتربية :

 

     لقد اختلف المفكرون والفلاسفة في تحديد علاقة التربية بالمجتمع، فمنهم من رأى (أرسطو) بان التربية هي الوسيلة الوحيدة لاستقرار المجتمع وأنظمته وقيمه وأوضاعه الاجتماعية بينما رأى فريق آخر ( أفلاطون ) إن التربية وسيلة لإصلاح المجتمع وتحسينه وتقدمه وتطوره.

فلو تأملنا في تاريخ الشعوب لعلمنا كم التربية لعبت دورا هاما في حياتها، مثل الحضارة البابلية والمصرية والصينية والفينيقية، حيث أضافت إليها روائع الفكر الجديد، فاهتم الاثينيون بالتطور الفكري، واعتنوا بتربية الإنسان، وجعلوا التربية همهم الأول، حيث أخرجت أثينا نخبة الأساتذة العقل البشري والفلاسفة الخالدين الذي اثروا في العلوم الإنسانية.

وفي اسبرطة لعبت التربية دورا حيويا في بناء المجتمع والذي لا يزال يعتبر نموذجا للتربية التي تميزت بطابعها العسكري ونظامها التربوي الانتقائي الصارم. حيث عملت مجتمع متين موحد وقوي في مواجهة أقسى الظروف.

     أما أثينا فقد عملت على تربية الفرد وركزت على قوة شخصيته لمواجهة أصعب الظروف، وقد حرصت التربية عند الرومان على تخريج أجيال مدربين على فنون القتال والحرب.

     حتى التربية الحديثة في بناء المجتمعات الحديثة، هذا ما تفعله الأمم، وهذا ما فعلته التربية الإسرائيلية، حتى أعدت دولتها، قامت ببناء مجتمع حربي مستعدا دائما للقتال، عن طريق التربية.

وفي اليابان نموذج رائع بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، ببناء مجتمع قوي ومتحضر صناعي، يحمل المسؤولية في جميع الاتجاهات، وقد لعبت التربية دورا بارزا في هذه الحضارة.

وتطبيقا لذلك نشأت الأمة والدولة العربية الإسلامية وتطورت ظروف انتشار القوة العربية تحت لواء الرسالة الإسلامية في مواجهة التحدي الخارجي، بفضل الإنسان العربي المسلم الجديد الذي أصر الرسول على توفير التربية الجيدة له حتى يصوغه أولا قبل الإقدام على نشر الدعوة الإسلامية. إلى أن بدا الوهن والضياع يدب في هذا القوم نتيجة بعدهم عن التربية الإسلامية الصحيحة.  ومن هنا نرى كيف التربية لعبت ولا تزال تلعب دورا هاما وأساسيا في بناء الإنسان والمجتمع وتطويرهما قديما وحديثا..
وهكذا فان التربية تستطيع تحقيق ذلك باعتبار أنها وظيفة اجتماعية تتفاعل مع مجتمعها تأثرا فيه، وخاصة إذا ما استطاعت العمل على :-

1 - إحداث تنمية اجتماعية حقيقية داخل المجتمع العربي، بمواجهة التخلف، وتحدي حضاري شامل ومتكامل.

2 - إن إحداث تنمية اجتماعية شاملة داخل المجتمع العربي تستوجب من التربية تنمية القدرة العربية من الموارد والطاقات الذاتية وحدها على مواجهة التحديات.

3 - إن إعداد الإنسان العربي الذي يمثل الثروة الحقيقية إعدادا حضاريا متميزا سيظل يمثل حجر الأساس في عملية بناء المجتمع العربي المستقبلي، وهذا يتطلب من التربية جهدا واعيا ودورا كبيرا لتحقيقه فكرا وتطبيقا.

4 - أن تعمل التربية على جعل الوعي العلمي فكرا ومنهجا وتطبيقا أساسه في الحياة العامة، داخل المجتمع العربي، وذلك من خلال تطوير البحث العلمي وتشجيع مؤسساته واستيعاب كل منجزاته والإسهام في تحقيق أهدافه.

5- منح المرأة العربية كل فرص التعليم المتكافئة باعتبارها تمثل المجتمع.

6  -جعل التخطيط التربوي أساسا ومنهجا دائما لربط أهداف التربية وبرامجها ومناهجها بحاجات المجتمع من القوى العاملة والمهارات اللازمة لبنائه وتطويره.

 

التربية … والتعليم في مجتمعنا العربي :

     تقوم التربية بتحقيق أهداف والمجتمع أو النظام السياسي الحاكم في هذا المجتمع أو ذاك بتأثير المناهج التعليمية والبرامج التربوية الموضوعة بما يتفق وأهداف النظام السياسي والاجتماعي وذلك من خلال استخدام المؤسسات التعليمية بكل مستوياتها (رياض أطفال، مدارس، معاهد، كليات، جامعات) على اعتبار إنها مؤسسات اجتماعية تستمد أهدافها من فلسفة المجتمع المحيط بها. التربية المكتسبة في المدارس تميل إلى أن يكون لها تأثير مستديم حسب ما تشير إليه الدارسات في علم النفس الاجتماعي المتصلة بعملية التنشئة الاجتماعية بأن المواقف التي يتخذها البالغون يمكن تعقيمها بشكل جزئي إلى ما تعلمون بالمدرسة الابتدائية.

التعليم المدرسي : دور المؤسسات التربوية التعليمية بشكل عام يأتي في المرتبة الثانية بعد دور الأسرة من حيث أهميتها ومسئوليتها في صناعة الأجيال والفرد والإنسان إلا أنها تلعب دورا لا يقل أهمية عن دور العائلة إن لم يكن مساويا أو مكملا له. لعل السبب الجوهري في الأزمة التربوية تتمثل في عقم العملية التربوية التعليمية في المدرسة العربية الذي يرجع إلى عدة عوامل منها :

   أنها لا تزال عملية تقوم على السيطرة السلطوية للمعلم الذي يعتمد بدوره على استخدام القمع و الضرب والتسلط والعقاب والإرهاب للطلاب.

  استخدام المدرسين لأساليب التدريس الإلقائية والتقليدية في تعليمهم وتدريسهم لتلاميذهم وطلابهم.

   لأن أساليب التدريس في المدرسة العربية لا تزال تقوم على أساليب الحفظ والتسميع والترديد والتكرار الآلي من قبل الطلاب.

  إن هذه العملية التقليدية والتربوية تفتقر إلى الأهداف التنموية والفلسفة الواضحة والسياسية التعليمية الرشيدة التي يمكن للمعلم والمتعلم الاسترشاد بها غي عملهم.

إن المناهج والبرامج والمقررات التعليمية مناهج نظرية أكثر منها عملية تطبيقية ومقررات كلاسيكية تقليدية تفتقر إلى الحداثة فيشعر المعلمين والدارسين معها بالاغتراب والملل والضجر وعدم التشويق.

  إن العملية التعليمية في مدارسنا ومعاهدنا عملية حرفية تعتمد على الكتاب المقرر فقط، كما تعتمد على الامتحانات المثالية كمقاييس لحفظ الطلاب للمادة التعليمية للتحصيل الأكاديمي.

 إن العملية التربوية التعليمية في مدارسنا العربية تسير بدون تخطيط حقيقي.

  إن إدارة المدرسة العربية لا تزال إدارة بوليسية تعتمد على أساليب السلطة الفوقية بدلا من الاعتماد على أنماط الإدارة الحديثة والقيادة التربوية Leadership  الواعية.

 إن العملية التربوية التعليمية داخل مدارسنا العربية عملية (أحادية) أي من طرف واحد هو المعلم فقط، فتفتقر بالتالي إلى التفاعل من أطرافها (المعلم والمتعلم والمناهج والإدارة).

 عملية التعليم أصبحت عملية روتينية عميقة من التعلم والمناهج السلبي.
كل تلك العوامل ساهمت إلى حد كبير في فشل العملية التربوية التعليمية في مدارسنا ومن ثم صياغة وتنشئة وتخريج إنسان عربي آلي ساذج (كالببغاء) لا يحسن التعبير عن نفسه وذاته.

وحتى لائم النظام التعليمي والتربوي أهداف مجتمعنا العربي والواقع الذي نعيشه لا بد من تحقيق ما يلي:

صياغة أهداف واضحة لنظامها التعليمي والتربوي المدرسي والجامعي.

 تعبير الأساليب التعليمية التقليدية والتحفيظية من الروضة والمدرسة وحتى الجامعة.

 تغيير المناهج التعليمية والتربوية بحيث تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا مع واقع المجتمع وحاجات الأفراد المتعلمين وقدراتهم.

توفير الفرص للمعلمين والأساتذة والمدرسين لرفع مستوياتهم المعرفية والفنية والمهنية.

لا بد لمدارسنا ومؤسساتنا التعليمية وقيادتها الإدارية من استخدام التخطيط بكل أشكاله ومستوياته وصور المختلفة المرحلي منه والاستراتيجي الشامل في عمليات رسم التعليمية أو محاولة تطوير هذه المؤسسات.

 

التعليم العالي :

 

إن جذور مشكلة تعليمنا الجامعي تبدأ من المدرسة، حيث تصل عدد من طلاب مدارسنا من التعليم العام إلى الجامعة وهم غير قادرين أو مؤهلين للتعليم الجامعي والعالي. يصف نائب المدير العام لليونسكو نظام التعليم العربي ( بأنه يمتاز بالجمود والافتقار إلى جو الدراسة الجادة والبحث العلمي الواعي، مثلما يعاني من البيروقراطية السافرة والمناهج العتيقة (القديمة) والتقاليد البالية). لم تستطع المدارس أو الجامعات العربية حتى الآن في تحقيق الديمقراطية كنمط بين أجيالها لأن المدرسة أو الجامعة نفسها لا يسودها جو ديمقراطي، بل أنهما لا توجدان في مجتمع ديمقراطي أصلا، ومن هنا فإن الأجيال التي ستخرجها هذه المدرسة أو الجامعة هي أجيال مقهورة عاجزة، وبالتالي فإن الإنسان المقهور العاجز لا يستطيع إن بيني حضارة أو يحرر أرضا أو وطنا. تتبلور ملامح أزمة الجامعات والتعليم العالي في الوطن العربي في عدد من المظاهر السلبية التي تسيء إلى النظام متمثلة :

 مفهوم المدرسة في المجتمع العربي مفهوم تسلطي يتمثل في فرض نمط فكري أو أساسي معين على أذهان الشباب من الطلاب أو الطالبات.

 في البرامج والمناهج التعليمية التعسفية التي تستند إلى المدرسة النظرية وحدها دون الاهتمام بالتطبيق والتجريب حتى أصحبت سلبية وأحادية الجانب حيث فشلت لأنها منفصلة عن حاجاتنا.

 ما يعانيه النظام الجامعي في الوطن العربي ومؤسساته الأكاديمية من التطبيق والأخذ بنظم وقواعد غاية في الشدة والصرامة في الحضور والتقديرات.

وبهذا فالمشكلة الرئيسية في نظامها التعليمي العالي بشكل عام أنه نظام تقليدي متطابق متشابه ليس فيه تجديد أو تطوير أو تنويع سواء في التخصصات أو المقررات أو الأساليب أو الخرجين. من أجل وضع تصور مستقبلي لأهداف وبرامج ومناهج نظامنا التعليمي والتربوي ليكون على مستوى من الوعي والقدرة للمشاركة في بناء مجتمع المستقبل العربي المنشود مع إطلالة العام الألفي الثالثة فإنه لا بد من العمل على تحقيق الاستراتيجيات التعليمية والتربوية التالية :

 إن نعمل أولا على جعل المدرسة العربية أداه للتغيير والتحرر وخلق الوعي الاجتماعي بدلا من أن يكون مفهومها تسلطيا ودورها قمعيا استعلائيا.

 وضع فلسفة تربوية وتعليمية واضحة تنبثق من تراثنا الحضاري العربي الإسلامي.

إن نثور مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا بمناهجها وإدارتها وأنظمتها ولوائحها وبرامجها التعليمية والتربوية لردم الهوة القائمة بين واقعنا التعليمي والتربوي الحالي وبين التعليم الإبداعي والابتكار الذي نحلم بتحقيقه بدء من الروضة وحتى الجامعة.

 إن نحدد أهدافنا وغاياتنا القريبة والبعيدة.

  إن تطور البرامج والمناهج التعليمية التي تستطيع بها إنتاج إنسان عربي متكامل.

جعل حياة الطالب العربي بمثابة المحور الذي تدور حوله الدراسة الجامعية.

 تغيير أنماط التعليم والتعلم وأساليب التدريس التقليدية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا.

إعداد الكوادر التربوية المؤهلة من المعلمين والإداريين للعمل في المدارس.

وضع خطط زمنية مرحلية وإستراتيجية شاملة لأنظمتنا التعليمية القائمة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا.

تحويل مدارسنا ومؤسستنا التعليمية وجامعتنا إلى مراكز للنشاط الفكري والبحث العلمي.

عن نستخدم مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا لتكون مراكز للتعلم والاتصال الجماهيري والثقافة الشعبية الجماهيرية.

إن مسؤولية صناعة وإنتاج الإنسان العربي المطلوب بمواصفات عصرية تتجاوز في أهميتها كل مسؤولياتها وأولويتها أخرى كما تحتاج الشيء الكثير من العمل الدءوب والجهد والتنسيق الفعال بين كل الأوساط المعنية والوسائط التربوية الاجتماعية في المجتمع العربي حيث تصبح مسؤولية إعداده لا تقتصر على الدراسة أو الأسرة بشكل خاص فحسب بل وعلى المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والثقافية كالمعهد والمؤسسات التعليمية والجامعية والإذاعة والتلفزيون والمسرح ودور العبادة، بحيث تشترك جميعها في إعداد وإنتاج وتنشئة وصناعة هذا الإنسان العربي بشكل متكامل.

 

الوظائف الاجتماعية للتربية :

 

التربية نظام اجتماعي أساسي في كل المجتمعات دعت إليه ضرورة ملحة، وهي تنشئ الأطفال تنشئة اجتماعية وتربيهم ليصبحوا مواطنين صالحين في المجتمع ، ومن أهم وظائفها الاجتماعية:

أ - نقل التراث الثقافي المسؤول عن تحويل الأفراد من الطبيعة البيولوجية إلى الطبيعة الإنسانية.

بـ - تجديد التراث الثقافي والإضافة إليه.

جـ -  تحديد مركز الفرد الاجتماعي والدور الذي يقوم به.

بعض المؤسسات التربوية وأثرها في تربية الفرد والمجتمع .

 

من المعروف أن التربية نشاط أو عملية اجتماعية هادفة، وأنها تستمد مادتها من المجتمع الذي توجد فيه ؛ إذ إنها رهينة المجتمع بكل ما فيه ومن فيه من عوامل ومؤثرات وقوى وأفراد ، وأنها تستمر مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت ؛ لذلك فقد كان من أهم وظائفها إعداد الإنسان للحياة ، والعمل على تحقيق تفاعله وتكيفه المطلوب مع مجتمعه الذي يعيش فيه فيؤثر فيه ويتأثر به.

ولأن هذا التأثر والتأثير لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال المؤسسات الاجتماعية المتنوعة التي تتولى مهمة تنظيم علاقة الإنسان بغيره، وتعمل على تحقيق انسجامه المطلوب مع ما يُحيط به من كائناتٍ ومكونات، فإن العملية التربوية مستمرة مع الإنسان منذ أن يولد وحتى يموت؛ وتتم من خلال المؤسسات التربوية الاجتماعية التي تتولى مهمة تربية الإنسان، وتكيفه مع مجتمعه، وتنمية وعيه الإيجابي، وإعداده للحياة فيه. وتُعد هذه المؤسسات التربوية بمثابة الأوساط أو التنظيمات التي تسعى المجتمعات لإيجادها تبعاً لظروف المكان والزمان، حتى تنقُل من خلالها ثقافاتها، وتطور حضاراتها، وتُحقق أهدافها وغاياتها التربوية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التربوية لا تكون على نمطٍ واحد، أو كيفيةٍ واحدةٍ طول حياة الإنسان، إذ إنها متعددة الأشكال، مختلفة الأنماط، وتختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان، وظروف مجتمعه، وبيئته  المكانية والزمنية والمعيشية، وما فيها من عوامل وقوى. كما تختلف باختلاف نوعية النشاط التربوي الذي تتم ممارسته فيها.
وهنا يمكن تعَريف  المؤسسات التربوية بأنها تلك البيئات أو الأوساط التي تُساعد الإنسان على النمو الشامل لمختلف جوانب شخصيته، والتفاعل مع من حوله من الكائنات، والتكيف مع من ما حوله من مكونات.

ويأتي من أبرز وأهم هذه المؤسسات التربوية في المجتمع الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق إلى جانب المسجد ووسائل الإعلام والأندية وأماكن العمل ونحوها من المؤسسات المختلفة التي تؤثر على تربية الإنسان سواءً كان ذلك التأثير بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مباشرة .

ومعنى هذا أن تربية الإنسان لا يمكن أن تتم إلا من خلال بعض المؤسسات أو الوسائط الاجتماعية المختلفة . ونظراً لكثرة هذه المؤسسات وتنوعها واختلاف أشكالها وأنماطها، فقد عَرَف المجتمع المسلم عبر تاريخه الطويل عدداً من هذه المؤسسات الاجتماعية التربوية والتعليمية المختلفة التي كانت نتاجاً طبيعياً للعديد من المطالب والتحديات والتغيرات الحضارية التي طرأت بين حينٍ وآخر على العالم الإسلامي. بل إن كل مؤسسة من المؤسسات التربوية التي عُرفت في الإسلام إنما نشأت استجابةً لحاجةٍ وظروفٍ اجتماعيةٍ معينة .

ويأتي من أبرز هذه المؤسسات التربوية والتعليمية ما يلي :

 

1 ) الأُسرة ( المنـزل ) :

 

وهي الخلية الأولى التي يتكون منها نسيج المجتمع ، كما أنها الوسط الطبيعي الذي يتعهد الإنسان بالرعاية والعناية منذ سنوات عمره  الأولى . وقد حث الإسلام على تكوينها والاهتمام بها لأثرها البارز في بناء شخصية الإنسان وتحديد معالمها منذ الصغر. وتتكون الأسرة في الغالب من مجموعة أفراد تجمعهم فيها ظروف المعيشة الواحدة؛ وتربطهم رابطةٌ شرعيةٌ قائمةٌ على المودة والمحبة.

وتُعد الأسرة أهم المؤسسات التربوية الاجتماعية التي لها الكثيـر من الوظائف، وعليها العديد من الواجبات الأساسية حيث تُعتبر بمثابة المحضن الأول الذي يعيش الإنسان فيها أطول فترةٍ من حياته ، كما أن الإنسان يأخذ عن الأُسرة  العقيدة، والأخلاق ، والأفكار، والعادات، والتقاليد، وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية .

وللأسرة وظائف كثيرةٌ ومتنوعة لاسيما أنها تُعنى بتنمية ورعاية جميع الجوانب الشخصية للإنسان في مختلف مراحل عمره . وعلى الرغم من اشتراك الأسرة المسلمة مع غيرها من الأسر في أداء بعض الوظائف التربوية ؛ إلا أن للأُسرة المسلمة بعضاً من الوظائف التربوية المميزة التي من أبرزها ما يلي :

أ ) العمل على تزويد المجتمع المسلم بالذرية الصالحة التي تُحقق قوله صلى الله عليه وسلم: ” تزوجوا الولود الودود ؛ فإني مُكاثرٌ بكم ” ( رواه النسائي). والتي تكون عاملاً قوياً في تحقق واستمرار الحياة الأُسرية، وضمان استقرارها.

ب ) تحقيق عوامل السكون النفسي والطمأنينة لجميع أفراد الأسرة حتى تتم عملية تربيتهم في جوٍّ مُفعمٍ بالسعادة بعيداً عن القلق والتوتر والضياع . ويأتي ذلك تحقيقاً لقوله تعالى : } وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون َ{ ( سورة الروم : الآية رقم 21 ) .

ج ) حُسن تربية الأبناء والقيام بواجب التنشئة الاجتماعية الإيجابية ، والعمل على صيانة فطرتهم عن الانحراف والضلال ، تحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم :” كُلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ، أو يُنصِّرانِهِ ، أو يُمجِّسانِهِ ” ( رواه البخاري) .

د ) توفير مقومات التربية الإسلامية الصحيحة لأفراد الأسرة عن طريق العناية بمختلف الجوانب الشخصية للإنسان ( روحياً، وعقلياً، وجسمياً). والحرص على توازنها وتكاملها لما لذلك كله من الأثر الكبير في تشكيل وتكوين الشخصية المسلمة السوية، والعمل على تفاعلها وتكيفها مع ما حولها من المكونات ، ومن حولها من الكائنات بصورةٍ ايجابيةٍ ، ومستمرةٍ طول فترة الحياة .

هـ ) الحرص على توعية أعضاء الأسرة وخاصة الصغار منهم بكل نافعٍ ومفيد ، والعمل على تصحيح مفاهيمهم المغلوطة ، وحمايتهم من كل ما يُهدد سلامتهم وسلامة غيرهم ، وتعليمهم الأخلاق الكريمة، والآداب الفاضلة، والعادات الحسنة حتى يشبون عليها، ويتعودون على مبدأ التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل .

و) إكساب أعضاء الأسرة الخبرات الأساسية والمهارات الأولية اللازمة لتحقيق تكيفهم وتفاعلهم المطلوب مع الحياة ، وإكسابهم الثقة بالنفس، والقدرة على التعامل مع الآخرين .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدور التربوي للأُسرة في عصرنا الحاضر قد تقلص بعض الشيء ولم يعد بنفس المنـزلة التي كان عليها من قبل، والسبب في ذلك أن هناك مؤسساتٍ اجتماعيةٍ أُخرى تمكنت في العصر الحاضر من مُزاحمة الأسرة والسيطرة على معظم الوقت الذي يقضيه الإنسان تحت تأثيرها ومن هذه المؤسسات وسائل الإعلام التي تُعد بحق في عصرنا أهم وأبرز المؤسسات التربوية الاجتماعية المؤثرة تأثيراً فاعلاً في حياة الإنسان صغيراً كان أو كبيراً، جاهلاً أو مُتعلماً ، ذكراً أو أُنثى .

 

الدور التربوي للأسرة :

 

يأتي مفهوم البيت والأسرة دائماً مع وجود الأبناء فالهدف من تكوين الأسرة هو حصول الوالدين على أبناء وبمعنى آخر فالأسرة كيان يتم بناءه من أجل الوصول إلى أهداف معينة أهمها إنجاب الأبناء وتربيتهم، والواقع أن تربية الأبناء ليس بالأمر السهل بل هي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأسرة حيث يتطلب الأمر الكثير من الجهد والتخطيط فإذا ابتغى الوالدان التوفيق في تربية أبناء صالحين وبناء مستقبل واعد لهم ينبغي عليهما تحديد أهداف تربوية معينة ومعرفة الوسائل والطرق اللازمة للحصول على تلك الأهداف حيث يشكل ذلك برنامجاً تربوياً متكاملاً وعلى الوالدين تربية أبنائهم وفق هذا البرنامج.فالوالدان اللذان لا يفكران في تربية أبنائهم لا يحق لهما انتظار المعجزة والمستقبل من أبنائهم فكما نسمع في الزراعة اصطلاحات الري والغرس وجني الثمار ففي عملية التربية والتعليم أيضاً ما يشابه ذلك أي أن الأبناء يعتبرون الثمار الناتجة من الجهود التربوية للوالدين وهناك جوانب أساسية في التربية ينبغي على الأسرة مراعاتها أهمها :

أولاً : تنمية شخصية الطفل واكتشاف القدرات الذاتية :

الإنسان في طفولته يملك مواهب فكرية ونفسية وعاطفية وجسمية ووظيفة الأسرة تنمية هذه المواهب واكتشاف القدرات والصفات التي يملكها أبنائهم والتعرف إلى نقاط القوة والضعف وفي الواقع تختلف قابلية الأطفال ومقدرتهم في تلقي الدروس حيث التباين الفردي والتنوع في الميول والاتجاهات وفي هذا الجانب ينبغي على الأسرة والمدرسة مراعاة ذلك.

 

ثانيا : تنمية العواطف والمشاعر:

العواطف والمشاعر مثلها مثل غيرها من مقومات الشخصية لدى الإنسان تحتاج إلى التربية والإرشاد ولعل من أهم العوامل التي يجب أن تراعيها الأسرة اللامبالاة وعدم الاكتراث والاهتمام بمطالبهم لأن هذه المشاعر هي علامات تدل على ميل نحو بعض الأمور أو بالعكس تفسر نفوره وعدم ميله نحو أمور أخرى فإذا علم الوالدان ذلك أمكنهم تصحيح المسار نحو الوجهة السليمة.

ثالثاً : تنظيم وقت الطالب واستغلال ساعات الفراغ :

هذا الجانب من أهم الجوانب التي يجب على الأسرة مراعاتها حيث يعتبر الفراغ مشكلة المشاكل عند الشباب وعليه فإن المسؤولية تقع على ولي الأمر فيجب عليه تنظيم وقت الطالب بحيث يكون هناك وقت كافي ومناسب للمذاكرة ووقت مناسب آخر للترفيه في الأشياء المفيدة وفي هذا الجانب يعتبر قرب ولي الأمر من أبنائه ومتابعته لهم ومنحهم الرعاية هي أقصر الطرق لسد ساعات الفراغ.

 

رابعاً : مراعاة توفير الحاجات النفسية :

إن الأطفال لهم حاجات نفسية مختلفة منها اطمئنان النفس والخلو من الخوف والاضطراب والحاجة للحصول على مكانة اجتماعية واقتصادية ملائمة والحاجة إلى الفوز والنجاح والسمعة الحسنة والقبول من الآخرين وسلامة الجسم والروح، وعلى الوالدين إرشاد أبنائهم وتربيتهم التربية الصحيحة حتى لا تنحرف حاجاتهم فتتولد لديهم مشكلات نفسية واجتماعية .

خامسا : اختيار الأصدقاء :

تعتبر الصداقة وإقامة العلاقات مع الآخرين من الحاجات الأساسية للأبناء خصوصاً في سن الشباب فالأطفال والناشئون يؤثرون على بعضهم البعض ويكررون ما يفعل أصدقاؤهم وبكل أسف يتورط عدد من شبابنا في انحرافات خلقية نتيجة مصاحبة أصحاب السوء ، ومن أجل اختيار الصديق الصالح يجب على الوالدين أو على الأسرة كلها توضيح معايير الصداقة لأبنائهم وصفات الصديق غير السوي مع المتابعة المستمرة لذلك.

سادسا : العلاقات الأسرية وأسس التعامل مع الأبناء :

إذا بنيت علاقات الأسرة على الاحترام سيكون بناؤها قوياً متيناً وهذا في الواقع يؤثر تأثيراً إيجابياً على مستقبل الأبناء وعلاقاتهم الاجتماعية وإذا عامل الأبوان أبناءهم معاملة حب وتكريم فإن حياتهم تكون خالية من القلق والاضطراب أما استعمال العنف والألفاظ البذيئة يسبب إضعاف شخصية الابن وتوتره وعموماً ينبغي التوازن في التربية أي لا إفراط ولا تفريط حتى لا تكون هناك نواحي عكسية.

سابعاً : القدوة الحسنة : الأطفال يقلدون في سلوكياتهم الآباء والأمهات والمعلمين فالأطفال الصغار يتأثرون أكثر بآبائهم وأمهاتهم لكن عند ذهابهم إلى المدرسة يتأثرون أكثر بمعلميهم، وعلى هذا يجب أن يعلم المربون أن أفكارهم وسلوكهم وكلامهم نموذج يحتذى به من قبل الأبناء وعليه يجب أن يكونوا قدوة في كافة تصرفاتهم.

 

2 ) المسجد :

 

يُعد المسجد أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطاً وثيقاً نظراً لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم، لاسيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فقط بل كان أشمل من ذلك ؛ إذ كان جامعاً لأداء العبادات من الفرائض والسُنن والنوافل، وجامعةً للتعليم وتخريج الأكفاء من الخلفاء والعلماء والفقهاء والأمراء، ومعهداً لطلب العلم ونشر الدعوة في المجتمع ، ومركزاً للقضاء والفتوى ، وداراً للشورى وتبادل الآراء، ومنبراً إعلامياً لإذاعة الأخبار وتبليغها، ومنـزلاً للضيافة وإيواء الغرباء، ومكاناً لعقد الألوية وانطلاق الجيوش للجهاد في سبيل الله تعالى ، ومنتدُى للثقافة ونشر الوعي بين الناس، إلى غير ذلك من الوظائف الاجتماعية المختلفة.

وبذلك يمكن القول إن المسجد في الإسلام يُعد جامعاً وجامعةً، ومركزاً لنشر الوعي في المجتمع، ومكاناً لاجتماع المسلمين، ولم شملهم ، وتوحيد صفهم . وهو بحق أفضل مكانٍ، وأطهر بقعةٍ، وأقدس محلِّ يمكن أن تتم فيه تربية الإنسان المسلم وتنشئته، ليكون بإذن الله تعالى فرداً صالحاً في مجتمعٍ صالحٍ.

ولعل من أهم ما يُميز رسالة المسجد التربوية في المجتمع المسلم أنه يُعطي التربية الإسلامية هويةً مميزةً لها عن غيرها، وأنه مكانٌ للتعليم والتوعية الشاملة، التي يُفيد منها جميع أفراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم، وأعمارهم، وثقافاتهم، وأجناسهم، إضافةً إلى فضل التعلم في المسجد ، وما يترتب على ذلك من عظيم الأجر وجزيل الثواب. فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ، ونزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ” ( رواه ابن ماجة ، ج 1، الحديث رقم 225 ، ص 82 ) .

 

3 ) المدرسة :

 

وهي من أهم وأبرز المؤسسات الاجتماعية التربوية التي أنشأها المجتمع للعناية بالتنشئة الاجتماعية لأبنائه ، وتربيتهم ، وتهيئتهم ، وإعدادهم للحياة . كانت تربية الأبناء قبل إنشاء المدارس بيد الآباء ورجال الدين وكان الأطفال يتعلمون عن طريق تقليد الكبار ونتيجة لتضخم التراث البشري وصعوبة تقليد الصغار للكبار نشأت الحاجة للمدارس.

فالمدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على تحقيق أهداف المجتمع والمحافظة عليها من خلال مسئوليتها بتربية التلاميذ وإعدادهم بالمعلومات والاتجاهات والقيم اللازمة لهم في الحياة.

ولقد تميز القرن العشرين بازدياد إشراف الدول على التعليم لدرجة أن معظم الدساتير الحديثة تتضمن مواد تتعلق بالتعليم من حيث تخطيطه وتنظيمه وتمويله, كما توسعت الدول في فتح المدارس من أجل المحافظة على التراث الثقافي للمجتمع وإعداد المواطنين بما يتفق وخصائص المجتمع وأهدافه, وهو مما يجب أن يقوم به المنهج ويعمل على تحقيقه.

فالمدرسة لا تعمل في فراغ وإنما لها علاقة بكل مؤسسات المجتمع من الأسرة, المؤسسات الدينية, وسائل الإعلام, مؤسسات أخرى مثل السينما والمسرح والأندية والجمعيات والمعارض والمكتبات والمتاحف.

إن الوظيفة الأولى للمدرسة هي إعداد الناشئة للمحافظة على القيم والمبادئ الأساسية السائدة في المجتمع فمن واجب القائمين على تخطيط المنهج تحليل هذه القيم والمبادئ للتمكن من وضع منهاج تربوي يساير الأوضاع الاجتماعية ويلبي احتياجاتها. وانطلاقاً من أهمية التعليم كقوة فاعلة في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها كل مجتمع فقد أصبح وظيفة عامة تشرف عليها الدولة, وهذا ما دفع معظم الدول الحديثة إلى جعل التعليم مجانياً وإلزامياً لفترة من الوقت المنهج يقوم على أساسين هما:

- فهم الأهداف الاجتماعية فهماً عميقاً والعمل على تلبيتها.

- قيام المدارس بدور إيجابي في مساعدة التلاميذ على تحليل وفهم تلك الأهداف وتنفيذها .

من أول واجبات المدرسة تزويد التلاميذ بالقدر المناسب من ثقافة مجتمعهم الذي يعيشون فيه, ولا بد لمعرفة العلاقة بين المنهج المدرسي وثقافة المجتمع من توضيح مفهوم الثقافة وما أصابه من تطور.

فالثقافة – أو التراث الثقافي– هي طريقة الحياة الكلية للمجتمع بجوانبها الفكرية والمادية وتشمل الثقافة اللغة وأسلوب تناول الطعام وارتداء الملابس والعادات والتقاليد والمعارف العلمية والنظم العائلية والاقتصادية والسياسية, ومما يعتنقه الناس من قيم دينية وخلقية وآراء سياسية وغيرها من أساليب الحياة.

وقد نتج عن هذا التطور في مفهوم الثقافة تغير في مفهوم المنهج فبعد أن كانت المناهج تتناول الجانب الفكري المعرفي من حياة المجتمع أصبحت تتناول أوجه الحياة التي تؤثر في الفرد والمجتمع. وعلى الرغم من أنه لا يُعرف متى وأين وكيف ظهرت أول مدرسةٍ في التاريخ إلا أنه يُمكن القول إنها ظهرت عندما دعت الحاجة إليها . ولعل من أبرز وأهم وظائف المدرسة ما يلي :

* أنها تعمل على تبسيط ونقل التُراث المعرفي والثقافي ونحو ذلك من جيل الكبار إلى جيل الصغار ، أو من المعلمين إلى الطلاب تبعاً لما يتناسب واستعداداتهم وقدراتهم المختلفة، فينتج عن ذلك جيلٌ متعلمٌ ومُثقف .

* أنها تعمل على استكمال ما كان قد تم البدء فيه من تربيةٍ منزلية للفرد، ثم تتولى تصحيح المفاهيم المغلوطة ، وتعديل السلوك الخاطئ ، إضافةً إلى قيامها بمهمة التنسيق والتنظيم بين مختلف المؤسسات الاجتماعية ذات الأثر التربوي في حياة الفرد فلا يحدث نوع من التضارب أو التصادم أو العشوائية .

* أنها تقوم بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر حينما تكون في معظم الأحيان بديلاً للأُسرة إذ يتشرب الصغار فيها عادات وقيم وأخلاق وسلوكيات مجتمعهم الذي يعيشون فيه .

* أنها بمثابة مركز الإشعاع المعرفي في البيئة التي توجد فيها، إذ إنها تُقدم للمجتمع كله خدماتٍ كثيرة ومنافع عديدة من خلال نشر الوعي الصحيح بمختلف القضايا ، وكيفية التعامل السليم مع من حول الإنسان وما حوله .

* أنها تعمل على إشاعة الوعي الإيجابي عند أبناء المجتمع تجاه مختلف القضايا الفردية أو الجماعية سواءً كان ذلك بطريقٍ مُباشرٍ أو غير مُباشر .

 

4 ) وسائل الإعلام :

 

وهي مؤسسات اجتماعية تربوية إعلامية تكون في العادة مرئيةً، أو مسموعةً، أو مقروءة. وتُعد هذه الوسائل على اختلاف أنواعها من أهم وأبرز الوسائط التربوية في عصرنا الحاضر، وأكثرها تأثيـراً على تربية وثقافة ووعي الإنسان، حيث تُقدم برامج مختلفة وثقافات متنوعة من خلال وسائلها الجماهيرية المختلفة التي منها : الإذاعة، والتلفزيون، والفيديو، والصحافة، وشبكة الإنترنت، وأشرطة التسجيل السمعية، والسينما، والمسارح، والمعارض، والمتاحف، وغيرها من الوسائل الأُخرى التي تُخاطب جميع الفئات، ومختلف الأعمار، وتدخل كل بيت، وتصل إلى كل مكان. وتمتاز وسائل الإعلام بقدرتها الفائقة على جذب اهتمام الناس من مختلف الأعمار، والثقافات، والبيئات. كما تمتاز بأن لها تأثيراً قويًّا على الرأي العام في مختلف الظروف، وأن تأثيرها يصل إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من فئات المجتمع،  وهذا يعني أنه من المهم جدًّا استثمارها ، والإفادة منها، والعمل على تسخيرها بشتى الطرق والكيفيات لخدمة أهداف وأغراض التربية الإسلامية، عن طريق التنسيق المستمر بين هذه الوسائل وغيرها من المؤسسات التربوية الأُخرى في المجتمع .وعن طريق إسناد مهمة الإشراف عليها لمن تتوافر فيه الكفاءة الدينية والخُلقية والعلمية والمهارية .

 

الإعلام العربي والتربية :

 

تعتبر وسائطنا ووسائلنا الإعلامية العربية أو كما نسميها بوسائل الاتصال الجماهيرية أو أدوات تستهدف السلطة بها ومن خلال التأثير بالجماهير والناس بشكل عام، حيث تستطيع هذه الوسائل أن تلعب دورا حاسما ومؤثرا في تشكيل اتجاهات الرأي العام وتحديد المواقف والاتجاهات نحو مختلف القضايا والمشكلات التي تواجهها المجتمعات، ومثلما لها دورا هاما جدا وفعالا إعلاميا فإن لها أيضا دورا تعليميا وتربويا في عملية النمو السلوكي للفرد والجماعة إلى الحد الذي تمارس فيه السيطرة على عملية الإرشاد والتوجيه فرديا وجماعيا، وقد أوضح (بروان 1980) و(موليندا 1983) خصائص هذه الوسائل في مجال الإبداع والابتكار من حيث أنها:

 -  تعمل على إثراء خبرات الطفل المتعلم من المعلومات والمعارف في جميع مجالات المعرفة كالرموز أو الصور الذهنية المسموعة أو المركبة والكلمات المقروءة.

 - تساعد على تنمية المهارات اللازمة للسلوك الإبتكاري.

- تنمية الاتجاهات الايجابية والتفكير الإبتكاري في حل المشكلات.

- زيادة خبرات الطفل وتجاوزه حدود الزمان والمكان فتزداد قدرات الطفل على التعرف على المجتمع الذي تعيش فيه والتعامل معه.

- تنمية قدرة المتعلم على الخيال والتفكير وحل المشكلات.

لأن وسائل الاتصال الجماهيري تعتبر من أهم مصادر المعرفة بل ومن أقوى وسائل ووسائط التربية فقد كان من واجبها إن يكون دورها باعتبارها جزء من العملية التربوية الشاملة متكاملا مع دور كل المدرسة والأسرة والمؤسسات الاجتماعية والتربوية الأخرى. فالتعليم يبقى قاصرا إذا لم ترافقه تربية غير مباشرة عن طريق وسائط ووسائل الإعلام المختلفة ولذلك يجب علينا أن نحدد مسبقا الهدف من العملية الإعلامية هذه وهو الوصول إلى درجة كبرى من التغيير في طبيعة تركيبة المجتمع التقليدية أو الشخصية الفرد، ولهذا فلا بد للعملية الإعلامية أن تكون متفاعلة ايجابيا مع العملية التربوية وبالعكس، زان يقف منها موقف المساند على اعتبار أ، الإعلام يستطيع أن يمارس دورا تربويا صحيحا. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هنا هو هذا الخلل وعدم التوازن بين التربية والوسائل العربية ثم انعدام التنسيق إنما يرجع أساسا إلى عدم التكامل أولا بين السياسات الإعلامية العربية ذاتها ثم انعدام التنسيق ثانيا بينها وبين السياسات التربوية، لأنه لا بد أن يكون لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العربية دورا هاما وفعالا في العلمية التربوية بشرط إن يحسن استخدام هذه الأجهزة وتسخرها لخدمة مصالح الإنسان العربي وحاجاته وطموحاته.

 

 

5 ) النـوادي أو الأندية :

 

وهي مؤسسات اجتماعية تربوية تكون في الغالب ( ثقافيةً، أو رياضيةً، أو اجتماعية). وقد كثُر انتشارها في المجتمعات المعاصرة.وتُعد أماكن يلتقي فيها الإنسان مع فئـةٍ من الناس الذين يجمعهم هدفٌ مشترك،أو مصلحةٌ مشتركةٌ، حيث إنها تُقدم  إمكاناتٍ هائلةً لحياةٍ اجتماعيةٍ يُقبل عليها الأفراد باختيارهم وطواعيتهم ، ليتمتعوا في رفقة زملائهم وأقرانهم بجوٍ من المرح والعمل. وفي الأندية فرصٌ متعددةٌ لممارسة الرياضة المفضلة، وتكوين العلاقاتٍ الاجتماعية مع الآخرين. وتزداد أهمية الأندية في التنشئة الاجتماعية – كما يُشير إلى ذلك بعض الباحثين - مع زيادة عجز الأُسرة عن توفير الفرص الكافية والمناسبة لممارسة النشاطات الرياضية، والاجتماعية، والثقافية المختلفة .

وللنوادي ( الأندية ) صورٌ مختلفةٌ ومتنوعةٌ تبعاً لمستوى وعي وثقافة المجتمع وظروفه المختلفة،  فمن النوادي ما يكون مخصصاً للرياضة البدنية وممارسة ألعابها ونشاطاتها المختلفة. ومنها ما يكون مخصصاً للعناية بالجوانب الثقافية والأنشطة الأدبية والفعاليات الفكرية، ومنها ما هو اجتماعيٌ يهتم بخدمة المجتمع وتلبية احتياجات أفراده . إلا أنها تشترك جميعاً في أن لها آثاراً هامةً في بناء شخصية الإنسان، وتحديد اتجاهاته، وتكوين ثقافته وفكره ، لاسيما في فترة الشباب من العمر التي يُكثر الإنسان خلالها من تواصله مع هذه المؤسسات بصورةٍ أو بأُخرى .

 كما أن من آثارها الإيجابية شغلها لأوقات الفراغ عند الإنسان بما يعود عليه بالنفع والفائدة. وليس هناك من شك في أن التربية الإسلامية تُعنى بالنوادي على اختلاف أنواعها لكونها مؤسساتٍ اجتماعيةٍ تربويةٍ لها أثر بارزٌ ودورٌ فاعلٌ في تربية الإنسان المسلم وتحديد معالم شخصيته، وتحرص على أن تُخضع هذه النوادي وما فيها من أنشطةٍ وفعالياتٍ متنوعة للإشراف المُستمر الواعي، والتوجيه الصحيح المنضبط الذي يتلاءم ويتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ولا يتعارض بأي حالٍ مع تعاليمه وتوجيهاته في مختلف المجالات والميادين الحياتية .

 

6 ) المكتبات العامة :

 

 وهي أماكن خاصة تتوافر فيها الكُتب، والمراجع ، والمواد المطبوعة أو غير المطبوعة التي تُقدِّم عدداً من الخدمات التعليمية، والتثقيفية، والإعلامية، والتوعية اللازمة لأفراد المجتمع. وعادةً ما تكون هذه المكتبات تحت إشراف بعض الجهات الرسمية. كما أنها قد تكون مُلحقةً ببعض المؤسسات الاجتماعية كالمؤسسات التربوية والتعليمية، والجوامع، والنوادي، وبعض المرافق الاجتماعية الأُخرى. وقد تكون بعض المكتبات خاصةً ببعض الأفراد .

ويأتي من أبرز مهام المكتبات تسهيل مهمة الإطلاع والقراءة على القراء وطلاب العلم ، وتمكين الباحثين والدارسين من القيام بمهمة البحث والدراسة بأنفسهم من خلال المكتبات بالعودة إلى المصادر والمراجع العلمية والأدبية ونحوها ؛ حيث تقوم المكتبات بتوفير أهم المؤلفات والمُصنفات فيها لتكون بين يدي القراء والباحثين عند الرغبة في العودة إليها .

كما أن من أبرز مهام المكتبات تيسير سبل الإطلاع على محتوياتها من خلال نظام الإعارة الخارجية للراغبين في ذلك من روادها أو غيرهم من أفراد المجتمع . وللمكتبات العديد من المناشط التي تُسهم من خلالها في نشر الثقافة والمعرفة، وخدمة القضايا التربوية والتعليمية والاجتماعية ونحوها . ولعل من أبرز هذه المناشط والإسهامات تنظيم المسابقات الثقافية، وعقد الدورات التدريبية، وإقامة المحاضرات والندوات المتنوعة، وتنظيم معارض الكتاب، ونحو ذلك من النشاطات المختلفة .

 

7 ) جماعات الرفاق:

 

وهي نوعٌ من المؤسسات الاجتماعية التربوية التي لها تأثيرٌ كبير في تربية الإنسان انطلاقاً من كونه كائناً حيًّا اجتماعيًّا يميل بفطرته إلى الاجتماع بغيره، ولذلك فإن جماعة الرفاق في أي مجتمع بمثابة جماعةً أوليةً شأنها شأن الأُسرة في الغالب، لأنها صغيرة العدد، وتكون عضوية الفرد فيها تبعاً لروابط الجوار، والشريحة العُمرية، والميول، والدور الذي يؤديه الفرد في الجماعة  .

ولجماعات الرفاق أثرٌ فاعلٌ في تربية الإنسان وتكوين شخصيته لاسيما في سنوات مرحلتي الطفولة والمراهقة، حيث يكون أكثر تأثراً بأفراد هذه الجماعات الذين يكونون عادةً من الأنداد، سواء كانوا زملاء دراسةٍ، أو رفاق لعبٍ، أو أصدقاء عمر، أو غيرهم ممن يُرافقهم الإنسان لفترات طويلةٍ أو قصيرةٍ. ولعل تأثير جماعة الرفاق على الإنسان عائدٌ إلى اختلاف أفرادها، وتنَّوع ثقافاتهم، واختلاف بيئاتهم .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أماكن العمل سواءً كانت رسميةً أو تطوعية تُعد من جماعات الرفاق إلا أنه يغلب عليها الطابع الرسمي في العادة، وهي مؤسسات اجتماعيةٌ ذات تأثيرٍ هامٍّ على تربية الإنسان بعامةٍ نظراً لما يترتب على وجوده فيها من احتكاك بالآخرين، إضافةً إلى أنه يقضي فيها جزءاً ليس باليسيـر من وقته الذي يكتسب خلاله الكثير من المهارات، والعادات، والطباع، والخبرات المختلفة. والمعنى أن جماعات الرفاق توجد وتُمارس نشاطاتها المختلفة في المكان الذي يجتمع فيه أفرادها، حيث تجمعهم – في الغالب – الاهتمامات المشتركة والنشاطات المرغوب فيها كالنشاطات الرياضية، أو الترويحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو الوظيفية، أو التطوعية، ونحوها .

كما أن لكل جماعة من جماعات الرفاق ثقافةً خاصةً بهم، وهذه الثقافة تُعد فرعيةً ومتناسبةً مع مستوياتهم العقلية والعُمرية، وخبراتهم الشخصية، وحاجاتهم المختلفة، إلا أنها تختلف من جماعةٍ إلى أخرى، تبعاً للمستويات الثقافية والتعليمية والعُمرية، والأوساط الاجتماعية المتباينة .

وقد اهتمت التربية الإسلامية بجماعات الرفاق وأدركت أهميتها ودورها الفاعل في التأثير على سلوك الأفراد سواء كان ذلك التأثير سلبيًّا أو ايجابيًّا؛ ولعل خير دليلٍ على ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مثلُ الجليس الصالح و السَّوءِ كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إمَّا أن يُحْذِيَكَ، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبَةً ، ونافخُ الكِيرِ إمَّا أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثةً “( رواه البخاري ). وعلى الرغم من تعدد أنواع هذه المؤسسات الاجتماعية وتعدد وظائفها وواجباتها إلا أن علاقة الإنسان المسلم بالمؤسسات التربوية في المجتمع  تنطلق من كون التربية الإسلامية عمليةً تمتاز بخاصية الشمول والاستمرارية والتجدد، إذ إنه لا حد نهائي لتربية الإنسان المسلم ، فهو طالب علم ومعرفة منذ أن يولد وحتى يموت ، ولذلك فإن تربيته الشاملة ليست محدودةً بزمنٍ ما، أو مرحلةٍ معينةٍ، ولا تقتصر مسؤوليتها على مؤسسةٍ دون أُخرى، ولكنها مسؤولية جميع المؤسسات والأوساط التربوية في المجتمع ، لأن الإنسان يمكن أن  يكون في عضواً في عدة مؤسسات تربوية تعليمية ما دام حيًّا، فمثلاً يكون الولد فرداً في أسرة، وطالباً في مدرسة، وعضواً في النادي الرياضي، ومداوماً على الصلاة وحلقات العلوم في المسجد المجاور. وقد يكون الوالد أبـاً في المنـزل، ومدرساً في مدرسة، أو طبيباً في المستشفى، وهو إداريٌّ في النادي، ومساهم في نشاط الإذاعة والتلفزة . وتكون السيدة أُمًّا في المنـزل، وعضو في الجمعية النسائية، وطبيبةً أو مديرة. وهكذا فحياة المسلم أو المسلمة كُلها خيـرٌ وإنتاج ، تعتمد على مزيدٍ من التربية والتعليم.

والخلاصة، أن للمؤسسات التربوية المختلفة في المجتمع المسلم أهميةً بالغةً، وأثراً بارزاً في العملية التربوية بعامة والتعليمية بخاصة، الأمر الذي يفرض على المهتمين في الميدان التربوي والتعليمي مزيداً من العناية والاهتمام بها، والحرص على أن تكون مُتميـزةً في المجتمع المسلم، ومُختلفةً عن مثيلاتها في المجتمعات الأُخرى، نظراً لكون المجتمع المسلم ينفرد عن غيره من المجتمعات الأُخرى بمصادره، وأهدافه، وغاياته، وخصائصه التي تفرض على مؤسساته التربوية المُختلفة في المجتمع المُسلم أن تكون فريدةً هي الأُخرى، ومُتميزةً، وقادرةً على تحقيق ما هو مرجوٌّ منها، لأنها هي المسئولة عن تربية الإنسان المسلم، وإعداده لممارسة أدواره ووظائفه الاجتماعية المختلفة في الحياة.

العلاقة بين المؤسسات التربوية وأثر ذلك على تربية المتعلم :

 

إن المؤسسات التربوية الاجتماعية تعمل كوسيلة للسيطرة الاجتماعية،فإن كانت تشكل كلا متحدا ومنسجما ومتكاملا فإن حياة الفرد تتعرض لأقل الضغوط، فالأسرة تنسجم داخل المؤسسة الاقتصادية والدينية …لكن هذا لا يعني ألا يكون هناك تغيير وتأثير على شخصية المتعلم، فالتطورات الاقتصادية و الأفكار الجديدة قد تتعارض مع التقاليد القديمة.  

 

التربية والثقافة والتغير الاجتماعي

التربية والتغير الاجتماعي :

 

تتغير المجتمعات وتتطور ويصيبها التجديد في النواحي المادية والاجتماعية خاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه والذي تحاول جمهورية مصر العربية أن تقفز فيه إلى الأمام قفزات سريعة لتعويض ما فاتها من عصور الكبت والانعزال والحرمان لتلحق بالركب الحضاري، لتجد لها مكانا يتناسب مع ماضيها ويبنيه عقول أبنائها وسواعدهم، ولما كانت التربية وسيلة أساسية لزيادة العناصر الثقافية الجديدة، ووسيلة المجتمع أيضا للقضاء على المشكلات الاجتماعية التي تنشأ عن انتشار هذه العناصر الثقافية الجديدة وصراعها مع العناصر الثقافية السائدة، فإن علاقة التربية بالتغير الاجتماعي علاقة متبادلة لا نستطيع إغفالها.

ولقد نادى كثير من المربين بأن التربية في المدارس يجب أن ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوى المختلفة التي تسبب التغير الاجتماعي، وفي السنوات الأخيرة اهتم المربون اهتماما كبيرا بمشكلة تكامل المدرسة مع الحياة الاجتماعية. واختلفت آراء المربين حول مسؤولية المدرسة في فترة التغير الاجتماعي، كيف تتعامل مع القوى الاجتماعية التي حدثت بالفعل في المجتمع أحسن ما يكون الانعكاس. وهذه ولا شك نظرة بسيطة تجعل من التربية وسيلة تتبع المجتمع ولا تقوده، كالمرآة تعكس الضوء ولا تولده. ثم تطورت النظرة إلى التربية ونادى آخرون بأن المدارس يجب أن تقوم بدور فعال في توجيه التغير الاجتماعي الجديد.

والمدرسة جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي السائد، وعلى هذا فهي تتأثر ولا شك بما يسود المجتمع من تغيرات اجتماعية، وإنها تتبع وتعكس هذا النظام الاجتماعي السائد. هذا معناه أن التربية لا تنفصل عن المجتمع وإنما هي من لحمته وسداه، وينتج عن ذلك أن تصبح التربية عاملا فعالا في بناء النظام الاجتماعي المقبل للمجتمع. وبذلك ينتفي السؤال الثنائي الذي يقول: هل يجب على المدرسة أن تسهم أو لا تسهم في بناء المجتمع الجديد، فهذه الثنائية لا وجود لها في الواقع، إذ أن المدرسة تسهم بالفعل في هذا البناء. ولكن المشكلة التي تتطلب السؤال هي كيف تسهم التربية في هذا البناء؟

ولعلنا إذا نظرنا للمجتمعات الجديدة لوجدنا أن التربية أسهمت إسهاما فعالا في بنائها، فبناء تركيا الجديدة على يد كمال أتاتورك لم يكن ليتم وليصل إلى نتائجه لو لم تكن التربية وسيلته الفعالة. وفي عملية البناء الاجتماعي الحاضر في المجتمع العربي في مصر، تقوم على التربية بمسؤولياتها الكبيرة في هذا الميدان فالجيل الجديد في مصر الذي يؤمن بالثورة ومبادئها، إنما هو في تكوينه الأساسي نتاج للتربية وللمدرسة بصفة خاصة. وعلى هذا عندما ناد الرئيس جمال عبد الناصر بالثورة الثقافية إنما كان يهدف إلى أن تصل مبادئ الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى نفوس الأفراد وأن تتغلغل في شخصياتهم، فتتجاوز السطح إلى الأعماق، والثورة الثقافية هي هدف التربية ومطلبها الأول.

والتربية على هذا الأساس عليها أن تختار القوى العلمية والتكنولوجية والثقافية الجديدة التي تحدث التغير في النظام القديم وتبحثها وتقدرها وتقوم بأدوارها ونتائجها  وأن تجعل من المدرسة الحليفة الأولى للوصول إلى هذه النتيجة. ومعنى هذا أن التربية عامل هام من عوامل التغير الاجتماعي لا تعكس فقط فتتبع وإنما تولد التجديد فتحتل مركز القيادة.

والتربية عندما تعكس التطور الاجتماعي في المجتمع إنما تساعد عملية انتشار المخترعات الجديدة على أداء وظيفتها، فإذا كانت التغيرات التكنولوجية قد دخلت المجتمع الحديث فإن انتشارها يحتاج إلى أن نعد للمصانع مثلا العمال المهرة والمهندسين اللازمين للقيادة، ثم نعد الأسرة للتغيرات الاجتماعية المصاحبة والناتجة عنها. والتربية تقوم بهذه المهمة عن طريق المدرسة التي هي المؤسسة التربوية المقصودة.

ولكن المدرسة من ناحية أخرى تستطيع أن تتعدى هذا الدور، فتبشر بالتغير الاجتماعي، وتعمل على توجيه الأنظار إليه وإعداد العقول له وهي بذلك تعد الأفراد لكي يقوموا بدورهم في إحداث التغير، إذ إنهم يخرجون من المدرسة وقد اكتسبوا اتجاهات عقلية معينة يواجهون بها مجتمعهم، فيعملون على القيام بمسؤولياتهم في تغييره وعلى هذا تستطيع المدرسة أن تسهم في بناء مجتمع جديد.

وعلى التربية في فترة التغير الاجتماعي مسؤولية إكساب الأفراد فهما جديدا وإدراكا جديدا. ففي الفترة التي يكون فيها التغير بطيئا وتدريجيا، فإن مستوى الإدراك لدى الأفراد يكون كافيا لمواجهة المشكلات التي تظهر. وفي المجتمعات البسيطة تتضمن المشكلات الاجتماعية على أساس الخبرة المشتركة للجماعة وعلى أساس حكمة الكبار ونضجهم. ولكن ما نراه الآن من تغير اجتماعي سريع عميق تزداد فيه الثقافة نموا وتعقيدا، وتزداد فيه أنواع الصراع الثقافي المختلفة بين القديم والجديد يجعل الإدراك والفهم لدى الأفراد قاصرين عن الوصول إلى حل المشكلات الاجتماعية. فازدياد الاتصال بين الجماعات المختلفة في الوقت الحاضر نتيجة سهولة المواصلات وسرعتها وكثرة وسائل الاتصال لم يترتب عليه تغير في المفاهيم والاتجاهات نحو الآخرين، فما زالت هذه الاتجاهات كما كانت قبل هذا الاتصال مما يحتاج معه الأمر في الوقت الحاضر إلى فهم جديد وإدراك جديد لآخرين وقيمهم وعاداتهم، وتسامح من جانب كل منهم نحو الآخر حتى يقوم التعامل بينهما على أساس سليم.

ومن الواضح إذن أنه من الواجبات الأساسية على التربية في أوقات التغير والنمو الثقافي هو اكتساب الأفراد إدراكا جديدا يتناسبان مع ما ينتاب فترة من الفترات من تغير اجتماعي قد يشمل المجتمع بأسره. وهذا الفهم الجديد يجب أن يكون متسعا فيشمل القواعد والأفكار التي تحكم العلاقات المختلفة بين الأفراد والمنظمات، وبين المنظمات بعضها البعض، وبين الأفراد والأفراد. وواجب التربية أن تهيئ الفر للأطفال والشباب والكبار كي يشتركوا في أعمال تعيد بناء الأفكار والاتجاهات حتى تصبح صحيحة لتحقيق الحكم الاجتماعي والعمل الاجتماعي في فترة تحكمها العلاقات المعقدة الدائمة التغير.

وعلى التربية أن تقوم بمسؤولية أخرى لا تقل أهمية في المحافظة على عقل الفرد واتزانه، هذه المسؤولية هي أن يفهم الفرد ما يجري حوله في العالم الذي يعيش فيه. فعندما يكون الفرد على معرفة بما يجري حوله فإنه يستطيع أن يشخص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه. أما إذا لم يكن على معرفة بها فإنه يصبح ولا شك ضحية الواقع الذي يواجه. بدلا من أن يسيطر عليه.

وبازدياد التغير الاجتماعي ازداد عدد المشكلات الاجتماعية كما سبق القول ولم تزد هذه المشكلات الاجتماعية في العدد فقط ولكنها ازدادت عمقا وشدة مما أدى إلى أن تنفصم وحدة الجماعة انفصاما قد يؤدي إلى تمزيقها أشلاء. ولقد كانت المجتمعات القديمة، عندما كان التغير بطيئا بسيطا سطحيا، تعيش على مستويات قيمية تستطيع أن تحكم حكما يسري على جميع الأشياء الجديدة، أما الآن، وبعد التراكم والتعقد الثقافي، اختلفت المعايير وتعددت المستويات واتخذت كل جماعة قيمها الخاصة مما ترتب عليه اختلاف وجهات النظر. وفي مثل هذه الظروف يقل التواصل والارتباط بين أعضاء الجماعة، وتصبح الموافقة على أساس واحد من الفهم المشترك أمرا بعيد المنال.

وينتج عن هذا الصراع والتعدد في الآراء والاتجاهات، تعددا لا يؤدي إلى حل المشكلة، وإنما يزيدها تعقيدا، نجد أنه من الضروري أن تكون هناك طرق مؤكدة  معترف بها لمناقشة هذه المشكلات الاجتماعية والوصول إلى حل لها، فالمجتمع الذي يهدف إلى حل مشكلاته حلا عمليا يلجأ إلى استخدام العقل والاعتماد على الحقائق أكثر من استخدام القوة أو الاعتماد على انفعالات مؤقتة وواجب التربية في هذا الصدد أن تتيح الفرصة، كل الفرصة، لتفكير الفرد مع الجماعة وللتخطيط الجماعي ولاستخدام العقل والحقيقة. فإذا ما احتلت هذه المشكلات الاجتماعية اهتماما أساسيا في البرنامج التعليمي فإن التربية بذلك تمد الأفراد بنوع الخبرة الملائمة التي تنمي التفكير النقدي الذي يجمع الحقائق ويمحصها وينقدها ويحكم عليها. وهذا التفكير النقدي لازمة من لوازم مواقف الصراع الثقافي يتعلم الشباب والكبار نتيجة لذلك كيف يفكرون تفكيرا فعالا منتجا في المواقف التي تواجههم شخصيا، وبذلك تقوم التربية بوظيفتها ازدياد تكيف الأفراد في المجتمع المتغير.

ولكي نغير نظام المجتمع كله يجب أن نغير التربية، وذلك ليكون تغييرا حقيقيا في نظامنا الاجتماعي والسياسي، فلا بد من انقلاب جذري في نظامنا التربوي، وتثوير لفلسفته وأساليبه وأهدافه، وهذا لان صياغة المجتمع لا تتم إلا بصياغة التربية. ولا نعن بالتربية التعليم والتعلم فقط، بل نعني بمعناها الشامل والأوسع، وهو رسم سياسة مؤسسات المجتمع وتحميلها مسؤوليات تطبيقها، لبناء الإنسان العربي وتنشئتهن من ثم تجديد بنائنا الاجتماعي والحضاري، ومن هنا نستنتج أن التربية التي نهدف إليها هي عملية تنشئة اجتماعية شاملة. فان التربية لا تستطيع أن تصنع المجتمع وتغيره، أو تحدث فيه أثرا بارزا وسريعا في بنيته، إلا إذا استطاعت أن تقهر العوامل الأخرى الكامنة في المجتمع والتي تشدها إلى الخلف، وان تكون على علم ودراية تامة بتلك البيئة. ولكن هذا لا يعني أيضا بان التربية ليس لها دور كبير وأساسي في أحداث عملية التغير.

 

التغير الاجتماعي والتغير التربوي :

 

قد يتساءل الكثير من المدرسين عن الفائدة من دراسة الأسس الاجتماعية للتربية. أليست هذه الدراسة من ميادين التخصص لأولئك العلماء الذين يقومون بتدريسها في الجامعة؟ لا يكفي أن أعرف المادة التي أدرسها وأن أدفع عجلة المدرسة كل يوم وكل شهر حتى ينتهي العام الدراسي ليبدأ عام آخر؟ إن المدرس مواطن وإنسان وكذلك التلميذ. وهاتان الصفتان الأخيرتان تقومان على أبعاد اجتماعية وفلسفية لا بد للمدرس أن يبحث عنها دارسا ومنقبا وفاهما ومحللا حتى لا ينعزل عن المجتمع وعن أحداثه، وعن الإنسانية ومفاهيمها الأساسية.

إن التغيرات الجذرية السريعة التي تحدث في مجتمعنا العربي تستدعي من المدرسين مناقشة التنظيمات المدرسية في حدود هذا الإطار الإيديولوجي الجديد، وتحليلا للإطار الاجتماعي الكبير الذي تعيش فيه المدرسة، ومناقشة للأنماط التربوية السائدة، ومدى ملاءمتها لأنواع التعليم اللازمة للمواطن العربي الجديد.

إن مناقشة التنظيمات المدرسية والتربوية بصفة عامة في ظل التحديات والمطالب التي يفرضها المجتمع في تطوره وتغيره، من أهم ما يميز المدرس الناجح. فالعملية التربوية لا تقتصر على نقل المعلومات والمعارف للتلميذ، وإن كان الهدف جزءا هاما منها ولكن العملية التربوية مادتها فرد في مجتمع بكل ما يتضمنه مفهوم الفرد ومفهوم المجتمع وبكل أبعادهما.

إن التغير المادي الذي يحدث في المجتمع لابد له لكي يحقق نتائجه تغير في القيم والعادات والسلوك وهذا التغير لا يتأتى إلا عن طريق التربية، فهي التي تكسب السلوك وتعدله وتنمطه، وهي التي تشكل الشخصية الإنسانية التي تتفق مع القيم والاتجاهات الجديدة.

لذلك كله تفرض التغييرات الاجتماعية مطالبها على المدرسة في صوره وأكثر من هذه الصور الثلاث :

أولا : قد يكون التغير في النظام المدرسي أو في السياسة التعليمية بصفة عامة لمقابلة حاجة اجتماعية أو حلا لمشكلة اجتماعية، أحس بها القائمون على هذا المجتمع وشعروا بأن البرنامج المدرسي يستطيع أن يسهم في حلها. مثال ذلك الحاجة إلى عمال مهرة على قدر من الثقافة العامة إلى جانب المهارات المهنية اللازمة، وحلا لهذه المشكلة استطاعت مراكز التدريب المهني ومدارسه أن تخرج الأعداد اللازمة للقطاعات المختلفة في حدود ما خصص لها في الميزانية. فإذا استطاع المدرس أن يحسن تقويم المطالب الاجتماعية التي تستدعي تغييرا في المدرسة ونظامها وبرامجها كان عليه أن يدرس الميادين الرئيسية للمشكلات الاجتماعية في مجتمعنا المعاصر.

ثانيا: قد يكون التغير التربوي نتيجة الإحساس بأن هناك قيما في المجتمع يجب المحافظة عليها، وأن هناك قيما أخرى جديدة لم تتحقق بعد، وأن هناك قيما تعمل المدرسة على تحقيقها وتتعارض في أسسها مع ما يرنو المجتمع الجديد إلى تحقيقه من قيم واتجاهات جديدة.

مثال ذلك أننا نحس في مجتمعنا العربي في هذه الفترة الحاسمة من تغيره أن القيم الدينية يجب أن نحافظ عليها، وأن نعمل على الإبقاء عليها وتنميتها، ونحس أيضا أن هناك قيما اشتراكية لم نستطع أن نحققها بعد في سلوك الأفراد، فما زالت البيروقرطية مثلا مسيطرة على دواوين الحكومة ومصالحها المختلفة، وما زال النقد الذاتي بعيدين عن مستوى التطبيق العملي في بعض المجالات.

ولكي يستطيع المدرس إدراك هذا التغير كنهه ومداه وإمكانياته كان عليه أن يدرس المجتمع العربي في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية ودور العملية التربوية في هذا السبيل.

ثالثا : قد يحدث التغير التربوي نتيجة لظهور معارف جديدة لم تدخل إلى الميدان التطبيقي في المدرسة بعد، وقد تسهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض سبيل المدرسة والمجتمع، أو لظهور مهارات جديدة يحتاجها المواطن في المجتمع الجديد.

ولا شك أن هذه الصورة الأخيرة تتطلب تخصصا في شؤون التربية والتعليم أعلى من مستوى المدرس العادي، وإن كان إحساسه بها له أكبر الأثر في مساعدة التخصص على معالجتها وتحقيقها.

وعلى هذا الأساس كان على المدرس أن يفهم المطالب الاجتماعية التي تفرض تحدياتها على المدرسة، وأن يناقشها ويقومها، وهو في سبيل تحقيق ذلك يحتاج إلى ثلاثة أنواع من المعرفة والحساسية.

أولا : علم بالمعارف التربوية السائدة، وبالمعارف الاجتماعية التربوية الجديدة التي لم تطبق بعد في الميدان التربوي المهني في المدرسة، والتي يحتاجها هذا الميدان وهو في سبيل تطويره وتغييره، مع إحساس بهذه المعارف.

ثانيا: معرفة ووعي وحساسية بالمشكلات الاجتماعية الأساسية في المجتمع العربي المعاصر، والتي تفرض تحدياتها على المدرسة.

ثالثا: معرفة وحساسية وتقدير للقيم الأساسية في المجتمع، وخاصة القيم الاشتراكية الديمقراطية التي تحتاج إلى المدرسة وإلى العملية التربوية في سبيل تحقيقها وتدعيمها.

 

المدرس ودور المدرسة الاجتماعي :

 

ترتبط وظيفة المدرسة الاجتماعية ارتباطا وثيقا بالإطار الاجتماعي السائد. إذا كان هذا الإطار الاجتماعي يقوم على أساس القيم الاشتراكية الديمقراطية والمهارات المختلفة اللازمة للسلوك الاجتماعي في هذا الإطار.

ويحتاج المدرس إلى معرفة وظيفة المدرسة الاجتماعية حتى يستطيع أن يربط مادته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وحتى يستطيع في تدريسه لهذه المادة أن يحقق الأهداف التي يعمل المجتمع على تحقيقها وبحيث لا يكون هناك تعارض بين النتائج السلوكية لتدريس مادته، والنتائج السلوكية التي تهدف المدرسة إلى تحقيقها.

ولكي يشترك المدرس في تشكيل البرنامج المدرسي ووضع الأهداف التي يتوخاها من تدريس هذا البرنامج يحتاج إلى فهم بنوع الأفراد الذين تعمل المدرسة على تكوينهم وتشكيلهم، ولتحقيق هذا الفهم يحتاج إلى معرفة بنوع النظام الاجتماعي الذي سيشتركون فيه، وبالتالي يحتاج إلى فهم لدور المدرسة الاجتماعي.

وفي هذا المجال يحتاج المدرس إلى أن يدير في ذهنه عدة أسئلة عن النظريات المختلفة لدور المدرسة الاجتماعي في المجتمع الحديث وعلاقة ذلك بمجتمعنا العربي، وعن علاقة ذلك بالتغير الاجتماعي ومدى إسهام المدرسة في تحقيقه وتعميقه، وعن العلاقات الإنسانية التي يتطلبها هذا الدور الاجتماعي للمدرسة، ومعنى ذلك بالنسبة للتنظيمات المدرسية وللبرنامج المدرسي وبالنسبة لتدريسه لمادته.

 

التغير الاجتماعي والمدرسة :

 

إذا كانت المدرسة جزءا لا يتجزأ من المجتمع الذي نعيش فيه، فإن دراسة الثقافة تساعد المدرس على إدراك طبيعة التغير الاجتماعي وعلاقته بالمدرسة فالتغير الاجتماعي هو تغير ثقافي، أي تغير النظام الثقافي للمجتمع، من معتقدات وأفكار وتقاليد وخبرات. والتغيرات الاجتماعية - خاصة إذا كانت شاملة متسعة - تخلق الكثير من المشكلات، وتفرض الكثير من المطالب، وتقدم الكثير من التحديات - لأولئك الذين يعملون في الميدان التعليمي.

وهكذا يكون تكوين الحساسية الاجتماعية من أهم مميزات المدرس الناجح.

 

ديناميكية الثقافة والتغير الاجتماعي:

 

تنمو الثقافات وتتطور عبر العصور المختلفة ويزداد التراث الثقافي ويتعقد نتيجة عوامل مختلفة، منها ما هو داخل الثقافة ومنها ما هو خارجها. وتحدث بذلك في الثقافة عمليات اجتماعية عديدة تقوم على التفاعل بين أجزائها أو بين الثقافات الأخرى. والتغير الاجتماعي سواء أكان سريعا أو بطيئا مما يميز جميع المجتمعات قديمها وحديثها، فلقد تغير الجماعات الإنسانية في حجمها وفي اقتصادياتها وفي التكوين الاجتماعي لها، وفي التركيز على النواحي الدينية، وفي نمو العلم وظهور فلسفات جديدة، واتخاذ الحرب أشكالا جديدة، وتفكك في النظام الأسري، وتطلع الأمم إلى الاستقلال والحرية، ولقد تغيرت المجتمعات أيضا في عاداتها وفي طريقة استمتاعها، وفي نوع الحكم الذي ترنو إليه، وفي أيديولوجياتها وفي محاولة التحكم في مصائرها وفي مقدراتها.

ولقد نظر البعض إلى بعض المجتمعات على أنها جامدة غير متغيرة، ولكن الأمر نسبي على أي حال. فالتغير يحدث في جميع المجتمعات على حد سواء، ولكنه يختلف في سرعته وفي اتساعه. ولقد كانت المجتمعات القديمة تعيش على نمط واحد مستقر نقلته عبر الأجيال المختلفة دون تغيير يذكر، واستمر ما تحت الشمس ثابتا لا يعتريه التغير، وسارت الحياة مجراها العادي دون أن يحدث للثقافة تغيير يذكر. ولقد رأى أفراد هذه الثقافات القديمة تغيرات من نوع معين لم تكن تلك التغيرات التي تحدث اختلافا في طرق الحياة. ولقد كانت هذه الاختلافات كالزواج والميلاد والشيخوخة والمرض والحوادث، ولم يكن موجودا ذلك النوع من التغير الذي نعني به التراكم التقدمي للثقافة. ثم ظهر العلم الحديث وغيره من الأفكار الجديدة والمخترعات الحديثة في جميع نواحي الحياة، وبدا التغير مقوما هاما من مقومات حياتنا في العصر الحاضر “وأصبح عامل التغير، العامل الذي يعم جميع نواحي حياتنا الحاضرة”.

لقد كان الإغريق وخاصة أفلاطون وأرسطو هم الذين قدموا للعالم المفهوم القديم للمجتمع غير المتغير. ولقد استمر هذا المفهوم يتحكم في الفكر الغربي حتى استطاع العلم الحديث أن يغير التفكير تغييرا جذريا. ولقد كان التغير في نظر أفلاطون وأرسطو عرضيا وتافها ولذلك كانت النظرة إلى المجتمعات نظرة جامدة ترمي إلى بقائها على حالها. ولقد رأى أفلاطون الذي ساد في عصره الاضطراب والتغير أن ما يحتاج إليه المجتمع هو النظام والاستقرار الاجتماعيان اللذان يؤسسان على العدل، إذ بدون العدل لا يبقى شيء أو يستمر.

ولقد كانت لهذه النظرة الجديدة للتغير أثرها في الاعتراف بالمجهود الإنساني، إذ أعطت الفرد الإنساني أملا في نتائج مجهداته، وحفزته إلى النضال والكفاح بعد أن كان يخضع قبل ذلك لنظام قدري يستوي فيه الأمس واليوم والغد ويستوي فيه الواقع والأمل، ويحرم فيه الفرد من النظر إلى مستقبله نظرة تحسن. فلقد كان الفرد في النظام القديم يقبل ما هو موجود ولا يتطلع ببصره إلى ما بعده. ولكن النظرة الجديدة تفتح آفاقا جديدة فاستطاع الفرد الإنساني أن يصل إلى الاكتشافات الجديدة والمخترعات العلمية. وأصبح المفهوم الحديث للتقدم والتطور من الأعمال الإنسانية التي تثير الرغبات العظيمة والآمال الكبيرة.

وقد أدت النظرة الجديدة إلى التغير إلى أن ترتفع نظرة الإنسان إلى نفسه، فهو يستطيع الآن أن يؤثر وأن يفكر تفكيرا متسعا عميقا، خلاقا نقديا. وكلما تعلم الإنسان أن مجهداته لها قيمتها وكلما قل انسحاب الإنسان من مجتمعه منهزما وكلما بحث عن الوسائل المختلفة لتقدم الحياة وارتفاع مستواها. فإذا شعر الفرد أن هناك أشياء تسير سيرا خطأ في المجتمع فليس معنى هذا أن يهرب من المجتمع فليس معنى هذا أن يهرب من المجتمع وينعزل عنه ويخلق لنفسه عالما يعيش فيه كما كان ينادي أولئك الذين يرون الحياة مليئة بالشرور وألا خير فيها، ولذلك يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ضميره وإلى التأمل الفكري بعيدا عن المجتمع. إن الطريق الصحيح لمعالجة الأخطاء ليس الهروب منها ولكن بالتفكير الأفضل والمجهود الأعظم يستطيع الإنسان أن يواجه المستقبل مواجهة إيجابية تعتمد على مجهوده الذي يحدث به التغير في هذا العالم ويحدد إلى درجة كبيرة أو صغيرة مقدرات المستقبل.

وإذا كان التغير الاجتماعي قد فتح أمام الإنسان هذه الإمكانيات الواسعة وأعطى لمجهداته وذكائه وتفكيره قيمة في تحديد الأحداث وتوجيهها، فلقد نتج عنه أيضا أن أخذ الإنسان على عاتقه كثيرا من المسؤوليات. فالفرد مسئول عن تحسين أحواله وعن الإسهام في تطور المجتمع. وكان على التربية مسؤولية كبرى أن تعمل على خلق مواطنين أذكياء يستطيعون التأثير في حاضرهم ومستقبلهم، وفي حاضر الجماعة كلها ومستقبلها.

 

الثقافة والتغير الثقافي :

 

عناصر الثقافة : لقد قسمت إلى :

1.العموميات : ذلك الجزء من الثقافة التي يشترك فيها معظم أبناء المجتمع وتشمل اللغة والملبس والمأكل وأساليب التحية والمعتقدات والقيم.

2.الخصوصيات : هي الأنماط السلوكية والعادات والتقاليد المتعلقة بجماعة معينة وتقسم الخصوصيات إلى نوعين :

أ. الخصوصيات المهنية. ب. الخصوصيات الطبقية.

خصائص الثقافة هي :

إنسانية أي خاصة بالإنسان فالإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على بناء ثقافة خاصة به.

مكتسبة : أي الثقافة سلوك يتعلمه الأفراد وينقلونه من جيل إلى جيل,فالإنسان لا يبدأ ثقافته من العدم، وإنما يبنيها من النقطة التي انتهت إليها الأجيال السابقة.

قابلة للانتقال : الإنسان وحده هو القادر على نقل ما تعلمه إلى الأجيال المعاصرة واللاحقة سواء في مجتمعه أو في غيره من المجتمعات.

اجتماعية : تمتاز الثقافة بأنها عادات اجتماعية مشتركة بين أفراد جماعة معينة أو مجتمع معين وهي بذلك تضمن نوعاً من التوافق والوحدة بين الأفراد.

مشبعة لحاجات الإنسان : فالثقافة تشبع حاجات الفرد البيولوجية والنفسية وقصور الثقافة عن إشباع هذه الحاجات يؤدي إلى انحلالها والقضاء عليها ومن واجب المنهج أن يلبي هذه الحاجات ويعمل على إشباعها.

متطورة ومتغيرة : تمتاز الثقافة بأنها في نمو مستمر وتغير دائم,سواء في عمومياتها أو خصوصياتها نتيجة للبدائل التي تدخلها ولاسيما إذا أثبتت هذه البدائل قدرتها على إشباع حاجات الأفراد.

متكاملة : وتعني وجود قدر من التكامل والانسجام بين عناصر الثقافة المختلفة بحيث إذا انعدم هذا التكامل سبب اضطراباً للفرد وفقد المجتمع تماسكه ومن واجب المنهج أن يكون متكاملاً في محتواه وعناصره حتى يحقق تكامل الثقافة.

فوظيفة المدرسة يجب أن تشمل التعريف بالتراث الثقافي للمجتمع وبالخبرات التربوية التي تدور حول المشكلات التي تواجه الطلاب في حياتهم.

إن المتعلم ابن بيئته الاجتماعية والطبيعية، وكذلك القول عن المعلم والممارس التربوي، ومعنى ذلك أن المتعلم يجلب معه إلى ساحة التعلم محمولات ثقافية متنوعة، قد ترفد ما يتعلمه أو تعيقه عن التعلم . ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الأفكار والمعتقدات التي يكونها المتعلم عن الظواهر الطبيعية ، بناء على ما استقاه مباشرة من بيئته ، فقد يكون بعض هذه الترسبات وهمياً ، وغير علمي ، مما يعقد مهام معلم العلوم الطبيعية خاصة.

وبناء على ذلك ،لابد أيضاً في استراتيجيات التنمية والتطوير التربوي، من أن يلتفت أيضاً إلى إحداث ألوان من التغير الثقافي الإيجابي في المجتمع كله، إن شئنا لخطط التنمية والتطوير أن تعطي أكلها. ومع أن مثل هذا الجهد على مستوى المجتمع كله أمر معقد وصعب، إلاً أن صعوبته يمكن تذليلها، بالتخطيط الاستراتيجي في المدى البعيد، ولابد للمدرسة من أن تقوم أيضاً بمحاولات جادة لتغيير عادات المتعلمين والمعلمين، ضمن المجتمع المدرسي على الأقل .

 

معاودة تجديد الثقافة المدرسية :

 

      تمثل معاودة تجديد الثقافة المدرسية قمة المقاربة الكلية في العمل التربوي ضمن المجتمع المدرسي، وذلك لأهمية الدور الذي تلعبه ثقافة المؤسسة في درجة تقبل العاملين فيها للرؤى التربوية الجديدة واستجابتهم للتغيير أو تعاونهم معه. وقد يقتضي الإصلاح الحقيقي للتعليم تعديل الثقافة المدرسية، وربما تغييرها تغييراً شبه كامل، بحسب طبيعة القضايا المطروحة. لذلك تسمى مثل هذه العملية تحويلية ولا بد أن تجري بصورة تدريجية، وأن تستقطب لها الجهود، وتتم لها المتابعة والتقويم ومعاودة التقويم تكوينياً، إذا شئنا تحقيق الأهداف التربوية الإنمائية. والمغزى من هذا إجراء التغيير اللازم في مجمل العمل التربوي ليتناغم مع الأهداف التربوية ، ويحققها بفاعلية كبرى وبرضا دون قسر أو إرهاق.

 

المحور الخامس: المنظومة التربوية الجزائرية

 

تطور التعليم ومؤسساته في الجزائر :

 

للتعرف على مقومات تربية شعب من الشعوب، لا بد من العرف على تطور مؤسساته ونظمه التربوية،والتي هي مفتاح فهم حضارته ومقومات شخصيته.

  ليست المدارس الحديثة و برامجها في الجزائر وليدة الأمس القريب، أو عملا من أعمال “التحضير الفرنسي” للجزائريين كما يدعى، بل إن للمؤسسات التربوية الجزائرية تاريخ طويل. انتقلت عبره من الكتاتيب البدائية والوحيدة الصف إلى الجامعات الضخمة والمتطورة.

لتسهيل فهم و تطور التربية ومؤسساتها في الجزائر يمكن تقسيم موضوعنا إلى ثلاثة مراحل متباينة، وذلك للتطورات الكبيرة في الميدان السياسي، وأثرها على الازدهار التربوي في الجزائر.و يمكن حصر هذه المراحل فيما يلي :

 

أ - المؤسسات التربوية ما قبل الاستعمار الفرنسي :

 

لم تكن هنالك وزارات مختصة بالتعليم خلال هذه المرحلة، فالتعليم كان مسؤولية جماعية يتعاون الكل لإنشاء المساجد والكتاتيب، ومن أهم مؤسسات هذه المرحلة :

1- المساجد : تكون كبيرة نسبيا، لذلك غالبا ما تكون في المدن وفي أماكن التجمعات السكنية الكبيرة والمتوسطة، حيث يتفنن البناءون في بنائها وزخرفتها، ويطلق عليها اسم “جوامع” في الجزائر العاصمة.

2- الكتاتيب : يطلق عليها اسم ” المسيد “، وهي غالبا ما تحتوي على حجرة أو حجرتين، وهدفها الأساسي تحفيظ القرآن الكريم، ولصغر حجمها فهي تنتشر في القرى والمناطق النائية.

3- الزوايا : انتشرت خاصة في العهد العثماني نتيجة للتخلف واستبداد الحكام، وظهور ظاهرة التصوف، فإذا اشتهر أحد الناس بالورع والتقوى وشيء من العلم أسس له مكان لاستقبال الزوار والطلاب، فيغدق عليه المحسنون بعطاءاتهم وهكذا يشتهر المركز بزاوية “اسم صاحبها” حتى بعد موته، وللزاوية مهمات عدة منها قراءة القرآن، الندوات العلمية، والصلاة، وتقوم مقام مؤسسات الدراسة الثانوية، ينتقل إليها طلاب العلم والفقه.

4- الرابطات : وتشبه الزوايا في وظائفها الاجتماعية والثقافية،إلا أنها تكون قريبة من مواقع الأعداء،ويقوم المرابطون بها بدورهم الجهادي إلى جانب المهام الأخرى من تعلم وتعليم.

 5 – المدارس : لم تبدأ المدارس كما نعرفها اليوم والمختصة بالتعليم في مراحله المختلفة، كما أن هناك اختلاف بين المؤرخين في تحديد عدد المدارس بدقة، وذلك نتيجة لعدم استقلالها كمؤسسات مستقلة تحت اسم مدرسة، بل كانت إما كتابا أو تابعة لمسجد أو زاوية.

ولم تتكون خلال هذه الحقبة من الزمن جامعة في الجزائر، كما هو الحال بالنسبة للأزهر بمصر والزيتونة بتونس، لقد كان الجامع الكبير للعاصمة نواة للجامعة الجزائرية بمركزه وكثرة حلقاته الدراسية. ولم يكن التعليم في هذه الحقبة من الزمن  ينتهي بشهادات، وإنما كان يختم بإجازة شفوية من عند الأستاذ وتعبير صريح عن رضاه. 

بـ -  المؤسسات التربوية في عهد الاستعمار الفرنسي :

لقد كان التعليم بمؤسساته المختلفة مزدهرا نسبيا قبل دخول الاستعمار الفرنسي نتيجة لضخامة الأوقاف المخصصة له، وذلك باعتراف الفرنسيين أنفسهم، ومن أولى الخطوات التي قام بها الاستعمار الفرنسي الاستيلاء على أملاك الأوقاف التي تمول الخدمات الثقافية والدينية والاجتماعية للمسلمين، حيث أصدر كلوزال (Clauzel) الحاكم الفرنسي العسكري قرارا يوم 7ديسمبر 1830- بهذا الشأن-  مما أدى إلى أثر جد سلبي على نشاط التعليم الذي كان يعتمد على الأوقاف في مصاريفه، كما استشهد كثير من علماء الدين وتشتت شملهم وهاجر غالبيتهم ممن بقوا على قيد الحياة إلى المشرق العربي، وإلى تونس وتركيا. كما حول المستعمر الفرنسي عدد من المساجد الكبيرة إلى كنائس للمسحيين مثلما هو الحال بالنسبة لجامع كتشاوة بالعاصمة، والمدرسة والزاوية التابعة للجامع الكبير حولت إلى حمام فرنسي، وهكذا عملت فرنسا على القضاء على التعليم في الجزائر معتمدة التجهيل والتفقير بهدف الفرنسة والتنصير. لقد كانت أول مدرس فرنسية لتعليم أبناء الأهالي الجزائريين، هي المدرسة الفرنسية الإسلامية 1836 بمدينة الجزائر، ثم تلتها بعد ذلك مدارس في أهم المدن التي تخضع للسلطة الفرنسية، حتى بلغ تلاميذ هذه المدارس بعد 20 سنة من الاحتلال- 1850-  646 تلميذ جزائري فقط.

 وتبقى الكتاتيب القرآنية والمساجد والزوايا تستمر في دورها التعليمي،وتعتبر بمثابة الدرع الواقي من صدمات الاستعمار ومن محاولاته الاستعمارية، وارتبط اسمها باسم جمعية العلماء المسلمين بزعامة عبد الحميد ابن باديس، و قد عملت هذه الجمعية على بناء مدارس تابعة لها لمحاربة الجهل والأمية في مختلف أنحاء الجزائر،رغم استفزازات المستعمر الفرنسي لها، وقد آمن ابن باديس أن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى ومقومة الزيف والخرافات ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت الاستعمار.

تنبهت فرنسا إلى خطر هذه الجمعية فعطلت المدارس وزجت بالمدرسين في السجون وأعطت تعليمات بمراقبة علمائها.

ففرنسا منذ أن وطأت قدمها الجزائر(1830) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية، فأغلقت نحو ألف مدرسة ابتدائية وثانوية كانت تضم أكثر من 150ألف طالب،ووضعت قيودا لفتح المدارس واقتصرتها على حفظ القرآن لا غير مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن خصوصا الآيات التي تدعو إلى التحرر، وعدم دراسة تاريخ الجزائر وتحريم المواد العلمية والرياضية.حتى المدارس المفتوحة للجزائريين فقد كان مضمونها يختلف عن مضمون المدارس التي كان يدرس بها الفرنسيين، فالسنة الأولى من التعليم الابتدائي(خاصة بالأهالي) يتعلم فيها الأهالي مبادئ اللغة الفرنسية، ولا يتم تسجيلهم إلا بعد تجاوزهم سن السادسة، فضلا عن ذلك كان التعليم يتسم بالتباين من منطقة إلى أخرى، والفوارق كانت موجودة بين نسب البنين والبنات، أما أبواب مدارس الحضانة ورياض الأطفال فكانت مسدودة في وجوه الأطفال الجزائريين ولم تفتح إلا للفرنسيين.

والنظام التعليمي الفرنسي المعمول به قبل الاستقلال بلغ إلى حد منع التلميذ الجزائري التلفظ في القسم أو حتى في فناء المدرسة بعبارة غير فرنسية وإجباره على حفظ التاريخ الفرنسي_و هو تاريخ غريب عنه وعن أجداده_وذلك بقصد عزله عن محيطه الطبيعي وتشويه انتمائه التاريخي والحضاري.وتتلخص المراحل التعليمية فيما يلي :

1 - مرحلة التعليم الابتدائي :  تمتد على مدى 8سنوات -  سنتين منها فرصة للإعادة - (6-14سنة)، ويرشح التلاميذ الذين تجاوز سنهم 14سنة إلى شهادة التعليم الابتدائي(CEP).

2 - مرحلة التعليم التكميلي : ويدوم أربع سنوات في نهايتها تجاز الدراسة بشهادة الأهلية، و التي تمكن حامليها الالتحاق بشعب دراسية كمسابقة الدخول لمدارس إعداد المعلمين.

3 - مرحلة التعليم الثانوي : يدوم ثلاث سنوات وغالبا لا يصل إليه إلا القليل من الجزائريين.   

    

جـ - التعليم و مؤسساته في عهد الاستقلال :

 

كان التعليم الابتدائي سنة 1962 في حالة يرثى لها على غرار الميادين الأخرى،و الجدير بالذكر أن نسبة الانتساب إليه كانت تقارب 20% من مجموع التلاميذ الذين بلغوا سن الدراسة، فقد كانت مهمة المدرسة تتلخص في تكوين ما يحتاج إليه الاستعمار من مساعدين، وقد كان أول دخول مدرسي في أكتوبر 1962 اتخذت وزارة التربية قرارا يقضي بإدخال اللغة العربية في جميع المدارس الابتدائية بنسبة سبع ساعات في الأسبوع. وقد تم توظيف 3452 معلما للعربية و16450 للغة الأجنبية، منهم عدد من المرنين قصد سد الفراغ المدهش الذي أحدثه عمدا أكثر من 10.000معلم فرنسي غادروا الجزائر بصفة جماعية.

وقد ورثت الجزائر قلة هياكل الاستقبال و قلة الإطارات و مشكلة سيطرت اللغة الفرنسية وانحصار التعليم على مناطق و طبقات دون أخرى، وقد عمدت السلطة الجزائرية تعديلات مختلفة منذ 1962، ومن الإجراءات الفورية التي اتخذتها اللجنة الوطنية التي عقدت اجتماعها الأول في 15 ديسمبر1962 - الجزأرة، ديمقراطية التعليم، التعريب، والتكوين العلمي      و التكنولوجي.واستمر تطبيق مجموع الإجراءات السنة تلو الأخرى، ففي أكتوبر1967طبق القرار القاضي بتعريب السنة الثانية الابتدائية تعريبا كاملا تدرس كل المواد المبرمجة باللغة العربية وحدها بتوقيت 20ساعة أسبوعيا.

و يمكن تلخيص النظام التربوي الجزائري في فترتين :

 

*الفترة الأولى(1962-1976) : وهي فترة انتقالية كان يسودها عدة نقائص، فاقتصرت على إدخال تحويلات تدريجية تمهيدا لتأسيس نظام تربوي يساير متطلبات التنمية، ومن أولويات هذه الفترة :

- تعميم التعليم بإقامة منشآت تعليمية وتوسيعها للمناطق النائية.

- جزأرة إطارات التعليم (أي إزالة آثار العناصر الدخيلة الوافدة من المجتمعات والثقافات التي لا تمت بصلة للمجتمع الجزائري، كما يعني جزأرة نظام التعليم ومناهجه والبعد عن الاستعارة من المجتمعات الأخرى، جزأرة الإطارات غايتها الاعتماد على أبناء البلاد من أهل الاختصاص لتحقيق الكفاءة التعليمية).

- تكييف مضامين التعليم الموروثة عن النظام التعليمي الفرنسي.

- التعريب التدريجي للتعليم.

و قد أدت هذه التدابير إلى ارتفاع نسبة المتمدرسين الذين بلغوا سن الدراسة، إذ قفزت من 20% إبان الدخول المدرسي الأول إلى 70% في نهاية هذه المرحلة.

* الفترة الثانية(1976-2002) : ابتدأت بصدور أمر 76-35 المؤرخ في16 أفريل 1976 بتنظيم التربية والتكوين بالجزائر،وأدخلت إصلاحات على النظام لتتماشى و التحولات الاقتصادية والاجتماعية، كما كرس الطابع الإلزامي ومجانية التعليم، وتأمينه لمدة 9 سنوات، قد شرع في تعميم        وتطبيق أحكام هذا الأمر ابتداء من السنة الدراسية 1980- 981 (المدرسة الأساسية).

وقد عرفت المنظومة التربوية الجزائرية خلال الموسم الدراسي 2003 - 2004 تعديلات تتمثل في :

- تنصيب السنة الأولى من التعليم الابتدائي  2003- 2004، وقد تم تغيير محتويات بعض الكتب لنفس السنة في 2004 - 2005 (كالتربية الإسلامية).

- تنصيب السنة الثانية من التعليم الابتدائي 2004-2005، أضيفت إليها اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى، استعمال الترميز العلمي والمصطلحات العلمية، استعمال الوسائل التعبيرية(العربية والفرنسية).

- تنصيب السنة الأولى من التعليم المتوسط في إطار الإصلاح التدريجي والتربوي(نظام الأربع سنوات) ابتداء من الموسم الدراسي2003 -2004، وظهور اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية.

أما التعليم الثانوي فعرف تعديلات في هيكلته في سنة 2005 - 2006.

أما التعليم العالي فقد عرف تعديلات على ضوء توصيات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية والتوجيهات المتضمنة في مخطط تطبيق الإصلاح التربوي الذي صودق عليه في مجلس الوزراء يوم 20أفريل 2002، سطرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كهدف استراتيجي لمرحلة2004-2013إعداد ووضع أرضية لإصلاح شامل للتعليم العالي (LMD) بحيث يمثل بنية العليم العالي المستلهمة من البنيات المعمول بها في البلدان الانجلوسكسونية، والمعممة في البلدان المصنعة،تتمثل هذه البنية حول ثلاثة أطوار للتكوين يتوج كل منها بشهادة جامعية :

- الطور الأول بكالوريا+ثلاث سنوات، يتوج بليسانس(أكاديمية-مهنية).

- لطور الثاني  بكالوريا + خمسة سنوات، يتوج ماجستير(أكاديمية -مهنية).

- الطور الثالث بكالوريا + ثمان سنوات، يتوج بدكتوراه.

و لا تزال المنظومة التربوية الجزائرية إلى حد الآن تجري تعديلات على نظمها التربوية قصد التحسين من المردود التربوي و الرفع من مستواه.

 

 

 

المشاكل التي تواجه المنظومة التربوية في الجزائر :

 

تعاني المنظومة التربوية من عدة مشاكل، و لا يمكن إسناد مصدر هذه المشاكل إلى طرف دون آخر، و من بين هذه المشكلات :

* ضعف المستوى الدراسي.

* ارتفاع نسبة التسرب المدرسي.

* حصر التربية على المدرسة وغياب الأولياء عنها.

* غياب منهجية علمية للتقويم.

* اكتظاظ الأقسام مما يعرقل السير الحسن للدرس واستيعاب التلاميذ.

* مشكلات مصدرها الأستاذ نفسه.

* مشكلات مصدرها التلميذ.

* مشاكل مادية ومعنوية يعني منها الطرفين(معلم،متعلم).

* نقص الإمكانات المادية والوسائل البيداغوجية.

* نقص دراسات علمية ميدانية قبل إجراء تعديلات معينة.

* غموض سياسة التخطيط.

        

 

 

 

الإصلاح التعليمي وضرورة التغير الايجابي

إن الإصلاح التعليمي وضرورة التغير الاجتماعي يساهم في بناء المؤسسة التعليمية، بناءً صحيحاً يبعدها عن الانحطاط والتخلف التي غرقت فيه على مدى العقود الماضية، والتي كانت فيه المؤسسة التربوية عرضة للانتهاك والتجاوز الأخلاقي، مما جعل الهوة واسعة بيننا وبين المجتمعات الأخرى التي استطاعت التخلص من الفردانية في الحكم، والسيطرة والشمولية وإخضاع المجتمع للرأي الواحد، الذي احتكر الفعالية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية، وقام بتقنينها منهجاً وسلوكاً لتصب في منافعه وتطبل لشعائريته الزائفة، مما أدى بالعملية التربوية إلى الانكماش والتقوقع في الوقت الذي نرى أن المجتمعات المتقدمة رأت في التعليم ما يوطد الحياة الديمقراطية، لأنها اعتقدت وآمنت بأن نشر العلم بين طبقات الشعب من الأسس المتينة التي يقوم عليها صرح الحرية والاستقلال الوطني، لأن الحرية لا تستقيم مع الجهل، لأن دعامتها (التعليم الذي يشعر الفرد بواجبه وحقه وبواجبات نظرائه وحقوقهم الديمقراطية.

وهذا يدفعنا للقيام 1( بتغيير جذري في نظام التربية والتعليم من أجل بناء الفرد والمجتمع ) كي نتمكن من بناء شخصية قوية منتجة لا تعاني من العقد والإحباطات، وتستشرف المستقبل، لا من خلال الأماني والخطاب الديماغوجي، وإنما بالنزوع (لدراسة المستقبل بهدف التنبؤ والاستعداد والتأثير فيه)، منطلقين في ذلك من عملية استقراء تعتمد العلمية والمنطق للحاضر وإشكالياته، لأنه لم يعد التعليم في ضوء الدراسات الحديثة، وما أثمر تمعن نظريات جديدة في مجال تعريف التعليم، وما أتاحه التقدم التكنولوجي من وسائل مساعدة للاختبار والقياس ينظر إليه لتحصيل للمعرفة والمهارات، أو أنه تدريب عقلي! بل أصبح ينظر إليه بأنه عملية تربوية تهدف إلى إحداث تغيير في السلوك معتمداً على(عوامل عدة في بيئة المتعلم الكلية وأثر الخبرة التعليمية على شخصية وسلوك الإنسان). وهذا في حالتنا الآن يستوجب للوصول إلى المسار الاجتماعي/الحضاري الصحيح، القيام بالإصلاح والتغيير الجذري لنظام التربية والتعليم من أجل قيام مجتمع جديد متوازن وواع، وهذا يتطلب القيام بمهمتين أساسيتين هما (التخطيط والتنفيذ، مع تهيئة الضمانة الإجرائية اللازمة) لتغيير الفرد الذي هو النواة الأساسية في المجموعة الاجتماعية وجعله إنساناً جديداً متوافقاً مع المفاهيم والأفكار الجديدة التي تتيحها له الحرية التي استعادها بعد أن فقدها لعقودٍ من الزمن.

وعملية التغيير والإصلاح هذه لا يمكن أن تتم بعفوية أو بالعصا السحرية، بل إنها تتطلب (عملية شاملة من التربية والإرشاد) تفسح المجال للفرد بالوصول بقدراته واستعداداته إلى أقصى طاقاتها، وذلك من خلال نظام يسمح بالمرونة في إعداد وتخطيط المناهج وتنظيمها بما يتوافق والطيف المجتمعي للعراق وحاجاته، مؤمنين (بأن الشيء المهم في التعليم ليس فيما تحتويه المادة ذاتها بل في القدرة العقلية الهامة التي تنمو نتيجة لها، فقد وجه علم النفس الوظيفي أنظار المربين إلى رأي جديد، وهو أن الإنسان يتعلم طرقاً معينة نتيجة لاستجابته لمواقف معينة، أي أن استجابة الفرد تتنوع تبعاً لنوع المواقف التعليمية) لأن الإصلاح والتغيير الذي نريده لمجتمعنا الجديد، لا ينبغي أن يكون عشوائياً، بل يجب أن يسير وفق القيم التي يرسمها الدستور للمجتمع، من أجل إقامة المجتمع الديمقراطي، لأن إصلاح النظم المدرسية القائمة (بين الفينة والفينة مطلب ضروري، لاسيما وأن الشروط الاجتماعية الجديدة، وتطور العلوم الإنسانية، تجعل التغيير والتطور ضرورياً).

على ضوء ما تقدم سوف نتناول في بحثنا هذا محورين يشكلان العصب والعمود الفقري للعملية التربوية التعليمية هما(المدرسة والمنهج) مؤكدين أن الإصلاح لا يمكن أن يتم دون وثائق كافية ودون اتصال حي فعلي بالواقع المدرسي، لذلك لابد من اعتماد أصول البحث العلمي المنظم، وإلا كنا أمام اجتهادات شخصية، يمكن أن تدحضها اجتهادات شخصية أخرى، إذ أن من شروط نجاح الإصلاح والتغيير أن يتم(التعاون بين القائمين بالبحث وبين الهيئة التعليمية والإداريين والباحثين المختصين وسائر الأشخاص المعينين بالحياة المدرسية).

 

دور المدرسة في الإصلاح والتغيير :

 

بما أن المدرسة هيئة اجتماعية تساهم في تحقيق أهداف وقيم المجتمع الذي تعمل فيه، فهي مؤهلة لأن تقود الإصلاح والتغيير الاجتماعي، الذي تؤثر فيه(المدرسة أثراً كبيراً في تطور وإصلاح شأنه، لأن إصلاح وتغيير المجتمع لا يمكن أن يكون ناجحاً ومثمراً إلا إذا وعاه الناشئون وعياً أكيداً وعملوا على تحقيقه) ،لأن بين المدرسة والمجتمع في كل زمان ومكان ارتباطاً وثيقاً وتفاعلاً شديداً.مما يمكن المدرسة من (تغيير وتعديل قواعد السلوك لتلاميذها، لأنها تعمل في وسط ثقافي يؤثر كثيراً في التلاميذ) بحيث يؤدي إلى تحسين ورفع نوع المعيشة في المجتمع، لأنه كما يقول تشارلز بيرز (بأن السلوك الاجتماعي للتلاميذ يمكن أن يتغير،إذا هدف التعليم لتحقيق هذا التغيير). كما أن المدرسة تساعدهم على تكوين فلسفة صحيحة للحياة، ونظام للقيم يساعدهم على أن يأخذوا أماكنهم كمواطنين أذكياء ناضجين، وهذا الأمر لا يتحقق إلا عن طريق إدخال الخبرات التعليمية الصالحة في المناهج، وعن طريق أوجه النشاط المختلفة والنقاشات ذات الخطة الواضحة التي تدعو إلى الاهتمام بالتراث الثقافي للمجتمع واستخدامه في حل مشكلاتنا الحاضرة، لكن علينا أن نوضح بأن هذا يستلزم إعادة تنظيم المواد المدرسية تنظيماً يكفل للمدرسة القيام بهاتين الوظيفتين المزدوجتين(نمو الفرد وإشباع حاجاته وميوله والنقل الثقافي، واستخدام الثقافة استخداما وطنياً)، وهذا يدعونا إلى إعادة تنظيم المعارف الإنسانية من خلال المدرسة لأنها بيئة تربوية صاهرة، بمعنى أن هذه المؤسسة تعمل على نشر(التواصل والتفاهم بين التلاميذ) تبعاً للأهداف التربوية التي تسعى المدرسة الجديدة إلى تحقيقها من أجل أن تعمل المدرسة على مساعدة التلاميذ في الوصول إلى المبادئ العامة والقوانين والخبرات البشرية المنظمة تنظيماً منطقياً، (والعمل على إمكانية التوفيق بين موقف وظيفة المدرسة إزاء النواحي السيكولوجية للتلميذ، ووظيفة القيام بالنقل الثقافي)، كما نطمح أن تتمكن المدرسة من أن لا تصب اهتمامها على التراث الثقافي لمجتمعنا الذي نعيش فيه فحسب، بل ينبغي أيضاً أن توجه عنايتها إلى التراث الثقافي للجنس البشري، (لكي تحقق المدرسة ما يجب أن تكون عليه من أنها انعكاسا للنظام الاجتماعي للمجتمع)، وذلك لأن دور المدرسة كقوة اجتماعية تربوية تبرز أهميتها في تخريج القادرين على قيادة المجتمع الواعين بدورهم الإيجابي في حل مشكلاته، حين يصبحون جزءاً أساسياً ومهما فيهً، شريطة أن يكون منهجها انعكاساً فاعلاً لجميع العناصر الثقافية للمجتمع مع وجوب أخذ دور محايد إزاءها، لاسيما المشكلات المتعلقة بالقيم والمعتقدات الدينية، وهذا لا يتم إلا من خلال إعداد التلاميذ وتعويدهم على الإيجابية في حل مشكلات المجتمع، وهذا لا يتم إلا من خلال إدارة مدرسية تتبنى منهجاً مدرسياً تربوياً ينمي في التلاميذ الفهم للقيم والتقاليد الديمقراطية، كما يعرفهم بالخصائص التي تحير المواطنين في ظل النظام الديمقراطي، وصولاً إلى ظهور السلوك الديمقراطي لدى التلاميذ، الذي يدفعهم للالتزام والعمل بالقوانين والنظم الديمقراطية، وهذا يقودنا إلى أن يكون تنظيم إدارة المدرسة تنظيماً ديمقراطياً، لأن من الصعب والتناقض أن يخضع التلاميذ لنظم كلها سيطرة وضغط في المدرسة وفي البيت والهيئات الاجتماعية الأخرى.

من هنا ومن أجل الوصول بعملية الإصلاح والتغيير لأهدافها، فعلى القائمين على إدارة المدرسة والمشرفين على العملية التربوية التعليمية، احترام شخصية التلميذ وقيمته، مما يفرز في نفسه الشعور بالقيمة الاجتماعية باعتباره فردا مشاركا في بناء وتطور المجتمع، وعنصرا فاعلا لا يمكن الاستغناء عنه أو إهماله في عملية الإصلاح والتغيير والبناء، لأن المدرسة هي التي ( تعد فيها دوافع وميول الطفل أساساً لبرامج المدرسة، وهي في هذا تسير على أساس الحرية غير المقيدة التي تنادي بها الفلسفة الطبيعية ) على أساس أن الهدف الأساسي للتربية في المدرسة هو تيسير أقصى نمو لفردية كل طفل، على أن يتلاءم هذا النمو كلية وبطبيعته مع النمو الاجتماعي، من خلال تشجيع المدرسة للطفل على ( أن يصبح شخصية خاصة وأن يدين بالفردية وأن يعتقد في قدرته ) كما يرى رج وشو ماكر، دون أن ننسى بأن المدرسة ملزمة أيضاً بأن تهيئ له المواقف التي تعطيه مراناً مستمراً على الحياة التعاونية، كما تقدم له أنواع النشاط التي تساعده على المساهمة في الأعمال الجماعية، من أجل تنمية إحساسه بالانتماء إلى الجماعة وبأنه عضو مقبول ومحترم من المجتمع وهذا يستلزم وضع خطة كاملة للعمل المدرسي لكنها يجب أن لا تكون نهائية أو مغلقة، بل قابلة لإعادة النظر على ضوء مدى تحقيقها لأهداف المدرسة، والخطة المدرسية تعتمد على عناصر هي التدريس الصفي والنشاط الصفي و اللاصفي والتوجيه والعلاقة بين المدرسة والمجتمع والعلاقة الإنسانية بين العاملين المسئولين عن إدارة المدرسة (مدير، معلمين، مدرسين، عمال، مشرفين) من جهة وبين التلميذ من جهة ثانية بعد أن نسلم المدرسة إلى مدير ومعلمين تم إعدادهم أو إعادة تأهيلهم بما يتوافق وما نريده من أهداف جديدة أفرزها الإصلاح والتغيير لتكون عملية التغيير ذات جدوى.

 

المنهج ودوره في عملية الإصلاح والتغيير :  

 

إن المدرسة كما رأينا هيئة اجتماعية مهمتها الاهتمام بتربية الطفل وتعليمه والاستمرار في ذلك حتى المرحلة الجامعية، والمدرسة لا تعمل بطريقة عشوائية أو اعتباطية وهي تمارس عملية التربية والتعليم، بل إنها تخضع لنظم وتقنيات محددة تعرف بالمنهج، الذي يعني لغوياً الطريق الواضح… كما يعني اصطلاحاً مجموعة الخبرات والمواد(العلمية والأدبية والاجتماعية و…الخ) المخطط لها والتي توفرها المدرسة لمساعدة التلاميذ(وهو ما يتصل اتصالاً وثيقاً بالأهداف التربوية بل أن تحقيقها هو الغرض من وجوده) ؛لذلك على المنهج أن يستوحي حاجات المتعلم وثقافة المجتمع، وأن يكون محوره شؤون الحياة ومشاكلها، وأن يعنى بالنواحي الذهنية والعملية والإنسانية، ولأجل الاقتراب مما نريده من عملية الإصلاح والتغيير يصادفنا سؤال مهم جداً علينا أن نجيب عليه، وهو (من الذي يصنع المنهج الذي يتواءم وعملية الإصلاح والتغيير التي يراد كما أن تناسب المرحلة الجديدة لمجتمعنا؟) لقد قدم المعنيون والمختصون بشؤون التربية والتعليم العديد من الآراء والمقترحات والإجابات لهذا السؤال، غير أنهم اتفقوا- وعلى ضوء معايير التطور الحالي التي ترى أن الذي يساهم بوضع المنهج وتخطيطه كل من له علاقة بالطفل الطالب باعتبار الغاية التي من أجلها يوضع المنهج، وهؤلاء هم المعلمون والمدرسون والتلاميذ أنفسهم والآباء والمواطنون العاديون والخبراء المختصون والمشرفون التربويون، غير أننا لا يمكننا اعتبار أي منهج تم وضعه والاتفاق عليه بأنه منهج نهائي، لأننا نعتقد بأن المنهج يجب أن يكون عرضة للتقويم طالما أننا نعيش في عالم متحول وسريع التطور، يفرز مواقف وقيما ومعلومات متجددة دوماً، لكن على شرط أن تتضمن عملية التقويم تقدير التغييرات السلوكية الفردية والجماعية، والبحث في العلاقة بين هذه التغييرات السلوكية وبين العوامل المؤثرة فيها(من خلال نظرتها للفرد وكفايته، والجماعة وعلاقتها الديناميكية، والبيئة وظروفها المؤثرة في الفرد والجماعة)، على أن تقوم عملية التقويم كذلك على الأسس العلمية التي تعتمد التجريب والبحث المعملي والميداني لقياس مدى ما يحققه البرنامج التربوي من أهداف ومدى مساعدته في نمو الفرد والجماعة، وكشف المعوقات والتعرف على الإشكاليات التي قد يكون لها دور في إعاقة تطبيق المنهج بصورة صحيحة والعمل على ( تطوير المنهج تبعاً لتطور أهداف التربية بحيث لا تبقى هذه المناهج متخلفة عن ذلك التطور )، وهذا لا يتم إلا إذا أعددنا الكوادر المؤهلة من الهيئات العلمية والتربوية والإدارية (لدراسة منهج كل مادة من المواد الدراسية، دراسة متكاملة، وذلك بمتابعة منهاج المادة الواحدة من خلال السنوات التالية ومعرفة مدى الترابط والوحدة بينها )، مؤكدين على تقديم هذه المواد وفق طرائق التعليم الحديثة التي تتلاءم مع الحاجة إلى تعليم الملايين المتكاثرة من الطلاب والتي تزداد بشكل كمي، وتستدعي تطوير وسائل فعالة لكي تضمن تعليمها وتغيير سلوكها وبحيث يواكب التطور الحضاري للمجتمع.

 

حتمية التغير:

 

     يشهد العالم اليوم، تسارع كبير نحو التطور والتغير، لتحقيق مستوى معيشي أفضل، وإذا أرادت امتنا العربية أن تخطو نحو مجتمع المستقبل بكل عزم وثبات عليها أولا أن تعمل بكل جد وإصرار شديدين للانتقال من مرحلة التخلف والتبعية إلى مرحلة الوحدة العربية وتطبيق الديمقراطية.

     ولذلك فهي مطالبة بان يكون لها شخصيتها الاعتبارية المتميزة، والمحددة زمانيا ومكانيا، وان تؤكد على أهميتها وسط العالم الذي تعيش فيه. علاوة على أن تمتلك القوة والقدرة على مدار العقود القادمة، وهذا ما يجعلنا نأخذ باعتبارنا ما يلي:

أولا : القوى الذاتية : بامتلاك الأمة العربية من تراث وموارد اقتصادية وبشرية هائلة وإمكانات مادية ضخمة، يمكنها أن توفر كل أسباب المدنية الحديثة لها وبناء مجتمع عربي عصري.

ثانيا : حقائق التغير العالمي السريع : يوجد على هذه الأرض من يعيش في زمن الماضي والحياة البدائية وهناك أيضا من يعيش حياة صناعية متقدمة وهناك من وصل التقدم. ليعيش حالة عالم المستقبل وممثلي تقدم الإنسانية، وهو من يمتازون بقدراتهم على التغير السريع، وعليه فان قدرة الأمة العربية يجب أن تكون احد عناصر أو مكونات تفكيرها ودراستها. 

    من المفروض أن الهزائم المستمرة للوطن العربي توقظه من التردي، وتكون محطات تحول في تاريخه، إلا أن الواقع العربي لا يزال كما هو مؤلم في تدهوره وتخلفه، إن لم يكن أصبح أسوا من السابق، مما جعل البعض يعتبره عصر الانحطاط والانهيار العربي، ومن الخطورة أن هذه المرحلة تبلور عملية انهيار قيمة الإنسان دائما في شكل ظاهر.

ومهما امتلك العرب من ثروات، إلا أن التبذير في هذه الثروات بدون دراسة وتخطيط جعلهم يضيعون فرص ذهبية في تاريخهم المعاصر لتطوير أنفسهم.

     

إن التربية أولا هي وحدها الوسيلة الأساسية لتحقيق التطور وإنها هي أولا وأخيرا أداة تنفيذه وتحقيقه. وهذا ما يجعلنا أن نقرر أننا بحاجة إلى تربية تمكن الأجيال العربية من تحقيق وتحرير ذاتها، ومن بناء مشروعها الحضاري العربي وصناعة مستقبلها، وتأكيد هويتها وشخصيتها المستقبلية. وإطلاق قدراتها وطاقاتها الإبداعية.

توجيهات السياسات التربوية العربية

وأما المرحلة الثالثة في نمو وتطور السياسات التربوية والتعليمية في الوطن العربي فهي المرحلة الحالية التي يمكن تسميتها (بناء مجتمع المستقبل)، وهذه المرحلة تبدأ منذ التسعينات وحتى الوقت الحاضر، وهي فيما نعتقد المرحلة الحرجة التي شهد فيها العالم بما فيه الوطن العربي تغيرات واسعة الأثر والتأثير منها تغيرات وتطورات معرفية وعلمية وتقنية والتي على التربية العربية أن تواكبها وتغير وتطور أنظمتها التعليمية، وهي التي تحتاج بالفعل إلى تحديث وتطوير إستراتيجية التربية العربية، وهذه المرحلة لا تزال فيما نعتقد متعثرة في الوطن العربي، ولم تبدأ بفعالية وكفاءة فهي تحتاج إلى إستراتيجية عربية مختلفة تماماً عن الاستراتيجيات والسياسات السابقة للتعليم والتربية في الوطن العربي، إنها إستراتيجية تربوية يجب أن تسعى إلى بناء مجتمع المعرفة بمعنى الكلمة وإلا فإن مصير العرب التهميش والفناء الحضاري.

وعلى أية حال ورغم الإنجازات السابقة الكمية والنوعية التي حققتها التربية العربية خلال العقود الماضية، لا تزال هناك معضلات ومشكلات تربوية على السياسات التربوية أن تواجهها بالدراسة وإيجاد الحلول المناسبة بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة، ومن أهم هذه الاختناقات ما يلي :

 

1 ـ لا تزال السياسات التربوية العربية غير واضحة الأهداف العامة والخاصة لكل مرحلة تعليمية، وبالرغم من وجود أهداف تربوية عامة في كل بلد عربي على حده تقريباً، إلا أنه لا توجد أهداف عربية مشتركة، والبحث عنها أشبه بمن يبحث عن إبرة في قاع محيط متلاطم الأمواج والتيارات البحرية، ولا يمكن بطبيعة الحال أن ينجح عمل مهما كان بدون رؤية واضحة وأهداف عامة مشتركة.

 

2 ـ بالرغم من أن السياسات التربوية العربية تخدم الطالب العربي فعلاً في أي مستوى أو مرحلة تعليمية وتنفق عليه بمعدلات عالية (أعلى من معظم البلاد النامية وتتقارب مع البلاد الصناعية المتقدمة)، إلا أن المدرسة أو التربية العربية لا تزال تركز خدمتها في الجانب المعرفي وحفظ المعلومات وتلقين قوالب صورية من الأفعال والأقوال، فالتربية العربية لا يزال أمامها إلى جانب المعرفة تنمية شخصية الطالب من جميع النواحي المعرفية والاجتماعية والنفسية والثقافية والجسمية والإنسانية العالمية، فالطالب العربي قد يخرج من المدرسة ولا يعرف حقيقة مجتمعه والعالم الفعلية فيتخرج بكمية من المعارف والعلوم ولكن تفاعلها وترابطها وتأثيرها في شخصيته الفردية وفي عمله وفي مجتمعه الواسع ومشاكله تكاد لا تظهر بشكل واضح وإيجابي، وأحياناً يتخرج الطالب العربي بنظرة مثالية رومانسية فيجد الواقع حقيقة أخرى فيرتد متطرفاً في اليمين أو اليسار، أو فاقداً لأي خط سير في حياته فيضيع في دوائر اليأس والإحباط أو حتى الجريمة والانحراف أو الارتماء في أحضان الآخرين مهما كانوا أصدقاء أو أعداء للأمة العربية والإسلامية.

 

3 ـ إن ازدياد عدد الخريجين من مختلف المؤسسات التعليمية العربية أدى إلى معدلات عالية أو واضحة من البطالة والبطالة المقنعة بين الشباب، كما لاحظنا سابقاً وهنا رغم كل الجهود التي بذلتها السياسات التربوية والاجتماعية فالعلاقة بين المدرسة وسوق العمل (هل التربية للعلم والثقافة؟ أو للعمل والرزق؟.) لم تُحل بعد في أذهان ساسة ومخططي التربية والاقتصاد العرب، وستزداد هذه المشكلة تعقيداً في المستقبل بالنظر إلى النمو السكاني في الوطن العربي (يقدر أن يصل عام 2025 إلى 400 مليون نسمة) إضافة إلى تغير طبيعة التخصصات التي يحتاجها سوق العمل العربي وبطء النمو الاقتصادي الحقيقي في البلاد العربية وضعف الموارد المالية لمعظم البلدان العربية والعولمة الاقتصادية والأزمات والمشاكل السياسية والدولية (قضية فلسطين، واتهام العرب والمسلمين بالإرهاب والتطرف الفكري وبروز قضايا الأقليات العرقية والثقافية) فهذه مشاكل تشغل البلدان العربية عن التنمية وتجرها إلى قضايا الأمن والإنفاق على السلاح والحروب بدلاً من الإنفاق على التعليم والصحة والتنمية البشرية بشكل عام.

 

4 ـ وبالنسبة لمدى ما قدمته السياسات التربوية العربية للمجتمع العربي في مختلف المستويات الوطنية والمحلية والريفية والحضرية، فرغم كل الإنجازات في هذا المضمار، فلا تزال هناك عقبات لم تعالجها السياسات التربوية بفعالية وتحتاج إلى دراسات وتخطيط وعمل متواصل ومن أهمها   ما يلي :

 

1 ـ نسبة السكان الذين يزيد عمرهم عن 15 سنة، والذين اشتركوا في برامج تعليم لا نظامية، أي خارج نظام التعليم الرسمي، وما هي البرامج والخطط التربوية التي أعدت لهم.

 

2 ـ المتسربون من مختلف مراحل التعليم، وما هي السياسات والخطط التربوية التي أعدت لهم، وهل نُفذت؟ وكيف تم ذلك؟.

 

3 ـ نسبة السكان الذين يعيشون على مسافة معينة من أقرب مؤسسة للتعليم النظامي في المراحل المختلفة للتعليم، وما هي الخطط والبرامج التي أعدت لذلك؟.

 

4 ـ نسبة التلاميذ في المرحلتين الأولى والثانية للتعليم الذين يلجئون إلى الدروس الخصوصية، فهذه الظاهرة جديدة في الوطن العربي ولم تكن معروفة في الماضي، وتعطي إشارات سلبية للمربين والتربية ولها تداعيات تعليمية واجتماعية واقتصادية ونفسية في الوطن العربي إذا استمرت في النمو والانتشار كما هو حاصل الآن.

 

5 ـ نسبة المقيدين في مدارس أو معاهد خاصة إلى جملة المقيدين في مدارس ومعاهد عامة، وهل هناك خطط واستراتيجيات لهذا النوع ممن التعليم الذي اختفى أو كاد يختفي في العقود الماضية وعاد فظهر بقوة أخيراً في الوطن العربي لظروف خاصة بسياسات الإنفاق على التعليم وضعف قدرات الحكومات العربية لتمويل التعليم الذي يواجه ضغوطاً كبيرة للطلب الاجتماعي عليه.

 

6 ـ نسبة المقيدين في التعليم الفني والمهني إلى جملة المقيدين في مؤسسات التعليم الأكاديمي العام، وخاصة التعليم الثانوي والعالي، وما هي الخطوات والسياسات المتبعة في هذا النوع من التعليم وإسهامه وربطه بالتنمية وسوق العمل ؟ وفي نفس الوقت محافظته على الجانب الثقافي والاجتماعي وإعداد المواطنة العربية ؟.

 

7 ـ نسبة المقيدين في كليات علمية بحثة وتقنية مقابل المقيدين في كليات العلوم الإنسانية والآداب واللغات والملاحظ أن حوالي ثلثي القيد 60% هم في تخصصات العلوم الإنسانية مقابل 30% أو أقل مسجلون في تخصصات علمية وتقنية دقيقة مع فارق بين البلدان العربية وما آثار كل نسبة على الفرد والمجتمع وسوق العمل وبناء القدرة العربية العلمية والتقنية؟ وكيف يمكن المحافظة على التوازن بين إعداد الإنسان التقني المهني وإعداد الإنسان الاجتماعي المثقف والواعي بالجانب الإنساني للنهضة والتقدم العلمي والتقني للوطن العربي؟.

 

8 ـ لا تدري السياسات التربوية العربية بدقة علمية مدى شعور الطلاب العرب أنفسهم بالاستفادة مما تعلموا في حياتهم وأعمالهم الوظيفية بعد التخرج، وهل هناك حاجة إلى تغير مضمون المناهج التعليمية؟.

 

9 ـ ليس للسياسات التربوية العامة في الوطن العربي مؤشرات أو مقاييس دقيقة لمعرفة وتحديد مدى تقدير جهات العمل ومؤسساته لما تعلمه الطلاب ووظفوه في أعمالهم الوظيفية وعلاقاتهم بزملائهم في العمل والمهنة.

 

10 ـ وأخيراً لا تعرف السياسات التربوية العربية ثلاثة أمور بدقة،

(أ) مدى التطور الذي حصل في النظام التربوي العربي؟ وبأي مقاييس وخاصة فيما يتعلق بالتطور النوعي وارتباطه بحاجات الطالب الفردية وحاجات المجتمع العربي في عصر يتسم بالتطور السريع والتعقيد الاجتماعي والتقني.

(ب) مدى تطور مدخلات ومخرجات النظام التعليمي العربي ومدى إسهامها في جعله أكثر حداثة وعصرية وارتباطاً بطبيعة العالم المعاصر اجتماعياً وثقافياً وتقنياً واقتصادياً.

(ج) مدى تطور النظام التعليمي العربي في بيئته الداخلية وقدرته على خدمة بعض مكوناته ومراحله لمكونات ومرحلة أخرى، أي ارتباط وترابط كل مرحلة بأخرى مثل دور التعليم الثانوي في خدمة التعليم الجامعي والعكس دور التعليم الجامعي في خدمة التعليم الثانوي.

و إلى جانب المرحلة السابقة للنظام التربوي العربي وما عكسته من إيجابيات وسلبيات فإن إستراتيجية التربية العربية عليها أن تجد الآن سياسات وخطط وبرامج للمشاكل والتحديات المذكورة والمنبثقة من المرحلة السابقة، وعليها أيضاً أن تجد سياسة تربوية للمرحلة الحالية التي حددت بالمرحلة الثالثة، وهي مرحلة إعداد الإنسان العربي للقرن الحادي والعشرين، فإستراتيجية التربية العربية الآن في مرحلة بناء مجتمع المستقبل أمامها مهمتين رئيسيتين الأولى معالجة ما تبقى من تحديات ومشاكل من المرحلة السابقة (ما بعد الاستقلال وحتى نهاية الثمانينات)، وما يظهر ويستجد من عقبات وتحديات الآن. والمهمة الثانية هي استعمال المدرسة كما يقول الدكتور عبد اللطيف محمود محمد في دراسته المدرسة كقاطرة لمجتمع المستقبل، بعبارة أخرى فكأن العرب سيدخلون عالم القرن الحادي والعشرين بمسئوليتين تاريخيتين؛ إصلاح البيت وترميمه أولاً، وتغيير وتحديث هيكله الداخلي والخارجي ليكون منسجماً مع نفسه ومقبولاً لحياة جديدة لسكانه وتعاملهم مع جيرانهم الآخرين في القرية الكونية الواحدة.

وعلى أية حال وفي إطار الرؤية السابقة توجد علاقة قوية ما بين الثورات العلمية الكبرى التي شهدتها الإنسانية كما حددها توماس كون (1922-1996) Thomas KUHN في كتابه المعنون “بنية الثورات العلمية، والثورات التعليمية التي واكبتها.

والثورة العلمية في حقيقتها نوع من الاستنارة العقلية التي تمثل نقلة نوعية للبشرية من مرحلة إلى أخرى أرقى منها، والمقصود هنا بالرقي تحقيق المزيد من قوة العقل على حساب انحسار لقوة الخرافة وتكمن قوة العقل في المعرفة ، وبالتالي في اكتساب القدرة على الفعل، وهنا تصبح المعرفة كما قال عنها فرانسيس بيكون (1861-1926) أنها تعادل القوة، إذن فالثورات العلمية الكبرى كانت في جوهرها ثورات عقلية معرفية تزيد من قوة الإنسان، أما الثورات التعليمية فهي عملية تحويل للقوة من وجود محايد إلى وجود منحاز لإطار العمل لصالح ترسيخ نمط من العلاقات الاجتماعية وتشييده. لذا فالثورات التعليمية توفر للثورات العلمية المناخ الملائم لقبولها اجتماعياً وثقافياً وتعطي لها ما يسمى بقوة الإقناع ، وقوة الإقناع مرهونة بمدى توافر فرص التعليم الجيد وانتشاره في المجتمع كذلك العدالة في توزيع تلك الفرص على المستويات الاجتماعية المختلفة، وهذا يعني رفع نصيب الفرد من قوة المعرفة وقوة الإقناع، لقد دفعت البشرية ثمناً غالياً عبر القرون لتوسع نطاق المشاركة في قوة المعرفة وللاستدلال على هذه النتيجة نجد ذلك الترابط التاريخي في التلازم بين الثورتين العلمية والتعليمية فمثلاً في مراحل بارزة منها نجد مثلاً نظرية دوران الأرض التي أعلنها كوبرنيك في كتابه الشهير في دوران الأفلاك السماوية عام 1543، كان قد أخفاها طوال حياته خشية أن تبطش به سلطة الكنيسة في أوروبا حيث فرضت نسقاً تعليمياً جامداً يحد من نطاق المشاركة في (قوة المعرفة) والملفت للنظر أن كوبرنيك ذكر في نهاية كتابه هذا حقيقة أن فيثاغورس كان قد سبقه في الكشف عن هذه النظرية منذ القرن الخامس قبل الميلاد، لكنه حين أشار لذلك تعرض للطرد ولإحراق داره، ومعنى ذلك أن نظرية دوران الأرض بوصفها الثورة العلمية الأولى استغرق إعلانها وقبولها اجتماعياً ألفي سنة ذلك لأن الثورة العلمية تغير في الواقع القائم بحيث يمكن تقبل حدوث الواقع القادم (المستقبل) ومن ثم فإنها تحتاج لثورة تعليمية تمهد الواقع لقبولها لذلك فالثورة العلمية الأولى (نظرية دوران الأرض) تلازمت مع ثورة تعليمية مهدت لظهور المدرسة كمكان لنقل المعرفة ونشرها.

أما الثورة التعليمية الثانية فكانت مواكبة لعصر النهضة والثورة الصناعية في أوروبا، والتي ولدت من رحم ثورة علمية أخرى عبر عنها كل من (نيوتن) بنظرية كرؤية انطولوجية للكون وكانط Kant بفلسفة العقل وقيادية دوره في الوصول للمعرفة، وتلازم ذلك مع قيام الدولة القومية وانتشار الطباعة الأمر الذي يتطلب شكلاً من التعليم أكثر تنظيماً وتلبية لاحتياجات التطور الصناعي والتجارة العالمية من معارف ومهارات في الحساب والهندسة والفلك وغيرها. وبتوسيع قاعدة المشاركة في التعليم (المعرفة) زاد وعي ودور الناس وكان ذلك تمهيداً لعصر الثورات الاجتماعية الكبرى في أوروبا.

والآن نشهد ثورة تعليمية جديدة مع الثورة العلمية التي واكبت ما يُعرف بعصر ما بعد الصناعة ، وما بعد الحداثة ، والذي بدأ مع نظرية أنشتين في النسبية وتصورات علم السبيرنطيقا الذي نشأ عام 1948 على يد العالم الأمريكي نور برت ونير، ويعتمد علم السبيرنطيقا على قبول مبدأ الاحتمال ليحل محل مبدأ اليقين العلمي مما أسرع بالثورة العلمية التكنولوجية في خمسينيات القرن الماضي التي سرعان ما تحولت منذ عقد الستينيات منه لما يُعرف بثورة المعلومات والاتصالات التي ولدت في التسعينيات من القرن الماضي أو ما يعرف بالعولمة تلك المقولة التي لا زلنا نشهد تجلياتها الثقافية والاقتصادية والسياسية على شكل زلزال عنيف هز ثوابت سابقة كثيرة ولا تزال توابعه متوالية الحدوث.

 

إستراتيجية التربية العربية والمستقبل

يتضح مما تقدم أننا في الوطن العربي لمتابعة السير نحو المستقبل فنحن في حاجة ماسة للكشف عن أربعة أمور:

الأمر الأول : ـ أن نحدد على ماذا نحن مقبولون عليه؟.

الأمر الثاني : ـ أن نحدد على ماذا نحن قادرون؟.

الأمر الثالث : ـ أن نحدد كيف نوظف التربية والمدرسة لما نحن عليه مقبولون؟.

الأمر الرابع : ـ أن نحدد كيف نوظف التربية والمدرسة لما نحن فعلاً عليه قادرون، دون خيال وأحلام غير واقعية.

إن المعطيات والفرضيات السابقة تتطلب تحويراً وتطويراً لسياسات التربية في الوطن العربي بحيث تستند إلى الفرضيات التالية:

1 ـ التعامل مع الشك والتعقيد الموجود في الواقع.

2 ـ التمركز حول الفعل المرتبط بالعقل نظرياً وعملياً.

3 ـ إطلاق مستويات التفكير العليا للإنسان العربي.

4 ـ تقليل ما في العلاقات من مجهول.

5 ـ تقبل التعدد في الأسباب والنتائج والآثار فكل ما نحققه احتمالي وليس يقيني.

6 ـ ترك المجال واسعاً للرؤى التربوية المتعددة وإطلاق إمكانيات الإبداع.

 

ويترتب على الفرضيات السابقة استخدام متغيرات التنبؤ لتحديد مستقبل ودور التربية في المجتمع على النحو التالي :

أولاً : ـ دراسة الواقع العربي واستخلاص البنية الفكرية وإثارة التصورات

         المستقبلية بشكل ودور المدرسة في المجتمع.

ثانيا ً: ـ اختيار عوامل وقوى التغيير المتنبأ بها.

ثالثاً : ـ تحديد المتغيرات في شكل قائمتان : الأولى، قائمة العوامل

          الاجتماعية العامة والثانية، قائمة العوامل الاجتماعية الخاصة.

رابعاً : ـ رسم خريطة التنبؤ وتحديد البدائل المتاحة.

 

بيــــداغوجية الخطأ

Jeudi, février 5th, 2009

بيــــداغوجية الخطأ


تحديد المفهوم :

يحدد أصحاب معاجم علوم التربية بيداغوجيا الخطأ: باعتبارها تصور ومنهج لعملية التعليم والتعلم يقوم على إعتبار الخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم، فهو استراتيجية للتعليم لأن الوضعيات الديداكتيكية تعد وتنظم في ضوء المسار الذي يقطعه المتعلم لإكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحثه، وما يمكن أن يتخلل هذا البحث من أخطاء.
وهو استراتيجية للتعلم لأنه يعتبر الخطأ أمرا طبيعيا وايجابيا يترجم سعى المتعلم للوصول إلى المعرفة.


كيف يمكن دمج الخطأ في سيرورة التعليم والتعلم قصد الرفع من المردودية؟
عندما نتعمق في دراسة ظاهرة الخطأ، نكتشف مجموعة من الدراسات والبحوث التي اهتمت بهذا المجال، والتي حاولت في أغلبها توضيح أن الأخطاء التي يرتكبها المتعلم ليست ناتجة فحسب عن ما هو بيداغوجي أو ديداكتيكي أو تعاقدي.
بل إن هناك سبب جد هام وهو ما يتصل بتمثلات المتعلم تلك التي قد تكون خاطئة وبالتالي فهي تشكل عوائق أمام اكتساب معرفة عملية جديدة.
مع التأكيد على أن الأخطاء التي نرتكبها في تعلمنا تشكل جزءا من تاريخنا الشخصي مع كل ما يشتمل عليه تاريخنا الخاص من معرفة وتجربة وتخيلات.
وهكذا يمكننا تشبيه أخطائنا الخاصة بتلك الأخطاء التي عرفها تاريخ العلم خلال مراحل تطوره.
 
النظريات التربوية التي اتخذت مشكل التمثلات وعلاقتها باكتساب المعرفة العلمية مجالا للبحث والدراسة.
 
النظرية الجشتالطية
النظرية البنائية
النظرية الدافعية
النظرية السلوكية
العوائق البيستيمولوجية(باشلار)
يعتبر “باشلار” أن التمثلات التي تترسخ في ذهن المتعلم على شكل أفكار مسبقة والتي تم اكتسابها من خلال التجارب المباشرة المرتبطة بالمجال الثقافي والاجتماعي تكون حمولة معرفية على شكل مجموعة من العوائق الايستيمولوجية التي تضمر وتقاوم اكتساب المعرفة العملية الجديدة، وفي هذا الإطار قسم باشلار العوائق الايستولوجية إلى خمسة عوائق أساسية والتي تتسبب في ارتكاب الأخطاء أو إعادة ارتكابها من جديد مرة أخرى هذه العوائق هي:
- العوائق المرتبطة بالمعرفة العامة.
-العائق الجوهري.
-العائق الحسي.
-العائق اللغوي.
-العائق الاحيائي.
تمثل هذه العوائق موضوعا أساسيا بالنسبة للمدرس وغالبا ما تكون هي السبب في ما يرتكبه المتعلم من أخطاء خلال مساره التعليمي التعلمي، كما أن هذه العوائق قد تبقى كامنة رغم انتهاء مراحل الدراسة.
*
كيف يتم رصد الأخطاء ودمجها في الفعل التربوي ؟
أن فعل التقويم أمر ضروري في مستوى التحصيل عند المتعلمين وهو المعيار الأساسي لضبط المستويات الدراسية خاصة ما ارتبط منها بالتحصيل وبناء المفهوم، ويبقى الهدف الأساسي هو أن يعمل المدرس جاهدا على هدم التمثلات الخاطئة وتعويضها بمعرفة مواتية حسب مختلف مراحل النمو العقلي ووتيرة التعلم وذلك من خلال تهيئ وضعيات تربوية ملائمة لتحقيق هذا الهدف تشكل بيداغوجيا الخطأ الأسلوب البيداغوجي الذي يمكن اعتباره قصد تنفيذ هذا الإجراء على أرض الواقع.
من المعروف أن التقويم التشخيصي ضروري في بداية كل حصة دراسية وكل دورة وفي بداية السنة الدراسية قصد الحصول على مجموعة من البيانات التي توضح مدى تحكم المتعلم في مكتسباته السابقة، وكذلك معرفة تصوراته وتمثلاته حول مفهوم ما تعنه الظواهر المطروحة على مجموعة من التلاميذ نأخذ الأمثلة التالية في مادة العلوم الطبيعية.
المثال الأول:
طلب من مجموعة من التلاميذ الذين لم يسبق لهم أن تعرفوا على ظاهرة الزلازل والبراكين تقديم مجموعة من الشروحات حول الظاهرتين فجأت أجوبتهم على الشكل التالي:
-
أن الجن هو الذي يحدث البراكين، وأن الأرض تختنق فتريد أن تتنفس.
المثال الثاني :
طلب من مجموعة من التلاميذ لم يسبق لهم معرفة كيفية تكاثر المتعضيات المجهرية إلى تقديم شروحاتهم حول الوظيفة البيولوجية، وبعد تجميع تصوراتهم تم التوصل إلى ما يلي:
-
إن المكروب الأنثى يبيض وكل بيضة تعطي مكروبا جديدا.
-
إن المكروب الأنثى يلتقي (التزاوج) بالمكروب الذكر فتصبح الأنثى حاملا بعد ذلك تضع جنينا الذي ينمو ويكبر ليصبح مكروبا بالغا.
 
إذا تمعنا في هذه الأجوبة، نستنتج أن الأجوبة ليست وليدة فراغ بل أنها تتأسس على المكتسبات السابقة خاصة تلك المتعلقة بالتوالد. والتي سبق دراستها في مستويات سابقة، والتي تشكل في حد ذاتها عوائق ابستمولوجية. كما أن هناك عوائق إيستمولوجية لها علاقة بالمعرفة العامة.
 
إذن المطلوب من المدرس في هذه الحالة هو الأخذ§ بعين الاعتبار هذه الأخطاء وأن ينطلق منها ساعيا إلى هدمها وتعويضها بالمعرفة العلمية الجديدة، مما يؤدي حتما إلى حدوث قطيعة والتي ليست القطيعة النهائية بل ستليها قطيعات أخرى خلال المسار الدراسي.
*
إذا كان الانطلاق من الخطأ مسألة أساسية لإنجاز التصحيح والتصويب فكيف يتم ذلك ؟
يمكن القول إن هذه العملية تمر عبر المستويات التالية:
- رصد التمثلات الكامنة عند المتعلم المرتبطة بالظاهرة المدروسة.
- اعتبارالخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم.
-إن الخطأ ليس معطى ينبغي إقصاؤه بل يشكل نقطة انطلاق المعرفة العلمية.
-الاعتراف بحق التلميذ في ارتكاب الخطأ لأن هذا الاخير يعتبر شيئا طبيعيا ومقبولا.
وكما جاء على لسان مجموعة من الباحثين نذكر ما يلي :
-
يقول باشلار: “الحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحة“.
-
يقول موران: “الخطأ في عدم تقدير أهمية الخطأ“.
-
يقول طاغور: “إذا أوصيتم بابكم أمام الخطأ فالحقيقة ستبقى خارجه“.

الهدف العائق Objectif obstacle
 
تحديد المصطلح:ý
إن هذا المصطلح وضعه الباحث الفرنسي “Martinand” “مارتينالد”، وهو مفهوم يرتبط بحقل ديداكتيك العلوم الفيزيائية والطبيعية، ولقد وظفه العديد من العلماء. وهو مصطلح مركب يتألف من:
لفظ هدف objectif المأخوذ من بيداغوجيا الأهداف ولفظ عائق obstacle المستمد من إيبستيمولوجيا باشلار.
معنى الهدف العائق :
-
إن التوليف بين هذين اللفظين في إطار هدف عائق يفقدهما الأصليين مما يضفي على المصطلح دلاله جديدة، فهناك من جهة تراكم التأثير الدينامي للعائق بمعناه الابيستيمولوجي.
-
ومن جهة ثانية يفقد لفظ “هدف” مقدار من الشفافية التي يتصف بها وهو مستعمل داخل بيداغوجيا الاهداف.
-
كما أن جدة هذا المصطلح “هدف عائق” تظهر على مستوى آخر:
 
فعوض تحديد الأهداف انطلاقا من تحليل قبلي للمادة الدراسية فقط.
 
وتحديد العوائق الايستيمولوجية والسيكولوجية انطلاقا من نشاط الذات.
 
يتم انتقاء الأهداف بناء على طبيعة العوائق كمرجع أساسي.
البيداغوجي والهدف العائق :
وقد يشير اللفظ إلى استراتيجية التي يتبعها البيداغوجي تلك البيداغوجيا القائمة على أساس إمكانية رفع العوائق التي يكشف عنها لدى التلاميذ.
-
وتفترض هذه الاستراتيجية أن يتم فرز العوائق.
 
على أن البعض منها قابل للتجاوز.
 
بينما لا يمنك تجاوز البعض الآخر.
-
وينبغي من جهة أخرى التمييز بين مفهومي :
 
الهدف العائق ومفهوم الحصر Blocage
وذلك اعتبارا للدلالة السلبية التي ينطوي عليها مفهوم الحصر Blocage.
وهكذا فإذا كان مفهوم الهدف العائق يتمتع بقابلية التجاوز فإن مفهوم الحصر يتسم بالعقم بل ويعكس إحساس الذات بالعجز وذلك لكون كيفية تجاوزه غير معروفة.
خطوات لتمييز الهدف العائق:
هناك خطوات يمكن بفضلها تمييز الهدف العائق عن كل ما يمكن أن يماثله أو يتصف بمواصفات قد تشابهه ولتحديد ذلك نحدد الخطوات التالية:
1-
الكشف عن عوائق التعلم تلك التي تشكل التمثلات Les représentations وذلك دون الانتقاص من قيمتها أو المبالغة في تقديرها.
2-
تحديد بواسطة الطريقة الأكثر دينامية، نوع المسار الذهني التقدمي الذي يطابق إمكانية التجاوز المحتمل لتلك العوائق.
3-
انتقاء العائق أو العوائق من بين العوائق التي تم الكشف عنها ذلك الذي يبدو أنه قابل للتجاوز خلال مقطع دراسي، العائق القابل للتجاوز.
4-
تحديد موقع العائق القابل للتجاوز ضمن الصنافة الملائمة على اعتبار أن المظهر الغالب في الهدف العائق يرتبط دائما بصنافة من الصنافات (هدف عائق يتعلق بالمواقف أو بالمنهج أو بالمعرفة أو بمهارة عملية أو اكتساب اللغة أو بشفرة ما).
5-
ترجمة هذا الهدف العائق في صيغة ألفاظ إجرائية حسب الطريقة التقليدية في صياغة الأهداف.
6-
إيجاد وتهيئ عدة متناسقة تلائم الهدف ووضع إجراءات علاجية في حالة وجود صعوبة ما.
الهدف المغلق Objectif fermé
حسب تعبير Legendre هو الهدف الذي يتحقق بدقة وبكيفية واحدة لدى مجموعة من المتعلمين.
إذن الهدف المغلق يتم من خلاله تحديد كل شيء تحديدا قبليا بناء على مفاهيم الإنتاجية والعقلانية والفعالية، إذ ينبغي أن يكون الموضوع واضحا، دقيقا لا يحتمل أكثر من معنى،
وقد يتعلق الأمر في الأهداف المغلقة:
-
بالإشارة الواضحة إلى ما سيكون التلميذ قادرا على إنجازه كنتيجة للتعلم.
-
ومن الضروري أن تتضمن صياغة الهدف المغلق الإشارة إلى ما يلي:
1)
الذات: فعل يحدد نشاطا ملاحظا ومحتوى أو موضوع النشاط.
2)
شروط التقويم (أداة، الوقت، المطلوب)
3)
معيار الإنجاز المقبول أي الحد الأدنى الذي يعتبر وفقه العمل مقبولا وناجحا.
4)
وضعية التعلم أي محتوى والمرجعية والادوات والطرائق والتمارين.
الهدف الإجرائي:
حسب De landsheere تشمل الصياغة الكاملة للهدف الاجرائي خمسة مؤشرات دقيقة هي :
1)
من الذي سينتج السلوك المطلوب ؟
2)
ما السلوك الملاحظ الذي سيبرهن على تحقيق الهدف ؟
3)
ما نتاج هذا السلوك (الإنجاز) ؟
4)
في إطار أي شروط سيتحقق السلوك ؟
5)
ما المعايير التي ستعتمد لتحديد ما إذا كان النتاج مرض ؟
عائق ابستمولوجي Obstacle épistémologique
مجموع التعطلات والاضطرابات التي تتسبب في ركود وتوقف ونكوص المعرفة العلمية، وهي تعطلات واضطرابات تعود بشكل صميمي إلى فعل المعرفة ذاته لا إلى أسباب خارجية عن هذا الفعل مثل تعقد الظواهر، وسرعة زوالها، أو ضعف الحواس والفكر الانسانيين ولقد استنتج باشلار وجود عوائق الايستمولوجية من هذا المنظور كل ما يحول بشكل غامض غير واضح وغير مباشر دون تقدم العقلانية وتطور المعرفة الموضوعية لأنها أي العوائق نابعة من أغوار اللاشعور الجمعي

homman.freehostia.com/projet/alkhataa.doc.

الإجراءات الـتـطبـيقية للتـمر يـن الـلـغـوي

Jeudi, février 5th, 2009

 http://www.univ-batna.dz/theses/fac-le/meddour/2420E~1.DOC .

الـفـصـل  الـثـانـي

الإجراءات  الـتـطبـيقية   للتـمر يـن   الـلـغـوي

    

المبـحث   الأول     :     مـرحــلـة   الــتـعـليم   الــعـام  ( وصف  المرحلة )

المبحث   الثـاني         أشــهــر  مـنــاهـج    الـتدريس  في  علم  اللغة   التطبيقي                       

المبحث   الثالث     :     تــنــظــيم  الــدرس   اللـغــــــــوي                                                        

المبحث  الرابـع      :    تخــطــيــط   وتـنــظــيم   الــتــداريب   اللـغــويـــة                                       

المبحث  الخامس   :   واقــع  الــتـمر يــن   اللـغــوي  في   كتب  القــواعــد                                       

المبحث  السادس :    الــتـمــاريــن   اللـغــويــة   في   الــطرائــق   الحـــديـثــة                                      

المبحث  السابـع    :    تــعـليم  اللــغــة  بـيـن   البـنـيـويــة  والـتـولـيـديــة   التحويـلـيـة                           

المبحث  الثامـن      :    الــــتـدريـب  عـلى   مـهــارات   اللــغـــــــــة

المبحث  التاسع     :     الـتمر يــن   المـعـجـمـي   ودلالــة   الألـفــاظ 

ـ 65 ـ

مقدمة

         نتنـاول في هـذا الفـصل  :  تحـليل الإجـراءات  التطبـيقـية  للتمـريـن  اللغـوي ، وفـق مستـويات الدراسة اللغـوية : (صوتية ، صرفية ، تركيبية ، معجمية  ودلالية ) . مع إبراز طـريقة إجراء كـل منها لتحـقيق المهارات المستهـدفة.

     ونمهـد  لـذلـك  بوصف المـرحـلة التـي  نحـن  بصدد  دراسـتها  وهــي (مـرحـلة التعــليـم الـعـام) والتعرف على مضامين المادة  اللغوية  وتـداريبها  في كل مستوى من مستويات المرحلة مـع التعـريف بأشهـر طـرائق تعـليم اللغة ، وكـيفية  تنظيم  الدرس  اللغوي .              

     وسنــقـف وقـفة متأنـية عـلى التمارين  البنـيوية ؛ لمعرفة  ما هيـتها ,  واتجـاهاتها  التربوية  وأهــم أنواعها , و تطبيقاتها  الإجـرائية ,  و الانتقـادات الموجـهة  إليها .     

     و نهـدف من خـلال ذلك  كله  إلى  تقديم  فكـرة  واضحة عـن أهـم المقـاييس المـوضوعية  المعتمد في إعـداد التمارين , ومحـتوياتها  اللغـوية , وما يطـلب القـيام به ,  وإعـطاء  صـورة عـن خـصـائص التمارين , و وظـائفها ,  ومواقـعها  في حـصة الـدرس .

     كـما نهـدف إلى تقـديم لمحـة عــن واقــع التـماريـن فـي كـتب القـواعـد , وعـن التماريـن الحـديثة ؛ وذلك  بتحـليل أبعـادها النظـرية  والتطبـيقية , والنظـرية  اللغـوية  المعـتمدة .

                     والملـكات   لا   تحـصل   إلا   بتـكرار   الأفعـال  ،   لأن              

                             الـفـعـل   يــقــع   أولا  ، و تـــعــود   لـلــذات   مـنـه   صــفـة  ،  ثم                

                             تتـكرر   فـتكون    حـالا  ،  ومعنـى  الحــال   أنهـا  صفـة              

                            غـــير   راســخـة  ،  ثـم   يـزيــــد   الـتكرار   فـتــكون              

                            مـلـكة   أي   صـفـة   راسـخـة 

                                                                                                                   ( ابـن خـلـدون )

ـ 66 ـ

              مرحلة التعليم العام ( ما قبل الجامعة )

وصف المرحلة

     إن دراسة المتعلم و مـعرفـة متطـلبات مراحله , أمـر مهـم فـي التعامل مـع التـطورات والتـغيـرات الحاصـلة ,       وتحرص التربية اللغوية الحديثة عـلى ربط المهارات اللغوية  بأطوار النـمو , وإن معرفة مراحل النـمو يساعد عـلى تعـرف ملامح الحياة الجسمية , والعـقـلية , والانفـعالية , واللغـوية للتلاميذ , وهـو الـذي يكـشف عـن القـوى العقـلية الـتي يمـكـن التـعامل مـعـها , حـتى يسـتضيء بـها المدرس فـي اختـيار الموضوعات , وطرائق التدريس , وتصميم التداريب المناسبة .   وتتكون مرحلة التعـليم ما قبل الجامعة (التعليم العام) من ثلاثة مراحل:

1 ـ  المرحلة الابتدائية :   

و هـي تمـتد غالبا مـن (6 ـ 12) سـنة و هـي المرحلة الأولى في التعـليم المـدرسي ,  و لها خصـوصيات مميزة “  فالطفل يكون عادة دون سن التمييز , فضلا عن تعلقه بأمه  , وبحياته الأسرية , و تجربته فقيرة , و مع ذلك فهـو مستعد للتعلم “.(1) ويكون ميالا إلى اللعب , والحركية مدركا الكل قبل الجزء . مرتبط بمحيطه , و واقعه , ينتقـل ذهنه مـن النـوع الخرافي إلى النوع الخيالي , ثـم إلـى التفكير الواقعي . بحـيث يكـون التفـكـير أسـرع و أكـثر مرونة , ويزداد تذكره , ويكثر تساؤله عـما غـمض عـليه , وتزيد ملاحـظة الأشكـال , ” و باستمرار النمـو فإن القـدرات العقلية تنمو , والثروة اللغوية تزداد , و فهمه لدلالات الكلام  يدق , وعضلات يديه تصبح أكـثر اتساقا , ويتجه إلـى السـؤال عما لا يفهـم , ويزداد التحكم في مهارة النطق بالحروف و القراءة فـي وحدات , وعـدم  تقـطيع الكلمات , والجمل , أو مد الحروف دون مبرر” (2) .

وفـي هـذه المرحلة تكـتسب الأساسيات اللغوية :” فتـعليم اللغة يكون بتناول بعض فرو عها ,  مثل :  تعلم الأنماط اللغوية في البداية , ثم ينتقل إلى التدريبات اللغوية ” . (3) 

2 ـ  المرحلة المتوسطة :

      تـضم تلاميذ تتراوح أعمارهم عادة بـين (11-15) سنة , وفي هذه المرحلة يكون التلميذ في درجة النمـو تـتيح لـه استجابة للأحداث التـي تقع بعيدة عـنه فـي الزمان و المـكان , وتهـيئ له حـظا مـن التفـكير المجرد , وقـدرة علـى الاستدلال و الاستنتاج ,  ويتـجاوز بخياله العالم الحاضر إلى العالم الفرضي و الممكن , ومـن ثـم فهـم  الرموز , وتفكير فـي القضايا , ثـم يسرع النـمو وتتلاحق التغيرات , ويضـطرب الـذكـاء مـع بـدء البلوغ , ويظهر التمايز بيـن البنين والبنات ويميل البنون إلـى البطولة و المغامرات , وتستهويهم مظاهر الجرأة والاقتحام والغلبة , علـى حـيـن تميل البنات إلـى النوع العاطفي  من البطولة أو القصص .   ثم يزداد النمو فتتسع  آفاقهم , ويتطلعون إلى المعرفة ,

(1)  ـ د / مـحمـد إسمـاعـيل ظـافـر ويـوسـف الحـمـادي . التـدريـس في اللـغـة العـربـيـة . ص  .  213  .

(2)  ـ  د / مـحمـد إسمـاعـيل ظـافـر ( المـرجـع نفـسه) .  ص . 188

(3) ـ  د / طــه عـلــي الـدليـمي وسعـاد عـبد الكـريم الـوائـلي . اللغـة العـربـية مـناهـجـها وطـرائـق تـدريـسها . ص .74 .

ـ 67 ـ

“ويمتلكون القـدرة على الموازنة والنقـد , والتفـسير ودقـة الانتباه , وإدراك الأغـراض الضمنية , وتمـثيل المعـنى , والإحساس بمواطن الجمال , مع الاعتماد على النفس في تحصيل المعرفة , والكشف في المعاجم” (1) .

” وفي هذه المرحلة يستمر استخدام الطريقة العرضية في تدريس النحو , مع وضع القواعد موضع التطبيق العملي ؛ بالإكثار من التدريبات والتمرينات , والمحاكاة وتقليد الأساليب اللغوية الصحيحة “. (2)

3 ـ المرحلة الثانوية :

   تضم المرحلة الثانوية تلاميذ تتراوح أعمارهم عادة بين ( 14 ـ 19 ) سنة , وتتميز هـذه الفترة بخصائص في غاية الأهمية , حيث التغيرات سـريعة متـلاحقة ؛ ” فالمتعلمون يخضعون لضغوط  مختـلفة كالقـلق والاضطراب وعــدم الاطمئنان , وفقـد الثبات , والانفعال بسبب التغيرات الفسيولوجية والنفسية , فالمتعلم هـو إنسان بين الطفولة و الشباب  فهو يحاول أن يكيف نفـسه لمجتمع الكبار , و في محاولته هـذه تصادفه كثير من المشكلات ” (3) التي تؤثر في سلوكه ويظهر شيء من عـدم التوازن بيـن النمو الجسمي و العقلي , فيزيد أحدهما على الأخر, و يصبح الناشئ و كأنه رجـل في جسمه , طفل في عـقله , و ينزع المراهق نحو التمرد والتحرر مـن السلطة , و يشتد شعوره بذاته , و يتطلع  إلـى مـن يقـدر هـذا الشـعور, ويرى أنـه أصبح عضوا فـي المجـتمع و أنه مـن حقـه أن يفهـم قـضاياه , وكثـيرا ما تتجـاذبه التيارات المتناقضة , فيتطلع إلى من يسانده ويهديه , أو مثل أعلى فيسير في أثره, وتتعدد نواحي القوى العقلية : ” من قـدرة عالية على التذكر, و التخيل , والاستنتاج , والاستدلال , والتجريد , وإدراك القضايا , والاتجاهات , والفـنون , والأحاسيس , والنـقـد , وفهـم الدلالات , ومواجهة المواقف , واستـخـدام المكتبة , والانـفـتاح عـلى الـمراجـع , وجمع        المادة”. (4) , وتدريس النحو لهذه المرحلة يعتمد على الجانب الوظيفي  مع الإكثار من التعليل والاستنباط , “والاهتمام بالإعراب مـع عـدم الإغـراق فـي التـفـاصيل , ومـع التـدريـب على الأمثـلة , وصـياغة الجـمل , وباسـتخدام الطـريقة الغرضية القاصدة “(5).

التعليم الابتدائي حجر الأساس في العملية التعليمية

ينبغي أن ندرك أهمية المرحلة الابتدائية فـي بناء الكيان التربوي السـليم ؛ لأن هـذه الـمرحلة هـي حجــر الأساس فـي عملية التعلم , وأن المعلم هو الذي يشكل حجر الأساس , وإن الدول المتحضرة تضع خيرة المعلمين فـي هـذه المرحلة وتختار لهـا أكـفأ المدرسين , بعـد إعـدادهم الإعـداد التـربوي اللازم , يقـول الدكـتور رمـضان عـبـد التواب : ” ولـقـد رأيت فـي ألمانيا معظم مدرسي هـذه المرحلة , ممن حصلوا على شهادة الدكتوراه في التربية وعـلم النـفس , والـدولـة تكرمهم , وتمنحهم أعلى الرواتب ليعيشوا في حالة استقرار ورضى , وهـي حالة لابـد منـها لكل مـن يراعي الأمانة , ويؤدي واجبه في تشكيل هذه العجينة اللينة … نعم فهذه المرحلة هي أهـم المراحل ؛ وهـي التي يحـبـو الطفل فيها على

(1)  ـ د / مـحمـد إسمـاعـيل ظـافـر  و  يـوسـف  الحـمـادي  ( مـرجع سـابق ) . ص . 78

(2) ـ  د / زكـريا إسمـاعـيل   . طـرق تـدريـس اللغـة العـربـية . ص . 227 

(3)  ـ د / محـمـد صـلاح الـدين مـجاور ـ تـدريـس اللغـة العـربـية في المـرحـلة الثانويـة ـ  ص  . 24

(4) ـ  د / مـحمـد إسمـاعيل ظـافـر و  يـوسـف  الحـمـادي ( مرجع سابق)  ـ ص . 84 .

(5)  ـ  د/  زكـريـا إسمـاعـيل  (مـرجع سـابق)  . ص  .227 .

ـ 68 ـ

مدارج القراءة ويعشق فيها الكتاب أو يكرهه, ويقبل على القراءة أو يمقتها إلى الأبد ” (1)

تدريس اللغة وطبيعة التدريبات خلا ل مستويا ت المرحلة

لقد وضعت المقررات التعليمية بإشراف الهيئات العلمية والمجامع اللغوية , روعي في وضع مقررات تعليم اللغة المقاييس المناسبة في إطار مفهوم التيسير والتجديد كالبدء بالطريقة العرضية . والعرض المبسط , والتسلسل , والتدرج , ومناسبة المادة للقدرات و مقاييس النمو في كل مستوى وإحداث التوازن بين الأطوار المناسبة لا يركز الثقل على مرحلة معينة , وبالتوازي مع المحتويات اللغوية لكل طور كما يوضح الجدول التالي :

    

المقررات اللغوية وطبيعة المحتوى طبيعة التمارين

(1) ـ د / رمـضان عـبد الـتواب ـ دراسـات وتعـليـقات في اللـغـة ـ ص .  22

ـ 69 ـ

أ ـ أشهر مناهج التدريس في علم اللغة التطبيقي

  اتجهت التربية الحديثة إلـى العناية بطرائق التدريس , و استحدثت طـرقا و مناهج تـواكب ما استحدث مـن مكتشفات تكنولوجية , مـما ساهم فـي تخطي الطرائق التقليدية , ومـن ثـم ظهـرت طرائق تعـليم اللغات , بدءا باستغلال الوسائل السمعية البصرية , وانتهاء باستغلال آلـة الحـاسوب الإلكـتروني , وفـي ما يلي نستعرض بإيجاز أشهـر طـرائق تعليم اللغات .

1- الطريقة التقليدية (النحو والترجمة) :

وهي تعتمد على الحفظ و التلقين , و الترجمة هي وسيلة المدرسين في تقريب لغة أجنبية لأذهان المتعلمين” ,و تندرج ضمن الطرق التقليدية مجموعة مـن الطرق مثـل : ” الطريقة القياسـية , التـي تبدأ بحفـظ القاعـدة ثـم إتباعـها بالأمثـلة   و الشواهد “ (1)  و مثـل : ” الطريقة الاستقرائية التـي تعـني استـنباط القاعدة مـن الأمثـلة ” (2) وهناك طريقة ثالثة هـي الطريقة الوظيفية : ” التـي تنـطـلق مـن التركيب اللغـوي إلـى استخـلاص القاعدة عـلـى نـحـو غـيـر مـقـصـود ” (3) .

2 ـ الطريقة المباشرة :

    ابتكر هذه الطريقة الباحثان :الألماني (berlitz) و الفرنسي ( gouin ) وأساس هـذه الطريقة أن التعليم السليم لا يكتمل إلا بالاتصال مباشرة مع اللغة الهدف , وهـي مشخصة فـي مواقف مادية محسوسة , ومن مبادئها أن يمنع أثناء تـعـلـيـم الفـصحى ـ مثـلا ـ استعمال الدارجة , و لذلـك كانت الفـصول تـعـد خصـيصا للغة المراد تدريسها , مـع توفير الوسائل , أما بالنسبة لقواعد النحـو فـقـد عمدت  هـذه الطريقة إلى تعويض حفظها عـن ظهـر قلب , بالاتصال مباشرة باللغة , و التدرب على استعمالها بالنطق و الممارسة و تنشيط عملية التواصل .(4)

3 ـ الطريقة السمعية النطقية :

       أسست هـذه الطريقة لتضطلع بمهمة تنظيم دروس مكثفة للجـنـود الأمريكيين , والهـدف منها تكوين لغوي محكم   وسريع في نطق اللغات الأجنبية , و أشرف على تنفيذ هـذا البرنامج المكثف بعض مشاهير اللسانيين الأمريكيين نذكر منهم ( بلومفليد ) الـذي شارك فـي المشروع بمؤلفه (مشروع دليل في الدراسة التطبيقية للغات الأجنبية  outline ) وترتكز هـذه الطريقة عـلـى المبادئ التالية : 

           ا  ـ اللغة هـي التكلم أو التعود على النطق .

          ب ـ   السمع قـبـل الكلام , والكلام قـبـل القراءة , والقراءة قـبـل الكتابة

          ج ـ   اللغة هـي ما يتكلم بـه الناطق الأصلي

           د  ـ كـل لـغـة هـي نظام يختلف عن غيره

          هـ  ـ اللغة هـي عادات يكتسبها المتعلم عـن طريق الممارسة و التمـرين المستمر

(1)  ـ د / عـلي أحـمد مـدكـور  ـ تـدريـس فـنـون اللـغـة العـربـية ـ   ص . 294  .

(2) ـ د / زكـريا إسـماعـيل ( مـرجـع سابـق ) .  ص . 230  .

(3) ـ د / يـوسـف الصـميـلي ـ اللـغـة العـربـية وطـرق تـدريـسها ( نظـريـة وتـطبـيقا ) . ص . 126  .

(4) ـ أنـظـر : د / المصطفى بن عـبـد الله بـوشـوك ـ تعـلـيم وتعـلم اللـغـة العـربيـة وثقـافتـها ـ ص  . 47

ـ 70 ـ

إن الطريقة السمعية النطقية هي وليدة المدرسة السلوكية التي ترى أن اللغة سلسلة من الاستجابات للحوافز. (1)

4 ـ طريقة التعليم بالوسائل السمعية البصرية :

       تعمل هذه الطريقة على الاستفادة من الوسائل التكنولوجية مثل ؛ أجهزة التسجيل ,و مخابر اللغـات , و التعـليم المتلفـز ,  وعرض الصور الثابتة , و غيرها , و تستثمر الآلات لتصحيح النطق , وإنجاز التمارين و تصحـيحها في الحين , و التمرن على التواصل تحت إشراف مختص ,  ويعـمل على حل عدد من الصعوبات , بالتركيز على مهارة التميز السمعي , و نطق مخارج الحروف , قصد تدريب المتعـلم على تميز القيم الخلافية , وكذا الاهتمام بالتمارين البنيوية , مع محاولة إخضاع  البنيات اللغوية للشروط  المقامية اعتمادا على الصورة و الصوت (2) .

   و بهذا الصدد يقول الدكتور تمام حسان : “وليس أدعى للإحاطة بالقاعدة من أن تراها ماثلة أمامك في صورة جداول , تتضح به العلاقات بين الأنماط فلا يثبت من المعلومات إلا ما كان منظوما في علاقات”. (3)  ويرى أيضا بان الأشرطة المرئية المسموعة , هي من أنسب الوسائل لواقع تدريس اللغة , ذلك لأن هذه الأشرطة التي تحتـوي على حوار بالفصحى , من شأنها أن تخرج اللغة العربية من المكتبات و الأقسام إلى الحياة الفسيحة النابضة .

5 ـ المنهجية البنيوية الكلية و السمعية البصرية (SGAV ):

      نشأت هذه المنهجية انطلاقا من بحوث لسانية ولغوية تطبيقية , تعتمد على الفرضية اللسانية القائلة : بأن الإنسان لا يدرك البنيات اللغوية مجزأة , وإنما تدرك بصفة كلية , وتقوم هذه المنهجية على تحديد الوحدات اللغـوية الأكثر تداولا وتكرارا في الاستعمالات الوظيفية ,  لتمكين المتعلم من لغة التداول اليومي .

المبادئ العامة لمنهجية (SGAV) :

    أ ـ  تدريب الجهاز السمعي لدى المتعلمين على إدراك القيم الخلافية للأصوات . 

   ب - التركيز على الأدائية التواصلية , بتحفيز النشاط الكلامي و اللغة الوظيفية , التي تشخص مواقف الحياة , مع                تدريب  المتعلم على استعمال رصيده اللغوي استعمالا مقاميا مناسبا .

   ج -  تمييز الشخصيات وإدراك أصواتها , و التكرار المصحوب بالصور .

   د  -  قياس عملية التذكر للنص اللغوي المصاحب , دون الاستماع للتسجيل الصوتي .

   هـ - يتم الاستثمار بتشخيص المواقف الحوارية , مع إنجاز تمارين وتدريبات نطقية .

  و - تعطى الأسبقية للتعبير الشفوي أما الكتابة فتنجز في التمارين الكتابية مع تصحيحها .(4)

(1) ـ أنـظـر : د / المصطـفى بن عبـد الله بـوشـوك ( مرجع سابق ) .  ص . 49 .

(2) ـ أنـظـر : د / الـمـصـطـفى   بـوشـوك  ( الـمـرجـع نـفسـه )  ص  .  54 .

(3) ـ قـال هـذا فـي مـحـاضـرة ألـقـاهـا فـي المـدرسـة العـليـا للأسـاتـذة بـالـربـاط   سـنة    1977 .

(4) ـ  أنـظـر : د /  الـمصطـفى   بـوشـوك   (المـرجـع  نـفـسـه )  . ص   .56  .  57  .

ـ 71 ـ

ب ــ   تنـظـيـــــم الـدرس اللغـــوي 

        إن تنظيم نمو التعليم يقتضي التخطيط للدرس اللغوي ,  و ذلك  برسم المنطلقات التالية :

1 ـ  دراسة و تحديد حاجيات التلاميذ و تجاربهم السابقة .      ـ  2 ـ  تحديد التغيرات التي يمكن أن نحدثها لديهم .

3 ـ صياغة الأهداف , و تحديد المفاهيم الأساسية .       ـ 4 ـ أن يكيف الدرس مع ظروف الموقف التعليمي .

5 ـ تحديد استراتيجيات(1)   و تقنيات(2) التدريس , مع مراعاة بناء الدرس اللغوي بناء متدرجا تصاعديا من حيث المضامين والتمارين و المواقف (3) .

(1) ـ أهــم خـطــوات الـدرس :                                

اتجهت المناهج الحديثة إلى عرض قواعد النحو عرضا وظيفيا , من خلال التركيب , وتهدف إلى تثبيت قاعدة نحوية بواسطة التمارين , وتنتهي بواسطة الاستثمار , الذي يتمثل في استعمال التركيب في مواقف طبيعية . وهناك أربع مراحل هي :

أ  ـ  مرحـلة المراقبة    : يتم فيها مراجعة مختصرة لما سبق دراسته في الدرس الماضي .

     ب ـ مرحـلة الـعـرض   :  يتم فيها تدريس التركيب الجديد في موقف تواصلي دال

ج ـ مرحـلة التـرسيخ   :   يتم فيها ترسيخ التركيب الجديد , بواسطة تمارين بنيوية مكثفة ومتنوعة .

     د ـ مرحـلة الاستثمـار :   يتم فيها استخدام التركيب في مـواقـف  طبيعية .

(2) ـ بناء نماذج النشاط التعليمي : نموذج (هيلمان / شولتز )  ( helmann /  shultz )  

      قدم هذان الباحثان نموذجا للتحليل الديداكتيكي , ينطلق من المنظور الذي يتصور بأن النشاط التعليمي يتكون من مرحلتين :  مرحلة تحليل البنية , و مرحلة تحليل العوامل الضمنية. و فيما يخص تحليل البنية فإنها تتضمن ما يلي :

أ ـ النمط الذي يعتمده كل مدرس لإنجاز درسه .

ب ـ تنظيم المضامين مثل : المعالجة التحليلية , أو الكلية , أو اعتماد طريقة المشروع , أو حل المشكلات .

ج ـ أشكال العمل الديداكتيكي : كالسؤال , والعرض الخطابي , والحوار , وإجراء التجارب  , وإنجاز التمارين .

   و فيما يخص مرحلة تحليل العوامل الضمنية : ففيها يتم انتقاء المعايير, و إصدار انطباعات و أحكام حول الأحداث وتحليل الأشكال التعليمية . ويمكن تطبيق هذا النموذج  في الدرس اللغوي من حيث التنظيم , و الإعداد , والأهداف اللغوية مثل : استبطان النسق اللغوي بضوابطه الصوتية , و التركيبية , والدلالية . أو تحقيق مهارات لغوية إنتاجية مثل : مهارة الفهم , و التكلم  , والتذكر. (4)

(1)  ـ   الاسـتـراتـيجـية : هـي خـطـة لـزيـادة فـاعـليـة الـطـريقـة كـاستـخـدام القـصـة و الأسـئلـة عـليـها لـترسـيخ القـاعـدة .

(2)  ـ التـقنـيات : و هـي الخـط الـذي يـسلـكه المـدرس فـي الإنـتقـال مـن الأمـثلـة إلـى القـاعـدة أو مـن القـاعـدة إلـى الأمـثـلـة .

(3)  ـ أنـظـر : طـه عـلـي حـسيـن الـدلـيمي و سـعـاد عـبد الـكـريـم  : اللـغـة العـربيـة منـاهـجـها و طـرائـق تـدريـسهـا . ص .41  .

(4)  ـ  أنـظـر  :  د /  بـوشـوك   ( مـرجـع  سـابـق ) .  ص  .  67   ,  68    .

ـ 72 ـ

(3) ـ خـصائـص التمـرين اللغـوي :

        للتمارين اللغوية خصائص مختلفة أهمها ما يلي :

أــ التمرين اللغوي نشاط : النشاطات اللغوية كثيرة وواسعة , فقد تكون مرئية ,أو مسموعة , أو منطوقة , أو مكتوبة . بحسب طبيعة المتعلمين , واحتياجاتهم , وكذلك بحسب طبيعة المادة اللغوية المدرسية . و من خصائص هذا النشاط أيضا : أنه يبعث الحركة و الديناميكية داخل القسم , وعندها يكون التعليم إيجابيا , فلا يوضع المتعلم موضع المتلقي السلبي , بل يجعله أو يدفعه كي يكون إيجابيا نشطا أي :   متقبلا و منتجا في آن واحد .

ب ــ التمرين اللغوي نشاط منظم : لعل الخاصية النظامية هي أهم الخصائص التي أغفلتها التربية  القديمة . فالتدريبات اللغوية قد تكون عشوائية في شكلها ,  و في محتواها  وكذلك في إعدادها , وفي إجرائها  . وبالتالي تكون

نتائجها هزيلة , وغير ناجعة , ونعني بالخاصية التنظيمية إعداد التمارين اللغوية , وإجرائها بناء على مجموعة من المقاييس العلمية المتمثلة في : الانتقاء , و التخطيط , و الترتيب , و التدرج . وهي عمليات ضرورية لرفع نسبة النجاعة في التدريبات اللغوية بصورة عامة .

ج ــ التمرين اللغوي نشاط هادف : ليس التمرين اللغوي هدفا في ذاته , بل هو وسيلة تختار و تجرى بكيفية منظمة مضبوطة , ضمن هدف تربوي محدد , كأن يكون : تذليل صعوبة , أو اكتساب عنصر لغوي جديد , أو تصحيح خطأ , أو تقييم ملكة . و عليه فينبغي أن يكون هناك تطابق بين الأهداف المقصودة , و التدريبات المطروحة(1) .

 

(1)  ـ يـنظـر :  مـحمـد  صـاري تـقـويـم مـناهـج الـلغـة الـعـربـية . وزارة الـتربـية الـوطنـية   . 1998 . ص .97

ـ 73 ـ

(4) ـ وظـائـف التمارين اللغـوية :

     للتداريب اللغوية وظائف متعددة , تستدعي من المربين النظر إليها باهتمام شديد , وهذا لأنها وسيلة تدريب وتقويم في آن واحد . ويمكن حصر وظيفة التمرين اللغوي في أربع وظائف :

أ ـ التطبيق العملي للدراسة اللغـوية :

لعل الحاجة التربوية إلى رفع نسبة الحركة , والنشاط  لدى  المتعلمين  داخل  القسم , هي السبب في  نشأة  التدريبات اللغوية . وفعلا فإن إدراج التدريبات اللغوية في الدرس , يساهم في تنشيط عدد كبير من المتعلمين , كما يساعـد على تمديد فترة الممارسة والتعلم  .  

ب ـ التمـريـن وسيلـة  تـقـويمـية :

من وظائف التمرينات اللغوية  : المراقبة , والاختبار , فهي وسيلة من وسائل الكشف عن المعلومات الفردية ,  قبل الدخول في الدرس الجديد , ويطلق على هذا النوع من المراقبة : التقويم التشخيصي , كما تستعمل لاختبار المعلومات بعد إنهاء الدرس , ويطلق على هذا النوع من الاختبار: التقويم الإجمالي  .

ج ـ التمـريـن وسـيلة للعـرض والتـرسيخ :

قـد يستعمل التمرين لتقديم العناصر اللغوية الجديدة , وعرضها على المتعلم . أما مهمة الترسيخ والتثبيت فهي وظيفته الأساسية .

د ـ التمرين وسيلة للتصحيح والتصويب  :

من الوظائف الأساسية للتمارين اللغوية : التصحيح ,  فهي وسيلة فعالة وأسلوب تربوي جيد للقضاء على الأخطاء الشائعة , التي تتواتر بكثرة لدى جمهور المتعلمين .(1)

وقد قام أحد الباحثين وهو : الأستاذ محمد صاري بإجراء استبيان خاص حول وظائف التدريبات اللغوية , باستجواب مجموعة من المدرسين الباحثين , حيث أقروا الوظائف التي يبينها الجدول التالي :

السؤال

عدد المستجوبين

التمارين اللغوية في نظرك

الشكل (11)  :  استبيان  حول وظائف التدريبات  اللغوية  .

وبناء على هذا الجدول,  فقـد استنتج هذا الباحث أن التمارين اللغوية عنصر ضروري , ليس عقب الدرس فحسب , بل في كل مرحلة من مراحله ؛ فهي نشاط يتقدم الدرس الجديد ويلازمه  حتى النهاية .

(1)  ـ  أنـظـر  :  مـحمـد  صـاري   .  تقـويـم  منـاهـج  اللـغـة  العـربـيـة  .  وزارة التـربيـة  الوطـنـية  . 1998  ص . 99  .

ـ 74 ـ

موقع التمرين اللغوي من مراحل الدرس :

إن الدرس اللغوي كله تمرس , ورياضة متواصلة , فجميع مراحل الدرس تتطلب تدريبات لغوية كما يوضحها الرسم البياني التالي :

مراحل الدرس في تعليم اللغة

الترسيخ

التمهيد

الإستثمار

العرض

تـمـاريـن لـغـويـة

الشكل (12) : موقع التمرين اللغوي من مراحل الدرس (1)

(5) ـ تخطيط وتنظيم التداريب اللغـوية :

إن التدريبات اللغوية  وإجراءها وبرمجتها ليست عملية سهلة , فهي عمل منظم , يجب أن يخضع لمنهجية وتخطيط , ورسم الأهداف وتحديد شكلها ومحتواها وأبعادها وفئاتها وأوقاتها , كما يوضحها الشكل التالي :

       إختبار           

                      تصحيح إستثمار  ترسيخ        نتائج التمارين

المنهجية                                                                          الصف  

                                      

البحث                                                                                            المخبر

المقامية                                                                                                    

 

  التواصل                                                                            البيت

  صـوتـي                                                                      سمعية

                                                                           

بصرية                                                    

نـحـوي                                                                 

                                                                                   سمعية    

  معجمي                                                                     بصرية 

          آلي     تحليلي     تواصلي     فردي   جماعي  كتابي  شفوي     

              

               الهدف من      الـتـقـيـيـم                                                   

الكفاءة        التمارين

المستهدفة                                 التنفيذ   

الـمـحـتـوى                             المعينات    

الـلـغـوي        

                  شكل        أداء

                 التمرين    التمرين 

    

المتعلم

الشـكـل (13) : تـنـظـيـم الـتـداريـب الـلـغـويـة

(1) ـ أنـظـر : مـحـمـد  صـاري .  تقويم  مناهج  اللغة العربية  (  مرجع  سابق )  . ص . 100

ـ 75 ـ

إن هذه التدريبات من حيث :  عددها  وأنواعها  وأساليب إجرائها ومدتها  ومحتواها , تختلف من مرحلة إلى أخرى .

وإن المناهج التعليمية في البلاد المتقدمة تعتمد بشكل كبير على التمارين والأنشطة التطبيقية , ولا تخصص لعرض المادة شيئا من حصة الدرس ؛ يقول الدكتور زكريا إسماعيل : ” أما الطفل في البلاد المتقدمة مثل بريطانيا فإنه يعتمد على النشاط والتدريب طيلة دراسته في المرحلة الابتدائية , فلا يدرس القواعد مطلقا , بل يقرأ كثيرا  ويتدرب على الكتابة  والتعبير بشكل كبير.”(1)  

عناصر تخـطيط  وتنظيم التداريب اللغوية   : إن تنظيم التداريب اللغوية يقوم على العناصر التالية : 

أ ـ المحتوى اللغوي(2) : تتعدد المواضيع التي تتناولها التمارين وذلك مثل :

ـ  تمارين في الصرف , أو الإملاء , أو المحادثة .  

ـ  تمارين تتناول البنى اللغوية .

ـ  تمارين تتناول تحويلات في الجمل .

ـ تمارين مختصة بالتعبير الشفهي  .

ـ  تمارين مختصة في التعبير الكتابي .

ب ـ ما يطلب القيام به من خلال التمارين (3)

ـ تمييز بعض الكلمات , أو وضعها في مكان مناسب .

ـ ذكر بعض الخصائص اللغوية (الإعرابية) .

ـ تبيين بعض الأسباب الموجبة لبعض القضايا الصرفية .

ـ تطبيق قاعدة معينة , أو تغيير الزمن في النص ( مثلا ).

ـ تحليل أو إعراب جملة معينة , أو إجراء تحويل أو استبدال  .

ـ تصنيف الجمل وتعداد أنواعها , أو دراسة توزيع الفئات .

ـ تركيب جمل انطلاقا من كلمة , أومن بنية تركيبية .

ـ توسيع ركن كلامي معين .

ج ـ أداء التمارين :

ـ  ينجزه تلميذ واحد .

ـ  تقوم به مجموعة من التلاميذ .

ـ  ينجزه التلاميذ إما في الصف , وإما في المنزل .

(1)  ـ  د /  زكـريـا  إسـمـاعـيل  : طـرق  تـدريـس  اللـغـة  العـربـية   . ص  .   226  .

(2)  ـ  د /  ميـشـال  زكـريـا : مـباحث  في  النظـريـة  الألسـنيـة   وتعـليـم  اللـغـة  .  ص  . 78  .

(3)  ـ   المـرجـع  نفـسـه  .  ص  78 .  

ـ 76 ـ

د ـ مصدر التمارين :

يمكن تنويع المصادر التي تمدنا بالتمارين اللغوية ونذكر منها :

ـ تمارين موجودة في كتاب التلميذ .

ـ تمارين موجودة في كتاب المعلم .

ـ تمارين من إعداد المعلم نفسه .

ـ تمارين من إعداد مجموعة أساتذة .

وينبغي أن تخضع هذه التمارين لمعايير علمية وبيداغوجية(1).

هـ ـ المقاييس المعتمدة في إعداد التمارين :

    لكي يكون التمرين ناجعا ومحققا للأهداف البيداغوجية , يجب أن يخضع للمقاييس التالية :

1 ـ اختيار البنية التي نريد تثبيتها ,ويتم ذلك بالانطلاق من نص أو حوار, ثم استخراج العنصر اللغوي المراد تدريسه

2 ـ القيام بجرد الصعوبات , ثم التدرج في إدخالها  بصورة متتالية , (يتناول التمرين البنيوي صعوبة واحدة .)

3 ـ الانطلاق من نموذج أساسي وتلقينه للطالب , عن طريق المنبه والاستجابة .

4 ـ يجب أن يكون التمرين واضحا في محتواه وشكله , وأن يكون تركيبه اللغوي مألوفا لدى المتعلم ,واستجابة المتعلم في هذه الحالة تكون إيجابية , وتحقق الغرض  .

5 ـ ” الاهتمام أكثر بترتيب عناصر التمرين اللغوي , إذ يقدم المعلم العناصر اللغوية الجديدة “.(2)

6 ـ التدرج في التمـارين المقـترحـة , بالانـطلاق مـن السهـل إلى المعقد , بدءا بتمرين التكرار, فالاستبدال البسيط , ثم المتعدد , والتحويل البنيوي ..  

ومن هـذا يتضح أن إعـداد تمرين القـواعـد لا يتم  بالسهـولة التي تبدو لنا ,  ” بل يخـضع في الواقـع لمنهجية ومقاييس خاصة به تتدخل في شكله ومحتواه وأبعاده النظرية وأهدافه اللغوية”(3) . والشكل التالي يوضح مبدأ التدرج .

تحـليـلي

                                                                

الشكل (14) التدرج في التمارين (4)

(1) ـ أحـمـد  حسـاني  .  دراسـات في اللسـانيـات التـطبـيقـية (حـقـل  تعـليـمـية اللـغـات ) .   ص  .  151  .

(2) ـ د / صـالـح  بلـعيـد  . دروس  في اللسـانيـات التـطبيـقيـة   .ص  .  35 .

(3)  ـ د / مـيشـال  زكـريـا  . ( مـرجـع  سـابـق)  .  ص  .  79  .

(4) ـ  محـمـد  صـاري  . تقـويـم  منـاهـج  اللـغـة  العـربيـة  (مـرجـع  سـابـق) .  ص  .  105 .

ـ 77 ـ

(6) ـ واقع التمارين اللغوية في كتب القواعد

        إن الدارس لكتب القواعد المدرسية  , وشبه المدرسية (الكتب الموازية ) , وكتب النحو العامة , يلاحظ عناوينها :  المختار , الجديد  , الأعمال التطبيقية  , النحو الوظيفي …  . ثم يلاحظ أنها تحتوي على مجموعات مفيدة من التمارين والتطبيقات النحوية , والصرفية المتنوعة الأسئلة مثل : التحويل , التصريف , الاستخراج , صياغة جمل , الإكمال , الإعراب , والشكل…الخ , ولتقديم الملاحظات لابد من تصنيف هذه الكتب إلى ثلاثة مجموعات  :

أ ـ الكتب المدرسية :   

إن العينات التي وقع عليها الاختيار , تمثل مرحلتين من مراحل إصلاح المناهج في المنظومة التربوية , في إطار المدرسة الأساسية (1) . وهي : كتاب المختار في قواعد اللغة   للسنة الأولى ثانوي  (1985) ,

وكتاب : المختار في قواعد اللغة للسنة الثانية ثانوي (2003) , لكن دون تغيير أو اختلاف بينهما , أما طريقة معالجتها للتمارين فهي لم تخرج عن الطابع التقليدي العام .

ب ـ الكتب شبه المدرسية (الموازية) :

قد اخترنا كتابين هما :  الجديد في النحو و البلاغة للأستاذ : عبد الرزاق عبد المطلب (1985) , وكتاب : الأعمال التطبيقية في القواعد والبلاغة  لصبري موسى العجاوي (1997) .

وهذا الصنف من الكتب يتناول تمارين مختلفة حول مقرر نشاط الأعمال التطبيقية , للأقسام النهائية , وهو لا يختلف في طريقة تناول التمارين عن طريقة الكتاب المدرسي , إلا في بعض التمارين المحلولة , أو تنظيم الإجابة في جداول

ج ـ كتب عامة (النحو الوظيفي لعبد العليم ابراهيم ) 

من أهم الأسس التي يقوم عليها هذا الكتاب : العناية المزيدة بالتدريبات النحوية , أما هدفه الأصلي : فإنما هو التدريبات  موفورة الكم , منوعة الإتجاه , وقد عرضت في ثلاث صور متدرجة : أمثلة مشروحة  , أسئلة مقترنة بإجاباتها  , أسئلة على النمط السابق .

ويعتبر هذا الكتاب مرجعا في صناعة التمارين  , وثروة هائلة في جمع الأمثلة , بحيث حرص المؤلف على أن تدور هذه التدريبات في أمثلة وشواهد من الأدب الرفيع , وقد احتوى الكتاب نحو : (380) نصا من القرآن , و(50) حديثا و (120) مثالا من كلام البلغاء , ونحو (1000) بيت من الشعر , و(2450) مثالا من العبارات . 

وإن المؤلف لشديد الإيمان بأهمية التمارين إذ يقول : “  وهذه الكثرة الكاثرة من التدريبات هي أهم الوسائل التي نؤمن بجدواها في تحقيق الغاية …  ولولا خشية تضخم الكتاب , ما رأينا مانعا من مضاعفة هذه التدريبات “(2) .

وهذه التمارين تتوفر على كثير من المقاييس الوظيفية , ومعايير النجاعة , إلا أنها لم تسلم من النقائص , مما اقتضى تصنيف معظمها ضمن التمارين التقليدية .

(1)  ـ   أما  كتب المنـاهـج  الجـديـدة  ,  فـقـد أفردنـا لـها مـبـحـثا خـاصـا فـانـظـره فـي الفـصـل الثـالـث  مـن هذا البحث .

(2) ـ  عـبـد العـلـيم ابـراهـيـم  .  مقـدمـة  كـتـابه  :   النـحو الوظـيـفـي  . 

ـ 78 ـ

6 ـ 1  ـ أنواع التمارين في كتب القواعد :

إن من يعود إلى حصيلة التمارين التي تقدم لتدريب المتعلمين , يلاحظ أن هناك فئتين من التمارين :

ــ التمارين النموذجية (Réemploi )(1):  وتهدف إلى تدريب المتعلم على توظيف العناصر اللغوية الجديدة الواردة في مرحلة العرض : الأمثلة , أو النص النموذجي .

ــ التمارين التطبيقية (Exploitation) :  وهي تستعمل للترسيخ والاستثمار .

       ـ إن هاتين الفئتين تتضمنان أنواعا عديدة من التمارين نذكر أهمها وأكثرها شيوعا هي :  الاستخراج , التعيين , التبيين , توضيح الأوزان , الإعراب , التحويل , التصريف , التكميل , ملء الفراغ , الترتيب , تكوين الجمل , إنشاء فقرة , شكل النص … إلخ 

    إن معرفة مدى نجاح المربين في اختيار نوع التمرين المناسب للمهارة المستهدفة , يقتضي قبل كل شيء المعاينة الميدانية لعينة من الأنواع السابقة الذكر , والتي تتواتر بكثرة لدى معلمي اللغة العربية ,” فشكل هذه التدريبات , ومحتواها اللغوي , وطريقة إجرائها , تحمل في ذاتها أهداف هذه التمارين التقليدية ونتائجها

التربوية” (2). ومن هذه الأنواع نخص بالتحليل التدريبات الآتية :

(أ) ـ تمارين التعيين والتبيين والاستخراج :

     في هذه الأنواع من التدريبات يطلب المعلم من التلميذ أن يعيّن , أو يبيّن , أو يستخرج العنصر اللغوي النحوي

أو الصرفي بطريقة غالبا ما تكون كتابية مثال : “عين الأسماء و الأفعال التي تعرب بالحركات الظاهرة ؟ فيما يلي : يا وطني أنت  الأماني العذبة , التي تحيي العزائم  , والصدى الذي يوقد المشاعر , والأم التي تحنو على أبنائها , وتخلق فيهم دواعي المحبة والتعاون .  إن هذا النوع من التمارين ينتمي إلى الشكل التحليلي , هدفه تطبيق القاعدة النحوية النظرية التي لقنها المعلم في مرحلتي التقديم والشرح . كما يهدف هذا النوع من التمارين إلى اختبار مدى استيعاب التلميذ للقاعدة النحوية النظرية . فهدف التمارين تحريك الذهن وليس اللسان , ولذا فكثيرا ما يهتدي التلميذ إلى تعيين العناصر اللغوية المقصودة واستخراجها  , لكن قلما يتمكن من استعمالها استعمالا سليما عند الكتابة أو الحديث “.(3)

(ب) ـ تمارين الإعراب

    في هذا النوع من التمارين يطلب المعلم من التلميذ أن يعرب ما تحت الخط  أو فوقه مثال : أعرب الجمل الاسمية التالية : الشمس نورها ساطع  , بشاشة الوجه خير من سخاء الكف  , لكل عالم هفوة .  تنتمي تمارين الإعراب هي الأخرى إلى النوع التحليلي التفسيري , وهي وإن كانت تحفظ  اللسان من اللحن وتكسب التلميذ معرفة نظرية عن اللغة , فإن استعمالها بكثرة لايضمن أداء لغويا سليما وفصيحا , فقد أدى الفهم الخاطئ للملكة والصناعة عند معشر المعلمين إلى اعتبار الإعراب مقياسا تقاس به الملكة اللغوية . 

(1)  ـ  التـمـريـن  الـنمـوذجـي  :  هـو ( نمـوذج عـمـل)  يـحـتـذي  بـه  التـلـمـيـذ  ويـسـاعـده عـلى  إنجـاز تـمـاريـن  مـشـابـهـة  .

(2)  ـ  مـحـمـد  صـاري  . تقـويـم  منـاهـج  اللـغـة  العـربيـة  (مـرجـع  سـابـق)  .  ص .  100 .

(3)  ـ  مـحـمـد  صـاري  . ( المرجع نفسه ). ص  .  100 .

ـ 79 ـ

(ج) ـ تمـريـن الشكـل :

     يشبه هذا التمرين إلى حد كبير الإعراب , غير أنه من الناحية التربوية أسلوب أبسط  وأسهل من تدريبات الإعراب .  وفي هذا النوع من التمارين يطلب المعلم من التلميذ أن يشكـّل جملة , أو فقرة  , أو نصا , بطريقة غالبا ما تكون كتابية . وعلى الرغم من أن تمارين الشكل تختلف نوعا ما عن تمارين التحليل الإعرابي , إلا أن وظيفتها تكاد تكون واحدة  ؛ لأن التلميذ لا يستطيع معرفة الشكل الصحيح إلا إذا حلل الكلمة أو الجملة إلى معناها الوظيفي . ” وهذا النوع من التمارين مفيد جدا لكن مع المستويات المتقدمة “.(1)

(د) ـ تمارين التحويل والتصريف :

     يعتبر هذا النوع من أهم الأنواع وأنجع التدريبات , وهي تشبه التمارين الآلية الحديثة , غير أن المعلمين لم يحسنوا استغلالها كأسلوب فعال لإكساب التلميذ التصرف العفوي في بنى اللغة ,  وعليه فإن استثمار هذا النوع من التدريبات لم يخرج عن الإطار التقليدي الذي يتمثل في تطبيق القاعدة , واختبار مدى استيعاب التلميذ لها نظريا .

وفي هذا النوع من التمارين يكلف التلميذ بتحويل جملة من شكل بسيط إلى شكل معقد أو العكس , أو أن يسند الفعل إلى الضمائر المختلفة في الأزمنة المعروفة . مثال :” حول الفعل المجهول إلى فعل معلوم , مع تغيير ما يجب تغييره في الجملتين التاليتين ؟  :  ـ  ألقيت المحاضرة     ـ  ختم المؤتمر .

وللإشارة فإن تمارين التحويل مفيدة جدا في تعليم العربية بشكل عام , خاصة إذا تم إعدادها  و إجراؤها بكيفية علمية وتربوية , وفنية جيدة.”(2) 

ـ هذه عينة من التمارين الشائعة في كتب تعليم القواعد , وهي تشيرإلى  أن هناك اهتماما مفرطا ببعض الأنواع التحليلية على حساب أنواع  أخرى  , كما تدل على أن إعداد التدريبات وطرق إجرائها عند المعلمين لم تسجل ابتكارات جديدة في الشكل والمضمون والكم , ولذا كانت نتائجه قليلة  .

6 ـ 2 ـ المفاهيم التقليدية السائدة :

إن تمرين القواعد في ظل المنهجية التقليدية  , هو تطبيق دقيق للقاعدة اللغوية المدروسة , ويقتصر دوره على التأكد من أن التلميذ قد استوعب القاعدة , وأصبح بالتالي قادرا على أن يطبقها .

” ولكن يؤخذ على التمارين التقـليدية :  أنها لا تسهـم في تنمية التعـبير اللغـوي  , وتهـذيبه , وتـوجـيه المتعـلم نحـو الاستعمال الصحيح , بل إنه يساعد الأستاذ فقط على أن يتحقق بنفسه من أن التلميذ قد استوعب القاعدة أو حفظها , وإذا استهدف قدرات التلميذ فإنه لا يتجاوز قضايا  الإعراب فقط وتحليل الجمل”.(3)

إن التمارين التقليدية لا تضع التلميذ  في  أجواء  لغوية  يمكنه  في  ظلها  الإسهام في درس اللغة  , وتتـميز بطابعـها  

(1)  ـ  مـحـمـد  صـاري  .  تقـويـم منـاهـج  اللغـة العـربـيـة  .  وزارة التـربيـة الـوطـنيـة )  . ص  .101 .

(2)  ـ  المـرجـع  نفـسـه   .  ص  . 101 .

(3)  ـ  د /  مـيشـال  زكـريـا  .  مبـاحـث  في النـظـريـة  الألسـنـيـة  و تعـلـيـم اللـغـة  .  ص  . 80  .

ـ 80 ـ

الإلزامي الذي يتوخى ما يجب أن يقال , والذي يحدّ ـ بالتالي ـ من نزعة التلميذ إلى استعمال اللغة في مجال التواصل الاجتماعي , والخلق الإبداعي , ومما سبق يتبين لنا : ” أننا مدعوون إلى مراعاة الواقع الحالي للتطور العلمي , وإلى الأخذ بالمفاهيم الحديثة فيما يختص بالدراسات الألسنية , وإلى وضع الكتب والتمارين اللغوية , انطلاقا من هذه الدراسات المتطورة “.(1)

6 ـ 3 ـ الانتقادات الموجهة لهذه التمارين :

تتوفر التمارين التقليدية على كثير من المحاسن  , لكنها لا تخلو من نقائص تتلخص في النقاط التالية :

1 ـ أنها تمارين عشوائية تفتقر إلى خاصية التنظيم والتخطيط .

2 ـ أن هذه التمارين هي إجراء شكلي , أو جريا على المعتاد , هدفها الإجابة عن الأسئلة .

3 ـ تتميز بتعقيد بعض التعليمات كقوله : “استخرج ما اشتمل عليه النص من أساليب الاختصاص , والإغراء والتحذير , ثم أعرب كلا منهما , مبينا حكم الفعل في كل أسلوب من حيث وجوب الحذف أو جوازه ؟ ” (2)

  4 ـ معظم التمارين غير مرتبة وفق معيار التدرج في الصعوبات مثل : تمرين التكوين قبل الاستخراج .(3)

5 ـ التركيز على التمارين الكتابية , وإهمال التمارين الشفهية .

6 ـ التمرين المفضل عمليا في القسم هو الإعراب

7 ـ التفاوت من حيث الكم والكيف من درس لآخر .

8 ـ تكرير الأشكال نفسها في كل الدروس , بالرغم من اختلاف الموضوعات .

9  ـ عدم تحديد إجراءات المتابعة والتصحيح , ومعرفة الأخطاء وتصحيحها .

10 ـ أنها لا تعطي للمتعلم فرصة للممارسة والاستعمال والإبداع  , فهي تحدد له ما يقوله .

11 ـ الاهتمام المفرط  ببعض الأنواع على حساب أنواع أخرى .

(1)  ـ  د / مـيشـال  زكـريـا  :  (مـرجـع  سـابـق )   .  ص  . 85 .

(2)  ـ  أنظـر  :  المخـتـار  في  القـواعـد  للسـنـة  الثـانيـة  ثـانـوي . ( وزارة  التـربيـة )  . 1986  . ص  .  201 .

(3)  ـ  أنظـر  :  المخـتار في  قـواعـد  الـلغـة  السـنـة الثـانـية  ثـانـوي  ( وزارة  التـربيـة  ) .  2003    ص  .   53  .

ـ 81 ـ

7 ـ التمارين اللغوية في الطرائق الحديثة

   لقد تطورت التدريبات اللغوية في الطرائق الحديثة في تعليم اللغات , ويتمثل هذا التطور في اكتشاف المختصين في حقل تعليم اللغات , لتمارين حديثة .  تمثلت في التدريبات البنيوية  ,  والتدريبات التواصلية التبليغية .

فما هي طبيعة هذه التدريبات ؟

أولا ـ  التمارين البنيوية  (Les Exercises Structuraux)

       وهي تمارين تهدف إلى إكساب المتعلم العناصر اللغوية الصوتية , أو النحوية , أو المعجمية عن طريق الاستعمال المنظم لها في سلسلة من الجمل والأنماط , قياسا على المنوال المقدم للحكاية في مقدمة كل تمرين , ويتطلب إجـراء هـذه التـدريبات مساهـمة المتعـلم  الإيجـابية , بتوجـيه مـن المعـلم  في القـيام  بعـمليات استبـداليـة

(Substitution) أو تحويلية (Transformation) لعدد معين من عناصر جملة الانطلاق (Phrase Clé) أو الجملة المنوال (Phrase Type) وتتم هذه العملية من خلال استجابات التلاميذ الشفاهية لمنبه المعلم (Stimulus) الذي يحمل في طياته مفاتيح الإجابة  مثال :

   استمع وحوّل كما في المثال :  ـ المعلـم  (مثير) ألقى الأستاذ محاضرة قيّمة .

                                      ـ المتعلم  ( استجابة ) ألقى الأستاذ محاضرة قيّمة

                                      ـ المعلـم :  كلمة ….

                                      ـ المتعلم :  ألقى الأستاذ كلمة قيّمة

                                      ـ المعلـم :  طويلة …..

                                      ـ المتعلم :  ألقى الأستاذ كلمة طويلة 

                                      ـ المعلـم :  خطبة …..

                                      ـ المتعلم :  ألقى الأستاذ خطبة طويلة .

                                      ـ المعلـم :  شرح …..

                                      ـ المتعلم : شرح الأستاذ خطبة طويلة …..الخ(1)

   وبهذه الطريقة يستبدل المتعلم بتوجيه من المعلم كلمات عديدة في الجملة النموذجية (جملة الانطلاق) . إن أهم وظيفة حددها اللسانيون للتمارين البنيوية هي : الوصول بالدارس إلى مرحلة يصبح فيها قادرا على إنتاج جمل جديدة  , قياسا على الأنماط التي حذقها دون حاجة إلى  حشو  ذهنه  بالقواعد النظرية  و مصطـلحاتها  الكثيرة .

فالتمارين البنيوية ” مكمل ضروري لعرض حواري , من حيث أنها تسمح بواسطة تطبيق مكثف ومنظم بتثبيت التراكيب اللغوية التي تظهر في الحوار.”(2)  وسنعود إلى التمرين البنيوي بشئ من التفصيل في المباحث القادمة .

(1)  ـ  محـمـد  صـاري   .   (  مـرجـع  سـابـق )  .  ص  .   102 .

(2) ـ                                           Denis  Girard   .    Linguistique  appliqueé  et didactique  des  langues  .   p  .   63

ـ82 ـ

ثانيا  ـ التمرين التواصلي (التبليغي) : (Exercises de communication)

1 ـ المـفـهـوم والنـشـأة :   

ظهرت التمارين التبليغية في السنوات الأخيرة , وهي ثمرة من ثمار الطريقة التبليغية , التي قامت في ظل النظريات اللغوية والسيكولوجية والاجتماعية , حين نبه ديل هايمز ( D. hymes) على الملكة التواصلية ,       أو القدرة على التبليغ باستعمال الجمل الملائمة للمواقف الاجتماعية , وبذلك انصب الاهتمام نحو تلبية حاجات المتعلم التبليغية , والتمرين التواصلي يطلق على اكتساب التلقائية في التعبير عن المقامات , والهدف منه حفظ اللسان من خطأ استعمال المقال في غير مقامه .

2 ـ خصائص التمرين التواصلي وله خاصيتان بارزتان وهما :

أ ـ الخاصية السمعية الشفهية ؛ لأنها تعتمد على الاتصال بعناصر الموقف اللغوي .

ب ـ خاصية التدرج في عرض المادة اللغوية , الذي يتم عن طريق الوظائف اللغوية , ولذلك يرتكز البحث عن أهم الوظائف التي ينبغي التدرب عليها .

3 ـ أهـم الوظـائـف اللغوية التبليغية : (1)  يمكـن تلخـيص أهـم الوظائف في المحـاور التـالية كـما صنفـتها الباحثة ( ميري متكشاريو) في كتابها : ( تعليم الإنجليزية كلغة ثانية ) :

أ  ـ التقديم والتعارف : ( التحايا ـ الوداع ـ تقديم الأشخاص ـ العناوين ـ الأعمار … )

ب ـ غرفة الدراسة  : ( المواد ـ الأقسام ـ الانشطة ـ البرنامج ـ الوسائل …  ) .

ج  ـ المـدرسـة  :  ( القاعات ـ المرافق ـ العمال ـ نظام المدرسة ـ ولي التلميذ … ) .

د  ـ الأسـرة  :  (  الأفراد ـ القرابة ـ الأعمار ـ أوقات الطعام …   ) .

هـ  ـ البـيئـة  :  (  المباني ـ المواصلات ـ الخدمات ـ الترفيه ـ البريد  … ) .

و   ـ المجـتمـع :  (  الصحة ـ النقل ـ التراث ـ الزواج …  ) .

ح ـ متنوعات :  ( الزمن ـ الأسبوع ـ شهور السنة ـ الفصول والطقس ـ الأوزان ـ الألوان … ) 

4 ـ تقديم الوظائف اللغوية في البرنامج التعليمي :

المستوى الثانوي

المستوى المتوسط

المستوى الإبتدائي

انشغل الدارسون بالوقت المناسب للتطبيق التبليغي خلال مستويات التعليم , فأجابت الباحثة يالدين (yaldin) : بضرورة إحداث التوازن ؛ بتقديم القواعد اللغوية بالتزامن مع تقديم الوظائف اللغوية , وتمثل يالدين هذا الاقتراح في الشكل التالي :          

       

                       الــــــقــــــــواعــــــــد  الــــلـــغـــويـــــــــــــــة

                                        

                    الــــــوظـــــائـــــف الــــلـــــغـــــــويــــــــة

الشكل (15) : تقديم الوظائف اللغوية (2)

(1) ـ أنـظـر  :  مـحـمـد  صـاري  . التـمـاريـن  اللـغـويـة .  ص  . 125

(2) ـ  . الـمـرجـع   نـفـسـه .  ص  . 125

ـ 83 ـ

5 ـ مزايا التمارين التواصلية :

أ  ـ أنها تعلـّم الدارسين التعبير عن المقام الواحد ,  بأساليب مختلفة  .

ب ـ يكون المتعلم إيجابيا في هذه التمارين ؛ لأنها تتطلب الفهم والمساهمة ,  و الجواب عن السؤال (المثير) لايكون جاهزا لدى المتعلم , بل يبدعه إبداعا , لأنه يكتب ما يحب .

ج ـ أنها تمرن الدارسين على ممارسة اللغة ككل متكامل ,  دون تقسيمها إلى عناصر أو مهارات .

د ـ “أنها حافز يشد انتباه الدارسين نحو التواصل مع الغير . (متلقين غائبين)”(1)        

هـ ـ أنها أكثر أشكال اللغة ملاءمة في التعبير عن الحياة.

وـ أنها مجال فسيح لتدريب الدارسين على استعمال المفردات والتراكيب اللغوية خاصة .(2)      

6 ـ أنواع التمارين التواصلية : يرتكز التمرين التواصلي على نوعين رئيسيين هما : تدريبات التعبير الموجه  ,

و تدريبات التعبير الحر .  فالتعبير الموجه هو : أسلوب السؤال , والجواب , أو الحوار , ولقد حظي الحوار في هذه التمارين بعناية خاصة ؛ لأن  فيه  تتجسد  الملكة  التبليغية , وممارسة اللغة . ومن أشكال التمارين التي تدخل تحت هذا الموضوع :

ـ الإجابة عن أسئلة تبليغية عامة .

ـ إكمال عبارات ناقصة .

ـ مناقشة شفهية لموضوعات قصيرة .

ـ إبراز خطة التصرف في مواقف معينة .

ـ محادثة حرة  , مناقشة عامة .

7 ـ نماذج من التمارين التواصلية :

(1) ـ ماذا تقول أو تفعل في المواقف التالية :

أ ـ تريد زيارة صديق مريض ؟ ……………………………………………………………

ب ـ تريد من صديقك أن يرافقك في الرحلة ؟ ………………………………………………

ج ـ تريد التحضير للامتحان , وتحتاج المراجع  ؟ …………………………………………

د ـ تريد التسجيل في الدروس المسائية ؟ ……………………………………………………

هـ ـ تريد استبدال جهاز الهاتف  ؟ …………………………………………………………..

(2) ـ زرت الطبيب ليكشف عليك  ,  أذكر عشرة أسئلة تتوقعها منه ؟ …………………….

(1) ـ Elca Tarab . ( Mutation de la didactique de l écrit )  Didactique  des  langues  maternelles . p . 207

(2) ـ أنـظـر :  محـمـد  صـاري  . المـرجـع  السـابـق  .  ص  .  130  . 

ـ 84 ـ

(3) ـ تمرين حول معاني حروف الجر: [ م.إ ](1)

أحد التلاميذ يتبع مسلك الطريق , بينما يكون مقيدا بتوجيهات زميله , فمثلا : “سر إلى نهاية الطريق , إنعطف إلى جهة اليمين , السينما قريبة من ركن الطريق , إنها بجانب البنك”.(2)

(4)ـ تمرين حول معاني صيغ التفضيل : “وذلك بأن يقوم التلاميذ بتحرير موضوع إنشائي يناقشون فيه اختيارهم العيش في مدينة كبيرة , أو في بلدة صغيرة “. (3)   

8 ـ مقارنة بين التمارين البنيوية والتواصلية :

من خلال عملية المقارنة  , اتضحت مجموعة من الفروق , والتي نلخصها في الجدول الآتي :

التمارين البنيوية التمارين التواصلية

(1)  ـ نرمز للتمارين  المخصصة  للمستوى  الإبتدائي  بالرمز [ م . إ ] .

(2) ـMariane  Celce . Murcia . Teaching English  . as  a Second or Foreign Language .  P . 290 

(3) ـ المرجع  نفسه  .  ص  .290 .

ـ 85 ـ

ثالثا : أنواع التطبيق على قواعد اللغة :

إن التطبيق الشفهي والكتابي من أهم وسائل الترسيخ والاستثمار لتكوين العادات اللغوية الصحيحة  , ودراسة القواعد في ذاتها قد لا يكون  لها الأثر المطلوب إلا بعد التدريب والتطبيق .

أ ـ أولوية التمرين الشفهي :

هو أجدى الوسائل لأن به تصبح القاعدة النحوية مهارة لا يحتاج التلميذ معها إلى كثير من التفكير والتأمل , وبه تصبح مراعاة القاعدة عادة راسخة , كأنها تصدر عن سليقة وطبع , ويكون التمرين الشفهي  بكتابة أسئلة متنوعة ( على السبورة أو على بطاقات ) , أو قراءة قطعة غير مشكولة , ويطلب ضبطها, ثم مناقشة التلاميذ في أخطائهم ,  والغرض منه : وقوف المعلم على مواطن الضعف , أو على الأجزاء الغامضة من الدرس ,(1)

ويجب ألا يتناول التطبيق مسائل عويصة لاختبار العقل وقياس الذكاء بل نجعله أسئلة ميسورة , تهدف إلى التدريب على الاستعمال الصحيح للجمل والعبارات , مع مراعاة ما يلي :

    1 ـ الانطلاق من نص أو أمثلة

    2 ـ يكون النص والأمثلة :  صحيحة الفكرة , جيدة الأسلوب , ملائمة لمستوى التلاميذ .

    3 ـ يحسن الاستعانة بالفروع الأخرى للغة :  كالقصص , و المحفوظات , و المطالعات …

“إن التداريب الشفهية تتميز بالسرعة , بحيث أن كل العناصر يمكن إنهاؤها في دقيقة , مقارنة مع التدريب الكتابي”(2)

ب ـ أنواع تمارين القواعد : 

   1 ـ التطبيق المباشر : وهو الذي يطلب فيه إلى التلاميذ بيان الفاعل أو الخبر ـ مثلا ـ في عبارة , مع ضبطه بالشكل , أو ضبط كلمات مختلفة المواقع , مع بيان سبب ضبطها , أو تحويل عبارة من حال الإفراد إلى حالة التثنية أو الجمع , أو بالعكس , مستخدمين في ذلك ما نريد تدريبهم عليه : من الضمائر , وأسماء الإشارة , والأسماء الموصولة , والنعوت , وغيرها , أو إدخال الأدوات العاملة على الجمل , أو إتمام عبارات ناقصة.(3)

2 ـ التطبيق التحليلي (الإعرابي) : وهو أربعة أنواع  :

أ ـ التطبيق الجزئي الخاص :  وهو ما يطالب فيه التلميذ بإعراب كلمات معينة , من عبارات على باب من أبواب النحو التي درسوها : كالتطبيق على المرفوعات من الأسماء , أو على المنصوبات .

ب ـ التطبيق الجزئي العـام : ويكون  بإعراب كلمات معينة , من عبارات على جميع أبواب النحو التي درسوها .

ج ـ التطبيق الكلي الخاص : وهو ما يطالب فيه التلاميذ بإعراب جملة تامة , أو عبارة  قصيرة ذات ارتباط  بأبواب معينة مخصوصة من أبواب النحو : كالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والنواسخ وهكذا.

(1) ـ  أنـظـر  :  حـسـن  شحـاتـة  . تعليم  اللغة  العربية بين النظرية  والتطبيق  . ص  . 221  .

(2) ـ M . rivers . Mary s .Temperley. A pratical .guide to the teaching of english . 1978 . p . 12  Wilga .

(3) ـ  أنـظـر  :  د / محمد  صالح  سمك  .  فن التدريس  للتربية  اللغوية  . ص  .  541

       ـ 86 ـ

د ـ التطبيق الكلي العام : وهو ما يطالب فيه التلاميذ بإعراب جملة تامة , أو جملة قصيرة متنوعة الاتصال بجميع ما درسه التلاميذ من أبواب النحو , وليس في الإمكان أن يشمل السؤال الواحد من هذا النوع جميع الأبواب في وقت واحد , بل إنه يتناول أبوابا متعددة , متفرقة , مترابطة , أو غير مترابطة , ويشمل سواه غيرها .

ولا يمكن أن يكون التطبيق عاما جزئيا أو كليا , إلا بعد أن يدرس التلاميذ مجموعة من أبواب القواعد المختلفة .

3 ـ التطبيق الإيجادي(1): وهو الذي يطلب فيه إلى التلاميذ أن يؤلفوا جملة على قاعدة معينة . وهو نوع مفيد إذا أحسن استعماله , واقتصر فيه على أبسط صوره ؛  كأن نطلب إليهم تكميل عبارة بوضع ألفاظ من عندهم مضبوطة , أو استخدام ألفاظ تعين لهم بنعوت مناسبة من عندهم , مع ضبطها , أو كأن نسألهم أسئلة تكون الإجابة عنها جملة تخضع لقاعدة واحدة معينة .

4 ـ التطبيق الآلـي(2) :وهو تطبيق شفهي سهل المادة غزيرها , يقصد منه تدريب التلاميذ على صحة الضبط مع السرعة , وهذا النوع من التطبيق ينبغي أن يجعله المدرس في الطليعة من أنواع التطبيق , وأن يعتمد عليه في تدريب التلاميذ , ليجعل مراعاتهم لقواعد النحو عادة راسخة كأنها تصدر عن طبع وسليقة . ويقوم التلاميذ بهذا التدريب عقب شرح القاعدة , ويكرر كلما دعت الحاجة إليه. وطريقة هذا التدريب : أن يعد المدرس لكل قاعدة يشرحها عددا كبيرا من الأمثلة , يطبعها ويوزعها على التلاميذ ليبدأ التدريب عليها كالتمرين : إدخال النواسخ على الجمل, وإذا كان الدرس على نائب الفاعل ـ مثلا ـ أعد عشرات من الجمل الفعلية المبنية للمعلوم متدرجة على النحو التالي: ـ أ ـ  عشرات من جمل , أفعالها ثلاثية متنوعة بين الماضي والمضارع .                       ـ ب ـ  عشرات من جمل ,أفعالها غير ثلاثية متنوعة بين الماضي والمضارع .

                              ـ ج ـ  عشرات من جمل , أفعالها معتلة , متنوعة بين الماضي والمضارع .

                                 ـ د ـ عشرات من جمل, أفعالها تنصب مفعولين متنوعة بين الماضي والمضارع                                    

ثم يطلب إليهم بناء الأفعال في هذه الجمل للمجهول , مع السرعة وصحة الضبط وهكذا .

5 ـ تطبيق البطاقات (3) :  وهو من أهم أساليب التدريب على القواعد , ولها ألوان كثيرة , وقد تكون فردية أو جماعية , ومن فوائد البطاقات أنها تستخدم لعلاج الضعفاء من التلاميذ ؛ فيعد المدرس لكل قاعدة بطاقة أو أكثر تشتمل على تمارين كثيرة , وحين يتضح له ضعف التلميذ في التطبيق على قاعدة ما , يعطيه البطاقة الخاصة بها ويكرر هذا التدريب معه حتى يصل إلى مرتبة الإجادة .(4)

(1) ـ أنظـر : د / محمد  صالح سمك . (مرجع سابق) . ص . 541  .وانظر أيضا :  د / حسن شحاتة . (مرجع سابق ) . ص . 221 .

(2) ـ أنظـر : د /  محمد  صالح  سمك  (المرجع نفسه) . ص . 542 .

(3) ـ المرجع نفسه . ص . 542 .  و انظـر أيضا :  حسن شحاتة ( المرجع  نفسه ) . ص . 223 .

(4) ـ يلاحظ في مدارسنا عدم استعمال البطاقات في التدريبات اللغوية , على الرغم من توجيهات الباحثين إلى أهميتها , ناهيك عن كونها إحدى الوسائل النشطة في طرق التدريس .

ـ 87 ـ

رابعا : مقارنة بين التمارين التقليدية و التمارين الحديثة (1)

التمرين التمارين التقليدية التمارين الحديثة

(1) ـ  محمد صاري . تقـويم مناهـج اللغـة العـربية  . ( وزارة  التربية  الوطنية 1998)  .  ص .104 .

ـ 88 ـ

تعليم اللغة بين البنيوية والتوليدية التحويلية

     لقد تحول علم اللغة من تحليل البنية السطحية للغة في المدارس الوصفية إلى التحليل التوليدي التحويلي للغة بتعرف البنية العميقة في مدرسة (تشومسكي) , “ويتوازى هذا التحول في نظرية اللغة , مع التحول في أنماط التدريبات اللغوية التعليمية النمطية الآلية , إلى تدريبات لتنمية التعبير الإبداعي باللغة ” .(1)

” وقد أفاد علم اللغة التعليمي من علم اللغة الحديث في تعليم المهارات اللغوية مثل : النطق , والقراءة , والاستماع  والكتابة .”(2)

(أ) ـ أسس تعليم اللغة في المدارس الوصفية :

يرى هذا الاتجاه أن تعليم اللغة يرتكز على ما يلي :

              1 ـ تأكيد أهمية المكونات المختلفة للغة (صوت , صرف , نحو , دلالة .) عند وصف المستوى اللغوي , أو عند اختيار المقرر , أو عند تصميم والتدريبات اللغوية .

              2 ـ اللغة في المقام الأول ظاهرة صوتية , منطوقة مسموعة , ومن ثم ينبغي في تعليم اللغة الاهتمام بالتحدث باللغة ,وتقديم مهارتي الاستماع والتحدث على مهارتي القراءة والكتابة.

               3 ـ تكون البداية في العملية التعليمية بالأنماط الصرفية النحوية الأكثر شيوعا .

               4 ـ” تعليم النحو يكون استنباطيا “.(3)

(ب) ـ أسس تعلم اللغة في الاتجاه التوليدي التحويلي :

تقوم نظرية (تشومسكي) في التحليل اللغوي على الأسس التالية :

              1 ـ النحو التوليدي نظرية في الكفاءة اللغوية .

             2 ـ الأداء اللغوي هو الاستخدام الفعلي للغة في مواقف محددة .

             3 ـ قواعد اللغة تمثل المعرفة العقلية الكامنة وراء النصوص

             4ـ النحو هو مجموعة قواعد يؤدي تطبيقها إلى إنتاج الجمل الصحيحة نحويا(4) , وإلى فهم جمل لم يسبق الاستماع إليها من قبل .

(1) ـ  د / محـمود  فهـمي  حجازي  . البحـث  اللغـوي  . ص  . 136 .

(2) ـ د / حـلمي  خـليل  .  دراسـات  في اللسـانيات  التطبـيقية  . ص  .  67 .

(3) ـ د / ميشـال  زكـريا  .  مباحـث  في  النظرية  الألـسنية  وتعلـيم  اللغـة  . ص  .  86  . 87  .

(4) ـ هنا لابد من الإشارة إلى أن هذه الجمل الصحيحة نحويا قد لا تكون صحيحة دلاليا , وعليه فإن تشومسكي يفرق بين نوعين من الجمل : الجمل القواعدية (الأصولية)  = نحو + دلالة , والجمل اللاقواعدية (غير الأصولية)  = نحو - دلالة / دلالة – نحو/  دلالة + نحو     #مقتضى الحال في المجتمع

ـ 89 ـ

(ج) ـ التمارين اللغوية بين البنيوية والتوليدية التحويلية :

  ترى النظرية البنيوية أن اللغة مجموعة من العادات ,تتألف من عناصر منفصلة متوازية , وتعليم اللغة طبقا لهذه النظرية يقوم على : المحاكاة والحفظ , والتمارين النمطية , و التداريب الآلية . ويركز علم اللغة الوصفي على العبارات الملفوظة (البنية السطحية) , وانطلاقا من هذا الوصف فإن التدريبات اللغوية بهذا المنهج , ستكون تدريبات على مستوى البنية السطحية . وكثيرا ما تكون البنية السطحية حاملة لدلالتين مختلفتين ؛ لأنها تعكس في البنية العميقة بنيتين مختلفتين “ومثال ذلك : ضربت زيدا ضاحكا .

       1 ـ ضربت زيدا وأنا أضحك (أي الحال من الفاعل)

     2 ـ ضربت زيدا وهو يضحك (أي الحال من المفعول)”(1)

” ولهذا فإن التدريبات اللغوية المعتمدة على البنية السطحية وحدها مضللة , وفيها قصور, وتؤدي في أحوال كثيرة إلى عدم الدقة , وهنا يقدم النحو التحويلي فكرة مراعاة البنية العميقة , ويفسر عن طريقها ما تحمله أنماط في أبنية السطح من غموض دلالي بسبب التركيب.(2)ومعنى هذا كله : أنه في تصميم التدريبات اللغوية لابد من مراعاة العلاقات النحوية الأساسية في البنية العميقة , وتجلياتها في البنية السطحية , ولا يجوز الاكتفاء بتدريبات تقوم على البنية السطحية.” (3)

(د) ـ التداريب اللغوية ومجالاتها التطبيقية

    تعتبر التمارين البنيوية من الوسائل البديلة المتداولة لترسيخ بعض الأنظمة والقواعد لدى التلميذ , اعتمادا على التطبيق المكثف والمنظم , ويلجأ أغلب المدرسين إليها , لتلبية بعض الحاجيات التعليمية , أو لمعالجة بعض الصعوبات , أو حلولا لبعض الإختلالات في التعبير ؛ بحيث تطبق على شكل تمارين شفهية أو كتابية , وقد يستعان في الإنجاز بالوسائل السمعية البصرية . ” ويكون التمرين اللغوي التطبيق العملي لعملية تعلم اللغة لذلك تخصص الساعات الكثيرة لتمرين التلميذ على استعمال اللغة , وتقوية ملكته اللغوية , وتنويع أساليب تعبيره , فمن الطبيعي إذن أن يحتل التمرين اللغوي المرتبة الأساسية في مجال التعليم اللغوي , الذي يهدف إلى جعل التلميذ يلتمس تعدد الأساليب التي تندرج ضمنها المهارات اللغوية . لذلك يخضع التمرين إلى منهجية محددة في إطار الهدف التعليمي تحدد طريقة إعداده “(4)    

                            

                                   

            

                                                                                                                                     

(1) ـ د / حـلمي  خـليل  (مـرجع  سـابق ) . ص  .   51 .

(2) ـ هنا يقترح تشومسكي فكرة النظر في السياق  اللغوي , ومعناه : النظر في الكلام الذي قيل قبل وبعد هذه الجملة . ذلك لأننا لو بترناها  من سياقها فإنها ستبقى غامضة حتى ولو عدنا إلى البنية العميقة  .

(3) ـ د / محمود فهمي حجازي  .البحث اللغوي  .  ص .  140 .

(4) ـ د / ميشال زكريا . (مرجع  سابق) . ص  .19 .

ـ 90 ـ

(هـ)- مفهوم البنية والتمرين البنيوي:

      لما أقامت منظمة اليونسكو مؤتمرها سنة 1959 بباريس حول مصطلح (البنية) قصد وضع المصطلحات الاجتماعية , كان الناطق باسم اللسانيين هو الأستاذ : بنفنست benveniste)) الذي عرّف البنية في اللسانيات كما يلي : ” انطلاقا من مفهوم اللغة كنسق , يتم تحليل بنيتها ؛ لأن كل نسق يتكون من وحدات تتظافر على تشكيله , وجعله يتميز عن باقي الأنساق بالتنظيم الداخلي لهذه الوحدات , تنظيما يشكل ما يسمى بالبنية , وكل باحث ينظر إلى اللغة , أو جزء من اللغة سواء كان صوتيا أو مورفولوجيا  كنسق منظم في إطار بنية يمكن الكشف عنها ووصفها , فإنه يبحث اعتمادا على وجهة نظر بنيوية.”(1)    “وهكذا يمكن تعريف البنية بأنها : سلسلة من العلاقات الموجودة بين العناصر ,  وليست هي العنصر أو الكل , وإنما العلاقات هي التي تؤسس البنية “(2).

     إن بروز مفهوم البنية بتركيزه على كون اللغة نظام يسير على مقياس معين , “قد وجه اهتمام المنهجيين إلى الأنماط الإجرائية , التي يتم التحكم في استعمالها بتمارين مبينة على التكرار والترداد المستوحيين في مجملها من التقنيات الأمريكية “(3), المعروفة بالتدريب على الأنماط .(4)

نشأة التمارين البنيوية :

     إن التمارين البنيوية هي تمارين حديثة , وضعت على أسس علمية لتعليم التراكيب اللغوية بطريقة ضمنية , وقد ظهرت التمارين البنيوية في أمريكا وأوروبا في أواخر الخمسينات , ونشأت في ظل مدرستين : مدرسة لسانية وصفية , وأخرى نفسية سلوكية .

     إن التمرين البنيوي يهدف إلى إكساب البنية اللغوية , عن طريق الاستعمال المنظم لها في سلسلة من الجمل قياسا على المنوال المقدم للحكاية , وتقدم في مرحلة الترسيخ . “ويعتبر (Pierre De lattre) أول من وضع هذه التمارين ودعا إليها , ثم شاعت وانتشرت في أنحاء شتى من العالم” (5)

    وترتبط المفاهيم البنيوية فيما يختص بتعليم اللغة بمبادئ علم النفس السلوكي ؛ بحيث تنبني عملية تعليم اللغة على منهجية تكوين عادات كلامية , ويتم تقوية هذه العادات بواسطة تعزيزها بصورة متواصلة ، وبهدف تنمية الأداء الكلامي , يتوخى البنيويون توفير تمارين متدرجة , يدرس التلميذ في ظلها كل صعوبة لغوية في حد ذاتها , وعلى حدة , ضمن بنية تركيبية واحدة مرتبطة بظرف كلامي محدد ، وتتلاءم هذه التمارين مع نتائج الدراسات اللسانية التحليلية ، لذا يدرس التلميذ ويتعلم بصورة منظمة وبطيئة الوحدات و العناصر الأساسية التي لحظتها الدراسات اللسانية ، وتختص التمارين  المميزة  لكـل عنصر من عناصر اللغة ، وبكل

بنية تركيبية في اللغة ، وتهدف إلى  تركيز هذه العناصر وهذه البنى في ذهـن التلميذ بصورة آلية , ولا بد

(1) ـ د / بوشوك . تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها  .  ص  . 81

(2) ـ المرجع نفسه  .  ص  .82 .

(3) ـ لـويس دابـين  ( اللسـانيات وتعـليم اللـغات )  . ترجـمة  د / خـولة طـالب الابراهيمي . مجلة اللغة والأدب . العدد . 2 .  ص .78

(4) ـ  تداريب  الأنماط  : هي محـاكاة  النمـاذج باستمـرا ر

(5) ـ محمـد صـاري . التمـارين اللغـوية . ص . 83 .   

ـ 91 ـ

في عملية التركيز هذه من مراعاة القضايا التالية :

    1 ـ يردد التلميذ التمرين أكثر من مرة.

    2 ـ نثبت البنية اللغوية بصورة واضحة في تمرين متخصص.

        3 ـ من المتطلب أن تكون الاستجابات صحيحة(1) في غالبيتها , كي تتركز البنية اللغوية في الذهن

        4 ـ يكون التصحيح أكثر فعالية فـي حال الوقوع في الخطأ .

     وما يلاحظ على هذه المنهجية أن التلميذ يتعلم اللغة من خلال تكرار الجمل وينمو سلوكه اللغوي من خلال تقليد البنى اللغوية وممارستها عبر التمرين البنيوي . ويهدف هذا التمرين إلى إكساب التلميذ بنى اللغة الأساسية الواحدة تلو الأخرى ,  وتدعيم معرفته بهذه البنى , وتمكينه من استعمالها بصورة آلية , وانطلاقا من البنى الأساسية البسيطة , يتدرج التمرين ويتناول البنى التركيبية الأكثر تعقيدا .(2)

     إن التمارين البنيوية من الوسائل البديلة التي يمكن أن تعوض تمارين القواعد التقليدية ,أو تلبي حاجيات المتعلمين مثل : التركيز على البنيات الصوتية إذا لوحظ نقص في إتقان مخارج الحروف , أو اعتماد تمارين البنيات الصرفية أو النحوية أو المعجمية عندما يتعلق الأمر بمعالجة مجموعة من الصعوبات التي يعاني منها بعض المتعلمين (3) , ذلك أن أهم وظيفة لها هي : تمكين المتعلم من صياغة جمل جديدة قياسا على النمط الذي قدم له , دون حاجة إلى حشو ذهنه بالقواعد النظرية .                                                                                                            

                                                                                                              

                                                                                                         

(1) ـ  يلاحظ هـنا :  أنه لـيس شرطا أن تكون الاستجابة صحيحة , فالتعلم الجيد يكون عن طريق الخطأ وتصحيح  الخطأ حتى ترسخ القاعدة في الذهـن .

(2) ـ  أنظر :  د / ميشال زكريا  .  مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة  .ص  .  85 .

(3) ـ  أنظر :  د / بوشـوك  .  (مـرجع  سـابق) . ص  .  85 .

ـ 92 ـ

(و) ـ التطبيقات الإجرائية للتمارين البنيوية :

      استفاد علم اللغة التطبيقي من البنيوية , حيث يتم وصف اللغة كنظام متداخل ومتكامل , على اعتبارها مجموعة مركبة من عناصر , تحدد في إطارها المكونات والعلاقات التركيبية ، وهي تتكون من مبان وصيغ

ومعان صرفية على مستوى الكلمة ، ومعان نحوية أو وظيفية على مستوى الجملة ، ثم معان دلالية على مستوى المعجم ، تفهم من سياق الكلام ونظمه ومقامه . إن البنيوية نظرية لسانية أفادت كثيرا التربية والتعليم وكمثال على ذلك : التمارين البنيوية التي تلعب دورا كبيرا في استظهار التلاميذ للضوابط اللغوية ” و تعتمد التمارين البنيوية لمعالجة أنواع خاصة من الإختلالات اللغوية , المستخلصة من تشخيص وتحليل الأغلاط ، ويمكن أن تنطلق هذه التمارين من ظاهرتين لغويتين هما : القيم الخلافية التقابلية , و قيم التشابه والائتلاف.” (1)

صـيغ التـمـريـن البـنـيـوي : للتمارين البنيوية صيغ كثيرة نذكر منها ما يلي :

1 ـ الإعادة والتكرار( الترداد )

2 ـ التبديل والتغيير ( استبدال)

3 ـ التدرب على الربط

4 ـ تبديل وتغيير المحور التركيبي

5 ـ التدريب على تغيير التسلسل الكلامي

6 ـ التدرب على التمارين الحوارية الموجهة

7 ـ تمارين التوسيع ، يدرج التلميذ بعض المقاطع الكلامية في البنية الأساسية للجملة

8 ـ تمرين التحويل (2)

        وتعتبر التمارين البنيوية ناجعة ؛ لأنها تكشف عن الثغرات اللغوية , وتحاول معالجتها , ولأنها ترتكز على الجانب الشفوي , معتمدة لغة التواصل المتداولة , ” كما أنها أكثر قابلية للتعامل مع الوسائل السمعية البصرية ؛ حيث إن اعتماد بنيات مسجلة (3) , أو صور معروضة , يساعد على التصحيح التلقائي والذاتي , كما تساعد الصور المدمجة في الدرس اللغوي على أن يصبح التمرين أكثر مقامية , وهذا يسمح بالاقتصادية في الوقت و الجهد “.(4) كما أنها تسعى لخلق آليات للاستعمال المألوف , بالتدريب المكثف على البنية المدروسة , وتطبيقها في صيغ متعددة .” وتعتبر هـذه التمارين حاسمة في تحسين مردودية التعلم ؛ لأنها تقدم للمتعلم البنى الأساسية الأكثر استعمالا , و الأقل صعوبة “.(5)   

(1) ـ د /  المـصـطـفى بن عبد الله بوشـوك . تعـليم وتعـلم اللغـة العربية وثقافتها . ص .  86 .

(2) ـ د/ صـالـح بلـعيد ، دروس فـي اللسانيات التطبيقية  . ص . 34 .

(3) ـ وهـنا يشـترط وضـوح الصـوت بصـفة خـاصة , ذلـك لأن عـدم وضوح الأصـوات يـؤدي إلى ما يسـمى بالفـهـم الخـاطئ أو (التـأويـل الخـاطئ) مـثل :

        ( الثـورة ـ الثـروة )  , (Blind ـ Blind  / Send ـ Sam )                                                                                                         

(4) ـ د /  بـوشـوك  . ( مـرجـع سـابـق ) . ص . 86 .

(5) ـ د / صـالـح  بـلـعـيـد .  ( مـرجـع سـابـق ) .  ص  .  34 .

ـ 93 ـ

(1) خصائص التمارين البنيوية :

      للتمارين البنوية خصائص تربوية ونفسية ولسانية , نلخصها في ما يلي :

أ ـ تقوم على المبادئ البنيوية : وذالك بالتأكيد على أهمية المكونات المختلفة للغة ( صوت . صرف . نحو . دلالة ) عند تصميم التمارين والتدريبات اللغوية , وتقديم مهارتي الاستماع والتحدث , من خلال التدرب على الأنماط الأكثر شيوعا.(1)   ويرى بيار دي لاتر Pierre De lattre)) بأنه ليس لهذه التمارين حق التسمية “بالبنيوية “إلا إذا أسست على التحليل اللساني البنيوي للحقيقة الصوتية .(2)  

ب ـ تركـز على المستوى الصوتي : وذالك لأن اللغة في المقام الأول : ظاهرة صوتية منطوقة مسموعة  ومن ثم تكون التمارين التعليمية سمعية شفوية , وبممارسة التحدث باللغة وذلك كرد فعل على الطرق التقليدية الأوروبية , التي ركزت على المكتوب والمقروء , ولعل هذه الخاصية السمعية الشفوية للتمارين , هي التي سهلت تطبيقها في المخابر اللغوية .

ج ـ أنها تمارين منظمة : ونعني به التدريبات التي توضع في خطة مدروسة ومنظمة ,  تراعى فيها مبادئ نفسية , وتربوية , ولغوية معينة , وتظهر الخاصية التنظيمية في النقاط التالية :

    1 ـ الأشكال الثابته : وهي أشكال من التمارين النمطية تركز على صيغ تتكرر دائما مثل : ( الإعادة  الاستبدال , التحويل , التركيب , الربط , التكملة …الخ  )

    2 ـ التدرج والبساطة : وتتجسد هذه الخاصية في تذليل الصعوبات اللغوية , عن طريق تقسيمها إلى أقصى درجة ممكنة ؛ بحيث لايحتوي التدريب على أكثر من صعوبة واحدة , وعند تعدد التمارين يراعى عنصر التدرج : من التدريب التكراري إلى تدريبات الخلق والإبداع , وتظهر البساطة في التعليمات السهلة مثل : (استمع , اعد , حول , أكمل …الخ ). (3)

ويظهر التدرج كذالك في عدم معالجة الموضوع النحوي في تمرين واحد ,   وإنما يخصص لكل جزء تمرين بمفرده , وهكذا يستمر التنوع حتى يستوفى الدرس الواحد .(4)

                  

(1) ـ أنظـر : د / ميشـال  زكـريا . مباحث في النظـرية الألسنـية  وتعلـيم اللغـة  .ص  .  87 .

(2) ـ Pierre De lattre : La notion de structure et son utilité , dans les exercices structuraux , Pourquoi faire ?  p . 14 .                                                                                                                     

(3) ـ أنظـر :  محمـد  صـاري  .  التمارين  اللغـوية  . ص  .  86 .

(4) ـ للمزيد من المعلومات حول خصائص التمارين البنيوية , ارجع إلى الكتب التالية :       

A  -Genevieve  Delattre  : les différents types d’éxercices structuraux .                                                        B – Albert Valdman : la progression pédagogique dans les exercices  structuraux .

C – Pierre léon : la prononciation par les exercices structuraux                                                                    

D – Simon belasco : les structures grammaticales orales .                                                                           Micheline dufau : Exercices structuraux à partire d’un texte littéraireE

ـ 94 ـ

(2) ـ الاتجاهات التربوية للتمرين البنيوي:

    صممت التمارين البنيوية لأغراض تعليمية ، وقد حددت اتجاهاتها التربوية في النقاط التالية :

أ ـ يجب ألا تذكر القاعدة التي يبنى عليها التمرين البنيوي , فالقاعدة تبقى  موجودة فقط ضمن اهتمام الأستاذ المسؤول عن إدارة التمرين

ب ـ يجب إكساب التلميذ بصورة آلية , البنى الصرفية , والتركيبية للغة .

ج ـ يجب إعطاء التلميذ فرصة استعمال البنى المكتسبة ، واعتماد نوع من التدرج في تركيز البنى المختلفة  واستعمالها واستغلالها على أحسن وجه في عملية تكلم اللغة.

د ـ “يجب تزويد التلميذ دائما بالجمل الصحيحة , كي لا يطرأ عليه وضع لا يعود في ظله يحقق الاستجابة الصحيحة “(1).

1.2 ـ الأبعاد النظرية للتمرين البنيوي:

    مما يلاحظ :  أن المبادئ البنيوية تستمد أبعادها النظرية من علم النفس السلوكي , وتبني منهجيتها فيما يختص بتعليم اللغة في ظل النظرية السلوكية , وتعتمد أيضا نتائج الدراسات اللسانية المتطورة لوضع موادها التعليمية من خلال التمرين البنيوي , الذي يسعى إلى تركيز بنى اللغة , وعناصرها الأساسية عـن

طريق الممارسة والترداد , “وقد اتخذ هذا التمرين بعدين متلائمين : بعد ألسني , وبعد تربوي.

أ   ـ البعـد الألسـني : إذ يستند هذا التمرين إلى الدراسات الألسنية البنيوية .

ب ـ البعـد التربـوي : إذ يستمد التمرين مفاهيمه من علم النفس السلوكي القائم على : ( إيجاد المثير/ الاستجابة للمثير/ تقوية هذه الاستجابة عند التلميذ) .” (2).

2.2 ـ قيمة التمرين البنيوي التربوية:

   في ظل المنهج التعليمي البنيوي يتعلم التلميذ البنى الأساسية , والمفردات المقررة , ضمن إطار كلامي مصطنع , فيلقن مثلا : الاسم والركن الاسمي خارج  إطار الجملة , وهذا يقلل من النجاعة التعليمية , ولذلك يوصي المربون بالتركيز على الوحدة الفكرية المتكاملة , وعلى علاقات الكلمة بالجملة المتكاملة . ” فالمدرسون يجب أن يتجنبوا سؤال التلاميذ عن تحديد الأسماء والأفعال في قائمة من الكلمات المنعزلة ، فالأسماء أسماء بسبب الجمل التي تستعمل فيها، لا بسبب أن هناك قيمة في الكلمات المفردة “(3).

(1) ـ د / ميشـال  زكـريا . (مرجـع  سـابق )  . ص  .87 .

(2) ـ  المـرجـع  نفسـه  . ص  .88 .

(3) ـ د / صـلاح  الدين  مجاور  . تدريس  اللـغة  العربـية  في المرحلة  الثانوية  .ص .392 . 

ـ 95 ـ

   إن التلميذ يستطيع التعبير ضمن الشروط نفسها التي لقن في ظلها المفردات والبنى الأساسية , فجعل الاسم أو الفعل مصطلحا قائما خارج إطار الجملة , يراد منه في الواقع : تلقين التلميذ قواعد رموز مستقلة عن السياق الكلامي ، إلا أن هذه القواعد لا يمكن الركون لها , عند محاولة استعمال اللغة في ظروف التفاعل الاجتماعي , والاستعمال الإبداعي الخلاق.

2.3 ـ  التمرين البنيوي نشاط تعليمي:

    لقد وجهت انتقادات للتمريــن البنيوي , وقللت  من صلاحيته في  تعليم اللغة . يقول الدكتور ميشال زكريا : ” إن هدفية التعليم اللغوي هي في مساعدة التلميذ على التعبير في السياق الكلامي ، وإن الكفاية اللغوية هي المقدرة على الإبداع في اللغة ، وفي ظل هذا التصور لا يمكن إعتبار التمارين البنيانية بمثابة تمارين أساسية في عملية تعليم اللغة”. (1)

    وفي المقابل يرى  الكثير من الدارسين أن التمارين البنيانية هي  البديل عن التمارين التقليدية بالرغم مما في التمارين البنوية من نقائص. يقول الدكتور بوشوك: ” ومن أشهر التمارين اللغوية وأكثرها استعمالا, ما يسمى بالتمارين البنيوية , هذه التمارين التي يمكن أن تعوض النقص الذي تعرفه التمارين والتطبيقات التقليدية ؛  حيث لا يساعد  إنجازها  على تحقيق الأغراض المرجوة منها ، لذلك رأينا أن التمارين البنيوية من الوسائل البديلة لتعويض النقص في هذا المجال ؛ إذ أنها يمكن أن تلبي حاجيات المتعلمين بالتركيز على تمارين البنيات الصوتية , والصرفية , والنحوية وكذلك , المعجمية … على أساس  الاهتمام  بمهارتي التعبير الشفهي والكتابي إهتماما متوازنا “. (2)  

  و يقول الدكتور يوسف الصميلي : “التمارين البنيانية هي إحدى وسائل تعليم أساليب اللغة العربية , وإن التمرين البنياني يمزج بين التعبير الشفهي و التعبير الكتابي , ويتيح للتلميذ فرصة الاعتياد على التعبير عن فكرته بتركيز ووضوح , بلغة صحيحة , وتدربه على استخدام أدوات الربط استخداما صحيحا .” (3)                     وللتمرين البنيوي وظيفة تربوية بحتة هي: “الوصول بالدارس إلى مرحلة يصبح فيها قادرا على إنتاج جمل  جديدة قياسا على الأنماط التي حذقها دون حاجة إلى حشو ذهنه بالقواعد النظرية ومصطلحاتها الكثيرة “.(4)

وعليه : فالتمارين البنيوية وسيلة ناجعة لتعويض الشروح النحوية المطولة, التي أرهقت المعلمين والمتعلمين على السواء ، فهي تساعد على توظيف القاعدة بصورة عفوية ، وتجعل المتعلم يكتسب المهارات بنفسه .  

(1) ـ د / ميشـال  زكـريا  .( مرجـع  سـابق)  . ص . 94 .

(2) ـ د / مصطفى  بوشوك  . تعليم وتعلم اللغة  العربية وثقافتها  . ص . 351 .

(3) ـ د / يوسف الصميلي   .  اللغة العربية وطرق تدريسها نظرية وتطبيقا .  ص  . 206 .

(4) ـ  محمد  صاري  .  تقـويم مناهـج اللغة العـربية  . وزارة التربية الوطنية .  1998  . ص  . 102 .

ـ 96 ـ

(3) ـ أنواع التمارين البنيوية :

أنواع التمارين البنيوية كثيرة , ويمكن أن نشير إلى تصنيف السيدة (Genévieve Delattre) لهذه التمارين والتي تتميز بالانطلاق من التمارين السهلة الأكثر آلية , إلى التمارين الأكثر حرية , و هي :

1.3 ـ التمرين التكراري : Exercice de répétition ) ) .

     يعتبر هذا التمرين أبسط التمارين , والمدخل لأنواع التمارين البنيوية الأخرى , وحسب François ) Réquédat)) ينقسم إلى  ثلاثة أقسام: (تكرار بسيط ، تكرار تراجعي ، تكرار بالزيادة .) ويهدف إلى إكساب المتعلم قدرة النطق الصحيح للحروف , والجمل بالاعتماد على مفهومي الأصل والفرع

مثل  : ( إن الدنيا جميلة /   ما زالت الدنيا جميلة  /   ستكون الدنيا جميلة…).(1)

(أ) ـ التكرار البسيط : (La répétition Simple) .  ويهدف إلى إكساب المتعلم قدرة النطق الصحيح للحروف والجمل , بالاعتماد على مفهومي الأصل والفرع مثل :

            ـ الدرس مفهوم .

            ـ إن الدرس مفهوم .

     ـ كان الدرس مفهوما .

(ب) ـ التكرار التراجعي : (La répétition régréssive ) .وفيها تكون إعادة الجملة بطريقة مجزأة

    ـ التقيت البارحة بالرجل الذي يسكن العمارة المقابلة البيضاء .

    ـ سألتقي غدا بالرجل الذي سيسكن في العمارة الأخرى .

    ـ كم أنا سعيد عند ما أدخل تلك العمارة البيضاء .

(ج) ـ  التكرار بالزيادة : (La répétition par addition ) . وفي هذا النوع يقوم المعلم بقراءة الجملة الأصل (النواة) , ثم يقرأ نفس الجملة مع إضافة العناصر اللغوية المناسبة في كل مرة .

   ـ اقتنى صالح ثلاثة كتب .

   ـ اقتنى صالح ثلاثـة عشر كتابا.

   ـ اقتنى صالح ثلاثـة كتب وأربعـة أقـلام .

         ـ اقتنى صالح ثلاثة كتب وأربعة أقلام وخمسة قصص.(2)

(1) ـ  أنظر : د / صالح  بلعـيد  . دروس في اللسانيات التطبيقـية .  ص  .  35 .

(2) ـ المـرجع نفـسه .ص . 36 .

ـ 97 ـ

3. 2 ـ تمرين الاستبدال :( Exercice de substitution ).

       وهو تمرين يعتمد على استبدال لفظ بآخر , مع المحافظة على نفس البنية التركيبية . وهو أنواع :                                                        

(أ) ـ الاستبدال البسيط : (Substitution Simple )

       وهو الذي يخص الموضع الواحد من الصيغة كأن نقول :

             ـ سيصل عمر غدا من الرحلة (الرجوع)

             ـ سيرجع عمر غدا من الرحلة ( الراحة)

      ـ سيرتاح عمر غدا من الرحلة (…….)

(ب) ـ استبدال متعدد المواضع :( Progression multi partie )                                   

       وهو تغيير للمادة في عدة مواضيع مثل :

      ـ جاء عشرة طلاب ( طالبة)

      ـ جاء عشر طالبات ( وصل)

      ـ ……………………….

(ج) ـ الاستبدال بالزيادة أو الحذف : (Substitution par expantion ou réduction)  

  وفيه تضاف مواضيع أخرى إذا كانت الجملة أصلية , وتحذف مواضيع أحرى إذا كانت الجملة فرعية مثل:    

              ـ جاء الأب البارحة (مساء) 

             ـ جاء البارحة مساء (الطفل)

              ـ جاء الطفل البارحة مساء (الصغير)

             ـ جاء الطفل الصغير البارحة مساء (1)

(د) ـ الاستبدال بالربط : ( Substitution par corrélation ) .  وفيه يجري التلاميذ استبدالا  

       في مواضيع متعددة فالعنصر المقترح استبداله يؤثر على باقي المواضيع , ويأتي على الشكل التالي :

              ـ التلميذ المجد نجح في الامتحان 

              ـ التلميذان

              ـ التلميذان المجدان نجحا في الامتحان

3.3 ـ تمارين التحويل : ((Exercice de transformation .  ويعتبر أهم التمارين البنيوية ؛ لأنها  

        تكسب التلميذ القدرة على التصرف في البنى , وتقوم هذه التمارين على التقابل . مثل :

       ـ ما عرفت متى جاء    //    ما أعرف متى يجيء .

       ـ ما عرفت متى جاءوا   //    ما اعرف متى يجيئون .(2)

(1) ـ                                                     . 27. .Geneviéve delattre . les différents types d’exercices  structuraux  .p                                                             (les  exercices  structuraux  - sous  la direction  . de pierre  delattre )                                                     

(2) ـ د /  صالح بلعـيد . دروس في اللسـانيات التطبيقـية . ص .  38 .

      ـ 98 ـ

3 .4 ـ تمارين التركيب :( Exercice de combinaison ) ويستهدف الربط بين جملتين بسيطتين

        مستقلتين لتكوين جملة مركبة . مثل :  

        ـ جاء التلاميذ / التلاميذ يزاولون دراستهم في مدرسة ” لآلة فاطمة نسومر.”

        ـ الذين……………..

        ـ جاء التلاميذ الذين التلاميذ يزاولون دراستهم في مدرسة ” لآلة فاطمة نسومر.”(1)

5.3 ـ تمارين التكملة ( Exercice de complétion ) وفيها إكمال جملة أو حوار مثل :

        ـ يجب أن يعتمد التلميذ ………………..

        ـ ستشرع الحكومة في………………….

        ـ خرج التلاميذ………………………..

6.3 ـ تمارين الزيادة : ( Exercice de déxpantion ) والمطلوب إضافة عنصر لغوي في كل مرة

        للجملة الأصلية للحصول على جملة فرعية طويلة مثل :

        ـ نال التلاميذ الجوائز (السنة السادسة) .

        ـ نال تلاميذ السنة السادسة الجوائز.

        ـ نال تلاميذ السنة السادسة لمدرسة “ ابن بولعيد ” الجوائز (إلا ثمانية تلاميذ ).(2)

7.3 ـ تمارين الحوار الموجه : ( Dialogue dirigé ) ويعد هذا التمارين آخر محطة بالنسبة للتمارين

        البنيوية , وهذا النوع يتميز بالعفوية ومن أنواعه :

(أ) ـ تقليص النص ( contradiction ) ويجري على شكل حوارات مصغرة يتم فيها التقابل بين جملتين   

        من بين جملة مثبتة وأخرى منفية.مثل :

        ـ الباب مغلق

        ـ ليس الباب مغلقا ، الباب مفتوح

        ـ الجو حار

(ب) ـ تمرين توجيه الطلبات : ( injonction ) وفي هذا التمرين يطلب المعلم من التلميذ توجيه الطلب

         إلى زميله على الشكل التالي :

        ـ المعلم : قـل لعلي أن يتصل بك هاتفيا هذا المساء ؟

        ـ التلميذ : عـلي, اتصل بي هاتفيا هذا المساء .

        ـ المعلم : قـل لمصطفى وعمر أن يساعداك في حمل الكتب ؟

        ـ التلميذ : مصطفى وعمر . ساعداني في حمل الكتب .         

(1) ـ د / صـالح  بلعـيد . دروس في اللسانيات التطبيـقية  .ص  .  38 .

(2) ـ أنظر Genévieve  delattre  . les différents  types  d’exercices structuraux  . p . 27   .                    

Les exercices structuraux  - sous la direction  . de pierre delattre )                                    )

ـ 99 ـ

(ج) ـ السؤال والجواب : (Question – Réponse)

     وهذا التمرين يدرب التلميذ على استعمال اللغة شفهيا وكتابيا ، ويقرب المتعلم من المواقف الطبيعية ، حيث يوضع التلميذ في المواقف العادية ويطلب منه إجراء الحوار مع زميله في قضايا السياق الطبيعي أو المقام . مثل : الزبون : نبحث عن ثلاجة

               البـائع : لا يوجد ثلاجة

               الزبون : هذا غير معقول ؟

               البـائع : أعلم ذلك ، ولكن لا يوجد ثلاجة

               الزبون : ولكنها ضرورية .(1) 

تمارين باستخدام الوسائل والصور : [م ،إ ]

1 . لاحظ الصورة ثم ضع الكلمات التالية في الفراغ المناسب ؟

    ( يمين ، يسار ، فوق ، )

ـ القط على ………..الخروف ،

ـ الأرنب على …………الخروف

ـ الضفدع ……….الورقة .

2 . لاحظ الصورة و املأ الفراغ بالكلمة المناسبة ؟

   ( أكبر ، بين ، أصغر )

ـ الثور …… الجمل والحصان  ،

ـ الثور ……. من الجمل والحصان ، 

ـ الحصان ……… من الجمل .

(1) ـ أنظر :                         Albert Valdman  . la progression  dans  les exercices  structuraux   .  p 46

                                                  Les exercices  structuraux  sous  direction  de  P. Delattre .

ـ 100  ـ

4 ـ أمثلة وتدريبات بنيوية

1.4 تمارين التحويل :  تحويل جملة المبتدأ والخبر إلى أسلوب التعجب :

    1 ـ سعادة عظيمة                          ماأعظم السعادة

    2 ـ أخلاقه طيبة                            ………………

    3 ـ كلامه لطيف                           ……………….

    4 ـ سلوكه حسن                           ……………….

    5 ـ  خطه جميل                           ……………….

2.4 تمارين الربط : وهو ربط جملتين , بحيث تصبحان جملة واحدة والهدف هو: توظيف حروف              العطف , أو أسماء الموصول , أو أدوات الشرط وغيرها مثل : حوّل الجمل التالية :

(أ).1 ـ أكـلت الطعام , شربت الدواء                 أكلت الطعام ثم شربت الدواء

    2 ـ أنـت تأمـر , نحـن نطـيع                      ……………………………    

    3 ـ نحسن إلى الجار, نكرم الضيف              .      ……………………………

    4 ـ يراجع الدرس , ينام مطـمئنا                       ……………………………

    5 ـ سارت السيارة , توقفت قـليلا                      ……………………………

(ب) .1 ـ وصل الرجـل , هو أبي                          الرجل الذي وصل هو أبي .

      2 ـ جاء الغـائب , هـو أخي                         ……………………

      3 ـ فازت التلميذة , هي أختي                          …………………..

      4 ـ عـاد الحاج , هـو جدي                         …………………..

3.4 تمارين التكملة :   أكمل كما في المثال التالي :

     1 ـ نجلس فـي غرفـة الجلوس

     2 ـ  ننام فـي غرفـة ………

     3 ـ نأكل فـي غرفـة ………

     4 ـ نستحم فـي غرفـة …….

4.4 تمارين الحوارالموجه : يقدم هذا النوع في نهاية التدريبات الآلية ؛ لأن تمارين الحوار وتمارين    

        توجيه الطلبات ذات صبغة تواصلية إبداعية مثل :

        ـ أطلب من أحمد أن يناديك هذا المساء في الهاتف ؟

        ـ احمد . أطلبني مساء في الهاتف .

        ـ نعم . سأطلبك

ـ 101 ـ

5 . التمارين البنيوية في دراسة التعبير

      التمارين البنيوية تهدف إلى تمكين التلاميذ من أصول اللغة ، فهي خطوة أكثر تقدما وتطورا من تمارين التراكيب ، التي تؤلف من الكلمات المبعثرة جملة تامة ، أو بملء الفراغ بكلمات مناسبة يختارها التلميذ ، أو تكون موجودة على هامش التمرين ، أو بالربط بين المترادفات أو الأضداد , أو بتكملة جملة ناقصة ، أو بحذف الزائد من عبارة …الخ.

   إن التمارين البنيوية تتعلق بحسن استخدام التلميذ الفروق بين معاني المفردات ، التي تؤدي إلى تغيير معاني الجمل والعبارات ، مثل استخدام كلمة (قـد) في الماضي والمضارع ، ومثل الأفعال التي تتعدى بحرف الجر ، ويتغير معناها وفقا للحرف المستخدم مثل : رغب بالشيء , ورغب عنه (1).

نماذج تطبيقية من التمارين البنيوية :

     التمارين البنيوية هي إحدى وسائل تعلم أساليب اللغة العربية ، اعتمادا على القاعدة التي تقول : بأن التلميذ يجب أن يستسيغ الأساليب ، ويعتاد ممارسة اللغة قبل أن يدرك قواعدها , وتتنوع هذه التمارين وتتعدد معتمدة نهجا ينطلق من التنظيم اللغوي ككل , للوصول إلى مختلف العناصر المكونة لهذا التنظيم , بهدف إكساب التلميذ المهارات اللغوية ، والبنى الصرفية , والنحوية التي تؤهله للتعبير مشافهة وكتابة. وفيما يلي نورد نماذج من التمارين البنيوية في مجال التعبير.

1. تمرين الترداد :

يهدف هذا التمرين إلى تعويد المتعلمين على النطق الصحيح من خلال إسماعهم عددا من الجمل وتردادها وهذه الجمل تحتوي على فوارق بنيوية , يرغب المعلم في إيصالها إلى التلاميذ :

   المعلم : هل نجح كريم في الامتحان ؟

   التلميذ : نعم…نجح كريم في الامتحان .

   المعلم : هل كان الامتحان صعبا أو سهلا؟

   التلميذ : كان الامتحان صعبا.

   المعلم : كان الامتحان صعبا؟

   التلميذ : نعم … كان الامتحان صعبا. (2)

(1) ـ  أنظـر : د / يـوسف الصـميلي  . اللغـة العربية وطرق تدريسـها نظـرية وتطبـيقا . ص . 201 .

(2) ـ  المـرجـع  نفـسه  . ص  . 202 .

ـ 102 ـ

2 . تمرين الاستبدال : تبقى في هذا التمرين بنية الجملة ثابتة ، ويتم استبدال عنصر بآخر كالتمارين التالية :

(أ) ـ تمرين يتعلق بالأفعال التي ترتبط بجمل تبدأ بحرف (أنْ).[م.إ ]

ـ قرر المعلم أن يذهب مع التلاميذ في رحلة

ـ أحب ………………………………

ـ أراد ……………………………….

ـ شاء ……………………………….

ـ فضل……………………………….

ـ ود …………………………………

ـ تمنى ……………………………….

(ب) . تمرين يتعلق بالأفعال التي ترتبط بجمل تبدأ بحرف (أَنَّ) [ م.إ ]

ـ علم الأهل أن المدرسة أجّـلت موعد الامتحانات

ـ أدرك ……………………………………

ـ أيقن …………………………………….

ـ تأكد …………………………………….

ـ استنكر ………………………………….

3 . تمرين التحويل : يهدف تمرين التحويل إلى تنمية الحس عند المتعلمين ؛ بإدراك التغيير الذي يطرأ على الجملة مثل :

(أ) ـ تمرين يتعلق بتحويل الجملة الفعلية إلى جملة اسمية . [ م.إ ]

جملة فعلية جملة إسمية

(ب) ـ تمرين يتعلق بتحويل الجملة من المعلوم إلى المجهول [ م . إ ]

معلوم مجهول

(1) ـ د / يوسف الصميلي   مـرجـع سـابـق   ص 204 .

(2) ـ المـرجـع نفسـه   ص  204 .

ـ 103 ـ

(ج) . تمرين يتعلق بتحويل الجملة من الإثبات إلى النفي :

        ـ ودع كريم رفاقه قبل السفر (إثبات)

         ـ ما ودع كريم رفاقه قبل السفر (نفي)

4 .تمرين التوسيع :

يهدف هذا التمرين إلى تدريب المتعلمين على التفكير بتوسيع الجملة الأم باقتراح كلمات ، أو مقاطع جديدة أولا بأول : 

      ـ كتب التلميذ واجباته (المدرسية )

      ـ كتب التلميذ واجباته المدرسية ( في بيته)

         ـ كتب التلميذ واجباته المدرسية في بيته ( مساء )

      ـ كتب التلميذ واجباته المدرسية في بيته مساء ( يوم السبت )(1) .

5 . تمرين الترابط :

يهدف هذا التمرين إلى تدريب المتعلمين على حسن استخدام أدوات الربط بين جملتين فأكثر ، لنحصل على جملة مركبة ، فعبارة ، فموضوع .

أ   ـ التلميذ …. نجح …أخوك

   ـ التلميذ الذي نجح هو أخوك

ب   ـ حضر التلميذ …..نجح وتكلم ….. صعوبة الامتحان ، وأخبر عن زملائه ….. انسحبوا وعن آخرين    …..يسعفهم الوقت .

             ـ حضر التلميذ الذي نجح وتكلم عن صعوبة الامتحان ، وأخبر عن زملائه الذين انسحبوا وعن آخرين لم يسعفهم الوقت .

ج ـ ذهب التلاميذ في رحلة إلى الأماكن الأثرية ، وقضوا وقتا ممتعا بين هياكل ومعابد الحضارات التي مضت ، تاركة لنا عطر السنين ، معبرة عن جهد الإنسان في عمارة الكون(2) .

  إن التمارين البنيوية تمزج بين التعبير الكتابي ، والتعبير الشفهي ، وتتيح للتلميذ فرصة الاعتياد على التعبير عن فكرته بتركيز ووضوح ، وتدربه على استخدام أدوات الربط، استخداما صحيحا. وهنا تتجلى قدرة المدرس على اختيار التمارين التي تتناسب مع مستوى الصف المعني، وقدرات التلاميذ، مع اعتماد عنصر التشويق والتنويع .

      

(1) ـ د/ يوسـف الصمـيلي   .  مـرجـع سـابق   ص 205 .

(2) ـ المـرجـع نفسـه    ص  205  .

ـ 104 ـ

تمارين باستخدام الوسائل والصور

1. أكتب قائمة الفواكه وقائمة الخضر.

قائمة الخضر

قائمة الفواكه

2 . لاحظ الصور التالية وعبر عنها كتابة .

ـ 105 ـ

6 ـ نقـد المفـاهيم البنيوية

كثر في الآونة الأخيرة اعتماد المفاهيم البنيوية في إعداد الكتب اللغوية وتعليمها ، وتعددت التمارين البنيوية بهدف تركيز أسس اللغة في ذهن التلاميذ بصورة آلية منظمة ، كما كان لانتشار مبادئ علم النفس السلوكي التأثير الواضح في توجيه المناهج والتطبيقات ، ” وقد أحدث اعتماد مثل هذه الأدوات والنماذج التعليمية المسماة بالتمارين البنيوية الواضحة الانتماء إلى السلوكية السكينرية تحفظات كبيرة في أوساط المربين الذين تفطنوا إلى طابعها المتكلف والمصطنع ، لذلك دورها ظل محدودا ، ومحصورا في مرحلة درس اللغة ، في مرحلة الترسيخ.”(1)

   وفي المنهجية البنيوية يعمل المدرس على فسح المجال للتلاميذ للتدرب الذاتي على التكلم والتواصل ، وكلما تضاعفت الاستعمالات وتكاثرت الإعادات ، ساعدهم ذلك على اكتساب العادات الملائمة لتعلم اللغة الهدف فيتم اكتساب الملكة اللغوية إذن انطلاقا من التكرار والتذكر ، “لكن تشومسكي (N.Chomsky) يعارض هذا المنظور الذي وضعه سكاينر (Skinner) حيث ترى المدرسة التحويلية التوليدية : بأن اللغة تكتسب اعتمادا على الموهبة الإبداعية.”(2)

   إن انتقادات تشومسكي تركزت على رفض مبادئ علم النفس السلوكي ، ومحاولات تبنيها في المجال اللغوي ، “وقد أشار تشومسكي إلى أن الاختبارات الجارية على بعض الحيوانات : الفئران والحمام مثلا تفقـد مسوغاتها وصفاتها العلمية ، وعندما تنقل نتائجها لتشمل السلوك الإنساني”.(3) 

ويمكن تلخيص الانتقادات الموجهة للتمارين البنيوية في النقاط التالية :

     1ـ الخاصية المصطنعة للمحتوى اللغوي ، فهي غالبا ما تكون معزولة عن أحوال الخطاب الطبيعي .

     2 ـ الإسراف في التدريبات الشفهية ، وإهمالها للجانب المكتوب .

     3 ـ الاهتمام المفرط بالجانب الآلي في استعمال اللغة ، مما يحدث سلوكا ببغاويا ، لا إبداع فيه .

     4 ـ أنها تحتاج إلى معلم حاذق للغة ، متمرس بطرق استعمال الوسائل التربوية .

     5 ـ أنها بطيئة مع عدم التنوع في أشكالها .

الرد على الانتقادات :  إن أنصار التدريبات البنيوية يعتبرون أن هذه الانتقادات ما هي إلا مزاعم ، يمكن نقضها

أما الأولى : فإن الأمثلة المصطنعة شيء لابد منه في بعض المراحل ، وفي موضوعات معينة ، إذا كان ذلك لغرض تعليمي ، ويكون بمثابة نقطة الانطلاق والتدرج ، ولكن الطرق السمعية البصرية تنبهت لهذه النقطة

  1. ـ لويس دابين :  اللسانيات وتعليم اللغة  ترجمة  د / خولة طالب الإبراهيمي  .  مجلة اللغة والأدب  (2)  ص 78 .
  2. ـ د / بوشـوك  :  تعلـيم وتعـلم اللـغة العـربية    ص 87 .
  3. ـ د / ميشـال زكـريا  :  مبـاحث في النظـرية الألسـنية وتعـليم اللغـة  ص 89 .

ـ 106 ـ

فحاولت ربط التمارين بالأحوال والمقامات(1) .

أما الثـانية : فإن التمارين البنيوية اعتمدت فعلا على الجانب المنطوق من اللغة ؛ لأن الاتجاه الحديث هو اتجاه شفهي ، ولكن بإمكان أي معلم تحويل هذه التمارين إلى تمارين كتابية ، ثم إن اللغة في المقام الأول ظاهرة صوتية منطوقة مسموعة .(2)

أما الثـالثة : فالتمارين الآلية التكرارية ليست ببغاوية ، لأن التكرار هو التمرن على الاستعمال ، و به يحدث التعلم وتصحيح الأخطاء .

أما الرابـعة :  فإن المعلم الكفء هو ما تفتقر إليه جميع الطرق والمناهج .

أما الخامسة : فإن البطء ناتج عن التدرج ، وتجنبا للإملال فقد لجأت الطرائق البنيوية تنويع أشكال التمارين بحسب مقتضيات المرحلة .

والجدير بالذكر أنه لا ينبغي الاقتصار على التمارين البنيوية بمفردها في الدرس الواحد ، وإنما ينبغي إدراج تمارين من أنواع أخرى مكملة لها ، مثل : التمارين التبليغية التواصلية وغيرها .

دوافع التخلي عن التمارين البنيوية :

اتجهت النظرية التوليدية التحويلية نحو وضع نظرية متكاملة ، تتناول الكفاية اللغوية عند الإنسان التي تتيح له إنتاج عدد من الجمل اللامتناهي في لغته ، وقد نجم عن هذا الاتجاه الجديد الدعوة إلى إعادة نظر جدية في مباديء الألسنية البنيوية التي لم تنل الرضى والقبول ” فهناك من انتقدها بدعوى أنها تمارين تنطلق من تراكيب معزولة عن أحوال الخطاب الطبيعي ؛ فالمتعلم يكتسب البنى اللغوية لكنه يعجز عن استعمالها إضافة إلى إفراطها في التطبيق الشفاهي ، وإهمالها للجانب الكتابي ، واعتبار التمارين البنيوية تمارين آلية ، لا تدرب التلميذ على الخلق والابداع ، وخاصة تمرين التكرار.”(3)

    وانطلاقا من منهج الألسنية التوليدية التحويلية يرى الدكتور ميشال زكريا : أن هناك خمسة قضايا تحث على التخلي عن اعتماد التمارين البنيوية في مجال تعليم اللغة . نستعرضها بإيجاز فيما يلي :

1 ـ تطبيق مباديء علم النفس السلوكي في المجال اللغوي :

   ينفي الدكتور ميشال زكريا أي تسويغ علمي كي تشمل المفاهيم السلوكية المجال الألسني ، وإنه من الخطأ الاعتقاد بأن الطفل يكتسب اللغة من خلال محاكاة لغة الكبار ، ومن خلال الممارسة ، وتقوية الاستجابة للمثيرات الكلامية ؛ لأن الإنسان يختلف عن الفئران والحمام ، وعن سائر الحيوانات في أن ” لديه ملكة فكرية مميزة ، تقود اكتشافه لقواعد لغته وتكوينه لكفايته اللغوية ، التي تكمن وراء السلوك الآني في عملية تكلم اللغة ، مما يدفعنا إلى

(1)ـ يلاحـظ أن بعـض الأحـوال والمقـامات الأخـرى مصطـنعة .

(2) ـ يفضـل كثيـر من الـدارسين التدريبات الشفـهية على الكتابيـة لاعـتبارات تـربوية .

(3) ـ د / صالح بلعيد   .  دروس في اللسانيات التطبيقية    ص   40 .

ـ 107 ـ

الاعتقاد بأن مفهوم اللغة كسلسلة وحدات قائمة على العادات الكلامية وفق ما يذهب إليه البنيويون ، لا يتلاءم مع الناحية الإبداعية في اللغة ، ولا يراعى حقيقة الإنسان العقلية الكامنة وراء كل سلوك فعلي .”(1)

2 ـ اعتبار اللغة مجموعة وحدات كلامية :

يعتبر البنيويون اللغة مجموعة عناصر ووحدات كلامية ، وتعليم اللغة هو إكساب التلميذ هذه الوحدات ، ويرى الدكتور ميشال زكريا : أن الخطأ يكمن في اعتقاد البنيويون بأن ترديد لائحة بعناصر اللغة ، ينتج منه المقدرة على إنتاج جمل اللغة ، وفي اعتقادهم أن الإنسان يستطيع أن يتعلم اللغة ، بواسطة استيعاب لائحة شاملة كل جمل اللغة ! . ثم يعلل الدكتور عجز التمرين البنيوي عن إكساب البنية الكلامية الذي يتم بصورة آلية من خلال ترداد التمرين المختص ؛ بأن التلميذ لا يستطيع أبدا إنهاء عملية الاكتساب ؛ لأن بنى الكلام متنوعة جدا ولا متناهية من حيث عددها ، ومن الواضح أننا لانستطيع تمرين التلميذ على عدد لا متناه من التمارين المتنوعة .” وبتعبير آخر : لا نستطيع أن ننمي عند التلميذ الكفاية اللغوية ، التي تؤهله لتفهم وإنتاج عدد لا متناه من جمل لغته بواسطة التمارين البنيوية هذه .”(2)

   إن التمرين البنيوي في نظر الدكتور زكريا لا يخدم عملية تعليم اللغة ؛ لأنه لا يوفر في كل محاولة سوى مظهر مجزء للغة ، وكل محاولة لتعليمها مجزأة هي مهددة بالفشل .

3 ـ عدم ملاءمة التمرين البنيوي لواقع الحال اللغوي :

     في مناقشة هذه القضية يتساءل الدكتور زكريا : هل يمكن تحديد المفردات والبنى الأساسية ؟ وهل يكون التواصل اللغوي مقتصرا عليها وحدها ؟ ثم يجيب : بأن التواصل ينبع من الكفاية اللغوية التواصلية ، والتي لا تقتصر على البنى ، بل تتعداها إلى المعرفة بالترابط بين البنى هذه ، وبين ظروف التكلم . ” فمن هذا المنظار تبدو لنا التمارين البنيوية فقيرة جدا خارج إطار صف اللغة ، ولا تتلاءم بصورة واقعية مع الظروف التواصلية التي يجد التلميذ نفسه فيها عندما يتكلم في بيئته الاجتماعية .”(3)

    إن التمرين البنيوي من المنظور التواصلي ، لا يؤدي الوظيفة التي أعد من أجلها ؛ لأن تعليم اللغة في واقعها الحي ، تنص على إنتاج الجمل ؛ أي تنمية الكفاية التواصلية .

4 ـ تركيز التمرين البنيوي على المنهجية المعتمدة :

يطرح الدكتور م .كريا مجموعة نقائص اتصف بها التمرين البنيوي ، تتعلق بسلطة المنهجية ؛ فحين يطبق التمرين ، لا يراعي قدرات  التلميذ الذهنية ، ولا يراعي الهدف الأساسي لتعليم اللغة .

(1) ـ د / ميشـل زكريا  .  مباحـث في النظريـة الألسنيـة وتعلـيم اللغـة   ص 90 .

(2) ـ  المـرجـع  نفسـه   ص 90 .

(3) ـ  المـرجـع  نفـسه  ص  91 .

ـ 108 ـ

وإن التمرين يرتكز على سلطة الأستاذ ، الذي يقذف بالبنى اللغوية إلى ذهن التلميذ ، عن طريق جعله يستجيب لجمله بصورة آلية ، ولا إرادية ، من دون أي تفكير فيها ، ويخلص الدكتور إلى هذه النتيجة : ” أمام هذا الواقع : يشعر التلميذ بأنه لايملك أي ذكاء ، أو أية قدرة استيعابية فكرية تحليلية ، فهومرهون لسلطة التمرين البنيوي ، يردده وينطوي ضمن إطاره ، إلى أن ينتقل إلى تمرين بنيوي آخر ، إسهامه الأساسي يكمن في : أن ينتزع من ذاته كل محاولة لأدراك المعطيات ، وتحليلها بصورة ذهنية وأن يلتقي بصورة هادئة ومطاوعة مثيرات مدربه.”(1)

   يتضح مما سبق : أن التمارين البنيوية تستهدف في مجملها التكرار قصد التثبيت ، في غياب كل ما يتطلب التفكير ، وأن التلميذ لا يحق له الإبداع والارتجال ؛ فهو يواجه وضعيات بسيطة ، لاتتطلب منه سوى تذكر وتطبيق المعارف المرسخة في ذهنه ، أما الاستعمال الإبداعي التواصلي فيضل مهمشا.

خـلاصة الـرأي :

  إن التمارين البنيوية ليست مدرسة أو اتجاها ، وإنما تستند إلى نظرية لسانية تطبيقية تبرر استعمالها في المجال التعليمي ، على أساس أن كل تطبيق ينبني على نظرية علمية تضبطه ، وإن التمارين البنيوية من الوسائل البديلة التي يمكن أن تعوض التمارين التقليدية ؛ لأنها تعالج أنواعا خاصة من الاختلالات اللغوية المستخلصة من تحليل أغلاط التلاميذ ، إضافة إلى قابليتها للتعامل مع الوسائل السمعية البصرية .

    وعلى الرغم من السلبيات الملحوظة ، إلا أن هذه التمارين مهمة في اكتساب القدرة على التصرف في البنى اللغوية ، مثل استبدال شيء بشيء ، أو تحويل وهو جد مفيد في اكتساب هذه الآليات ، بشرط ألا تكون مجرد حكاية أو تكرار ، بل تحويلا حقيقيا على مثال سابق يتطلب التأمل والتصرف المحكم في البنى اللغوية ” أما التمرين المتضمن للتحويل فهو إبداع وليس ترديدا ، ولو كان معزولا عن الحال فهو نافع .”(2)

   إن اللغة جهاز تتداخل عناصره ، ولا يكفي التدريب الواحد ، إلا بزيادة تداريب أخرى مكملة ؛ لأن كل تدريب يتناول جانبا من اللغة ، أو يستهدف مهارة ما .

   وكان لبروز النظرية التوليدية والتحويلية في المجال الألسني، الأثر السلبي من حيث اعتماد المبادئ البنيوية ،

ثم اتجهت نحو وضع نظرية متكاملة تتناول الكفاية اللغوية ، وقد نجم عن هذا الاتجاه الدعوة إلى إعادة نظر جدية في مبادئ الألسنية .”وهكذا يتبين بأن تطبيق النظرية التحويلية يطرح عدة إشكاليات على صعيد التطبيق والإنجاز، كما أن تشومسكي نفسه قد صرح بعدم طواعية نظريته في مجال تعليم اللغات وتأثرا بمبادئ الاتجـاه التولـيدي

(1) ـ د / ميشـال زكـريا   مـرجـع سـابـق   ص 93 .

(2) ـ د / صـالح  بلـعيد   دروس في اللسـانيات التطبـيقية   ص 40 .

ـ 109 ـ

التحويلي ، نجد المنهجية البنيوية الكلية السمعية البصرية تحبذ استعمال التمرين الإبداعي والوجداني للتلميذ ، قصد اكتساب البنيات اللغوية في مواقف حية ، وترفض اعتماد التمارين التقليدية ؛ لأنها تتبنى مبدأ الفصل بين اللغة والمقام ، كما ترفض التمرين الميكانيكي التكراري ، وتعتبر البنية العميقة  من وجهة نظر ديداكتولوجية أساس كل إنتاجية لغوية … وانطلاقا من نمو المعرفة السليقية للغة يستطيع المتكلم أن ينتج عددا لا نهائيا من البنيات السطحية قصد التواصل … وبذلك يتم تجاوز المنهجية التقليدية التي ترتكز على تعليم المفردات دون مراعاة المقام ، وباكتشاف مفهوم المقام في الدراسات اللسانية تم إحداث تحولات جذرية في تعليم اللغات “(1) ؛ حيث أصبحت الطريقة المباشرة تعتبر المقام أساسي من منطلقات المنهجية . وهكذا تطورت تطبيقات مفهوم البنية اللغوية ومفهوم المقام بظهور المنهجية البنيوية ، التي تحبذ استعمال التمرين الإبداعي والوجداني للمتعلم ، وتعتبر التمارين التبليغية مكملة للتمرين البنيوي ، وعليه : “يمكن تدريب التلاميذ على النوعين ؛ لأن التمارين البنيوية وسيلة ترسيخية لا يمكن الاستغناء عنها ، رغم النقائص التي قيلت فيها “.(2)

  ” ومن المعلوم أن تكثيف تمارين التبديل والتغيير ، تساعد المتعلم على اختيار التعبير الموقفي المناسب للمقام.”(3)  وهذا يتم عن طريق الحفظ أولا ، ثم عن طريق الممارسة المستمرة للأساليب .

ولكي يحقق التمرين مردودا تعليميا ، ينبغي : ” أن يكون متنوعا ، ويكون أقل تأثيرا إذا كان متكررا من غير تنوع ، ( فعشر) جمل في التدريب يمكن أن تقوم تمرينا حسنا ، ولكن ( 25 ) جملة ليس بالضروري أن تكون

أحسن”.(4) ويكون التدريب على النمط الآتي :

1 ـ التأكـيد عـلى عـبارات أسـاسيـة .

2 ـ ربـط التدريب عليـها بعملية الاتصال .

3 ـ الالتـفـات إلـى التـدريب الشفـهي .

4 ـ تمرين مختصر ، ومـتنوع  ، ومتكرر . (5)

(1) ـ د / بـوشوك  . تعـليم وتعـلم  اللغـة العـربية وثقافتـها    ص  83 .

(2) ـ د / صالح بلـعيد    دروس في اللسـانيات التطـبيقية       ص     40 .

(3) ـ د / بوشـوك    مـرجـع  سـابـق    ص  87 .

(4) ـ د / صـلاح الدين مجـاور   تـدريـس اللغـة العربيـة في المرحـلة الثانـوية   ص 392 .

(5) ـ  المـرجـع  نفـسه    ص  392  .

  

ـ 110 ـ

ـ 11ـ ـ   2

6 . التدريب على مهارات اللـغة

أولا : التمرين الشفهي ومهارة الاستماع :

   إذا نظرنا إلى اللغة وجدنا أنها فنون أربعة : استماع ، وكلام ، وقراءة ، وكتابة ، ” فالاستماع هو الفن اللغوي الأول ، الذي يجب التدرب عليه من البداية ، والكلام هو التعبير الشفهي .”(1)    ولكن الملاحظ في منهج اللغة العربية هو : عدم الاهتمام بفن الاستماع ، وقد عرف علماء العرب قديما أهمية السماع ، فقد اعتبر ابن خلدون السمع ” أبا الملكات اللسانية.(2) ، ويوضح هذا السمع في موضع آخر بقوله : “ويسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها ، فيلقفها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقفها كذلك ، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ، ومن كل متكلم ، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة .”(3)

1 . الفرق بين السماع والاستماع(4) : هناك فرق بين دلالتي الكلمتين :

فالسماع : هو إدراك الصوت بحاسة الأذن ، دون انتباه أو تركيز ، ومنه قوله تعالى :

                     ” وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون(5)

أما الاستماع : فهو الإصغاء الواعي الذي يقصد به الفهم وتقويم المسموع ، وفي قوله تعالى : ” وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا…(6) ما يشير إلى قيمة الاستماع في الفهم والتدبر ، فهو نشاط مكتسب ، له مهاراته ، وهو بحاجة إلى تعلم وتدريب ، وفي التفريق بين الكلمتين استخدمت في الإنجليزية كلمة (Hearing ) للسماع ، وكلمة : (Auding) للاستماع .

2 . أهمية الاستماع : الاستماع هو نوع من أنواع الاتصال واستقبال اللغة ، وفهم المسموع وفك الرموز ، واختزان الأفكار ، واسترجاعها عند اللزوم ، وهو من المهارات الوظيفية ، ويتطلب التركيز والانتباه وحضور الذهن ، فهو بالتالي ” يحتوي الكثير من المهارات اللغوية الضرورية للنمو اللغوي. “(7)  ، ” وتتأكد أهمية الاستماع في تعلم اللغة اليوم لازدياد حجم ما يذاع بمختلف الوسائل.”(8)  . ورغم هذه الأهمية ، فإنه يلاحظ أن معظم التمارين لا تهتم إلا بالجوانب النحوية والصرفية ، وتهمل بقية المهارات .

(1) ـ د / علي أحمـد مدكـور   . تـدريس فـنون اللغـة    ص  49 .

(2) ـ (3) ـ  ابـن خلـدون   .  المقدمة    2 / 1075   و  2/ 1389 .

(4) ـ د / محمد اسماعيل ظافر  ويوسف الحمادي    .  التدريس في اللغة العربية    ص  128 .

(5) ـ سورة فصلت 25      .    (6) ـ سورة  الأعراف  203 .

(7 ) ـ د / فيصل حسين العـلي المرشد الفني لتدريس اللغة العربية    ص 126 .

(8) ـ د/ محمد اسماعيل ظافر  ، ويوسف الحمادي   المرجع نفسه   ص  128 .

ـ 111 ـ

إجراء تداريب الاستماع والتعبير الشفهي :

   في هذه التمارين يكون الانطلاق من نص مسموع ، ثم تجرى حوله تداريب التعبير الشفهي وفق آليات متعددة تستهدف مهارات متنوعة ، وينبغي عدم إغفال الفئة السلبية من التلاميذ الذين يتهيبون من التعبير الشفهي لاعتيادهم على التلقين ، أو بسبب طبعهم المنطوي .

3 . الأهداف العامة لمنهج الاستماع :(1) حظي منهج الاستماع بقدر وافر من الأهداف أهمها ما يلي :

1 ـ الاستماع بعناية مع الاحتفاظ بأكبر قدر من الحقائق والمفاهيم .

2 ـ القدرة على إدراك الكلمات المسموعة ، وعلى الاستجابة للإيقاع الموسيقي في الشعر .

3 ـ تنمية القدرة على إكمال الحروف الناقصة في الكلمات ، والكلمات الناقصة في الجمل .

4 ـ القدرة على توقع ما سيقوله المتكلم ، وإكمال الحديث فيما لو سكت .

5 ـ القدرة على تقويم المحتوى المسموع .

4 . تداريب على المهارات الفرعية للاستماع

(أ) ـ التدريب على مهارة التمييز السمعي :  أي ” تذكر الأصوات في نظام تتابعي ، والتمييز بين الأصوات ، لإدراك معاني الكلمات والجمل ، وصهر الأصوات فيما بينها .”(2) ومن أهم التداريب ما يلي :

1 ـ التعرف على الأصوات المختلفة في البيئة .

2 ـ تمييز الصفات المتعلقة بالأصوات :( هادئ ، مرتفع … )

3  ـ تحديد مصدر الصوت .

4  ـ يستخلص المعنى من نغمة الصوت .

5  ـ يذكر كلمات تعبر عن صورة أو فعل ، وذلك بعد سماع قصة قصيرة .

6 ـ إضافة كلمة لإكمال جملة .

7  ـ يستكمل فراغات في الجمل المنطوقة بكلمات مناسبة .

8 ـ يذكر كلمات تبدأ بنفس الحرف المعطى له شفويا .

9 ـ يميز بين الرموز الصوتية المتقاربة في الشكل والنطق .

10 ـ يحدد الكلمات ذات الوزن المتشابه ، من خلال ثلاث كلمات تنطق له .

11 ـ يعيد سرد القصة التي حكيت له .

12 ـ يصف الشخصيات التي ورد ذكرها في القصة . 

(1) ـ د / علي أحمـد مدكـور .  تدريس فنون اللغة العربية   ص 67 .

(2) ـ د / فيصل حسين العلي  .  المرشد الفـني لتدريس اللغة العربية   ص 128 . 

ـ 112 ـ

13 ـ يتبع التسلسل في قصة مجزأة .

14 ـ يكتب وصفا لحدث أو مشهد لبعض المظاهر التي وردت في القصة .

15 ـ يوجه أسئلة إلى ضيف محاضر أو متحدث .

16 ـ يقلد طريقة عرض الإعلانات الهادفة .(1)

(ب) ـ تمارين على مهارات التصنيف : ترتكز هذه المهارة في العثور على العلاقات المعنوية بين الكلمات والحقائق والمفاهيم والأفكار ، طبقا لخاصية مشتركة فيما بينها . [م،م](2)

1 ـ يربط الأصوات بالصور

2 ـ يذكر كلمات تدل على أصوات : ( رنين ، صياح ، … ) .

3 ـ يستعين بإشارات السياق الصوتية على الفهم .

4 ـ يربط بين الكلمات والصور التي تبدأ بنفس الحرف .

5 ـ يذكر الحاسة التي ترتبط بالكلمة أو الجملة المسموعة

6 ـ يستبعد الكلمة غير المناسبة من مجموعة كلمات مسموعة .(3)

(ج) ـ تمارين التفكير الاستنتاجي ومهاراته : إن من أهم سمات المستمع الجيد : أن يكون قادرا على التفكير الاستنتاجي ، وعلى التنبؤ ، وحسن التوقع ، [م،م] وأهم المهارات هي :

1 ـ يستخلص المعنى من نغم الصوت .

2 ـ يستخلص معنى الكلمة من سياق الجملة .

3 ـ يتنبأ بنتائج أحداث متسلسلة سمعها .

4 ـ يتوصل إلى معرفة وجهة نظر المتكلم وأهدافه .

5 ـ يعبر عن الفكرة بالرسم .

(د) ـ تمارين الحكم على صدق المحتوى: وهي من نوع التفكير التقويمي ، الذي يتجاوز مجرد استقبال الرسالة إلى نقدها ، بإبراز محاسنها وعيوبها ، والحكم عليها في ضوء معايير موضوعية ، [م،م] وأهم المهارات هي :

  1 ـ يقوِّم الكلام المنطوق من عدة جوانب (الأسلوب / الدقة / المعلومات / مستوى الإلقاء … )

  1. ـ د / علي أحـمد مدكـور . (مرجـع سـابـق)  . ص 68 .
  2. ـ نرمز لمستوى المرحلة المتوسطة بالرمز : [م،م] .
  3. ـ المـرجـع نفسـه  ص 69 .
  4. ـ ينبغي التنبيه هنا إلى أن استخلاص المعنى من نغم الصوت يكون نتيجة الخبرة الطويلة .

ـ 113 ـ

2 ـ يكتشف التناقضات في الموضوع (إن وجدت )

3 ـ يطبق أصول الأدب وقواعده في التحدث ، والاستماع .

4 ـ الحكم على شخصيات المسرحية .(1)

(هـ) . تمارين تقويم المحتوى ومهاراته :

  وهذه أرقى مهارات التفكير والفهم ، فهي تبرز جوانب الضعف والقوة في المادة المسموعة .[م،ثا] (2)

1 ـ يفرق بين الأحكام الشخصية للمتكلم والحقائق

2 ـ يصف حالته الشعورية بعد سماع قصة مثيرة .

3 ـ يصف مشاعر المتحدث أو الممثل .

4 ـ يذكر أسباب تفضيله ، لقصة معينة سمعها .(3)

وهكذا يتسع مجال التدريب أمام المدرسين ” باقتراح تمارين شفهية تدفع بالتلاميذ وتحفزهم على تشغيل مهارة التكلم ، حيث يجب عدم إغفال التلاميذ المنطوين على أنفسهم ، الملتزمين للصمت باستمرار ، بطرح أسئلة مباشرة عليهم ، ووضعهم أمام الأمر الواقع … وتعويدهم على مواجهة أخطائهم بجرأة وشجاعة ،وعلى المدرس الاعتناء بهذه الأخطاء ، والعمل على تصحيحها.”(4)

” والتطبيق الشفهي هو خير الوسائل في جعل القواعد النحوية ملكة لا يحتاج معها التلميذ إلى كثير من التأمل والتفكير والجهد ، فهو من الطرق الطبيعية في تعليم اللغة ، ومن الخير للتلاميذ الإكثار منها ، لأنه أجدى عليهم من التطبيق التحريري .”(5)

                                                               

                                                                    

                                                                                        

                                                                                        

إدراك الصوت بحاسة الأذن

                                                                                                                            

(1) ـ د / علي أحمد مدكور   مـرجـع سـابق   ص  72 .

(2) ـ نرمز لمرحلة التعليم الثانوي بالرمز : [ م، ثا] .

(3) ـ د / علي أحمد مدكور   المـرجـع نفسـه   ص 72 .

(4) ـ د / بـوشـوك  .  مـرجـع  سـابق    ص 209 .

(5) ـ د / محمد صـالح سمك   فن التـدريس للتربية اللغـوية   ص 539 .

ـ 114 ـ

القيمة التربوية لمهارة الإستماع :

    لقد آن الأوان لكي ندرك قيمة السماع في سرعة تحصيل اللغة ، والمهارة في استخدامها ، ونتخلى عن الاعتقاد السائد في أن اللغة لا تتعلم إلا عن طريق القواعد(1) وإن بعض المدرسين يرفضون تمرينات الإملاء ، على اعتبار أنها قديمة ؟ , ولكن للإملاء قيمة تعليمية ؛ لأنها تساعد التلاميذ على تثبيت التراكيب الكتابية، والإملاء تدريب على الفهم , يجعل التلاميذ يدركون الربط الصوتي وأنماط النبر والتنعيم، وتثبيت علامات الترقيم(2) , ولذلك يقول أحد الباحثين الغربيين : ” لا يجب أن نفاجأ بأن المهارة في كتابة اللغة الصحيحة  تتعلم في الإملاء(3)

وعليه فإنه يمكن استخدام الإملاء لاكتساب العديد من المهارات مثل : ترك فراغات ، أو ترك الترقيم ليستنتجه التلاميذ.                                                                                                                                                                        

              

الجهاز السمعي ( الإستماع الجيد و سرعة التحصيل )

                                                                                                                 (1) ـ أنظر : د / رمضان عبد التواب  .  دراسات وتعليقات في اللغة  . ص .239 .

(2) ـ أنظر : د / حسن شحاتة  . تعليم اللغة العربية بين النظرية والتطبيق . ص . 96 

(3) ـ Michel pagé . Didactique  des  langues  maternelles  .  p .147 .                                                                               

ـ 115 ـ

ثانيا : التمارين الصوتية ومهارة الإلقاء

     لقد أمدت الدراسات الصوتية معلم اللغة العربية بالنظام الصوتي للفصحى ، ونبهت إلى المزالق والهفوات النطقية ، فيجب أن تستغل هذه الدراسات في الحقل التعليمي لتهذيب نطق المتعلمين ، وذلك بالتدرب النطقي على مخارج الحروف ، وإجراء التمارين الصوتية . ” وهدفها أن تهيئ أعضاء النطق لأداء الأصوات الدقيقة وإخراج الحروف من مخارجها ، فكثيرا ما يخلط المتعلم بين (التـاء والثـاء) كأن يقول في (ثلاثـة) (تلاتـة) .” (1) ومن الملاحظ أن جل المعلمين ، لا يولون هذا الجانب ما يستحق من تقويم وتصحيح ، الشيء الذي يؤدي إلى تكريس الاختلالات النطقية والإملائية لدى المتعلم ، فمعرفة الجانب الصوتي أمر واجب . يقول شمس الدين الجزري :   

إذ واجـب عليـهـم محتـم       قـبل الشروع أولا أن يعلمـوا

مخارج الحروف والصـفات       ليلفـظـوا بأفـصـح اللغـات

ـ وبعد تجويـدك للحـروف       لابد مـن معـرفـة الوقـوف .(2)

التدرب على مخارج الحروف *

            •     إن المهارات التعبيرية تتطلب التدرب على تلوين الصوت وفقا للمقام ، ومراعاة أصول الوقف وعلاماته ، مع الحرص على النطق الصحيح للكلمات ، بناء وإعرابا ، ثم إتقان الأداء اللغوي ، نطقا ، وفصلا ، ووصلا ، ووقفا ، فيعطي للعبارات معناها المراد تعجبا ، واستفهاما ، وتقريرا ، ثم تدريب المتعلمين على تمثيلها وفقا للسياق من وعد ، أو وعيد ، أو سرد ، أو حوار ، أو إخبار ، أو تمن ، أو ترج(3)

    ومن عيوب الفصاحة :عدم التزام الوقف ، فقد روى عدي بن حاتم

أنه أسلم رجلان على عهد رسول الله (ص): فتشهد أحدهما قائلا :

    أشهد أنه من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما . ثم توقف عن الكلام ، فقال له الرسول (ص) : ” قم واذهب ، بئس الخطيب أنت.”  لذا يتوجب علينا أن نتثبت من إرساء أسس الوقف ، ليتيسر لنا فهم النصوص ، ونعتني بتعليمها أبناءنا منذ المراحل الأولى للتعلم ، أما الطلبة المتقدمون فلا عذر لهم ؛ لأن هذا من تمام الفهم السليم .”(4) وقد اهتم الباحثون بأهمية الوسائل التكنولوجية في التدريب الصوتي، وتعليم النطـق يقول الدكتور

            •                      

            • (1) ـ محمد اسماعيل ظافر ويوسف الحمادي  . التدريس في اللغة العربية  . ص . 35

            • (2) ـ ابن الجزري  . متن الجزرية في التجويد . ص . 3 .

            • (3) ـ انظر : د / يوسف الصميلي . اللغة العربية وطرق تدريسها  . ص . 139 .

(4) ـ د / سالم علوي  .  الدرس النحوي بين التنظير والتطبيق . مجلة اللغة والأدب . عدد 5  / 1994 . ص 185 .

     *الصورة نقلت عن المصحف المعلم والمفسر . (C D / ROM)   MAKKA  SOFT.

ـ 116 ـ

محمود فهمي حجازي : ” يمكن تصميم التدريبات الصوتية وبرمجة تعليم النطق بطريقة تهدف إلى الوصول بنطق متعلم اللغة إلى أفضل مستوى ممكن ، في أقل وقت ، و بجهد معقول ، وهنا يتوسل الباحث بمعامل اللغات ، وبكل ما تنتجه التكنولوجيا الحديثة من وسائل.”(1)

   وسنتناول التمارين الصوتية من خلال مجموعة عناصر نوردها فيما يل :

1 . الإدراك السمعي وتمييز القيم الخلافية

      ينبغي على مدرس اللغة العربية أن يزود تلاميذه بالمعارف التي تؤهلهم لتمييز الأصوات العربية وفروقها الدقيقة ، بين مختلف الحروف والحركات ،خصوصا بين الحروف ذات المخرج الواحد،أو المتقارب ، وذات الصفات المشتركة كالجهر، والهمس ، والتفخيم ، والترقيق ، وما يسببه من تداخل وخلط كالذي يقع مثلا بين ( الضاد والدال ) ، أو بين (الدال والذال ) ، و (الطاء والتاء) ، والتداخل الذي يقع بين (الظاء والذال والزاي) ، وبين (الزاي والسين والصاد ) ، والخلط الذي يقع بين ( الكاف والقاف والهمزة ) أو بين  ( الراء والغين والخاء والحاء والهاء ) خاصة من الجانب الوظيفي ، لذلك وجب تدريب أسماع المتعلمين على التمييز الدقيق بين كل مخرج وصفاته ، وذلك باستخدام القراءات النموذجية،والتدريبية لنصوص خاصة، كالقصائد الشعرية ، ويمكن الاستعانة بأجهزة التسجيل ، وتدريب الأسماع على التميز، ثم التكلم المطابق لمخارج الحروف.(2)

تصحيح النطق : وهو نوعان : تصحيح يقوم به المدرس ، وتصحيح ذاتي يقوم به التلميذ ، ومن أهم التداريب الصوتية ؛ التدرب على قراءة القرآن الكريم ، قراءة صحيحة، تحترم فيها قوانين الإشباع ، والتفخيم،  والمد ، والإمالة ، والوقف ، والنبر ، والتنغيم …الخ

وفي كل ذلك تدريب للسان ، يقول ابن المقفع :” إذا كثر تقليب

اللسان رقت حواشيه ، ولانت عذبته.”(3) وفي السياق نفسه يقول

العتابي : “إذا حُبس اللسان عن الاستعمال اشتدت عليه مخارج

الحروف.”(4) وفي التدريب الصوتي يتحاشى المتعلم تأثير كل

صوت في الآخر مثل : (عنبر/ عمبر) حيث تقلب النون ميما أو

النطق الصحيح وتمييز الأصوات *

قلب الجيم شينا مثل : (اجتماع / اشتماع) ومثل قلب الصاد زايا         

(قصدير/ قزدير) وغيرها ، وقد يرسم صوت الصاد برمز السين              

مثل : (مسيطر/ مصيطر) و(بسطة / بصطة) ، كما يتدرب المتعلم على نطق الرسم المصحفي مثل كلمات

(1) ـ د / محمود فهمي حجازي   علم اللغة بين التراث  والمناهج الحديثة    ص 29 .

(2) ـ أنظر : د/ بـوشـوك , تـعليم و تـعلـم اللغة العربية وثقافتها  ص . 298                                         

(3) ، (4) ـ  ابن عبد ربه  . العـقد الفـريد . 2 / 478 .

*   الصورة نقلت عن  :           DICTIONNAIRE  VISUEL . THEMATIQUE . C .D  / ROM

ـ 117 ـ

(الصلوة ، الزكوة ، المشكوة) بحيث لا يمكن أداؤها أداء صحيحا ، فلابد من تلقي النطق من فم معلم ولذلك أوصى العلماء بقولهم : لا تأخذ العلم من صحفي ، ولا القرآن من مصحفي ولذلك يرفض دي سوسير شهادة الكتابة على الواقع اللغوي . كما يدرب المتعلمون على عناصر مكتوبة لكنها لاتنطق ، أو تنطق على خلاف مرسومها ، فسقوط الألف من اسم الإشارة (هذا)هو مما ورثته الكتابة الحديثة من الكتابة القديمة ، وكذلك وجود الألف الفارقة في (كتبوا) وعدم وجودها في (يرجو) ، وكلمة (داود) ترسم بواو وتنطق بواوين    

عيوب المنطق العربي:(1) عيوب النطق كثيرة خاصة لدى تلاميذ   المرحلة الابتدائية , فينبغي علـى المعلم علاجها بإجراء تمارين صوتية ، وعيوب النطق كثيرة نذكر منها : التمتمة ، والفأفأة ، والعقلة والحبسة ، والرتة ، والغمغمة ، والطمطمة ، واللكنة ، والغنة ، والترخيم .(2)

                                                                                        

                                                                                   

تقويم اللسان و تصحيح النطق *

(1) ـ إبن عبد ربه العقد الفريد . 2/ 476 .

(2) ـ التمتمـة :  يقـال  لصاحبها : التمتام  , وذلك إذا تعـتع في ( التاء) 

       الفـأفـاة  :  يقال لصاحبها : فـأفـاء , وذلك إذا تردد في (الفاء )                                     

    العـقـلة  :  وهي التواء اللسان عند الكلام

       الحبـسة  :  تعذر النطق ، وتكون في أول الكلام , فإذا مر فيه انقطعت

       اللـفـف  :  إدخال بعض الكلام في بعضه 

       الـرتـة   :  إيصال بعض الكلام ببعض دون إفادة

       الغمغمـة  :  أن يسمع الصوت , و لا يبين تقطيع الحروف , ولا تفهم معناه .

       الطـمطمة :  أن يكون الكلام شبيها بكلام العجم , وقيل : هي  إبـدال ( الطاء تاء ) كقولهم  ( السلتان ) ( في السلطان )

       اللـكنـة  :  وهي إدخال بعض حروف العجم في بعض حروف العرب , مثل : إبدال (الهاء حاء ) و ( العين همزة )

       الغـنـة  :  وهي أن يشرب الحرف صوت  الخيشوم 

       الترخيـم  :  وهو حذف بعض الكلمة لتعذر النطق به .

*   الصورة نقلت عن  :          LE  DICTIONNAIRE  VISUEL . THEMATIQUE . C .D  / ROM

 

ـ 118 ـ

2 . مهارة الإلقاء وتدريب مخارج الحروف

     من المهارات التعبيرية مهارة الإلقاء ، وهو الكلام الواضح المعبر عن موضوع النص ، مع خلوه من عيوب النطق ، معتمدا الإبانة الكلامية ، ويعنى خاصة بالإخراج الصوتي للنصوص.

تدريب مخارج الحروف : من متطلبات الإلقاء الجيد : إتقان نطق الحروف من مخارجها ، لتبرز بالصوت مستكملة صفاتها ، مما يعطي للنطق الوضوح والجمال ، ويعتمد في نطق الحرف الصامت الصورة الساكنة ؛ أي أن نضع عليه علامة السكون ، مستعينين بهمزة ابتداء مكسورة وذلك بأن نقول : (إِِبْ . إفْ . إدْ …)الخ               وينبغي أثناء التمرين أن نضغط على مخرج الحرف ضغطا شديدا ، يتيح لنا أن نتعود على هذا المخرج محددا مضبوطا ، ويتيح لنا أيضا تقوية العضو الذي يشترك في إخراج الحرف ، ومما يساعد على انتظام هذا التدريب ، وضع قائمة الحروف مقسمة إلى مجموعات حسب مواضع النطق وذلك كالآتي. (1)

شفوية (ب ، م)

أسنانية شفوية (ف)

ما بين الأسنان )ث ، ذ ، ظ )

أسنانية لثوية ( ت ، د ، ض ، ط ، ل ، ن )

لثوية (ر ، ز، س ، ص )

لثوية حنكية ( ج ، ش )

وسط الحنك (ي)

أقصى الحنك (خ ، غ ، ك ، و )

لهوية (ق)

حلقية (ع ، ح )

حنجرية (ء ، هـ)

وقد ذكر سيبويه ثمانية حروف لم يحبذ استعمالها في

قراءة القرآن ، ولم يجزها في قراءة الأشعار، وهي حروف غير مستحسنة ولا كثيرة في لغة من ترتضى عربية وهي :  ” الكاف التي بين الجيم والكاف ، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين ، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين ، والطاء التي كالظاء ، والظاء التي كالثاء ، والباء التي كالفاء .” (2) وبذلك فقد نبه سيبويه إلى المزالق النطقية التي تتجلى في هذه الحروف؛ لأنها تدخل في باب النطق الرديء ، ولذلك وجب على المربي تهذيب نطق المتعلمين وتصفيته  منها(3).

(1) ـ أنظـر : ريـاض زكي قاسم  . تقـنيات التعـبير العـربي  .  ص  . 125 .

(2) ـ سيبويه  . الكـتاب  .  4 / 432 .

(3) ـ  أنظـر :  د /  بوشـوك . مـرجـع سـابق . ص . 296 .

ـ 119 ـ

3 . تدريب التنفس (1)

يتحكم التنفس من حيث الشهيق و الزفير ، وكمية الهواء المختزنة في الصدر بالإلقاء والملقي ، ويسهم التدرب على التنفس الصحي ، الفني المنظم ، في السيطرة على ظاهرة التنفس ، وفي نطق الجملة ، وفي الوصل و السكتات . وإن الخلل في التنفس يربك الملقي ويعطل الصفاء الصوتي . ولذلك ينبغي أن يدرب المتعلمون على تقوية هذا الجهاز ، وعلى التحكم بمقادير دفع الهواء ، وذلك بمراعاة الشروط التالية :

شروط تدريب التنفس

    1 ـ إجراء التمارين في الهواء الطلق ، في أوقات الصباح ( أو فراغ المعدة )

    2 ـ ارتداء ملابس غير ضاغطة  ، والوقوف باعتدال .

    3 ـ تثبيت النظر في نقطة موازية لارتفاع القامة ، حتى تكون الرقبة غير مائلة .

    4 ـ اعتماد الشهيق من الأنف ، والزفير من الفم ، مع عدم إحداث صوت في الشهيق .

تمارين التنفس : يستغرق برنامج التمارين ستة أشهر ، أي بمعدل شهر واحد لكل تمرين .

   التمرين الأول : الشهيق البطيء . ويتكرر ست مرات متوالية ، لثلاث مرات في اليوم ، أقفل الفم ، وخذ نفسا من الأنف ببطء شديد حتى تشعر بامتلاء الخاصرتين ، وأبق الهواء في صدرك حوالي (5 ثوان) ، ثم أخرج الهواء دفعة واحدة من الفم ( مع زيادة في الكمية والمدة كل يوم ) .

  التمرين الثاني : مضاعفة الشهيق البطيء ، بإعادة ما جاء في التمرين الأول ، ويعاد التمرين ثلاث مرات في اليوم .

التمرين الثالث : الشهيق السريع : يتكرر ست مرات متوالية لثلاث مرات في اليوم .

خذ نفسا سريعا وعميقا ، واحذر من إحداث صوت من الأنف ، ثم استبق الهواء مخزونا قدر ما تستطيع ، ثم اخرج الهواء دفعة واحدة من الفم .

  التمرين الرابع : مضاعفة الشهيق السريع ، يتكرر أربع مرات متوالية لثلاث مرات في اليوم .

أعد ما جاء في التمرين الثالث ، مع تنفس كمية إضافية سريعة ، ومحاولة زيادة الكمية وسرعتها .

التمرين الخامس : الشهيق والفم مفتوح : بإعادة عمل التمارين الأربعة السابقة ، واللسان ضاغط بوسطه على سقف الفم ، ثم أعد عمل التمارين الأربعة واللسان غير ضاغط ، بل مستريح في وسط الفم ، مع الاجتهاد في منع تسرب الهواء من الفم ، والغرض من هذا التمرين تحقيق القدرة على التنفس بسرعة أثناء الكلام دون الحاجة إلى قفل الفم .

  التمرين السادس : الزفير البطيء : يتكرر ست مرات ، ويعاد ثلاث مرات في اليوم .

قم بعملية الشهيق السريع ، واختزن الهواء قدر ما تستطيع ، ثم اخرج الهواء من الفم ببطء .

(1) ـ انظر :  د / رياض زكي قاسم . تقنيات التعبير العربي  ص 122 ـ 123

ـ 120 ـ

التحكم في جهاز التنفس :

     الصورة (1) جهاز التنفس *

                                           

                  الصورة (2) مخرج الفم والأنف *

            الصورة (3) إعتماد الشهيق من الأنف *

*   هذه الصور نقلت عن  :          LE  DICTIONNAIRE  VISUEL . THEMATIQUE . C .D  / ROM

ـ 121 ـ

تمارين صوتية (أمثلة ونماذج) [م،إ]

1 . تعداد أصوات النون ، بمخارجها المختلفة ، استمع وأعد الكلمات التالية :

    (ينفع ، ينظر ، ينطق ، أنا ، ينشأ ، ينكر ، ينقل )(1)

2 . استمع وأعد : (والهدف هو دقة المحاكاة) فرديا وجماعيا .(2)

3 . تمارين التمييز الصوتي ، استمع ثم أعد : (3)

         قفـل  /  كفـل  .

        قشـر  /  كشـر

        لقـم   /  لكـم

       رقـع  /   ركع

4 . تمارين الصوت المختلف . استمع ثم أعد مبينا الصوت المختلف .(4)         

      أسيـر  /  عسيـر

       إبـرة   /  عبـرة

       عرض  /   أرض

       صائـد /  صاعـد

       أمـل  /  عمـل

       بـدأ  /   بـدع

5 . ألعاب صوتية شفهية : مثل تحديد طبيعة ومصدر الأصوات ، بسماع صوت مسجل .

          أ ـ وسائل النقل : (القطار ، الطائرة  ، السيارة ، الباخرة …)

          ب ـ بعض الحيوانات والطيور : ( كلب ، قط ، أسد ، عصفور ، ببغاء ، غراب …)

          ج ـ بعض أصوات الطبيعة : ( الريح ، الرعد ، الأمواج  ، المطر …)

          د ـ مِِِؤثرات صوتية : (باب يفتح ، زجاج يتحطم ، ماء يسكب ، نشر الخشب …)

          هـ أشخاص يتكلمون : ( شاب ، رجل ، شيخ ، فتاة ، عجوز ، ضحك ، بكاء ، أنين .)

(1) ـ  د /  تمـام حسـان  . الجهـود الرامـية إلى تطـوير اللغة العـربية .(همزة وصل) . 7 / 1975 . ص 141 .

    ـ والملاحـظ في هـذا التـدريب النطـقي : اختـلاف مخـارج  حرف ( ن )  وكـل كلـمة تمثـل مخـرجا  . وهي :

     ينفـع   :  الشفـة السفـلى مع الأسنان العليا .           أنـا   :  ينطق في اللثة        

     ينظـر  :  يخـرج فيه اللسـان .                          ينكـر :  طبقية 

     ينطـق :  في مغـارز الأسنان .                            ينقـل :  لهـوية 

     ينشـأ  :  نطعـية  

(2) ـ (3) ـ (4) ـ أنظـر : محمـد  صاري  .  التمـارين اللغـوية . ص . 149 .

ـ 122 ـ

6 . تمارين صوتية (التفخيم و الترقيق ) (1)

أ ـ درجات حركة الفتح (استمع ثم أعد) ؟

صَبَـرَ  :  صَبر اليتيم على ذل اليتم .  ( الفتحة في (ص) مفخمة )

سَبـَرَ   :  سَبر القـائد آراء القـوم  . ( الفتحة في (س) مرققة )

قَبـََرَ    :  قَبر الغـراب الغـراب  .  ( الفتحة في (ق) متوسطة )

ب ـ   درجات حركة الكسر : (استمع ثم أعد ) ؟

صِيام     :  ………………………..   ( مفخمة )

قِـيام    : …………………………  (متوسطة

نِـيام   :  ………………………..  (مرققة )

ج ـ درجات حركة الضمة : (استمع ثم أعد ) ؟

صُم  : ……………………    (مفخـمة)

قُـم  : ……………………   (متوسطة)                      

دُم   :  ……………………   (مرقـقة)

د ـ حروف تفخم حينا وترقق حينا ( لام ) لفظ الجلالة

       ـ قال الله تعالى 

           ـ هذه قـوة الله                                    

       ـ في رعاية الله 

4. التدرب على ترسيخ  منحنيات النبر والتنغيم :

      النبر والتنغيم (L’accent / L’intonation ) مـن الظواهر اللغوية المرتبطة بالكلام المنطوق ، التي تعتبر مـن الاهتمامات الرئيسة في الدراسات اللسانية المعاصرة ، وإن مناهجنا الدراسية لا تهتم بهذا الجانب، ولذلك سنبين أهمية تدريب المتعلمين على ترسيخ منحنيات النبر والتنغيم ، في حقل تعليم اللغات .

   والتنغيم ارتفاع صوت أو انخفاضه أثناء الكلام المنطوق ؛ ” إذ ليست الأصوات في الكلمة بنفس القوة ، وإنما تتفاوت قوة وضعفا بسبب الموقع .”(2)  ويتخذ شكلا وظيفيا في الكلام ؛ حيث يساعد على تحديد الباب النحوي الخاص ، كنوع الجملة إذا كانت : تعجبا ، أو ترجيا ، أو تمنيا ، أو استفهاما …الخ .  ” وقد يكون له وظيفة نحوية هي : تحديد الإثبات والنفي في جملة لم تستعمل فيها أداة الاستفهام ، كأن تقول لمن يكلمـك

(1) ـ د / رياض زكي قاسم تقنيات . التعبير العربي . ص 92

(2) ـ د / تمـام  حسان  .مناهـج البحـث  في اللغـة  .ص  . 149 .

ـ 123 ـ

ولا تراه : ( أنت محمد ) مقررا ذلك أو مستفهما عنه ، وتختلف طريقة رفع الصوت وخفضه في الإثبات عنها في الاستفهام.” (1)

إن التنغيم يعين على تحديد المعنى النحوي ، انطلاقا من سياق النغمات ، في حين أن النبر يعين على تحديد المعنى الدلالي ؛ إذ هو وضوح نسبي لصوت أو مقطع ، إذا قورن ببقية الأصوات ، ففي ” كلمة ( فاعل )  نجد أن ( الفاء ) أوضح أصواتها ؛ لوقوع النبر عليها ، وكل ما جاء على مثاله يقع عليه النبر بنفس الطريقة مثل : حابس / ناقل / رابط / عازل / شاغل …الخ ” (2)

    إن النبر والتنغيم يُكتسبان من خلال تعود المتعلم على ممارسة الكلام المقامي التأثري  ، ولكن كثيرا من المدرسين لايهتمون بتدعيم هذا الجانب ، لذلك نجد عددا من التلاميذ لايميزون بين نغمة الشرط ، ونغمة التعجب ، ونغمة التوكيد ، ونغمة الاستفهام…الخ. ” فيجب أن يدرب التلاميذ على النبر والتنغيم في نطقهم وتعويدهم على التعابير الانفعالية التأثرية ؛ بتشخيص الصيغ ، والتنوع في استعمال الجمل وصيغها ، والاهتمام بوضع النقاط والفواصل في مواضعها المناسبة للنبر والتنغيم ،  وكذلك سائر العلامات مثل الاستفهام و التعجب …الخ”(3) ، ويقول الدكتور حماسة عبد اللطيف: “والتنغيم هو قرينة صوتية ، وهو المسؤول في كثير من الأحيان عن تحديد عناصر الجملة  مثل:                          

           أولئك  الرجال   المناضلون                        أولئك    الرجال   المناضلون “(4)

           مبتدأ    بدل        خبر                              مبتدأ      خبر      نعت

كما يساعد التنغيم في معرفة حدود الكلمات ، بالفصل و الوصل بين الكلمات ، فالفصل بين  الصوتين ،(الألف / اللام) في عبارة (أوصى له) مختلف عن الوصل بين الصوتين في قولنا : (أوصاله) ونفس هذا الفرق يلاحظ مثلا في الكلمتين الإنجليزيتين (Nitrate \ Night Rate ) وغالبا ما تتغير حدود الكلمات أثناء الكلام السريع ، فيبدو فيها للسامع نوع من التداخل و الانتقال فنلاحظ مثلا  قولنا ( أمل / هؤلاء / الأطفال ) قد يبدو في حالة النطق السريع وكأنه : ( أملها / أولاء / الأطفال ) وفي النبر نلاحظ المواضع المختلفة لنبر الجملة ، والاختلاف الناتج عن ذلك في المعاني مثال :

أخبر الرجل بذلك            التركيز هنا على الاخبار .  

أخبر الرجل بذلك            التركيز هنا على الرجل .

أخبر الرجل بذلك            التركيز هنا على الشكل المراد تبليغه (5). 

(1) ـ د / تمـام  حسـان . مرجع سابق . ص 198 .

(2) ـ  المرجع نفسه . ص194.

(3) ـ د / بوشوك  .  تعليم وتعـلم اللغـة .  ص 297  ـ 302 .

(4) ـ د / .محمد حماسة عبد اللطيف . النحو والدلالـة . ص 118

(5) ـ أنظر د / محمود إسماعيل صيني . التقـابل اللغـوي و تحـليل الأخـطاء . ص 31 .

ـ 124 ـ

ويدل التنغيم الصاعد من المتوسط إلى المرتفع على نوع خاص

من الأسئلة في اللغة الإنجليزية ، مثلا نلاحظ الجمل التالية :

He is a student .                      

He’ s a student ?                      

He lives here .                         

He lives here ? (1)                                

أن النبر والتنغيم يقتضيان مراعاة المواضع التي تصحبها إثارة

أقوى للأوتار الصوتية ، والمدى الذي تصحبه عاطفة مثيرة ،

كعاطفة الحزن ، والانكسار، والأسف …الخ ، وذلك من خلال

المجموعة الكلامية أو المجموعة المعنوية :

أ . المجموعة الكلامية : وهي سلسلة من الأصوات اللغوية

متصلة في نَفَس واحد واقعة بين سكتتين ، فقد تكون جملة أو

الإلقاء ومراعاة الإطار التنغيمي

كلمة .

ب . المجموعة المعنوية : وهي المجموعات الكلامية المرتبطة

من جهة المعنى، فمثلا: الجملة الشرطية يستطيع المرء أن يقسمها إلى تنفسين، يتكلم في أولهما فعل الشرط ، وفي الثانية جوابه وجزاءه ، وفي الجملة الطويلة التي لا يمكن أن تقال جميعها في تنفس واحد ، يقسم المرء الجملة إلى أجزاء ، يقول كلا منها في تنفس مستقل ، وعادة تقطيع الجملة عادة ضرورية في المسرح ، يتدرب عليها الممثلون على يد المخرج المسرحي.(2) إن مراعاة هذا الجانب كفيل بإنجاح الحديث أو الإلقاء ،  ” وبالتالي تبرز شخصية المتكلم ، وتحدد ميوله ، كما يكسب حديثه طلاوة بالصوت المنغم المعبر ، المنتقل بين المناطق الصوتية ، والسلالم الموسيقية.”(3)

تداريب النبر والتنغيم :  تجرى تداريب خاصة للقراءة الإيحائية التشخيصية وتؤدى بتعابير إنفعالية بحسب المقام ومن أمثلة ذلك يدرب المتعلم على :

1 . بناء النغمة المناسبة لكل جملة ينتجها المتعلم ،أو ينطقها .

2 . نطق الجمل التي يقرؤها في نص أدبي نطقا إيحائيا ، مشخصا لمعناها الدلالي .

3 . تنويع الجمل في تعبيره الكتابي ، وإثبات ما يوضح نغماتها من علامات متعارفة .(4)

(1) ـ د / محمود اسماعيل صيني  . مرجع  سابق  . ص.  38 .

(2) ـ أنظـر :  د / تمـام حسـان مناهج  البحث في اللغة  .  ص  .202 .

(3) ـ د / رياض زكي قاسم  . تقنيات التعبير العربي  . ص . 120 .

(4) ـ  د / بوشوك . مرجع سابق . ص 302 . 

ـ 125 ـ

التعابير الانفعالية في الفنون الدرامية :

يعتني المشتغلون بالمسرح وبالفنون الأدائية بالتدرب على منحنيات النبر التنغيم ، وإنجاز التعابير الانفعالية ، وإن حقل تعليمية اللغات بأمس الحاجة إلى تدريب المتعلمين على القراءة المعبرة ، والإلقاء الانفعالي، وتقطيع الجمل في درس اللغة أو الأدب ، أو خلال الأنشطة المدرسية ، وإن الأداء المسرحي يعتمد على معرفة الضوابط اللغوية من النطق الصحيح ، والإلقاء الجيد ، ومعرفة الوقف ، وتقطيع الجملة ، ومواضع الارتكاز ، يقول غلين ويلسون (WILSON) : “إن خصائص الكلام القابلة للقياس مثل جهارة الصوت ، ودرجته أو مقامه ، ونغمته أو سرعته ، هي خصائص تنقل معلومات عن الحالة الانفعالية للمتكلم ، وقد يكون الصوت الهادئ أكثر امتلاء بالتهديد ؛ وذلك لأنه يتضمن غضبا قد تم التحكم فيه بصعوبة ، وتعتبر الزيادة المفاجئة في حجم أو جهارة الصوت تعبيرا عن الحزم ، وهي تستعمل كنوع من التوكيد .” (1) 

الصورة (1) : المسرح فضاء التعابير الإيحائية*             الصورة (2) : تشخيص اللغة في إيماءات الجسد *

  

            

(1) ـ غلـين ويلـسون . سيكولوجية فنون الأداء . ترجمة : د/ شاكر عبد الحميد . ص191 .

(*) الصور نقلت عن : أشكال ورسوم . MEDIA SOFT . CD \  ROM

ـ 126 ـ

ثالثا . التمرين المعجمي ودلالة الألفاظ

      إن تنمية القدرة المعجمية تعتبر دعامة أساسية لنمو تعلم اللغات ، وإن الوحدات المعجمية تبقى دائما حجر الزاوية لقيام أية عملية تواصلية أو إبداعية ، وإن المعجم يرتبط باللغة ، أما المفردة فهي ترتبط دائما بالنص ، وإن بنية الكلمة لا تتغير، فهي تحافظ على جذورها المعجمية ، إلا أن التغيير يبرز في تغيير الشحنة الدلالية للوحدة المعجمية حسب موقعها في الخطاب ، والمقام .

     إن تنمية القدرة المعجمية لا تتأتى من خلال تعامل التلاميذ مع المعجم العربي تعاملا جافا ، بحفظ الوحدات ، وإنما باستعمالها من خلال النصوص ، قصد حصر معاني الوحدات دلاليا ، ورصد الأصيل عن الدخيل ، “وتدريب التلميذ على استعمال المعاجم ، يجعله يطلع على أسرار اللغة وظواهرها ، كالترادف والاشتقاق ، والتوليد ، والاشتراك ، والتضاد ، فيكتشف الاستعمالات المختلفة للمفردة الواحدة .” (1)

وسائل تفسير المعنى في المعاجم العربية 

    يقسم الدارسون(2) وسائل تفسير الألفاظ في المعاجم العربية إلى خمسة أقسام :

(أ) . التفسير بالمغايرة : وهو ذكر نقيض اللفظ ، فقد أشار بلومفيلد مثلا إلى تفسير لفظ (الحب) ولكننا نجد

        تفسيره في لسان العرب بالمغايرة ( الحب : نقيض البغض ) .           

(ب) . التفسير بالترجمة : منها تفسير كلمة بكلمة  مثل (الأعجم : الأخرس)

     ومنها تفسير الكلمة بأكثر من كلمة مثل ( الأعجم : الذي في لسانه عجمة ) .

ومنها الشرح بألفاظ لغات أخرى ، جاء في مادة (هندز) مثلا في اللسان (الهنداز) : معرب ، وأصله  بالفارسية (هنداز) ،ومنه (المهندز) :الذي يقدر مجاري القنى،إلا أنهم صيروا الزاي سينا فقالوا:(مهندس)

(ج) . التفسير بالمصاحبة : وهي أن بعض الكلمات تصحب أخرى دون غيرها ، مما قد يكون بمعناها ،      فمثلا كلمة (الضريع) وهو نبت بالحجاز، يقال لرطبه (الشبرق) ، فإذا التمسنا تفسيرا أوضح وجدناه عند ابن منظور ، (الشبرق) : من الشوك إذا كان رطبا ، فإذا يبس فهو (الضريع).

(د) . التفسير بالسياق . وهو ثلاثة أنواع : الأول هو السياق اللغوي، ويكون بإيراد نصوص ذكرت فيها    الكلمة . والثاني هو السياق الاجتماعي، وذلك بأن يورد تفصيلا للمحيط الذي تقال فيه الكلمة . أما الثالث فهو السياق السببي، وهو مايرد من تعليل لاستعمال الصيغة اللغوية على ما هي عليه ؛ وفي مادة برح في اللسان (البارح) : ما مر من الطير والوحش من يمينك إلى يسارك ، والعرب تتطير به لأنه لايمكنك أن ترميه حتى تنحرف ، و(السانح) : ما مر بك من جهة يسارك إلى يمينك ، والعرب تتيمن به لأنه أمكن للرمي والصيد . 

  1. ـ د / بوشـوك . مرجـع  سابـق . ص . 316 .
  2. ـ د / محمد أحمد أبو الفرج  . المعـاجم اللغـوية في ضـوء دراسات علـم اللغـة الحديث . ص 102.

ـ 127 ـ

(هـ).التفسير بالصورة: إن الدعوة إلى توضيح بعض كلمات المعجم بالصورة دعوة حديثة أخذت بها المعاجم الأوربية ، يقول الكتور محمد أبو الفرج : ” ولكننا في العربية لم نصل إلى هذا الحد بعد ، ولا أعرف إلا معجمين في العربية يستعملان الصورة في المساعدة على تفسير اللفظ ، هما : المنجد للأب لويس معلوف والمعجم الوسيط الذي ألفته لجنة من المجمع اللغوي بالقاهرة … وقد جاء في تصديره : فينبغي أن يكون المعجم واضحا دقيقا ، مصورا ما أمكن ، محكم التبويب ، وقد عُمل المعجم الوسيط مشتملا على صور كل ما يحتاج شرحه إلى تصوير ، ويشتمل المعجم على نحو (30) ألف مادة ، و(مليون) كلمة ، و(600) صورة ومن الصور البديعة في المعجم الوسيط رسم (الكنانة) لأنه  يفسر شيئا

يصعب تصوره دون الصورة (الكنانة) : جعبة صغيرة من آدم للنبل” (1).

ومثال آخر هو صورة المنبر : فالصورة توضح معنى (المنبر) لمن قد

يدرس العربية من غير المجتمع الإسلامي .

طإن المعنى يزداد دقة بالصورة فهي تساعد المتعلم على تصور معنى

الكلمة .أما المثال الأخير الذي نذكره فهو كلمة (لسان الميزان) ،

فقد تكون هذه العبارة غريبة ، لكن الصورة لها قيمة في تفسير

معناه ، و(لسان الميزان)هو : عود من المعدن يثبت عموديا على

أوسط العاتق ،ويتحرك معه ويستدل منه على توازن الكفتين” .(2)

وينبغي آلا تخلو معاجمنا من الشرح بواسطة الصور

إلى جانب التفسير بالوسائل الأخرى ، وعلى المربي

أن يدرب تلاميذه على منهجية الكشف في المعجم ،

وإمداده بآليات البحث ، التي تبدأ بالمعاجم السهلة كي

تنتهي بالمعاجم الصعبة ، من حيث التصنيف ، ويمر

هذا التدرج بثلاثة مستويات هي :

(أ) . تكوين المستوى القاعدي للقدرة المعجمية

وذلك باعتماد المقاربة السيمازيولوجية ( Sémasiologie ) أي “: الانطلاق من الكلمات إلى الأفكار”(3) ، وهو المتن الأساسي ، ويتمثل في عدد محدود من الوحدات الكثيرة التكرار في عملية التواصل ، ويتضمن الكلمات المتداولة والمألوفة ،” ففي هذه المرحلة يجب اعتماد الاشتقاق والتوليد اللغويين ، وتركيب الجمل لإبراز المعاني الدلالية و المقامية لكل مفردة ، مع التخلي عن المفردات المهجورة “.(4)

(1) ـ د / محـمد أحـمد أبو الفـرج ( مرجع سابق ) ص 124

(2) ـ المـرجع نفـسه . ص 125 .

(3) ـ                                                   Dictionnaire De L’linguistique Edit Larousse Paris 1973 . P . 346

(4) ـ  د / بوشـوك . مرجـع سـابق . ص . 318                                          

ـ 128 ـ

أمثلة من تداريب المستوى القاعدي :

1 ـ استخرج من النص المفردات المحسوسة ؟

2 ـ استخرج من النص المفردات المجردة ؟

3 ـ أذكر أسماء بعض الكائنات و الأشياء .

4 ـ ركب جملا انطلاقا من الكلمات التالية ( كلمات جديدة ) 

5 ـ ما الفرق بين الكلمات التالية

6 ـ أكتب فقرة ( مستعملا فيها المفردات التالية )

7 ـ استعمال المعجم في البحث عن مفهوم مفردات النص

8 ـ استخرج من النص الصفات الإنسانية .

(ب) .إثراء الحقول الدلالية

في هذا المستوى يدرب التلاميذ على استثمار كل وحدة معجمية في مقامات مختلفة ؛ لأن الـدال يـمكن أن

يحمل أكثر من مدلول واحد ، وفيه أيضا تعتمد المقاربة الأونومازيولوجية (onomasiologique ) أي “الانطلاق من الفكرة إلى الكلمات “(1) ، وذلك بشرح الألفاظ الواردة في النص وتفسيرها ، قصد تدريب التلاميذ على التوليد والاشتقاق ، والزيادة ثم الإلصاق ، فالتضاد والترادف ، والتوارد والإتباع ، ثم المشترك . ولا تذكر الوحدات مجردة عن المفاهيم السياقية ، بل يدرب المتعلم على رصد أكبر قدر ممكن من دلالاتها.(2)

ومن التداريب المناسبة في هذه المرحلة :

1 ـ استثمار مفردة واردة في النص بالاشتقاق والتوليد والترادف والتضاد والتوارد

2 ـ استعمال الألفاظ في معان مجازية

(ج) إثراء معجم المصطلحات الوظيفية

في هذا المستوى يسعى المعلم إلى إغناء المجال التيماتي(thématique )لأن الحقول التيماتية تكوّن مجموعة من المصطلحات الوظيفية ، التي يمكن استعمالها في إطار موضوع محدد ؛ بحيث لايمكن للتلميذ أن يعبـر عن ذلك الموضوع إلا إذا توفر على هذه المفردات . مثل : المفردات المتعلقة بموضوع الوقاية من الأمراض أو التغذية ، أو القضية الفلسطينية ، أو التلوث . فهي تتطلب مجموعة خاصة من المفردات الدالة .(3)

Dictionnaire de linguistique edit . larousse . paris . 1973 . p . 346                                                            (1)                                                                         

  (2 ) ـ أنظر : د. بوشوك . مرجع سابق   ص  318

  (3 ) ـ أنظر : المرجع نفسه ص 320 

ـ 129 ـ

التداريب المقترحة في هذا الستوى :

      1   ـ تفسير معاني المفردات ( الوظيفية ) استعانة بالقاموس .

      2   ـ تصنف المفردات في مجموعات تتناول أحد عناصر الموضوع .

     3   ـ تجزئة الموضوع إلى مجموعة من العناصر الأساسية واستقراء مجموعة من المفردات .

      4   ـ إحصاء تكرار المفردات المفتاحية في النص .

     5   ـ الحصول على الاشتقاقات .

     6   ـ الحصول على جذور المفردات الأصلية .

      7   ـ إثبات المرادفات أو الأضداد .

      8   ـ البحث في المعاجم المتخصصة ( معاجم اقتصادية ، قانونية ، زراعة ، الطبية ) …الخ

      9   ـ أكتب فقرة مستعملا اصطلاحات مناسبة للموضوع .

    10   ـ استحضار مجموعة مفردات ضرورية لمعالجة موضوع محدد .

     11   ـ استخلاص المفردات (التيماتية) من النص وشرحها وتفسيرها .

     12   ـ رصد مفردات ومصطلحات (تيماتية) مرتبطة بموضوع محدد اعتماد على معاجم معينة .

     13   ـ استعمال المعجم (الإلكتروني) في مختلف العمليات . 

(د) . تمارين البحث في المعاجم المتخصصة :

1 ـ عد إلى المعجم المفصل في الأدب(1) واستخرج معاني الكلمات التالية :

      ( الخيال ، الإلغاز ، الالتزام ، الاعتذاريات ، الاستطراد ، الحماسة ، البؤساء …)

2 ـ عد إلى معجم المصطلحات الاقتصادية (2) وأستخرج معاني الكلمات التالية :

      ( رأس المال ، غرفة التجارة ، الندرة ، إتاوة ، موارد ، الملكية ، بورصة ، الطبقة الوسطى …)

3 ـ عد إلى المعجم المفصل في علوم البلاغة (3) واستخرج معاني الكلمات التالية :

      ( التكلف ، الإطناب ، التصريع ، الانتحال ، البديعيات ، التمثيل ،  السرقة …)

4 ـ ارجع إلى معجم مصطلحات علم الشعر العربي(4) واستخرج معاني الكلمات التالية :

      ( الإلهام ، الركاكة ، الفخامة ، الكذب ، مبالغة ، تقسيم ، الطبع …)

5 ـ ارجع إلى قاموس الغذاء والتداوي بالنبات (5) واستخرج معاني الكلمات التالية :

      ( الأترج ، أنيسون ، العُـناب ، البنادورة ، البوتاسيوم ، حصى البان …)

(1) ـ هـذا المعـجم مـن إعـداد : د / محمد التونـجي (1993) .

(2) ـ هـذا المعـجم مـن إعـداد : د / أحمد زكي بدوي (1983) .

(3) ـ هـذا المعـجم مـن إعـداد : د / إنـعام فـوال عكـاوي .

(4) ـ هـذا المعـجم مـن إعـداد : د / محمد مهدي الشريف  (2004)

(5) ـ هـذا القاموس مـن إعـداد : د / أحمد قدامة  (1985) . وهو موسوعة غذائية صحية عامة ) .

ـ 130 ـ

(هـ). الاستعمال المقامي للوحدة المعجمية

1 .المـقام : هو المحيط اللغوي الذي ترد فيه الكلمة ، ويمكن أن نفهم فيه المعطيات المشتركة بين المرسل

و المستقبل ، هذا المحيط الذي يتألف من عناصر تتضافر على بلورة شكل ووظيفة ومعنى هذه الوحدة،كانت كلمة أو جملة ، ويتطلب توضيح المقام الموقفي من المدرس إثارة كل معطيات الموقف التعبيري ، بإبراز خصوصيات استعمال الخطاب الذي أدرجت فيه الكلمات المقصودة . ويدرب التلميذ على معرفة هذه الخصوصيات التي تتوزع كما يلي  :

أ ـ خصوصيات براجماتية . مثل : المكان الزمان ، الموضوع ، القناة ، نمط الخطاب …

ب ـ خصوصيات سوسيو ثقافية . مثل : المركزالاجتماعي ، الدور ، سن المرسل والمستقبل ، الحاضرون .

ج ـ خصوصيات نفسية . مثل : مزاج , تفاعل المتخاطبين ، فرح ، قلق ، مرح …

يمكن تلخيص هذه الخصوصيات في الأسئلة التالية :

ـ من يتحـدث أو يكتب ؟                    متكلم أو كاتب

ـ لمـن ؟                                    لمخاطبين أو مستمعين

ـ عمـاذا ؟                                  معالجة قضية .

ـ لأجل تحقيق أي غرض ؟                 المقصود , النية

ـ بأيـة وسيـلة ؟                          الأسلوب , التصورات , الوسائل الإقناعية

ـ من أيـن ومـتى ؟                       المكان والزمان . (1)

2 ـ المفهوم الذاتي للوحدة المعجمية :  رغم إسنادنا لكل كلمة معنى في المعجم ، إلا أن كل مستعمل للغة يضفي على كل كلمة معنى شخصيا أو مفهوم خاصا (connotation ) يساعد على تحديد الموقع الانفعالي للمستعمل تجاه المصطلح الذي يسمعه أو يستعمله . فمثل كلمة ( قطار) يمكن أن توحي بإيحاءات مختلفة لمجموعة من التلاميذ :

ـ مجموعة من العربات

ـ جو العطلة والمرح

ـ زيارة الأقارب

ـ حادثة …الخ . (2)        

3 . الإستعمال التخصيصي للمعنى: يدرب التلاميذ على انتقاء الألفاظ المناسبة من حيث معانيها المعجمية وتكييفها مع المعنى السياقي الذي يناسب المقام ، ” بالرجوع إلى كتب اللغة التي تفرق بين دلالات الألفاظ كفقه اللغة للثعالبي والمزهر للسيوطي …”(3) كما ينبغي تدريبهم على توظيف الاستشهادات والأمثلة لتدعيم آرائه

(1) ـ د / بـوشـوك .  مـرجـع سابـق . ص.  322 .

(2) ـ المـرجـع نفـسه . ص . 323 .

(3) ـ د / محمد إسماعيل ظافر، ويوسف الحمادي . التدريس في اللغة العربية . ص 171 .

ـ 131 ـ

ضرب زيد عمرا

ضرب له موعدا

( ضرب الله مثلا )

ضربت له قبـة

ضرب النقـود

ضرب في الأرض

ضرب رقما قياسيا

ضرب اللاعب الكرة

     ذكر

     إيجاع

     الرمي

     تفوق

     سعي

     تعيين

     صياغة

     إقامة

4 ـ تدريبات على معاني المفردات : [م،م]

1 ـ تحديد معنى كلمة ضرب (1)

2 ـ تحديد معاني الكلمة (الاختيار من متعدد)(2)[م،إ]

أنه سريع الحركة

               أ ـ رجل خفيف الروح          له روح خفـيفة          (الجواب) : ……………….

سـريع الألـفة

  أنه هائج

                  ب ـ هذا الرجل كالبحر         أنه ضخم            (الجواب) : ……………….

أنه كريم

أنه متوحش

                 ج ـ هذا الرجل كالأسد          أنه حيوان            (الجواب) : ……………….

أنه شجاع

د ـ اربط بين الكلمات المترادفة بسهم

شره

جواد                 

ضياء

جسم

يقاتل

جذب

شعر

سحـب

أحــس                

يحارب

نــور

جـثـة

فــرس

نــهـم

(1)ـ د / تمام حسان  . الجهود الرامية إلى تطوير اللغة العربية .( همزة وصل ) ع 6 / 1975

(2) ـ أنظر:  محمد صاري التمارين اللغوية  . ص .180 ـ 181 .

ـ 132 ـ

3 ـ تمارين التضاد: وله أشكال عديدة نذكر منها النماذج التالية (1) [م،إ] .

أ ـ استمع جيدا ثم أجب                                نحـيف                               ا                                                                                                              ثم                              ثمين عكسها            ضعيف           (الجواب) ثمين عكسها زهيد

    زهـيد

    قـوي

       الغريب

                                   الزميل               القريب        (الجواب) ……………..

       الصديق

      العدو

ب ـ هات عكس الكلمات التالية :

هبـطت # ……….                                    صعوبة # ……….                                                                                                  

المغادرة # ………..                                   رطوبة # ……….                                                       

الشـرقي # ……….                                    عـلـم # ……….

الشـمالي# ……….                                    محـبة  # ……….

4 ـ تمارين التمييز: عين الكلمة الغريبة عن المجموعة (الدلالية).

يكتب ـ ينام ـ يقرأ ـ يدرس ـ يحفظ            (الجواب) : يـنـام

كتاب ـ برتقالة ـ دفتر ـ كراس ـ أوراق        (الجواب)   ……..

عنب ـ تفاح ـ برتقالة ـ سيارة ـ موز           (الجواب)  ……..

جامعة ـ مدرسة ـ قسم ـ مستشفى ـ معلم        (الجواب) ……..

5 ـ تمرين دلالة الكلمة في السياق : كلمة (جمع) (2)

  1. ـ أنظر : محمد صـاري . التمـارين اللغـوية . ص . 181 ـ  183 .
  2. ـ  د /  رياض زكي قاسم  . تقنيـات التعبيـر العـربي  . ص 41 . 

ـ 133 ـ

تمارين الحقول الدلالية :

1 ـ صنف الكلمات في أربعة مجموعات.[م.إ]

الأوراق ، رمادي ، الحصان ، صابون ، بنفسجي ، شجرة ، حذاء ، الأغصان ، الهر، أبيض ، سلحفاة ، ملعقة  

  ألوان               نباتات              حيوانات           أشياء 

    ……….        ……….        ………..      .……….                                                                                                  

    .………         ………         ……….      ………..                                                                           

    ……….        .………         ……….      ………..                                  

                                                      

2 ـ ضع عنوانا لكل خانة ؟ [م.إ]

    ……..          ……..           …….         …….. 

    الـديـك          الحصان          الجوارب       الخنفساء                                     

    الحـمامة          الخروف          السروال       الـذبابة                                               

    العصفور          البـقرة           الفـستان       النمـلة                                                   

تمارين معاني الألفاظ : اربط بسهم بين الكلمة ومعناها [م.إ]

                 الكلمة                    معناها

              حلـوة                       ضيقة

                النـور                       براقـة                                                                          

                 صـوب                      قديـمة                      

                لامـعة                      الضـوء               

                واسـعة                     نـحـو              

                 بالـية                     طيـبة                           

تمارين الاستعمال ألمقامي :

1 ـ أكتب في المكان الفارغ (الشهادة)  المناسبة للمعنى ؟

  (كوّن أبي ملفا إداريا فيه …… الميلاد ، و …… التي تثبت عنوان إقامته ، و …… تثبت مستواه      الدراسي  و …… تثبت سلامته من الأمراض ، وقدمه للإدارة ، ولما تفحصه الموظف ، قال لأبي : ملفك تنقصه …… الجنسية .)(1)

2 ـ ضع كل كلمة من الكلمات التالية في مكانها المناسب (شهادة ـ الشهود ـ شهد)

     ( أخد مفتش الشرطة يحقق في الحادث ، فأحظر …… الذين عاينوا الحادث ، فـ…… كل منهم بما   

     رأى ، لكن المفتش لم يقبل …… أحدهم ، لأنه من أقارب مرتكب الحادث.)(2)

  1. . تمارين اللغة للسنة الخامسة أساسي . وزارة التربية الوطنية . 1986 . ص 22
  2. . المرجع نفسه . ص 23

ـ 134 ـ

خلاصة

إن تدريب المتعلمين على اكتساب مهارات اللغة وعناصرها ، يتطلب عددا كافيا ومخططا من التمرينات ، فالتمارين التقليدية بأبعادها المعرفية تهتم اهتماما مفرطا ببعض الأنواع ، تتكرر في كل درس على حساب أنواع أخرى أهم ، كما أنها تركز على التطبيقات الكتابية أكثر من الشفهية ، وتحليلية أكثر منها تبليغية ، بالإضافة إلى إغفال جانب مهم وهو متابعة إنجاز التمرين وتصحيح الأخطاء ، وعلى الرغم من ذلك كله فإنها لا تخلو من تداريب مفيدة للمتعلمين ، فينبغي انتقاء ما يناسب منها العينة المستهدفة .

أما التمارين البنيوية ، فقد اتخذت بعدين أساسيين هما البعد الألسني الذي يستند إلى الدراسات الألسنية البنيوية وبعد تربوي يستمد مفاهيمه من علم النفس السلوكي القائم على : (مثير ، استجابة ، تعزيز) فالتمرين البنيوي هو تقنية جيدة ، لكنها غير كافية بمفردها ، ولا يمكن الاستغناء عما سواها ، والشيء نفسه يقال عن التمارين التواصلية ، التي قدمت ابتكارات مختلفة ، بأبعادها الوظيفية ، والتبليغية ، والإبداعية ، فهي الأخرى بحاجة إلى غيرها ؛ لأن تعليم اللغة كل متكامل من المهارات والعناصر اللغوية ، التي تتطلب شبكة من أنماط التداريب ، لأن لكل نمط هدف خاص ، ومرحلة  معينة ، وزمنا محددا ، ونتائج خاصة ، ثم ينبغي أن يتدعم التمرين باكتساب المهارات مثل : الاستماع ، وجودة النطق ، والإلقاء ، وفهم المعاني ، واكتساب المفردات المعجمية ، وتوظيفها في المقام المناسب .

ولذلك فإن الجمع بين هذه الأنواع أمر ضروري ، ولكن هل هناك أنواع أخرى من التمارين ؟ وما المهارات التي تستهدفها ؟ وما الكفاءات التي تريد تحقيقها ؟ وما هي وسائل إجرائها ؟ كل ذلك وغيره يأتي تفصيله في الفصل الثالث .

ـ 135 ـ

مصوغة العلــــــــــــــوم

Jeudi, février 5th, 2009

هذه النسخة بصيغة html للملف http://fnour.ifrance.com/moussawara.doc .
يقوم G o o g l e تلقائياً بإنشاء نسخ بصيغة html للوثائق التي يصادفها خلال البحث في الإنترنت، بحيث يمكن عرضها في متصحفات الانترنت.

المملكة المغربية

وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي

وتكوين الأطر والبحث العلمي

- قطاع التربية الوطنية-

الكتابة العامة

الوحدة المركزية لتكوين الأطر

قسم استراتيجيات التكوين

مصوغة

العلــــــــــــــوم            

أنجز هذا العمل من طرف فريق من

مكوني مراكز تكوين المعلمين والمعلمات

بتنسيق مع منسقية مراكز تكوين المعلمين والمعلمات

وإشراف قسم استراتيجيات التكوين

  

السنة التكوينية : 2004-2005

مجال الرياضيات و العلوم

قطب التكوين الديداكتيكي التطبيقي

مصوغـة العلــوم            

         تهدف هذه المصوغة إلى تمكين الأستاذ من  بعض المفاهيم الديداكتيكية و الأساس للأنشطة العلمية بالمدرسة الإبتدائية. و اعتبارا للتجربة المهنية للأستاذ و التي تعد بالنسبة لهذه المصوغة سندا مهما لتقريب هذه المفاهيم الديداكتيكية ، بنيت مضامين هذه المصوغة وفق تصور لآيعتمد التعاريف الجاهزة ، بل يقدمها في شكل أفكار و تقنيات قابلة للتجريب بالقسم ،

و من تم إدراك أهميتها مما ينعكس إيجابيا على الأداء البيداغوجي و الرفع من جودته .

مقاربة المفاهيم الديداكتيكة

في الأنشطة العلمية

الفئة المستهدفة: الأساتذة العرضيون الغلاف الزمني : 10 ساعات

  • - تخطيط وبناء مقطع تعلمي في مادة النشاط العلمي
  • - تنظيم فضاء القسم و أعمال التلاميذ
  • - توظيف  و استثمار مختلف تقنيات التنشيط .
  • - تدبير العمل الجماعي
  • - أجراة الأنشطة التعلمية وفق خطوات ” أنشطة حل المشاكل “
  • - ربط أنشطة التعلم  بالمحيط السوسيو ثقافي للمتعلم
  • - استثمار الدعامات التعلمية ( الكتاب المدرسي ، الوسائل ….) في بناء التعلمات .
  • - اعتبار التمثلات كعوائق التعلم  .
  • - استحضار ترابط التعلمات لتأسيس بناء مفاهمي .

مضامين الأنشطة

1 – الوضعية المشكلة في الأنشطة العلمية

2 – التمثلات وبناء المفاهيم العلمية

3 – المتعلم و النهج التجريبي

4 – الدعامات و الوسائل التعليمية

5 – تخطيط المقطع التعليمي وفق المقاربة بالكفايات

أنشطة التقويم و الدعم

                        - تحليل وضعيات تعلمية مستقاة من الكتب المدرسية

                        - تخطيط مقاطع تعلمية .

بطاقة رقم 1                الوضعية – المشكلة في النشاط العلمي

المصطلحات الأساس :

” الوضعية – المشكلة ” الكفايات ، وضعية

الانطلاق ، تمثلات ، الدافعية ، نزاع فكري،  البيداغوجيا الفارقية ، مثيرات، قفزة فكرية ، التوازن ، خلخلة

- الفئة المستهدفة :

الأساتذة العرضيون

- الغلاف الزمني : ساعتان

- من انجاز: محمد العمراوي 

يتم بناء الكفايات بمواجهة مشكلات عبر وضعيات تعلمية/تعليمية . فكيف يتم حل هذه المشكلات ؟

- ما هي اهمية الوضعية – المشكلة في بناء الكفايات ؟

- ما هي خصائصها ؟

- ما هي القواعد التي تبنى عليها ؟

-  اذكر مراحلها .

- ما هي أهداف وأشكال وضعية الانطلاق التي تعتبر مرحلة أساسية في الوضعية- المشكلة.

- ماهي طريقة حل المشكل، كيف يتم تدبير أنشطة التلاميذ؟

1- مقدمة:

   يتحقق اكتساب الكفايات عن طريق المواجهة المستمرة والمكثفة لمشكلات،  تتميز بكثرتها وواقعيتها وتدرج تعقيدها. تعتبر الوضعية –المشكلة إذن عاملا بيداغوجيا مركزيا في بناء الكفايات، وذلك لكونها:

- تساهم في تعديل سلوك المتعلم باكتسابه مواقف وخبرات جديدة، يوظفها في حياته اليومية، كالاندهاش العفوي أو المثار،  وتوظيف المكتسبات السابقة، والربط بين المواضيع الأخرى، وتنمية المواقف المميزة لتفكير العلمي،

- تربط المدرسة بمحيطها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي،

- تعود المتعلم على التنظيم والتخطيط، واتخاذ المبادرة، والمثابرة في حياته العامة،

-تكشف عن الامكانات التي يحتلجها.

- تقوم على استقلال المتعلم في اكتشاف المعارف بنفسه.

- تنشط وتشوق المتعلم وتثير الرغبة والاهتمام لديه، وتشجعه على الاستمرار.

وبذلك يتم الانتقال من منطق التدريس إلى منطق التدريب والتعلم.

2- تعريف الوضعية – المشكلة:

حسب عياش زيتون: “عبارة عن وضعية يواجهها المتعلم، وحالة يشعر فيها أنه أمام موقف مشكل أو سؤال محير، لا يملك تصورا مسبقت عنه ،ويجهل الاجابة عنه مما يحفزه على البحث والتقصي من خلال عمليات معينة لحل المشكلات .

-وحسب Dumas Carré » ” وضعية تتضمن صعوبات ، لا يملك المتعلم حلولا جاهزة لها .

- وحسب “De Ketele –Rogoers »”

مجموعة من المعلومات التي ينبغي تمفصلها والربط بينها للقيام بمهمة في سياق معين .

وعلى الرغم من تعدد التعاريف والمقاربات لمفهوم الوضعية – المشكلة، فانها تكاد تتفق على كونها :

- موقف متحير يواجه المتعلم :

* لايمتلك المتعلم خطة أو حلا جاهزا لتجاوزه .

* تنتاب المتعلم خلاله حالة من الشكط والتردد والدافعية الداخلية لايجاد الحل المناسب

فالوضعية-المشكلة اذن ليست وضعية ديداكتيكية عادية، لانها تستلزم وضع المتعلم امام سلسلة كن القرارات التي ينيغي أن يتخذها لبلوغ هدف اختياره بنفسه أو اقترح عليه .

3- خصائص الوضعية المشكلة :

من ابرز خصائص  الوضعية- المشكلة :

- انتظامها حول عائق ينبغي التغلب عليه من طرف المتعلمين فرادى أو مجموعات نشريطة ان يكون العائق واضحا ومحددا.

- أن تتصف بالمقاومة الكافية حتى تحفز التفلميذ على استثمار مكتسبلته السابقة ، وتمثلاته.

- مستقاة من الحياة  اليومية.

- ارتباطها بحاجيات المتعلم.

- اعتمادها انشطة استكشافية.

- الادماج :  ويقصد به استحضار التعلمات السابقة.

أن يكون فيها التلميذ هو الفاعل الأساس عوض المدرس.

- تعدد الحلول : تكون مفتوحة في الغالب بحيث تقبل أكثر من حل واحد .

- ربطها بين الجانب التربوي والجانب الوظيفي.

انطلاقها من بداية الدرس الى ايجاد الحلول المناسبة للمشكل المطروح أي الحصول على الاستنتاجات.

4- القواعد التي تبنى عليها وضعية- مشكلة :

- التدرج :

- من السهل الى الصعب .

- من البسيط الى المركب.

- من المحسوس الى الجرد.

- من الواضح الى المبهم.

- دمن العملي الى النظري.

مع التركيز على بيئة المتعلم ومستواه وقدراته وميولاته بتطبيق البيداغوجيا الفارقية.

5 - مراحل وضعية- مشكلة :

طرح المشكل

وضعية الانطلاق

البحث عن عناصر الحل

وضعية - مشكلة

                                                            تحديد النتائج

إدماج المكتسب

الاستثمار                                  الاستنتاج

وضعية الانطلاق:     هي وضعية تعليمية يختارها الأستاذ لانطلاق الدرس دون ضياع للوقت، وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدرس.

من أهدافها: جلب انتباه المتعلم، وحصول الرغبة لديه واستعداده النفسي والذهني ، وتنشيط وتشويقه للدرس، وتشجيعه على التعبير واتخاذ المبادرة، واستخراج معرفة تمثلات المتعلمين، لاستكشاف مقدار ومستوى معلوماتهم، وبذلك يدرك الأستاذ مواطن الضعف فيوليها مزيدا من الاهتمام ومواطن القوة فلا يضيع فيها وقته عبثا. ثم اكتشاف المواهب وتحديد الفوارق الفردية، والعمل على حسن توجيهها.كما تؤدي وضعية الانطلاق إلى طرح تساؤلات تنتهي بطرح وصياغة مشكل او مشاكل علمية .

- من إشكال وضعية الانطلاق:  لعبة، حكاية، قصة، لغز، خرجة ميدانية… كما يقال “البدايات مجلة النهايات”.

6- دور الاستاذ :

الإنتاج
دور الأستاذ
التنشيط والتشجيع

الإرشاد والمساعدة

التنظيم

التقويم
الملاحظة

الإخبار
التوجيه

-الإنتاج: يهيئ الأستاذ جذاذة كل درس (أو بطاقة بناء كل مقطع تعلمي ) مع تقنياتها، ويعمل مع التلاميذ على تحضير الوسائل المساعدة البسيطة من الوسط المعيش للمتعلمين. يقترح النشاطات ويشارك التلاميذ في تنظيم المعارف والخبرات.

- التنظيم : ينظم  الأستاذ فضاء القسم ، ويكون المجموعات .

- التنشيط والتشجيع : ينشط المجموعات  ويشجع جميع المبادرات في البحث حثي ولو كانت مترددة وبطيئة، ويحث على تنظيمها وضبطها  واعتماد مشروعية الخطأ فمن الخطأ يستفيدون ، وإشراكهم في وضع خطط للبحث عن الحلول.

- الملاحظة : يحظ المدرس تصرفات التلاميذ فرادى ومجموعات ومراقبتها قصد الكشف عن الصعوبات والحواجز التي تعترضهم، وتحديد السلوك الذي يجب تهذيبه.

- التوجيه والإرشاد والمساعدة: يساعد المتعلمين على تجاوز تمثلانهم والحواجز والصعوبات، ويوجه ويرشد المتعثر منهم، ويحثهم على المثابرة والإنصات للآخر وإعادة صياغة الأفكار ، ويطلب منهم توضيحات حول الخطوات والاستدلالات التي اعتمدوها للحصول على الحلول، ويحثهم على التعبير عن نتائجهم.

- الإخبار: يقدم المصطلحات العلمية والتقنيات، ويصحح الأخطاء العلمية.

- التقويم: يقوم أعمال التلاميذ قبل وأثناء وبعد الحصة.

7- طريقة حل المشكل :

تلميذ

التلميذ

كل عنصر

   يساهم في بناء

الكفاية

أستاذ

      يسبب

     يكون محورها المجموعة التي تحدد مسؤولية كل عنصر وطريقة عملها بحرية، وهي المسؤولة عن بناء الكفايات، ويتدخل الأستاذ كمنشط وموجه ليمكن المجموعة من القيام بوظيفتها دون أن يفرض كفاءته العلمية ولا وجهة نظره لكنه يساعد على :

     - الكشف عن الحواجز والصعوبات ومحاولة تخطيها.

     - إبراز وإثارة مثيرات: تناقضات بينما كان لديه من أفكار والواقع (مواجهة المشكل)، ونزاعات معرفية بينه وبين نفسه وزملائه، ثم قطيعة بينما كان لديه من تمثلات والواقع.

     - ترك التلاميذ يعيشون مراحل التراجع ثم مساعدتهم على القيام بقفزة فكرية لتعيد لهم توازنهم، ويتطابق هذا مع فكرة التوازن ليباجي (Piaget) حيث يقول: “لايتم تطور بنياتنا المعرفية (بناء الكفايات) إلا بتتابع مرحلتي فقدان التوازن وإعادة التوازن”.

- تناقضات

- نزاع فكري

- خلخلة

      إعادة التوازن

وضعية - مشكلة

      توازن بنية معرفية (B)

      تراجع وتخلي

بنية معرفية (A) قفزة فكرية

فقدان التوازن    قطيعة

Piaget     حسب نظرية بياجي

8-  أسئلة للفهم:

1 – بإمكانك الآن تعريف الوضعية –المشكلة-، فما هي؟

2 – اقترح وضعية - مشكلة لحصة من النشاط العلمي من اختيارك، مع اختيار وظعية انطلاق مناسبة.

3 – كيف تدبر أعمال التلاميذ في مادة النشاط العلمي خلال وضعية – مشكلة؟

9 – الاستثمار: أمثلة عن وضعيات –مشكلة

المرجع :فضاء النشاط العلمي كراسة التلميذ، السنة الرابعة ابتدائية.

- لماذا تترك الفواصل بين قضبان السكك الحديدية؟ (ص 30)

- لماذا يصعد السائل في المحرار (ص 31 )

- ملئت زجاجة ذات عنق بسائل ملون، ثم وضعت في صحن به ماء مغلي، نزل السائل الملون في عنق الزجاجة قليلا ثم صعد بعد ذلك إلى مستوى أعلى، فسر ذلك (ص 32).

- للحفاظ على سلامة البيئة، أصبح من اللازم تصفية ومعالجة المياه الملوثة قبل إعادة استعمالها أو طرحها في الأوساط الطبيعية (بحار، أنهار…). فكيف يمكن تصفية هذه المياه؟ وكيف يتم استخلاص المواد المذابة فيها؟ (ص15) من كتاب الواضح في النشاط العلمي، كراسة التلميذ، السنة الخامسة ابتدائية.

بطاقة رقم 2 العنوان: التصورات وبناء المفاهيم

المصطلحات الأساس:

التصورات، تجاوز التصورات

المفهوم، بناء المفهوم العلمي

الفئة المستهدفة:

أساتذة التعليم الابتدائي العرضيون

الغلاف الزمني ساعتان

إعداد الأستاذ الجابري بوجمعة

كثر الحديث مؤخرا في أدبيات ديداكتيك العلوم عن تصورات المتعلمين وأهميتها في بناء المفاهيم العلمية.

ما هي التصورات ؟ ما هو مدلولها ؟ ما هي مرجعيتها ؟ ما فائدة استخراجها ؟ وما هي كيفية تجاوزها ؟

ما هي التصورات ؟

1. ما هو مدلولها ؟

     1.1- لـغـويـا :

     من تصور الشيء، أي مثله حتى كأنه ينظر إليه. تصور الشيء بالشيء تشبيها به. في اللغة الفرنسية التصور: Conception، لفظة مشتقة من فعل لاتيني يعني إحضار الشيء ومثوله أمام العين أو في الخيال بواسطة الرسم أو النحت أو اللغة.

     وحسب Littre التصور هو استحضار الأشخاص أو الأشياء إلى الذاكرة أو إلى الذهن.

     2.1- المعنى السيكولوجي :

     يدل التصور على استحضار موضوع غائب إلى الذهن، موضوع غير واقعي أو يتعذر إدراكه مباشرة ولكن وعيه أو تصوره ذهنيا ممكن.

     والتصور نتاج عملية تفاعل بين المعطى النفسي والمعطى الاجتماعي.

     3.1- في ديداكتيك العلوم (مجال يعنى بتدريس واكتساب المفاهيم العلمية):

     أصبحت كلمة تصورات كثيرة التداول بعد استعارتها من مجالها المعرفي الأصلي (السيكولوجيا).

     تعبر التصورات عن المعطيات المعرفية الشخصية الأولية قبل أي تعليم أو تعلم علمي منظم، وهذه التصورات هي بمثابة أنظمة وظيفية وفعالة يستعملها الشخص لشرح الظواهر الملاحظة، وللإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه. تتميز التصورات بتنوعها وببطء تحولها، الشيء الذي يعرقل، في بعض الأحيان، اكتساب المفاهيم العلمية.

2. ما هي مرجعية التصورات ؟

     1.2- التصورات هي أفكار ضمنية:

     Les conceptions sont des idées sous-jacentes

     مثال: انطلاقا من ملاحظة طفل عمره 10 سنوات يقول أنا لا أحب لحم الخروف لأن طعمه مثل العشب. إن أصل هذه الفكرة وهي أن آكل العشب لا يأكل إلا العشب، ولذلك فإن جسمه مكون من العشب (عدم إدراك مفهوم التفاعلات الكيميائية). وعلى هذا فإن التصور يقابل بنية فكرية ضمنية مرجعها أن الطعام يستعمل لتكوين الجسم… ولذلك فإن الحيوان مكون من المادة التي يأكلها.

     ظهور تصور يعبر بشكل تدريجي عن الحاجز المفاهيمي.

     2.2- التصورات نماذج تفسيرية منظمة بسيطة ومترابطة:

Les conceptions sont des modèles explicatifs organisés simples et cohérents

     عند ملاحظة إنتاج تلميذ عمره 9 سنوات لم يدرس من قبل الأنبوب الهضمي في الفصل، إذ يقول بوجود طريقين للأغذية واحد للأغذية الصلبة والثاني للأغذية السائلة، وهذه الأغذية تفترق عن بعضها نظرا لاحتواء الجيب المركزي للأنبوب الهضمي على مصفاة تسمح بمرور الأغذية السائلة (البول) ولا تسمح بذلك للأغذية الصلبة (البراز).

     إن هذا الطفل عمل على تركيب نموذج تفسير بسيط ومنطقي انطلاقا مما يعرفه من واقعه الخاص ومن حياته اليومية.

     3.2- التصورات لها علاقة بالمستوى المعرفي ومراحل التعلم:

Les conceptions sont en rapport avec le niveau de connaissances et l’histoire des apprenants :

     عند وضع تلاميذ عمرهم 14 سنة أمام ظواهر لا يمكن تفسيرها بشكل مباشر، نجد أن تصوراتهم في غالبيتها تكون مفاجئة، إذ نجد أن 80 في المائة منهم يستعملون التوالد الذاتي للمكروبات. والكل يتصرف وكأن البرد والحرارة هي ظواهر مختلفة.

     4.2- التصورات تتعلق بالمحيط الاجتماعي الثقافي للمتعلم:

Les conceptions dépendent du contexte socio-culturel dans lequel elles sont émises :

     يلعب الوسط الاجتماعي الثقافي للمتعلم دورا هاما في تكوين تصوراته، ويمكن إعطاء أمثلة كثيرة في هذا الاتجاه :

  • يقال إن الطفل الصغير إذا ما أكل كبد الدجاج فسوف يتكون لديه الخوف عند كبره.
  • إذا وضعنا البادنجان تحت التربة فإنه بعد 40 يوما يتحول إلى عقارب…
               ما فائدة استخراج التصورات ؟

الوسائل التقنية

رسوم تخطيطية

  • رسوم
  • استمارة
  • مقابلة شفوية
  • صور شفافة
  • خريطة معرفية
  • التعبير الكتابي

            

لأجل التلميذ

- يعرف أكثر تلامذته

الانطلاق من أسئلة التلاميذ لوضعهم كجماعة الفصل

- الوصول إلى صياغة أولية لمشكل عملي

لأجل الأستاذ

أهميتها

-أداة التنبؤ، الوقاية، التكيف والتقويم.

  • الاختيار الأمثل للأدوات التربوية المناسبة لاجتياز العوائق

-اختيار الأنشطة، والنماذج المقدمة

  • الاختيار الأحسن لمستوى الصياغة
  • توقع الاندماج التدريجي
  • اكتشاف وجود تصورات أخرى غير التي لديه،
  • سماع الآخرين

    –  -الاحترام المتبادل

  • يضع تساؤلات
  • تحفيز لإتباع خطوات البحث
  • التراجع Prendre le recule
  • البرهان
  • يعمل المتعلم على تنمية تطوراته لتكوين مفهوم جديد
  • نقل معرفته

4. كيفية تجاوز التصورات:

     إن التصورات بنيات فكرية انتقالية قابلة للتعديل والتغيير ولكن قد تكون أحيانا حاجزا أمام بناء المفاهيم العلمية.

     ونكون قد أعطينا للتصورات أهمية أكثر إيجابية كلما حرصنا على أن لا نتعامل معها كأفكار خاطئة (يفيد التعرف عليها في التقويم السلبي للطفل) وإنما كأنماط من التفكير تتطور كلما عملنا على إحداث وضعيات تمكن من:

     1. إبراز وإثارة تناقضات ونزاعات معرفية ثم قطيعة فقفزة فكرية.

  • تناقضات: بين ما لديه من أفكار والواقع (مواجهة المشكل).
  • نزاعات معرفية: بينه وبين نفسه وزملائه على ضوء المشكل المطروح.
  • قطيعة بين ما كان لديه من تصورات خاطئة.

     2. ترك التلاميذ يعيشون مراحل التراجع والتخلي عن الأفكار الخائطة ثم مساعدتهم على القيام بقفزة فكرية تعيد لهم توازنهم وذلك بتبني تصور جديد عن المفاهيم المستخدمة.

     هذا البناء يرمي إلى فكرة التوازن لبياجية Piajet حيث يقول لا يتم تطور بنياتنا المعرفية إلا بتتابع المرحلتين “فقدان التوازن – إعادة التوازن”.

- عمل المجموعات (على شكل أنشطة)

- مجهود ذاتي

- مساعدة المدرس

تصور أ

مفهوم أ

تخلي

تصور ب

المفهوم في المرحلة “ب”

قفزة

فكرية

- تناقضات

- نزاع معرفي

- قطيعة

طبقا لنظرية بياجي

توازن

فقدان التوازن

إعادة التوازن

ما هي المفاهيم العلمية ؟

1. مدلولها:

إن الكلام عن المفهوم العلمي يعني:

  • اسم محافظ على نفس المعنى في مختلف أشكاله فمثلا، تبادل الغازات أثناء عملية التنفس (طرح ثاني أكسيد الكربون وأخذ الأكسجين)، له نفس المعنى بالنسبة للحيوانات والنباتات، ويستقر هذا المدلول رغم اختلاف الأجهزة والأعضاء المسؤولة عن عملية التبادل.
  • أداة لإدراك الواقع، وعدة نظريات لشرح الظواهر. فقيمة مفهوم ما مرهونة بمدى وظيفته وإمكانيته في تطوير وتنمية المعرفة.
  • ارتباط المفاهيم فيما بينها لتكون شبكة منسجمة ومنظمة من العلاقات.

2. اكتساب المفاهيم:

     يتم بناء المفاهيم العلمية من قبل المتعلم انطلاقا من الأمثلة، الملاحظات، التجارب التي تتضمنها الأنشطة التعليمية التعلمية والواقع المعيش خارج الإطار المدرسي، غير أن الفضل في تسهيل عملية البناء المعرفي يرجع إلى الأنشطة التركيبية المنظمة من قبل المدرس. وحتى يتم اكتساب المفاهيم أو بالأحرى بناؤها، لابد من:

  • التمييز بين التعبير عن المفهوم والوقائع التي استعملت لبنائه.
  • الاهتمام بالتعميم والتجريد.
  • الاعتماد على البعد التنبئي للمفاهيم وإمكانية تطبيقها في وضعيات جديدة.

     لتوضيح الفرق بين الوقائع والمفاهيم نورد الأمثلة الآتية:

الوقائع المفاهيم

3. الشبكة المفاهيمية:

     يقصد بالشبكة المفاهيمية بناء مفاهيم منتمية لمجال معرفي معين. تتجلى وظيفة الشبكة المفاهيمية في تحليل مادة التخصص قصد إبراز العلاقات، الداخلية والخارجية بين المفاهيم.

* العلاقات الداخلية: هي التي تربط المفاهيم بعضها ببعض.

مثال: اكتساب مفهوم التناسل يتطلب مفهوم البويضة ومفهوم السائل المنوي.

     اكتساب مفهوم المادة يتطلب مفهوم الجسم.

     اكتساب مفهوم التمدد  يتطلب مفهوم الحجم.

* العلاقات الخارجية: هي التي تربط مفهوما معينا بمفاهيم مجاورة.

مثال 1: للتمكن من فهم واسع لمفهوم التناسل لابد من اكتساب مفهوم النوع.

الاحتراق

التنفس

مثال 2:

الحرارة

انخفاض المادة

الطاقة

4. الهالة المفاهيمية:

     تهتم الهالة المفاهيمية بمفاهيم أخرى تنتمي إلى تخصصات مختلفة عكس الشبكة المفاهيمية التي تعنى بالمجال المعرفي الضيق.

     مثال الهضم:

مفاهيم بيولوجية عضو، جهاز، وظيفة (بنية)

الوسط الداخلي، العضلة، الإفراز، النمو، التكيف.

5. التدرج في بناء المفهوم:

     المفهوم له بداية وليست له نهاية، ويجب مراعاة فيه التدرج من السهل إلى الصعب من البسيط إلى المعقد من الملموس إلى المجرد.

     وبناء المفهوم عند المتعلم يتطلب احترام قدراته الفكرية والمهاراتية، لذلك فالمفاهيم لا تبنى دفعة واحدة ولكن وفق تدرج محكم يراعى فيه تطور الطفل السيكولوجي والمعرفي.

مثال: للتدرج اللولبي:

مفهوم التوالد عند الحيوان، مفهوم التنفس عند الإنسان مفهوم الدارة الكهربائية.

البداية        جسم الإنسان ß مجموعة أجهزة

                            جهاز  ß مجموعة أعضاء

                        مجال المفهوم   عضو  ß مجموعة أنسجة

                                                نسيج  ß مجموعة خلايا

6. عوائق اكتساب المفهوم العلمي:

     لكي يتمكن المتعلم من اكتساب المعرفة العلمية على الأستاذ أن يساعده على تجاوز بعض الحواجز التي تصاحب نموه الفكري منها التمركز حول الذات: الاصطناعية، الإحيائية، الغائية، الواقعية، تأثير التجربة الأولى على التلميذ، تأثير التصورات على المتعلم، تأثير اللغة.

أسئلة تقويمية

الموضوع: الحركة عند الإنسان

القسم: السنة الخامسة الابتدائية

نقطة انطلاق دراسة الموضوع: وثيقة تتضمن رسوما تخطيطية أنجزها متعلمون لشرح كيفية ثني وبسط الساعد.

1. ما هي الفوائد البيداغوجية من إنجاز الرسوم التخطيطية بالنسبة للأستاذ ؟

2. ماذا تستخلص من قراءة هذه العينة من رسوم المتعلمين ؟

3. اذكر الأجزاء المتدخلة في ثني الساعد بكيفية إرادية

4. اقترح مقطعا تعلميا يستهدف مقاربة مفهوم المفصل

المتعلم و النهج التجريبي

البطاقة رقم 3

المصطلحات الأساس : أنشطة حل المشاكل – النهج العلمي

الأسلوب البيداغي

                                                                                            

الغلاف الزمني ساعتان

إعداد الأستاذ محمد برشة

إذا كانت المقاربة بالكفايات  نسق تعلمي غايته تكيف و إدماج الفرد في محيطه، فهي مقاربة تتميز فيها أنشطة بناء التعلمات بتعبئة شاملة لما يمتلكه المتعلم من رصيد معرفي و مهاراتي ، و مواقف وقيم و أنماط التفكير. مما يستدعي اعتماد المدرس أنشطة ” حل المشاكل ” لفسح المجال لتفاعل المتعلم مع محيطه تفاعلا بناء ، قوامه المساءلة و البحث و الاستكشاف حسب مساطير التفكير العلمي .

1 – ماهو دور أنشطة حل المشاكل في بناء التعلمات ؟

2 – أي نهج علمي يميز أنشطة حل المشاكل ؟

3 – بم يتميز أسلوب المدرسي خلال أنشطة حل المشاكل ، و ماهي أسس هذا الأسلوب ؟

النشـــاط 1

  

   تعد أنشطة حل المشاكل الإستراتيجية الأنسب في تنمية و تطوير الكفايات

   ( المنهجية،الاستراتيجية ، التواصلية ، التكنولوجية و الثقافية )،إذ تقوم على حل وضعيات مشاكل ذات صلة مثينة بحاجات المتعلم حيث توظف خلالها جملة من الطرائق و التقنيـــات و المسالك ، تؤطرها البنيات الذهنية العليا و التي تدخل ضمن المستويات العليا للتجريــــد و التركيب ، كالتفكير في الأهمية النسبية للمعطيات المكونة للوضعية- المشكلة قصد استخراج العناصر ذات الأهمية القصوى و تهميش تلك التي ليس لها أية أهمية (   العناصر المشوشة  ) و بالتالي إدراك الروابط بين العناصر الأساس بهدف تحديد العلاقات الجدلية بينها و التي تؤدي إلى تفسيرات مؤقتة (فرضيات) يتم إختبارها من طرف المتعلم عبر أنشطة تطبيقية عملية : إنجاز تجارب ،مناولات ، تجميع معطيات و معلومات ذات صلة بالمشكل المطروح … ويمكن لهذه الأنشطة أن تنجز فرديا و جماعيا، كما تتيح الفرصة للأستاذ تعرف تمثــلات التلاميــذ و بالتالي خلق جو تفاعلي بين الأقران ( نزاع اجتماعي- معرفي ) يهدف إلى تنمية التواصل وروح النقد و تجاوز التمثلات و المعتقدات الخاطئة ( عوائق التعلم )

   حلل النص و بين :

               أ – ماهي المسارات الممكنة لتمحيص الفرضيات ؟

                   - وهل هناك مسارات أخرى ؟

               ب- ما الهدف من خلق جو تفاعلي بين الأقران ؟

     ج – كيف تسهم أنشطة حل المشاكل في تنمية الكفايات المنهجية و الاستراتيجية

          والتواصلية و التكنولوجية و الثقافية ؟

النشــاط 2

   تعتبر جل الدراسات و الأبحاث الديداكتيكية في مجال ديداكتيك العلوم النهج التجريبي الاستنباطي O.H.E.R.I.C. ( ملاحظة ، فرضيات ، تجربة ، نتيجة ، تفسير النتيجة ، استنتاج ) متجاوزا نظرا لتراتبية مراحله المتسلسلة ، و كبديل لذلك بينت التجـــارب و الدراسات أن النهج العلمي الذي يؤطر الفعل المعرفي بالمدرسة الابتدائية عليه أن

   ” يسلح المتعلم بأدوات عقلية و منهجية تسمح له بتطويرقدرات التفكير العلمي و اكتساب ثقافة علمية حقيقية بناءة و نقدية عوض ثقافة موسوعة عابرة و محدودة.”1)

   ومما يؤسس لهذا الغرض اعتبار اختلاف القدرات الفكرية للمتعلمين و استبعاد مفهوم

   ” الكائن المعرفي ” أثناء تكوين المجموعات ( على اعتبار أن المجموعة غير متجانسة فكريا ) و تطبيع علاقة المدرس بالمتعلمين بأسلوب بيداغوجي تفاعلي و تحريضي (style interactif et incitatif) .

         أ – كيف يتم تجاوز المنهج التجريبي الاستنباطي ؟

         ب- كيف تتم عملية تطوير القدرات الفكرية للمتعلم نتيجة اكتسابه للنهج العلمي ؟

النشــاط 3

                       

” .. يمكن مقاربة خطوات النهج التجريبي بالمراحل الأولى من التعليم الابتدائي و ذلك

  أو إقتراح مشاكل علمية ( Experiences pour voir) باعتماد ” تجارب للمشاهدة ”

   بسيطة و جزئية قابلة للحل في وقت وجيز كخطوة أولى متبوعة بتفسير منطقي للخطوات  المتبعة ، إما على شكل تقرير أو خطاطة. وفي هذا الإطار ستبدو خطوات النهج التجريبي واضحة للمتعلم . وقد بينت نتائج بعض التجارب أن الأطفال يصبحون قادرين على تخيل تجارب بالاستناد على فرضيات غيرهم .”      

                             

A.W.BARAIS أعمال أنيكول فايل باري      

                   In   «  Les Savants en herbe «                      

1) J.P Astolfi : Compétences Méthodologiques en sciences expérimentales

   رصدت باري BARAIS خلال تجاربها وجود بعض العوائق التي تحيل دون اكتساب المتعلم خطوات النهج التجريبي وصنفتها إلى عوائق منهجية ( يلعب فيها أسلوب المدرس دورا مهما ) وعوائق ترتبط بالمتعلم و اقترحت كبديل بعض التقنيات و الشروط البيداغوجية لتعلم فعال .

1 – موقف المتعلم من التحقق التجريبي

  • - لديه يقينيات أو معتقدات و بالتالي لايرغب في الاختبار التجريبي
  • - عدم التخلي عن السند المادي الملموس الذي يدعم معتقداته لان التخلي يعني الهزيمة .
  • - عدم إعطاء أدلة و التشبت بالرأي .
  • - التحقق التجريبي ليس إلا وسيلة بإقناع الآخر بصدق ما يعتقده .
  • - إّذا ناقضت التجربة مايعتقد صلاحيته ، يشكك في المجرب أو العدة التجريبية بدل التخلي عن الرأي الخاطئ .

2)عدم تكرار التجارب

3) العزل غير المنهجي للعوامل

المتدخلة في الظاهرة

    2)                                                                                         

* اعتباره للتجربة حجة    * عدم القدرة على عزل المتغيرات.

*اعتباره النتيجة مطاقة    * عدم قدرته على التفكير في أكثر من متغير

* عدم الإقناع والاقتناع    * درو المدرس:

* دور المدرس : دفع المتعلم ل :  -  طرح مشاكل بسيطة وقابلة للتجريء.

- تحديد التجربة ومراحلها،  - مساعدة المتعلم على تحديد المتغيرات على أن لا

- تسجيل خطواتها .      تتضمن الظاهرة أكثر من متغيرين.

تقديم النتائج ومناقشتها،

تركيب استنتاجات.

4 الشروط  البيداغوجية

      * زحزحة يقين المتعلم:     * توليد الرغبة في التجريب ( توفير حوافز )

            - التشكيك فيما يقترحه            * مساعدة المتعلم على اكتساب سلوك منهجي:

    •              - اثارة تناقضات من خلال المواجهة  - توفير السند المادي

              مع الواقع والأقران.         - اعتبار المستوى المعرفي للمتعلم،

            - المطالبة بتوضيحات أوتجارب للتوضيح            - - وضع خطاطة لمراحل تجربته…

      • استخرج من هذه الأعمال المواصفات البيداغوجية لأسلوب المدرس في أنشطة حل المشاكل. 

استثمــار

      حلل الوضعية التعلمية الثالية وخطط لأجرة أنشطتها وفق خطوات أنشطة حل المشاكل

- المرجع : فضاء النشاط العلمي

- المستوى : السنة الرابعة

- الموضوع : تغييرات الحالة

- الصفحة : 36

- النشاط المقترح :

            ” أصب كمية ضئيلة من الكحول في صحن وأتركه لفترة، ثم أسجل ملاحظاتي :

  1. ماذا أشم؟:…………………………. وأبين على ماذا يدل ذلك:…………………

    ……………………………………………………………………………..

  1. ماذا يحدث للكحول إذن ؟:………………………………………………………
  2. أستنتج :

                    أ – الكحول……………………أيضا بفعل الحرارة

                    ب- مصدر الحرارة هو………………………….

بطاقة رقم4                   الوسائل التعليمية في النشاط العلمي

يعتمد تدريس مادة النشاط العلمي أساسا على الخبرات الحسية، وذلك باستعمال الوسائل التعليمية، فكيف يتم ذلك؟

- ما هي الوسيلة التعليمية؟

- ما هي أنواعها وأهداف كل نوع؟

- كيف يتم توظيف الوسائل التعليمية في النشاط العلمي؟

- كيف يتم الحفاظ عليها؟

- ماذا تنظمن كل بطاقة تقنية لصناعة وسيلة تعليمية؟

  1. مقدمة :

           لا يمكن تصور منهجية فعالة لتدريس العلوم دون ممارسات ومناولات وتجاريب وأنشطة علمية. فالتعليم المبني على الخبرات الحسية، وخصوصا في التعلين الابتدائي هو التعليم المثمر، الذي يهدف إلى اكتساب ثقنيات ومهارات، وأنشطة البحث والتقصي، وتنمية المواقف المميزة للتفكير العلمي، وتساعد المتعلم في البناء الذاتي لكفايات موضوعية.

     كل ما يساهم ماديا في العملية التعليمية – التعلمية يعتبر وسيلة تعليمية –

– أنواع الوسائل التعليمية، وإعدادها وأهدافها:

أنواع الوسائل أمثلة إعدادها أهدافها

3 – استعمال الوسائل التعلمية:

أ – قبل الحصة:

- تحدد الأهداف المزمع تحقيقها خلال هذه الحصة، والإطلاع على لائحة الوسائل المتوفرة في المدرسة، وتلك التي يمكن الحصول عليها أو توفيرها بمساعدة التلاميذ من البيئة، ثم إعداد كيفية توظيفها وبرمجتها خلال أنشطة الحصة.

- تجري جميع التجارب والمناولات باستعمال الوسائل اللازمة قبل الحصة للتأكد من مدى ملاءمة هذه الوسائل مع الأهداف المسطرة والكفايات المستهدفة، وتفاديا لكل ارتباك أو خطأ في القسم.

ب – أثناء الحصة:

- عدم ترك الطاولات مكتظة بالوسائل، بل تبرز حسب الحاجة إليها.

- تعرف التلاميذ على الوسائل المستعملة قبل توزيعها للمحافظة عليها وعلى سلامتهم، وتوظيفها بشكل جيد وملائم.

- إعطاء التعليمات والتوجيهات قبل توزيع الوسائل على التلاميذ.

- إجراء جميع التجارب والمناولات باستعمال الوسائل من طرف التلاميذ لتحمل مسؤولية اختيارها وترتيبها وتركيبها ثم توظيفها.

ج – بعد الحصة:

تجمع الوسائل المستعملة، وتنظف وتصان من طرف التلاميذ لتحمل مسؤولية المحافظة عليها.

4 – صيانة الوسائل التعليمية:

نظرا لأهمية الوسائل التعليمية وقيمتها وخطورة البعض منها يجب صيانتها وحفظها من التلف والضياع وذلك ب:

  • وضع ملصقات